هل تنجح وصفة «الحوار المهيكل» في توحيد الجيش الليبي؟

بعد اقتراح إحياء لجنة تضم عسكريين من الشرق والغرب

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
TT

هل تنجح وصفة «الحوار المهيكل» في توحيد الجيش الليبي؟

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)

أطل ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد الليبي مجدداً، عبر مقترح إحياء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» وتوسيع صلاحياتها، في إطار توصيات ما يُعرف بـ«الحوار المهيكل»، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة، وسط استمرار الانقسام العسكري بين طرابلس وبنغازي.

وأوصى الحوار في تقريره النهائي، الصادر الأحد الماضي، بتوسيع مهام اللجنة لتتولى قيادة مسار توحيد الجيش الليبي، بعد جمود نسبي أصاب عملها، رغم دورها الأساسي في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار عقب حرب العاصمة طرابلس (2019 - 2020).

مقر اللجنة العسكرية الليبية المشتركة في سرت (اللجنة)

وحتى الآن، لم تصدر اللجنة أي تعليق رسمي على هذه التوصيات، علماً بأنها لم تعقد اجتماعات دورية منتظمة منذ آخر اجتماع لها مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) العام الماضي، واقتصر نشاطها على اتصالات ولقاءات متفرقة، مما أثار التساؤلات عن فرص نجاحها وجدوى إعادة إحيائها.

وفي هذا السياق، ذكر مصدر عسكري في طرابلس، فضل عدم ذكر اسمه، أن مقترح توسيع صلاحيات اللجنة «قابل للنقاش، وقد يحظى بالقبول أو الرفض»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن فرص تنفيذه ترتبط بمدى توفر توافق إقليمي ودولي داعم لمسار توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب ضغط واضح من مجلس الأمن الدولي.

وتعود نشأة لجنة «5+5» إلى مخرجات مؤتمر برلين عام 2020، باعتبارها آلية أممية تضم ممثلين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، بهدف إدارة المسار العسكري بعد الحرب. إلا أن زخمها تراجع تدريجياً، خصوصاً بعد اجتماع عقد في القاهرة مطلع عام 2025، ما أعاد التساؤلات حول جدوى إعادة تفعيلها في ظل الانقسام السياسي والعسكري القائم.

نائب وزير الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر خلال حضورهما مناورة فلينتلوك بمدينة سرت الليبية أبريل الماضي (السفارة الأميركية)

وبحسب خلاصات «الحوار المهيكل»، فقد برز توجه واضح نحو الاعتماد على لجنة «5+5» باعتبارها أداة مركزية في ملف توحيد الجيش، مع مقترح منحها صلاحيات أوسع تتجاوز دورها التقليدي المرتبط بوقف إطلاق النار، لتشمل الإشراف على إعادة تنظيم وإدماج التشكيلات المسلحة على أسس مهنية، ومعالجة الاختلالات القانونية والتنظيمية داخل المؤسسة العسكرية، إضافة إلى وضع وتنفيذ خطط لإعادة الهيكلة والإصلاح.

كما أوصى المشاركون بإنشاء لجان فرعية متخصصة لمتابعة تنفيذ هذه الإصلاحات، مع توسيع المشاركة المجتمعية لتشمل مؤسسات المجتمع المدني والمرأة، والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.

غير أن هذه التوصيات أعادت إلى السطح تساؤلات قديمة بشأن قدرة اللجنة على الانتقال من دورها التوافقي المحدود إلى قيادة مشروع معقد، يتعلق بتوحيد جيش منقسم، في ظل استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وتعدد التشكيلات المسلحة، إلى جانب وجود قوات أجنبية ومرتزقة على الأرض الليبية.

ويرى مدير المركز الليبي للدراسات والأبحاث الأمنية، أشرف بوفردة، أن «إعادة إحياء لجنة (5+5) لن تحقق نتائج مختلفة عن السابق ما لم تتوافر بيئة سياسية وأمنية داعمة»، مشدداً على أن «نجاحها مرتبط بتوفر دعم دولي وإقليمي حقيقي، وإرادة سياسية وعسكرية لدى الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي».

