من «واكا واكا» إلى «داي داي»... بين شاكيرا والمونديال عقد غناء حصريّ؟

TT

من «واكا واكا» إلى «داي داي»... بين شاكيرا والمونديال عقد غناء حصريّ؟

شاكيرا في إطلالة كأس العالم 2026 حيث تقدّم الأغنية الرسمية (إنستغرام)
شاكيرا في إطلالة كأس العالم 2026 حيث تقدّم الأغنية الرسمية (إنستغرام)

وكأنّ الـ«فيفا» أيقن ألَّا غِنى عن شاكيرا في كأس العالم، فها هو الاتحاد الدولي لكرة القدم يُعيد المغنّية الكولومبية اللبنانية الأصل إلى مدى الملاعب، ليصدح صوتها بالأغنية الرسمية لمونديال 2026.

بعد غيابِ 12 سنة عن الحدث الرياضي العالمي واحتجابها عن «مونديالَي» روسيا 2018 وقطر 2022، عادت النجمة العالمية لتقدّم «داي داي» بالاشتراك مع المغنّي النيجيري «بورنا بوي». ولا تتوقف مساهمتها الفنية في كأس العالم الـ23 عند هذا الحدّ، فهي تتصدّر قائمة النجوم الذين سيختتمون البطولة الكُرويّة. إذ تُطلّ شاكيرا في استراحة الشوط الأول من المباراة الختامية في 19 يوليو (تموز)، إلى جانب كلٍ من الفنانة الأميركية مادونا وفريق «بي تي إس» الكوري الجنوبي، بالاشتراك مع شخصيات من «عالم سمسم». مع العلم بأنّ عرضَ الاستراحة هو الأول من نوعه في تاريخ كأس العالم، ويتولّى إعداده مغنّي فريق «كولدبلاي» كريس مارتن.

شاكيرا في كأس العالم منذ 20 سنة

ترجع العلاقة بين شاكيرا وكأس العالم إلى عام 2006، يوم حضرت إلى ألمانيا لإحياء الحفل الختامي، فقدّمت حينها نسخة خاصة من أغنيتها الشهيرة «Hips Don’t Lie». وقد تفاعل الجمهور بحماسةٍ كبيرة معها فأدركَ المنظّمون أنّ طاقتها تتناسب ومزاج المونديال، مما دفعهم إلى دعوتها من جديد في الموسم التالي.

وللموسم التالي حكايةٌ أخرى خطّت نقطةَ تحوّل في تاريخ كأس العالم. ففي تلك السنة، دوَّت صرخة شاكيرا الأسطوريّة «واكا واكا» جاعلةً منها هدّافة المونديال من بين زملائها الفنانين. حدثَ ذلك في مونديال جنوب أفريقيا 2010 حيث تحوَّلت شاكيرا إلى المغنية الرسمية لكأس العالم مُطلقةً أشهر أغاني الحدث الكُرويّ.

قدّمت شاكيرا أغنية «واكا واكا» في كأس العالم 2010 (أ.ب)

«واكا واكا»... ظاهرة كأس العالم

تحوّلت «واكا واكا» التي كتبتها شاكيرا بالتعاون مع المنتج الموسيقي الأميركي جون هيل، إلى نشيد كأس العالم من دون منازع وإلى ظاهرة موسيقية عابرة للقارات. فكلّما عاد المونديال، عادت إيقاعاتها ولازمتها إلى الأذهان والحناجر وتصدّرت منصات البث الموسيقي، وكأنّها أغنية كل المواسم الكُرويّة.

«تسامينا مينا إيه إيه... واكا واكا إيه إيه»، بكلماتها الغريبة ولحنِها الحيويّ الراقص أثَّرت الأغنية بالجماهير حول العالم. دمجت بين الإنجليزية والإسبانية والأفريقية، وجمعَ الفيديو الخاص بها أبرز وجوه كرة القدم أمثال ليونيل ميسي وجيرارد بيكيه، الذي تحوَّل لاحقاً إلى شريك شاكيرا ووالد ابنَيها لتصبح العلاقة بينها وبين كرة القدم شخصية وليس فنية فحسب.

