حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

هجوم على المدن الرئيسية بالإقليم يؤدي إلى قتلى وجرحى ويفاقم أزمة الوقود

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في ولاية شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات وشاحنات وقود مما فاقم أزمة الوقود، وارتفاع أسعار النقل.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقال ثلاثة شهود لـ«الشرق الأوسط» إن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أن المسيّرات تحلق بكثافة فوق الطريق، وأنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود متحركة قرب بلدة أم روابة، ما أدى إلى تدميرها، واندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وفي مدينة الأُبيّض ، الأكبر في إقليم كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في البلاد، قال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات استهدفت، صباح يوم الأحد، أربع محطات وقود داخل المدينة، أثناء تفريغ شحنة وقود، ما أدى لمقتل عدد من المواطنين وإصابة آخرين، فيما ظلت أعمدة الدخان تتصاعد لساعات طويلة فوق أجزاء واسعة من المدينة.

وأفاد شاهد ثالث بأن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وأن قذيفة سقطت على منزل أحد المواطنين، وتسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.

المسيّرات مشهد يومي

أصبحت المسيّرات القتالية جزءاً من المشهد اليومي في الأُبيّض، حيث تواصل التحليق في سماء المدينة، وأجزاء واسعة من كردفان لساعات طويلة، فيما تتكرر الهجمات بصورة شبه منتظمة منذ أكثر من شهر. ويقول السكان إن الشعور السائد لم يعد الخوف وحده، بل الغضب أيضاً، مع ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، واستمرار استهداف المرافق الخدمية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المواطنين.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو «قوات الدعم السريع» بشأن الهجمات الأخيرة، وهما عادة ما يلتزمان الصمت حيال كثير من العمليات العسكرية أو يقدمان روايات متباينة حولها.

ورغم الصمت الرسمي، فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة وصور وتعليقات حول القصف، بينما واصل أنصار كل طرف وصف الهجمات التي شنها بالإنجاز العسكري في تجاهل لمعاناة المدنيين الذين يتحملون تكلفة الحرب.

ولقي الأسبوع الماضي، أكثر من عشرة أشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة يرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

وفاقمت الهجمات الأخيرة أزمة الوقود التي تعاني منها مدينة الأُبيّض، بعد استهداف محطات الوقود والخزانات. وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إن الحصول على الوقود أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى قلة عدد المركبات العامة، وتراجعت حركة النقل بصورة كبيرة، فضلاً عن ارتفاع تكلفته.

التحولات الديمغرافية

صورة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «قوات الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (صورة متداولة - أرشيفية)

وتزداد خطورة هذه الأزمة بسبب التحولات الديمغرافية التي شهدتها مدينة الأُبيّض منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، إذ تحولت إلى ملاذ رئيسي لعشرات الآلاف من الأسر الفارة من المعارك في القرى والمدن المحيطة.

ويقدر سكان محليون أن عدد سكان المدينة تضاعف أكثر من ثلاثة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة والنقل.

وتعد الأُبيّض واحدة من أكثر المدن أهمية في السودان من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، فهي تمثل مركزاً رئيسياً للزراعة والتجارة والنقل، وتُشكل بوابة تربط وسط السودان بغربه، خصوصاً إقليم دارفور.

ومنذ عدة أشهر، تحاصر «قوات الدعم السريع» المدينة من ثلاث جهات، بينما يسيطر الجيش على المدينة والطريق البري الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ولاية النيل الأُبيّض، ما جعلها إحدى أهم نقاط التماس في الحرب المستمرة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن السيطرة على الأُبيّض أو إضعاف قدراتها اللوجستية يمثل هدفاً استراتيجياً لـ«قوات الدعم السريع»؛ نظراً لدورها بوصفها مركزاً للإمدادات والتجارة، وارتباطها بشبكة الطرق التي تربط إقليمي كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، إضافة إلى تمركز أعداد كبيرة من الجيش في تلك المنطقة.

منظومة دفاع جوي

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

يُذكر أن «قوات الدعم السريع» أعلنت في وقت سابق، أنها دمرت منظومة دفاع جوي تركية الصنع مضادة للطائرات المسيّرة كانت تؤمن المدينة، دون تعليق من الجيش، وهو ما عدّه كثير من المراقبين تطوراً خطيراً في معركة السيطرة على الأجواء فوق كردفان.