جانب من اجتماع سابق للجنة العسكرية الليبية المشتركة في أغسطس 2024 (البعثة الأممية)

وذهب بوفردة إلى الاعتقاد بأن اللجنة تحتاج إلى صلاحيات واضحة وأدوات تنفيذية فعالة، بدل الاكتفاء بدور تنسيقي أو استشاري محدود التأثير، مؤكداً أن غياب هذه الأدوات سيبقي أثرها محدوداً، مهما توسعت مهامها على الورق.

ورغم نجاح اللجنة في تثبيت وقف إطلاق النار، والحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي منذ نهاية حرب طرابلس، فإنها لم تحقق تقدماً ملموساً في الملفات الجوهرية، وعلى رأسها توحيد المؤسسة العسكرية، ودمج التشكيلات المسلحة وإنهاء الوجود الأجنبي.

ويشير بوفردة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن اللجنة أُنشئت في ظرف محدد، وأدت مهمتها الأساسية بنجاح نسبي، وهي تثبيت وقف إطلاق النار، لكن محاولات توسيع مهامها لاحقاً اصطدمت بتعقيدات سياسية وعسكرية كبيرة. كما يعزو تعثر مسار التوحيد إلى «إشكالية بنيوية» داخل المنظومتين العسكريتين في الشرق والغرب، سواء من حيث هياكل القيادة أو التسلسل الهرمي، أو العقيدة القتالية.

على صعيد متصل، يبرز بقوة الدور الأميركي المتزايد في هذا الملف، خصوصاً بعد المناورة العسكرية «فلينتلوك»، التي رعتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في مدينة سرت خلال أبريل الماضي، بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها. وأسفرت تلك المناورات عن تشكيل لجنة مشتركة ليبية جديدة باسم «3+3»، عقدت اجتماعاً لبحث ترتيبات نسخة أخرى من «فلينتلوك» العام المقبل.

ويرى المحلل العسكري الليبي، محمد الترهوني، أن الحديث عن صيغ مثل «5+5» أو «3+3»، رغم أهميتها، لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، غياب آليات حاسمة لتفكيك نفوذ الميليشيات في غرب البلاد، إضافة إلى وجود تيارات متشددة، تعرقل أي تقدم في مسار التوحيد.

ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين؛ الأولى حكومة «الوحدة» في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية حكومة مكلفة من مجلس النواب في بنغازي برئاسة أسامة حماد، وهو انقسام ينعكس بشكل مباشر على فرص توحيد المؤسسة العسكرية.

ويشير مراقبون إلى أن توحيد الجيش الليبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء الانقسام السياسي أولاً، وهو ما دفع «الحوار المهيكل» إلى التوصية بتوحيد السلطة التنفيذية، عبر حكومة انتقالية لمدة 24 شهراً باعتبارها مدخلاً أساسياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وهنا يعتقد عضو الحوار المهيكل، أشرف بودوارة، أن «توحيد الجيش لا يمكن أن يتحقق بقرارات إدارية أو أمنية فقط، بل يحتاج إلى مظلة سياسية مستقرة ومؤسسات موحدة»، مشدداً على أن «تقدم المسار السياسي سيعزز فرص توحيد المؤسسة العسكرية».

وقال بودوارة لـ«الشرق الأوسط» إن «نجاح أي مسار لتوحيد السلطة التنفيذية وبناء الثقة بين الأطراف، وتوفير بيئة سياسية مستقرة، من شأنه تسريع جهود توحيد الجيش، بينما سيبقي استمرار الانقسام السياسي هذا الملف معلقاً أمام عقبات كبيرة».

وانتهى بودوارة بالتأكيد على أن الحديث عن حسم ملف توحيد المؤسسة العسكرية لا يزال مبكراً، لكنه يرى أن أي تقدم في مسار توحيد السلطة السياسية يمثل «بارقة أمل» يمكن البناء عليها لتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء الانقسام العسكري.