شاكيرا وأبو ولدَيها جيرارد بيكيه عام 2015 (أ.ف.ب)

لا تزال «واكا واكا» التي قدّمتها شاكيرا في حفلَي الافتتاح والختام عام 2010 تُقيَّم على أنها الأغنية الأكثر نجاحاً وجماهيريةً في تاريخ كأس العالم، وقد شوهدَ الفيديو الخاص بها 4.5 مليار مرة على «يوتيوب»، مما يجعلها ثامن أكثر الفيديوهات الموسيقية مشاهدةً في تاريخ المنصة.

«لا لا لا» ومونديال 2014

تَجدّد الموعد مع شاكيرا في كأس العالم في البرازيل عام 2014. قدّمت حينها «لا لا لا» التي كانت جزءاً من الألبوم الرسمي للمونديال من دون أن تكون الأغنية الرسمية. لم تُحقّق نجاح «واكا واكا»، لكن يمكن القول إنها استطاعت منافسة الأغنية الرسمية والتي أدّاها حينذاك «بيتبول» وجنيفر لوبيز.

بعودة شاكيرا إلى كأس العالم هذه السنة لتقدّم للمرة الثانية أغنية الحدَث الرسمية، تصبح بذلك أكثر مغنية شاركت في المونديال. لم ينافسها أحد من زملائها حتى الآن على تقديم أغنيتَين رسميتَين للحدث العالمي.

فما الذي يجعل شاكيرا فنانة كأس العالم الأولى وما سبب العلاقة الوطيدة بينها وبين الـ«فيفا»؟

الرقص واللغات وتعليم الأطفال

لا شكّ في أنّ النجاح المدوّي لـ«واكا واكا» قبل 16 عاماً، لعب دوراً محوَرياً في وقوع الخيار مجدداً على شاكيرا. الشعبية الجارفة للأغنية وتبنّي الجمهور لـ«لا لا لا» عام 2014 رفعا السقف بالنسبة إلى الـ«فيفا»، فصار اختيار الأغاني والفنانين جوهرياً في رحلة المونديال، على المستوى الشعبي والتجاري والفني.

إلى جانب ذلك، برعت شاكيرا من خلال أدائها الحماسي واحترافها الرقص وتنقّلها السلس بين اللغتَين الإنجليزية والإسبانية، في مخاطبة شرائح واسعة من الجماهير حول العالم، بغَضّ النظر عن اهتمامهم برياضة كُرة القدم. فأغانيها كانت كفيلة باجتذاب أعداد إضافية من الناس إلى متابعة الحدث.

على مستوى خياراتها الموسيقية، تتلاقى إيقاعات شاكيرا الشعبية اللاتينية مع ثقافة كرة القدم، وهي موسيقى تتماهى معها الغالبيّة بدءاً بأميركا الجنوبية والولايات المتحدة، مروراً بأوروبا والعالم العربي، وليس انتهاءً بأفريقيا والشرق الأقصى.

من الأسباب الإضافية التي جعلت خيار الـ«فيفا» يقع على شاكيرا لأداء أغاني كأس العالم على مَرّ السنوات، هو أنّ قضاياها الإنسانية تتلاقى وقضايا الاتحاد الدولي لكرة القدم. غالباً ما كررت المغنية أنها أمضت حياتها وهي تصنع الموسيقى وتبني المدارس، في إشارةٍ إلى دعمها تعليم الأطفال الأكثر حرماناً.

منذ سنوات تبنّت شاكيرا قضية تعليم الأطفال الأكثر حرماناً (أ.ف.ب)

كما سابقاتها، فإنّ عائدات أغنية «داي داي» ستُخصّص لدعم «صندوق فيفا العالمي للمواطَنة التعليميّة»، والذي يهدف إلى جمع مائة مليون دولار بحلول نهاية كأس العالم، بهدف توفير فرص التعليم وممارسة كرة القدم للأطفال في المجتمعات المحرومة.