وتعكس الهجمات المستمرة على الأُبيّض تحولات أوسع سادت الحرب السودانية خلال العامين الأخيرين، إذ بعد أشهر طويلة من المعارك البرية الواسعة التي اتسمت بالسيطرة على المدن والأحياء والتقدم الميداني المباشر، أخذت الحرب تتجه بصورة كبيرة نحو الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

ويقول خبراء عسكريون إن طرفي الحرب يسعيان إلى استنزاف بعضهما بعضاً، عبر استهداف مراكز القيادة والإمداد والبنية التحتية الحيوية، بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات البرية المكلفة بشرياً ولوجستياً.

وخلال السنتين الماضيتين من الحرب، برزت المسيّرات بوصفها سلاحاً رئيسياً في النزاع، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات، أو لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف ثابتة ومتحركة.

ويمتلك طرفا الحرب أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بدءاً من المسيرات الاستطلاعية الصغيرة التي تقوم بتحديد الأهداف، إلى المسيّرات الهجومية القادرة على حمل ذخائر موجهة، وصواريخ أرض جو، وأيضاً المسيّرات الانتحارية التي تهاجم الهدف مباشرة وتنفجر عند الاصطدام به.

تغيير طبيعة الحرب

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض 12 يناير 2026 (رويترز)

وأدى استخدام هذه التقنيات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جوهرية، إذ لم تعد المدن البعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة بمنأى عن العمليات العسكرية، كما أصبحت المنشآت المدنية والبنية التحتية عُرضة للاستهداف بصورة أكبر من أي وقت مضى.

وبينما يتنافس الطرفان على تحقيق مكاسب عسكرية وإعلامية، يجد المدنيون أنفسهم في قلب المواجهة. ويتحدث السكان عن الطائرات التي تحلق فوق رؤوسهم، وأعمدة الدخان التي ترتفع في السماء جراء القصف المتواصل، فضلاً عن أزمات الوقود والمواصلات والخدمات التي تتراجع، والخوف الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

ودعا ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي الجيش لتعزيز دفاعات المدينة وعدم تركها مستباحة لهجمات المسيرات المتكررة، وطالبوا بإجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.

وأبدوا خشيتهم من أن يؤدي استمرار القصف واستهداف الوقود والخدمات الأساسية إلى إضعاف قدرة مدينة الأُبيّض على الصمود، خصوصاً في ظل استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين واعتماد مناطق واسعة من كردفان عليها بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات.

وحذّر الناشطون من أن تلقى المدينة مصيراً مشابهاً لمصير مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» بعد حصار استمر نحو 18 شهراً.

ومع استمرار الهجمات وتراجع المؤشرات على قرب انتهاء الحرب، تزداد المخاوف من أن تتحول مدينة الأُبيّض إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع المستمر في السودان.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

شمال افريقيا أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

اختار أكثر من خمسة ملايين نازح العودة إلى ديارهم في السودان، رغم الحرب الأهلية المستمرة والصعوبات القصوى، وفق ما كشفت الأمم المتحدة، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

جهود لوقف الحرب في السودان

يتصدر ملف السودان تحركات دبلوماسية مكثفة في نيويورك على هامش الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

تصاعد «حرب المُسيَّرات» في السودان تزامناً مع تقدم الجيش بمحور كردفان

أعلن الجيش السوداني إسقاط «مسيرة معادية» في ولاية شمال كردفان، فيما قالت منصات «الدعم السريع» إن مسيراتها هاجمت مدينتي الأبيض وعطبرة.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)

محاكمة ليبيّ أمام «الجنائية الدولية» تُسعِّر الغضب ضد الدبيبة

مناصرو الهيشري من مشايخ وأهالي سوق الجمعة بالعاصمة الليبية يوم الأحد (من مقطع فيديو بثه المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة)
مناصرو الهيشري من مشايخ وأهالي سوق الجمعة بالعاصمة الليبية يوم الأحد (من مقطع فيديو بثه المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة)
TT

محاكمة ليبيّ أمام «الجنائية الدولية» تُسعِّر الغضب ضد الدبيبة

مناصرو الهيشري من مشايخ وأهالي سوق الجمعة بالعاصمة الليبية يوم الأحد (من مقطع فيديو بثه المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة)
مناصرو الهيشري من مشايخ وأهالي سوق الجمعة بالعاصمة الليبية يوم الأحد (من مقطع فيديو بثه المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة)

صعّد مناصرو خالد الهيشري، المدير السابق لأحد السجون في العاصمة الليبية طرابلس والذي يمثل حالياً أمام المحكمة الجنائية الدولية، احتجاجاتهم ضد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، مطالبين النائب العام بالتحرك الفوري لإعادة الهيشري ومحاكمته في البلاد.