مقالات ذات صلة

ليبيا: احتفال «التبو» بـ«اليوم الوطني» يعيد التوترات إلى الكفرة

شمال افريقيا اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)

ليبيا: احتفال «التبو» بـ«اليوم الوطني» يعيد التوترات إلى الكفرة

أطلت توترات قبلية برأسها في مدينة الكفرة، جنوب شرقي ليبيا أخيراً، على خلفية خلافات بين قبيلتَي «الزوي» و«التبو»، إثر الترويج لاحتفال «يوم الثقافة التباوية».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة أمس الخميس (المركز الإعلامي لصالح)

عَودة صالح وتكالة للحوار... خلط جديد لأوراق الأزمة الليبية

في تحرك وصف بأنه يعيد خلط أوراق الأزمة الليبية، جاء اتفاق رئيسي «النواب» و«الدولة»، عقيلة صالح ومحمد تكالة، ليرسم ملامح مرحلة يرى فيها البعض «مناورة سياسية».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا مشروع عمارات الجبل في درنة شرق ليبيا (صندوق التنمية والإعمار في شرق ليبيا)

3 أعوام على «دانيال»... درنة الليبية تتعافى وأسر ما زالت تنتظر حقوقها

بين تسارع وتيرة الإعمار وبلوغها مستويات متقدمة، واستمرار وجع الملفات العالقة؛ تمضي درنة الليبية في استعادة عافيتها وسط مطالبات متجددة بالتعويض الشامل والعدالة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين خلال لقائه في أنقرة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (إعلام تركي)

ليبيا: «النواب» و«الأعلى للدولة» يتفقان على استئناف اجتماعات «6+6» في تركيا

اتفق رئيسا مجلسي النواب والأعلى للدولة في ليبيا، على استئناف اجتماعات لجنة «6+6» خلال الأيام المقبلة في تركيا؛ بهدف استكمال مهامها المتعلقة بالقوانين الانتخابية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا جانب من عملية إنقاذ المهاجرين قبالة زوارة الليبية أغسطس الماضي (الإدارة العاملة لأمن السواحل بغرب ليبيا)

لماذا يصر خفر السواحل الليبي على إعادة «المهاجرين» من البحر؟

جددت «أطباء بلا حدود» اتهاماتها لخفر السواحل الليبي بالإعادة القسرية للمهاجرين، وسط شكوك متزايدة حول دوافع تمسّك السلطات بتكثيف الاعتراض بالبحر.

جمال جوهر (القاهرة)

ليبيا: احتفال «التبو» بـ«اليوم الوطني» يعيد التوترات إلى الكفرة

اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)
اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)
TT

ليبيا: احتفال «التبو» بـ«اليوم الوطني» يعيد التوترات إلى الكفرة

اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)
اجتماع لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح مع قيادات وشخصيات قبلية (المنبر الإعلامي لقبيلة «الزوي»)

أطلت توترات قبلية برأسها في مدينة الكفرة، جنوب شرقي ليبيا أخيراً، على خلفية خلافات بين قبيلتَي «الزوي» و«التبو»، إثر الترويج لتنظيم احتفال بمناسبة «اليوم الوطني للثقافة التباوية» في المدينة، في مشهد أعاد إلى الواجهة ذكريات صراع مسلح دامٍ لأشهر بين الطرفين قبل نحو 11 عاماً.

ويربط الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، رئيس «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان»، التوترات الحالية في الكفرة بسياق أوسع، عادّاً أنه نتج عن «تراكمات متوارثة منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في عام 2011، في ظلِّ ضعف حضور الدولة، وما ترتب على ذلك من توترات اجتماعية ومشكلات على الحدود، وتدفقات للمهاجرين وتغيرات في التركيبة السكانية»، بحسب تصريح لـ«الشرق الأوسط».