أغاني من ذاكرة كأس العالم

بدأ تقليد أغاني كأس العالم مع ولادة الحدث الكُروي العالمي عام 1930 في أوروغواي، لكنها حينذاك لم تكن رسمية ولا برعاية الـ«فيفا». كان يغنّيها فنانون محليون وبلغة البلد المضيف.

ليس سوى في عام 1990 حتى وُضع هذا التقليد تحت جناح الاتحاد الدولي لكرة القدم متخذاً طابعاً عالمياً. وصارت القاعدة تنصّ على أن ترافق كل كأس عالم مجموعة من الأغاني تؤلّف ألبوماً موسيقياً، وتتصدّرها الأغنية الرسمية. وغالباً ما تفوّقت الأغاني الترويجيّة غير الرسمية على الأناشيد المعتمدة.

من بين الأعمال الموسيقية التي علقت في أذهان جمهور المونديال، إضافةً إلى «واكا واكا»، تبقى «لا كوبا ديلا فيدا» لريكي مارتن هي الأبرز، وقد خُصّصت لكأس عالم فرنسا 1998.

تُضاف إليها أعمال موسيقية غير رسمية مثل معزوفة «Carnaval de Paris» لداريو جي عام 1998، و«Love Generation» لبوب سنكلار من كأس عالم ألمانيا 2006، و«Wavin’ Flag» في جنوب أفريقيا 2010. من الأغاني التي رسخت في ذاكرة المونديال كذلك، «Magic in the Air» في البرازيل 2014.


مقالات ذات صلة

اتحادات في دول الشمال تسعى لمحادثات مع اليويفا بشأن مخاوف حوكمة الفيفا

رياضة عالمية مخاوف كبيرة لدى اتحادات دول الشمال من إدارة فيفا للحوكمة (رويترز)

اتحادات في دول الشمال تسعى لمحادثات مع اليويفا بشأن مخاوف حوكمة الفيفا

أوضحت المصادر لرويترز أن الخطاب حمل توقيعات رئيس الاتحاد الفنلندي آري لاهتي والدنمركي يسبر مولر والسويدي سيمون أستروم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية النجم الغابوني المخضرم بيير إيمريك أوباميانغ (رويترز)

أوباميانغ يرفض العودة إلى منتخب الغابون بعد تعرضه لـ«الإهانة وتشويه السمعة»

قال النجم الغابوني المخضرم بيير إيمريك أوباميانغ إنه لا يرغب في تمثيل منتخب بلاده مجدداً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
بروفايل دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

بروفايل ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

قصة الفتى الذي رَوّض المستديرة، من منديل برشلونة الورقي إلى معانقة الذهب في الدوحة، مسيرة ملحمية لساحر أرجنتيني تربع على عرش كرة القدم بـ8 كرات ذهبية.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية نجم منتخب إسبانيا لامين يامال (رويترز)

الكشف عن خطة المغرب لإقناع لامين يامال بتمثيل «أسود الأطلس» بدلاً من إسبانيا

كشف وليد الركراكي، المدرب السابق للمنتخب المغربي بين عامي 2022 و2026، تفاصيل المحاولات التي قام بها المغرب لإقناع لامين يامال بتمثيل «أسود الأطلس».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية مارك أندري تير شتيغن (إ.ب.أ)

تير شتيغن يكشف عن حديثه مع كلوب بشأن الانضمام إلى المنتخب الألماني

قال مارك أندري تير شتيغن، حارس مرمى أياكس الهولندي، إنه تحدث مع يورغن كلوب، المدير الفني الجديد للمنتخب الألماني، موضحاً أنها كانت محادثة مثمرة.