ويواجه خالد الهيشري (48 عاماً)، الملقب بـ«ملاك الموت»، 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية يُعتقد أنها ارتُكبت في سجن معيتيقة الذي كان يشرف عليه بطرابلس، بين فبراير (شباط) 2015 ومطلع عام 2020.

الليبي خالد الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (المحكمة الجنائية الدولية)

ووضعت قضية الهيشري، منذ القبض عليه، الدبيبة في «موضع المتهم»، وصب مناوئوه جام الغضب عليه وسط تجاذبات سياسية، بينما رحبت البعثة الأممية للدعم في ليبيا باعتقال الهيشري في ألمانيا في يوليو (تموز) 2025، ونقله إلى مركز احتجاز المحكمة في لاهاي.

وكانت المحكمة الجنائية قد حددت في 14 سبتمبر (أيلول) الحالي تاريخ 4 مايو (أيار) المقبل لمحاكمة الهيشري، ليكون أول ليبي مشتبه فيه يُحاكَم أمام «الجنائية الدولية» في إطار التحقيق الذي فُتح في ليبيا بتفويض من الأمم المتحدة في عام 2011.

واحتشد مناصرون للهيشري، مساء الأحد، قبالة المجلس الاجتماعي لمنطقة سوق الجمعة والنواحي الأربع بالعاصمة طرابلس؛ استنكاراً لمحاكمته، وقالوا إنهم «لن يصمتوا أو يتراجعوا، وسيطرقون الأبواب القانونية كافة، ويسلكون الطرق السلمية لإعادته إلى ليبيا ومحاكمته أمام قضائها؛ ثم العمل على محاسبة كل من تسبب في اعتقاله».

وتكوّن الحشد من مشايخ وشباب من أهالي سوق الجمعة والنواحي الأربع ومكونات طرابلس الكبرى، وتلا أحدهم بياناً عبّر فيه عن الغضب من مثول الهيشري أمام «الجنائية الدولية»، وقال إنه «ليس مجرماً، بل كان من الرجال الذين تقدّموا عندما غابت الدولة، وانتشر الانفلات، وتنادى الشرفاء».

وسبق أن قال مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية إن الهيشري كان معروفاً بأنه «يعذب من دون رحمة»؛ ما دفع المعتقلين لتلقيبه بـ«عزرائيل».

وفي جلسة سابقة عقدتها المحكمة الجنائية في 4 مايو الماضي، ذكر المدعون العامون أن الهيشري كان يشرف على جناح النساء في سجن معيتيقة، الذي كان يديره «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» في ليبيا، مضيفين أن «آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون أساس قانوني في ظروف غير إنسانية، وتعرضوا للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج».

واجهة المحكمة الجنائية الدولية (أ.ب)

ووجّه أهالي سوق الجمعة، معقل «جهاز الردع»، رسالتهم إلى «الرأي العام الليبي والعالمي، وإلى كل حر شريف»، قائلين: «نرفع صوتنا مدوياً بعد طول الصمت، وبعد أن طفح الكيل، لنستنكر وندين بأشد العبارات ما تعرض له ابن طرابلس خالد الهيشري من اعتقال جائر».

وحمّل المحتشدون حكومة الدبيبة «المسؤولية الكاملة» عما وصفوه بـ«التواطؤ في هذا الفعل المشين، وإعطاء الضوء الأخضر للمحكمة الجنائية للقبض على الهيشري، رغم أن ليبيا لم توقع أو تصادق على نظام روما الأساسي». كما حمّلوا الحكومة الألمانية «مسؤولية تسهيل تسليمه «وهي على دراية كاملة بأن الملف سياسي بامتياز».

وسبق وأعربت القاضية ألثيا وندسور، في 14 سبتمبر (أيلول) الجاري، عن رغبتها في أن تكون المحاكمة «عادلة وسريعة... ومن دون أي تأخيرات غير مبررة»، مشيرة إلى أن ست سنوات على الأقل انقضت منذ وقوع الجرائم المزعومة، في حين يطالب ضحايا الهيشري بأن تبدأ محاكمته في أقرب وقت.