ولم تشهد الكفرة، منذ انتهاء النزاع المسلح بين «الزوي» و«التبو» قبل 11 عاماً، تسوية اجتماعية نهائية تنهي تداعياته بصورة كاملة. وقد أسفر القتال، الذي اندلع وقتها في الكفرة ومحيطها، وانتهى في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، عن مقتل وإصابة العشرات، قبل أن تنجح وساطة قادها قادة قبليون وبرلمانيون في التَّوصُّل إلى وقف للقتال.

لكن قبل أيام، عاد التوتر بين القبيلتين إلى الواجهة، مع إعلان سكان من مكون التبو تنظيم «اليوم الوطني للثقافة التباوية» في 15 سبتمبر (أيلول) داخل المدينة، بمشاركة الناشط والشخصية الاجتماعية باباي إنكازي التباوي. وهو ما أثار اعتراض أوساط من قبيلة الزوي، التي عدّت استقباله في الكفرة استفزازاً، في ظلِّ توترات سابقة بين الجانبين، بحسب مصدر محلي تحدَّث إلى «الشرق الأوسط»، مفضِّلاً عدم ذكر اسمه لحساسية الموقف.

وتصاعد الخلاف عقب تداول مقطع مصور عبر صفحات تواصل ليبية وإعلام محلي، الجمعة، لرئيس «المجلس الاجتماعي لقبيلة الزوي»، السنوسي الحليق، خلال اجتماع مع رئيس البرلمان عقيلة صالح، وقادة قبليين، انتقد فيه إقامة مهرجان للتبو في الكفرة، عادّاً أن تنظيمه «لا يراعي مشاعر قبيلة الزوي»، في ظلِّ عدم التَّوصُّل إلى مصالحة نهائية بين الطرفين.

وحذَّر الحليق من تداعيات «عدم استقرار الجنوب الشرقي»، مستشهداً بتقارير تتحدث عن انتشار ملايين من قطع السلاح خارج سلطة الدولة، قبل أن ينتقد قرار حكومة أسامة حماد اعتماد مخطط لبلدية ربيانة، وتخصيص 4500 قطعة أرض فيها، متهماً السلطات بالسماح باستقرار أعداد من التبو القادمين من تشاد والنيجر في المنطقة، واصفاً ذلك بأنه «توطين علني وصريح».

وفي محاولة لاحتواء تداعيات تصريحاته، أوضح القيادي القبلي أن حديثه لا يشمل التبو الليبيين، قائلاً: «أيدينا دائماً ممدودة للتبو الليبيين، فهم إخوتنا في الوطن، لكن حديثنا عن غير الليبيين».

وأثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة في أوساط اجتماعية تابعة للتبو، مساء الجمعة، عدَّت وصف القادمين من تشاد والنيجر بـ«معبّدة» (عبيد) إساءةً مرفوضةً، ورأت فيه خطاباً يحمل دلالات عنصرية وتحريضية.

اجتماع رئيس وأعضاء مجلس شيوخ وأعيان التبو بليبيا في يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

ووجّه «التجمع الوطني التباوي» خطاباً إلى عقيلة صالح، عدَّ فيه صدور التصريحات خلال لقاء بحضوره «أمراً بالغ الخطورة»، محذِّراً من أنَّ مثل هذا الخطاب قد يهدِّد السلم الأهلي، ويفتح الباب أمام توترات على أساس الهوية والانتماء العرقي. وطالب التَّجمُّع صالح بتوضيح موقفه الشخصي وموقف مجلس النواب من التصريحات، وإدانة أي تهديد يستهدف التبو في مختلف أنحاء ليبيا.

كما عبَّر مشايخ وأعيان وشباب من «التبو» عن رفضهم لما وصفوه بـ«الإساءة، والخطاب العنصري» بحق مكونهم، مطالبين الحليق بتقديم اعتذار. وحذَّروا، في بيان، من أنَّ خطاب التحقير والتمييز يمكن أن يزيد الاحتقان، ويمس النسيج الاجتماعي، داعين عقلاء قبيلة الزوي إلى المساهمة في احتواء الموقف.