«الشرق الأوسط» (برلين)

هل تشيخ أعضاء الجسم البشري بالسرعة نفسها؟

العمر لا يترك توقيعه في مكان واحد (غيتي)
العمر لا يترك توقيعه في مكان واحد (غيتي)
TT

هل تشيخ أعضاء الجسم البشري بالسرعة نفسها؟

العمر لا يترك توقيعه في مكان واحد (غيتي)
العمر لا يترك توقيعه في مكان واحد (غيتي)

يقول خبراء إنّ عمر الإنسان المدوّن في شهادة الميلاد ليس سوى جزء بسيط من قصة الشيخوخة، إذ أثبتت دراسة علمية أُجريت في النمسا أنّ أعضاء الجسم المختلفة، مثل الرئة والكلى والبنكرياس والمخّ، تتقدَّم في العمر بوتيرة متفاوتة، وأنّ الذكاء الاصطناعي بات قادراً على رصد بعض التغيرات المرتبطة بالشيخوخة من خلال عيّنات مجهرية من الأنسجة البشرية.

وطوَّر فريق بحثي من مركز بحوث طبّ الجزيئات التابع لأكاديمية العلوم النمساوية (سيم)، ومعهد لودفيغ بولتزمان للعلوم الطبية التابع لجامعة فيينا، منظومة تعمل بالذكاء الاصطناعي أطلق عليها اسم «ساعة الأنسجة»، يمكن من خلالها تقدير العمر البيولوجي لأعضاء الجسم استناداً إلى صور خاصة بعلم الأنسجة. ووجدوا، من خلال فحص أكثر من 25 ألف صورة تشمل عيّنات من 40 نوعاً مختلفاً من أنسجة الجسم، أنّ الأعضاء البشرية لا تتقدَّم في العمر بالوتيرة نفسها، وأنه يمكن متابعة وتيرة الشيخوخة من خلال عيّنات الدم.

ويرى الباحثون أن هذه الدراسة، التي نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «نيتشر ميديسن» العلمية المتخصّصة في العلوم الطبية، يمكن أن تسهم في التشخيص المبكر لبعض الأمراض وعلاجها.

ولاستخلاص هذه النتائج العلمية، جمع رئيس فريق الدراسة أندري رينديرو والمجموعة البحثية المُشاركة معه بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وإحدى أكبر مجموعات الأنسجة البشرية في العالم. وكانت الدراسات السابقة الخاصة بالشيخوخة البيولوجية تركز على التغيرات التي تحدث في الأنسجة على مستوى الجزيئات، مثل تغيّرات الحمض النووي والبصمة الجينية، لكن الدراسة الجديدة تُضيء بشكل أساسي على البنية الفيزيائية للأنسجة، وما إذا كانت تحتوي على سجل يسمح بتحديد عمر أعضاء الجسم المختلفة.

واستخدم الباحثون بيانات من مشروع التعبير الجيني للأنسجة «جي تي إي إكس»، الذي يحتوي على عيّنات من 983 شخصاً تخصّ 40 نوعاً مختلفاً من الأنسجة، مثل المخّ والقلب والرئتين والبنكرياس والجلد والأمعاء. وفي إطار الدراسة، حُوّلت هذه العيّنات إلى صور رقمية عالية الجودة تكشف التركيب المجهري لكلّ عضو.

وبشكل مجمل، حلّل الباحثون 25712 صورة مختلفة، تمثّل نحو 480 مليون مقطع مربع من الصور الرقمية للعيّنات الفردية المختلفة، باستخدام نماذج تصوير حوسبية فائقة التقدّم.

الذكاء الاصطناعي يقرأ العمر بلا شهادة ميلاد (صورة مركّبة/ غيتي - إ.ب.أ)

ورغم أنّ النماذج الحوسبية المستخدمة في الدراسة لم تكن مدرّبة على تحديد عامل السنّ في العيّنات محل التجربة، تبيّن أنّ السنّ أهم عامل مؤثر في شكل الأنسجة بمختلف الأعضاء التي خضعت للفحص. واستخدم الباحثون النتائج التي توصّلوا إليها لاستنباط ما أطلقوا عليه اسم «ساعة الأنسجة»، التي يمكنها تحديد العمر البيولوجي لكلّ عضو بشري على حدة، اعتماداً على شكله تحت المجهر.