ومع ذلك، يرى مناصروه أنه «كان في الصفوف الأمامية لمواجهة الجريمة المنظمة، وتنظيم داعش، وعمليات الخطف والسرقة بالإكراه». وأضافوا في بيانهم: «ما قام به الهيشري ونفتخر به ولا نتراجع عنه هو شرف لا جريمة، وتكريم لا تجريم. كما أن توقيت القبض عليه، بعد الأحداث والمظاهرات التي شهدتها طرابلس في مايو (أيار) 2025، لا يترك مجالاً للشك في أن الملف سياسي».

الدبيبة رئيس «الوحدة» مستقبِلاً كريم خان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

وتشمل لائحة الاتهام الموجهة للهيشري ارتكاب أعمال تعذيب وقتل، والشروع في القتل، والاعتداء الصارخ على الكرامة الشخصية، والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، بالإضافة إلى الاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف ضد المحتجزين.

وفي الجلسة التي عقدت في 4 مايو الماضي، نقل محامي الهيشري نفي موكله جميع التهم الموجهة إليه، مشيراً إلى أنه قدم أيضاً طعناً بمحاكمته على أساس أن قضيته ليست من اختصاص المحكمة، إلا أن الأخيرة أسقطت الطعن.

وزيرة العدل بحكومة «الوحدة» حليمة إبراهيم (المكتب الإعلامي للوزارة)

يُذكَر أن حكومة «الوحدة» أعلنت في 20 يونيو (حزيران) 2024، عبر مراسلة رسمية من وزارة العدل إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، قبولها اختصاص الأخيرة بموجب المادة الـ12 فقرة 3 من نظام روما الأساسي، وهي الفقرة التي تتيح للدول غير الأعضاء إحالة، أو قبول، نظر المحكمة في جرائم تقع على أراضيها.


إلى أي مدى سيصل التصعيد المصري الجديد في نزاع «سد النهضة»؟

وزير الري المصري خلال المؤتمر الصحافي مع المراسلين الأجانب في القاهرة مساء الأحد (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)
وزير الري المصري خلال المؤتمر الصحافي مع المراسلين الأجانب في القاهرة مساء الأحد (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)
TT

إلى أي مدى سيصل التصعيد المصري الجديد في نزاع «سد النهضة»؟

وزير الري المصري خلال المؤتمر الصحافي مع المراسلين الأجانب في القاهرة مساء الأحد (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)
وزير الري المصري خلال المؤتمر الصحافي مع المراسلين الأجانب في القاهرة مساء الأحد (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

استخدمت مصر لهجة حادة جديدة تحمل نذر تصعيد تجاه ملف سد النهضة الإثيوبي، في حين صدرت من أديس أبابا تصريحات اعتبرت مرحلة الحديث عن «قانونيته» قد انتهت ولن تُفتح مجدداً.

اللهجة التصعيدية جاءت خلال مؤتمر صحافي لوزير الري المصري هاني سويلم، مساء الأحد، أمام 80 مراسلاً أجنبياً، وتحمل بحسب تقديرات خبير مصري تلميحاً «قد يصل لحق الدفاع الشرعي الذي تنص عليه المواثيق الدولية» حال فشلت أي مفاوضات مستقبلاً في التوصل لاتفاق قانوني بشأن ملء وتشغيل السد.

وفي المقابل، جاء تأكيد لبرلماني إثيوبي بعدم وجود ضرر من السد وانتهاء مرحلة النقاش حوله.

كل الخيارات «متاحة»

بلهجة غير معتادة خلال مؤتمر صحافي بمقر هيئة الاستعلامات بالقاهرة، أكد سويلم أن السد الإثيوبي «غير شرعي».

وشدد، وفق بيان لوزارة الري المصرية، على أن «مصر دولة سلام قوية، تعلى من القانون الدولي وتعرف متى وكيف يكون رد الفعل المناسب لحماية مصالحها»، مؤكداً أن «مصر تحتفظ بكافة الإجراءات والتدابير التي يكفلها لها القانون الدولي لحماية أمنها المائي وحقوق ومصالح شعبها».

وأكد أن «كل الخيارات المشروعة تظل متاحه أمام الدولة المصرية»، مشدداً على أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل ولن تقبل بأوهام التحكم والسيطرة في تدفقات المياه لدولتى المصب».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

ولفت سويلم إلى أن «اكتمال البناء أو مرور الزمن لا يعنيان قبول مصر بالواقع الذي تم فرضه، ولا يُسقطان موقفها أو حقوقها، ويعطيان مصر الحق في التعامل بالطريقة التي تراها في مصلحتها وفقاً للخيار المناسب لها».