وتكتسب الكفرة حساسيةً خاصةً في المشهد الليبي، بحكم موقعها في أقصى الجنوب الشرقي قرب الحدود مع مصر والسودان وتشاد، فضلاً عن تركيبتها الاجتماعية المتنوعة، وتداخل الاعتبارات القبلية والحدودية فيها.

وتضم المدينة مجموعتَين اجتماعيَّتين رئيسيَّتين من العرب والتبو. وفي ظلِّ غياب إحصاء سكاني رسمي حديث، تشير تقديرات بحثية سابقة أوردها «تشاتام هاوس» إلى أنَّ عدد العرب في الكفرة، ومن بينهم «الزوي»، كان نحو 55 ألف نسمة، مقابل أقل من 10 آلاف من «التبو»، وهي أرقام لا تعكس بالضرورة الوضع الديموغرافي الحالي.

وفي محاولة لاحتواء التوتر، دعا عضو المجلس الأعلى للدولة، موسى فرج، إلى عدم تحويل الخلافات الناجمة عن مواقف فردية إلى صراع اجتماعي، مؤكداً أصالة القبيلة في المجتمع الليبي، مع ضرورة بقاء دورها اجتماعياً وأخلاقياً دون أن تحل محل الدولة والمواطنة، بحسب منشور عبر «فيسبوك».

أما عضوة الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، رانيا الصيد، فقد ذكّرت بأن الليبيين توحدوا خلال مقاومة الغزو الإيطالي، بعيداً عن الانتماءات القبلية والمناطقية، مؤكدة أن القبيلة كانت آنذاك «خندقاً للذود عن الوطن وليست سوراً للتقسيم»، في إشارة إلى أهمية الوحدة الوطنية.

وتُعدُّ الكفرة أبرز مراكز قبيلة «الزوي» في جنوب شرقي ليبيا، مع حضور تاريخي لها في أجدابيا ومناطق أخرى من برقة والداخل الصحراوي. أما «التبو»، فهم مجموعة إثنية صحراوية عابرة للحدود، تنتشر في جنوب ليبيا وشمال تشاد والنيجر، ولها حضور بارز في الكفرة ومحيطها.

ومع عودة التوترات القبلية، يرى رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومشايخ فزان أنَّ القيادة العامة للجيش الوطني، التي تسيطر على شرق ليبيا وأجزاء واسعة من جنوبها، تحاول التعامل بهدوء مع مثل هذه التوترات، بما يحفظ السلم الاجتماعي، لكنه يرى أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي لإنهاء أسبابها.

ويخلص إلى أن الحلَّ الأكثر استدامة يظلُّ مرتبطاً بعودة الاستقرار إلى مؤسسات الدولة، وتعزيز حضورها على الحدود وفي المدن الجنوبية، بما يحد من قدرة الخلافات القبلية والحدودية على التحول إلى أزمات أمنية واجتماعية جديدة.


مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
TT

مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)

لقي مصري وسودانيان مصرعهم إثر غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» بالقرب من سواحل البحر المتوسط بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، السبت، فيما تم إنقاذ 27 آخرين، بينهم 7 مصابين.

وتلقت السلطات المصرية، السبت، إخطاراً بوقوع حادث غرق بالقرب من سواحل الإسكندرية، وبانتقال قوات الإنقاذ النهري إلى موقع البلاغ، تبين غرق مركب هجرة غير شرعية يُقل نحو 30 شخصاً، ونجحت سفينة شحن كانت في طريقها إلى ميناء الإسكندرية في انتشالهم، وفقاً لما نشرته صحف محلية.

وجرى التحفظ على الناجين بواسطة الجهات الأمنية، وتحرر محضر إداري بالواقعة، وجارٍ العرض على النيابة المختصة؛ لتباشر التحقيق، حسب مصدر أمني تحدث لوسائل إعلام محلية.

وأشار بيان صادر عن جهات التحقيق، إلى أن النيابة العامة كلّفت الجهات الأمنية بإجراء التحريات اللازمة للوقوف على تفاصيل الواقعة وملابساتها، وخط سير المركب، ونقطة انطلاقه ووجهته، فيما توجه فريق من النيابة إلى المستشفى لسؤال المصابين، وجرى ندب مفتش الصحة لتوقيع الكشف الطبي على جثث المتوفين.