ويرى الباحثون أنّ نسبة الخطأ في التنبّؤ بعمر النسيج البشري لا تتجاوز 4.9 سنوات في المتوسط، وأنّ هذه التقنية تحقق نتائج أفضل من الدراسات التي تعتمد على فحص الحمض النووي وسيلةً لتحديد عمر النسيج البشري. كما يمكن تحديد العمر التقديري للأنسجة من خلال عوامل عدّة، مثل طول التيلوميرات (وهي الجزء الطرفي في نهاية الكروموسومات)، والتغيّرات المرضية في الأنسجة، فضلاً عن عدد الأمراض المزمنة التي يعانيها كلّ شخص.

ويقول الباحث أندري رينديرو للموقع الإلكتروني «سايتيك ديلي» المتخصّص في البحوث العلمية، إنّ «الأنسجة البشرية تحتوي على سجل مفصل بشكل مثير للدهشة لعملية الشيخوخة»، مضيفاً أنه «من الممكن، عن طريق الجمع بين صور الأنسجة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، رصد أنماط لعملية الشيخوخة البيولوجية بالعين المجرّدة، مع البدء في فهم كيفية تطوّر الشيخوخة في أجزاء الجسم المختلفة».

وأظهرت النتائج وجود مسارات مختلفة لتقدُّم العمر لكل نوع من الأنسجة الحية، إذ يبدأ تسارع الشيخوخة لدى بعض الأعضاء، مثل الرئة والكلى والبنكرياس وغدة الأدرينالين، في مرحلة مبكرة من العمر، بين 20 و40 عاماً، في حين تتسارع الشيخوخة في أعضاء أخرى في مراحل لاحقة.

وكشفت التجربة أيضاً عن أنّ تسارُع شيخوخة بعض الأعضاء قد يقترن ببعض الحالات المرضية أو التغيّرات الفسيولوجية، مثل الفشل الكلوي بالنسبة للكلى، أو انقطاع الطمث بالنسبة للرحم، أو السكري في حالة البنكرياس.

وعمد الفريق البحثي أيضاً إلى محاولة تحديد عمر بعض الأعضاء البشرية عن طريق عيّنات الدم، إذ قارن الباحثون التعبير الجيني المعتمد على عيّنات الدم بالأعمار التي قيست من خلال فحص صور الأنسجة الحيّة لدى الأشخاص أنفسهم، ثم استخدموا نتائج المقارنة لوضع مؤشّرات لقياس العمر البيولوجي للأعضاء بواسطة عيّنات الدم فقط.

واستطاعت المؤشّرات التنبؤية القائمة على الدم تحديد أعمار الأنسجة لدى مرضى يعانون بعض الأمراض، مثل الزهايمر والتليفات الكيسية والتهابات الأوعية الدموية والسكري. ويقول الباحثون إنّ أكبر مؤشّرات الشيخوخة ظهرت، على سبيل المثال، في أنسجة المخّ.

ويرى الباحث يمين تشينج، أحد المشاركين في الدراسة، أن «هذا البحث يُضيء على أنّ الشيخوخة لا تتعلق ببساطة بعامل الزمن، وأنّ أعضاء الجسم تشيخ بوتيرة مختلفة، وهذه العملية تتشكّل فيما يبدو عن طريق عوامل تخصّ الجسم بشكل عام، وأخرى تخصّ كلّ عضو على حدة، وأنه من الممكن في المستقبل ابتكار أشكال جديدة من الاختبارات أو التحاليل الطبية لا تتطلب قدراً كبيراً من التدخُّل، من أجل متابعة الحالة الصحية لبعض الأعضاء أو رصد معدلات تقدم بعض الأمراض عن طريق عيّنات الدم وحدها».


كيف تجعل الناس يرغبون في الاستماع إليك؟

تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار (بيكساباي)
تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار (بيكساباي)
TT

كيف تجعل الناس يرغبون في الاستماع إليك؟

تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار (بيكساباي)
تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار (بيكساباي)

عادة ما يُدرَس مفهوم «الحضور القيادي» بطريقة تجمع بين دروس التمثيل وفنون الإتيكيت: ارتدِ ملابس مناسبة، قف منتصب القامة، أظهر ثقة بالنفس، تواصل بصرياً مباشراً، وتحدث بنبرة هادئة. الفكرة الأساسية هي أنه إذا تعلمتَ أن تبدو وتتصرف كقائد من نوع معين، فسيعاملك الناس كذلك.