مسألة «حياة أو موت»

هذه اللهجة غير المعتادة من وزير الري المصري الذي تتحمل وزارته مسؤولية الملف الفني في المفاوضات التي تم تجميدها في 2024، يراها خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، «تأتي في توقيت حاسم للرد على الادعاءات الإثيوبية والحملات السياسية والإعلامية الممنهجة التي تقودها أديس أبابا ضد القاهرة في ملف السد، واستمرار استخدامها لملف مياه النيل ورقة ضغط سياسي لتحقيق مكاسب خاصة».

ويعتقد البحيري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التصعيد سيصل إلى ما تؤكده مصر من حقها في الدفاع عن أمنها القومي المرتبط بمياه نهر النيل؛ لأن مياه نهر النيل بالنسبة لمصر «هي أزمة وجودية ومسألة حياة أو موت»، على أن يكون ذلك بأي صورة تراها القيادة السياسية مناسبة للحفاظ على هذه الحقوق وللدفاع عن أمنها القومي.

وفي إثيوبيا، أفادت وكالة الأنباء الرسمية في تقرير، الاثنين، بأن «ملف نهر النيل يحتل مكانة بارزة في الخطاب العام في إثيوبيا»، ونقلت عن الوزير ومستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا، غيتاشيو ردا، انتقاداً لما أسماه «محاولات مصر المستمرة لفرض سيطرة حصرية على النيل».

هل من مجال للتفاوض؟

وقال البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لسنا الآن في مرحلة غير قانوني ولا قانوني (بالنسبة للسد)، تجاوزنا تلك المرحلة وهذه ثرواتنا وبلادنا ولنا حق أن نبني عليها سدوداً، ونحن لم نلحق بالقاهرة أي ضرر لا في السابق ولن يكون في المستقبل وهذا أمر راسخ».

وأكد أنه «لا خيار لنا إلا خيار التفاوض والتفاهم والجلوس على الطاولة وحل هذه المشاكل بطرق سلمية لأن أي طريق آخر سيضر المنطقة بأكملها».

جانب من الحضور في مؤتمر وزير الري المصري بالقاهرة مساء الأحد (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

بدوره يرى البحيري أن تكثيف إثيوبيا أحاديثها عن النيل ومصر محاولة لبث ادعاءات للتغطية على تحركاتها الأخرى المتعلقة بمحاولة الوصول إلى البحر الأحمر، خاصة وهي دولة حبيسة منذ انفصالها عن إريتريا في التسعينات ولا تملك قانوناً حق النفاذ لمنفذ بحري.

ويستغرب البحيري حديث أديس أبابا عن غلق ملف السد وبالوقت ذاته تتمسك بالمفاوضات، كما سبق أن رفضت إطار واشنطن في الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب. ورجح ألا تكون هناك مفاوضات مع إثيوبيا على الأقل في الأجل القريب بسبب التعنت الإثيوبي في الاستجابة للمطالب المصرية الخاصة بالتوصل لاتفاق قانوني يحفظ حقوق مصر في فترات الجفاف والجفاف الشديد.

وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً، ثم تقرر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الرئيس الموريتاني يأمل في حوار وطني يصل لإجماع واسع

الرئيس الموريتاني خلال إلقاء كلمة أمام سكان مدينة أطار بشمال البلاد يوم الأحد (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني خلال إلقاء كلمة أمام سكان مدينة أطار بشمال البلاد يوم الأحد (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يأمل في حوار وطني يصل لإجماع واسع

الرئيس الموريتاني خلال إلقاء كلمة أمام سكان مدينة أطار بشمال البلاد يوم الأحد (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني خلال إلقاء كلمة أمام سكان مدينة أطار بشمال البلاد يوم الأحد (الرئاسة)

أعرب الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، عن أمله في أن يسهم الحوار الوطني المرتقب في غضون أسابيع في الوصول إلى «إجماع واسع» حول أبرز قضايا البلاد، داعياً إلى «تغليب المصلحة العامة والتحلي بالمرونة والمسؤولية».

وخلال زيارة قام بها، الأحد، لولاية آدرار بشمال البلاد، ألقى خطاباً أمام مئات المواطنين تناول الوضع الاقتصادي والتنموي في الولاية، التي قال إنه استثمر فيها 40 مليار أوقية قديمة، أي ما يعادل قرابة 100 مليون دولار، منذ وصوله إلى الحكم قبل 7 سنوات.