تأتي الواقعة في ظل استمرار مخاطر رحلات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، التي تعتمد في بعض الحالات على قوارب تفتقر إلى مقومات السلامة وتحمل أعداداً كبيرة من الأشخاص، مما يزيد من مخاطر انقلابها أو غرقها خلال الرحلة.

وتشير تقديرات نشرها النائب أيمن محسب عضو مجلس النواب المصري، في شهر مايو (أيار) الماضي إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين من 709 حالات عام 2018 إلى 21753 حالة عام 2022، بما وضع مصر ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، واستند في ذلك الحين إلى إحصاءات دولية.

ورصدت التقارير أيضاً استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر مصري غير نظامي، مع بقاء المصريين خلال عامي 2024 و2025 ضمن أكثر ثلاث جنسيات تدفقاً عبر مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا واليونان، وفق ما ذكره محسب آنذاك.

وكثفت السلطات المصرية خلال السنوات الماضية جهودها لمكافحة تهريب المهاجرين وتأمين السواحل والحد من انطلاق هذه الرحلات.


المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

تتجه العلاقات الاقتصادية والصناعية بين موريتانيا والمغرب إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، مع الإعلان في الدار البيضاء عن مشروع لإنشاء منطقة صناعية مشتركة تمتد على مساحة 800 هكتار، في خطوة وُصفت بأنها تستهدف إقامة أكبر منطقة صناعية من نوعها في القارة الأفريقية.

وجاء الإعلان على هامش الدورة الرابعة عشرة للمعرض الدولي لتكنولوجيات الإنتاج والصناعات الميكانيكية والمعدنية والإلكتروميكانيكية «SISTEP IMME 2026»، الذي افتتح يوم الأربعاء بالمعرض الدولي بالدار البيضاء «OFEC»، تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، ويستمر إلى غاية يوم السبت، بمشاركة أكثر من 6500 زائر مهني وشركات ووفود دولية، من بينها موريتانيا والصين وإيطاليا.

وقال الشيخ سيدي محمد ولد أحمدو، المدير العام للصناعة بوزارة المناجم والصناعة الموريتانية، إن العمل جارٍ على إنشاء المنطقة الصناعية المشتركة، مشيراً إلى أن الشركات المغربية ستكون لها الأولوية في إقامة مشروعات داخلها، مع تمتعها بالحقوق نفسها الممنوحة للشركات الموريتانية، وألا تصنف استثماراتها في المنطقة على أنها استثمارات أجنبية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار العمل المشترك الجاري بين موريتانيا والمغرب على إنشاء منطقة صناعية مشتركة.

وأضاف ولد أحمدو أن المنطقة ستوفر، حسب المشروع، صلة مباشرة بالأسواق الأوروبية عبر المغرب؛ حيث وصف المنطقة الصناعية المزمع إنشاؤها بأنها ستكون «الأكبر في أفريقيا»، من دون أن يذكر تفاصيل عن موعد إنشائها، أو حجم الاستثمارات المرتبطة بها.

من جهته، قال عبد الحميد الصويري، رئيس «الفيدرالية المغربية للصناعات الميكانيكية والمعدنية والإلكتروميكانيكية»، إن المباحثات مع الجانب الموريتاني تناولت أيضاً إنشاء شركات مشتركة، وتهيئة المنطقة الصناعية بما يدعم الشركات في دخول الأسواق الأفريقية، خصوصاً في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

وتحل موريتانيا ضيف شرف على هذه الدورة، التي خصصت يوماً للتعاون الصناعي بين البلدين تحت شعار: «المغرب - موريتانيا: من التكامل الصناعي إلى المشروعات المشتركة»، مع التركيز على بناء سلاسل قيمة مشتركة في مجالات الصناعة والتعدين والطاقة، بما يخدم طموحات البلدين في الولوج إلى الأسواق الأفريقية.