وقال: «جئتُ لأستمع إليكم وأطَّلع منكم على أوضاع ولايتكم، وأقف على المشكلات المطروحة والأولويات التي تتوجب علينا معالجتها في القريب العاجل»، معلناً أنه خصص 12 مليار أوقية قديمة لإطلاق 26 ورشة عمل في الولايات، تشمل مجالات التعليم، والصحة، والماء، والكهرباء، وفك العزلة.

وأضاف: «سيتم ربط مدينة أطار (عاصمة الولاية) بالشبكة الكهربائية الوطنية قبل نهاية العام الحالي، مع استمرار الدراسات لاستكشاف حلول مستدامة لمشكلة المياه في ولاية آدرار».

الرئيس الموريتاني يُحيّي أهالي مدينة أطار بشمال البلاد يوم الأحد (الرئاسة)

وتخشى المعارضة الموريتانية أن تكون لدى ولد الغزواني (69 عاماً) نية لتعديل الدستور من أجل البقاء في الحكم.

«أي موريتانيا نريد؟»

ومحمد ولد الشيخ الغزواني جنرال متقاعد في الجيش يحكم موريتانيا منذ فوزه بانتخابات 2019، وأعيد انتخابه عام 2024 لولاية رئاسية هي الثانية والأخيرة بموجب الدستور الحالي للبلاد، وتنتهي عام 2029.

وخلال خطابه في مدينة أطار، أعاد التذكير بسؤال طرحه المختار ولد داده، أول رئيس لموريتانيا، في خطاب بالمدينة نفسها عام 1957، أي قبل استقلال البلاد بثلاث سنوات، حين سأل عن «موريتانيا التي نريدها كموريتانيين».

وقال ولد الغزواني إنه منذ عهد الرئيس المؤسس المختار ولد داداه: «تعرضت موريتانيا لهزات عنيفة خرجت منها أقوى، كما أن ظروفها تبدلت، وتضاعف عدد سكانها، وصارت غالبيتهم شباباً أكثر تكويناً وتعليماً وانفتاحاً وتطلعاً، كما شهدت تحولاً حضرياً هائلاً، وتطورت المؤسسات، وتوسعت حاجات المجتمع، وارتفع سقف الطموح».

وأضاف: «رغم كل هذه التحولات ظل السؤال جوهرياً... يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: هل تكفي المنظومة المؤسسية التي أنشئت في الماضي، والتي لا نزال نعمل بها، للاستجابة للحاجات الراهنة للدولة والمجتمع؟».

وتساءل: «ماذا ينبغي لنا تطويره في المنظومة المؤسسية حتى تظل الدولة قادرة على تعزيز وحدتها الوطنية ولحمتها الاجتماعية، وترسيخ دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، لتحقيق طموحات أبنائها في النماء، والعدل، والإنصاف، والكرامة، والازدهار؟».

فرصة الحوار

وعبر الرئيس عن أمله في أن يفضي الحوار الوطني المرتقب في تقديم إجابات على هذه الأسئلة، وقال: «أملي كبير في أن يوفق الحوار الوطني الشامل الذي سينعقد قريباً في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية، بصيغة تسهم في تعزيز العقد الوطني».

جانب من الحاضرين خلال إلقاء الرئيس الموريتاني خطاباً أمام سكان مدينة أطار بشمال البلاد يوم الأحد (الرئاسة)

وأضاف: «لا أعني بذلك تعريف الوطن، ولا المساس بأسسه ولا مبادئ الجمهورية، ولا أعني المساس بهويته الثقافية والحضارية؛ ما أعنيه هو الخروج من هذا الحوار بأشياء تقوي لحمة المجتمع، وتعزز رباط المواطنة، وترسخ العدل والإنصاف، وتجعل مؤسساته أكثر قدرته وقوة وانسجاماً وفاعلية وقدرة على التكيف مع مستجدات الواقع الوطني في هذه المدة».

وخلص إلى التأكيد على أن الحوار المرتقب «يجب أن يكون حواراً شاملاً وجاداً، ولا يعترف بأي محظورات، ولا بأي توجيهات وإملاءات من أي جهة كانت، حتى تأتي مخرجاته من رحم مداولاته حصراً، حتى يكون تعبيراً صادقاً عما نريده لبلدنا جميعاً».

وشدد على أن «الشعوب التي لا تُسائل مساراتها، ولا تستفيد من أخطاء الماضي، ولا تُراجع استراتيجياتها، ولا تحاول استشراف مستقبلها، هذه شعوب في الغالب هي الأقل قدرة على الصمود والتكيف والبقاء»، وأضاف: «لا نريد لشعبنا أن يكون كذلك».