ويقول جون بو، المدرب التنفيذي في مجال التواصل وصحافي أميركي حائز على جوائز، ومؤلف كتاب «لدي ما أقوله: إتقان فن الخطابة في عصر الانفصال». وقد أسهم في مجلة نيويوركر، ومجلة نيويورك تايمز، والعديد من المنشورات الأخرى، وتوصل إلى أنه بعد سنوات من تدريب المديرين التنفيذيين على التواصل الفعال، يوافق على أن الملابس الأنيقة والوقفة الجيدة مفيدتان بلا شك، لكنهما لا تُساعدانك حقاً على قيادة الأفراد أو الشركات، وذلك لما ذكره في تقرير لشبكة «سي إن بي سي» الأميركية.

وقال بو: «تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار، عادة من خلال ما تقوله وكيف تقوله. يميل الأشخاص الذين نعتبرهم ذوي سلطة إلى معرفة ما يجب قوله قبل غيرهم. يبدو أنهم ينقلون معاني أكثر بكلمات أقل، وينظمون الأفكار المعقدة بطرق بسيطة، والأهم من ذلك، يعرفون متى يتوقفون عن الكلام».

هذه العادات تجعل الناس يرغبون في الاستماع إليك. ولحسن الحظ، فهي ليست مرتبطة بالشخصية، بل هي مهارات يُمكن اكتسابها. إليك أهم نقطتين للبدء:

1- قلّل الكلام

تخيّل أن أحدهم سأل، في غرفة مليئة بالزملاء: «هل سيكون التقرير جاهزاً يوم الثلاثاء؟» قارن بين هاتين الإجابتين:

«حسناً، أعني، أعتقد أنه من المفترض أن يكون جاهزاً بحلول ذلك الوقت، ما زلنا ننتظر بعض الأرقام من الفريق المالي، ولكن بناءً على ما سيحدث هناك - بافتراض أننا سنحصل عليها صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من يوم الاثنين قبل الساعة الثالثة، فحينها نعم، نأمل أن يكون جاهزاً يوم الثلاثاء».

«نعم، سيكون جاهزاً يوم الثلاثاء».

ويقول بو: «كلما ارتفع المنصب، كانت الإجابات أقصر». وغالباً ما يكون لدى الموظفين الجدد ثقة زائدة بأنفسهم، وقلة إدراك أن جمهورهم لا يرغب في سماعهم يفكرون بصوت عالٍ أو إثبات ذكائهم. الإسهاب في الشرح من أسرع الطرق لإضعاف سلطتك.

لذا، فإن الخطوة الأولى المهمة نحو حضور قيادي قوي هي التخلص من الكلمات والعبارات الزائدة التي تعوقك. وإليك بعض أنواع الإطالة اللفظية الشائعة، والتي يُنصح بالبدء في حذفها من خطابك:

الكلمات الحشو مثل «همم» و«كما تعلم» تُرهق آذان جمهورك وعقولهم دون أن تُضيف شيئاً لفهمهم. الكلمات المُخففة هي كلمات أو عبارات تُضعف الجملة دون تغيير مضمونها، مثل «أعتقد» و«ربما» و«نوعاً ما» و«أردت فقط أن أقول بسرعة...»، و«إذا كان هذا واضحاً». العبارات الركيكة أو الكلمات الزائدة تُشتت الانتباه. استبدل «نحو ستة أو سبعة» واستخدم «سبعة»، واستبدل مثلاً «بافتراض أننا سنستلمها بحلول صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من يوم الاثنين قبل الساعة الثالثة مساءً» واستخدم «إذا تسلمناها بحلول الساعة الثالثة مساءً يوم الاثنين»، لأن المصطلحات المُعقدة تُشتت انتباه جمهورك وتجعل كلامك أكثر صعوبة في الفهم. استخدم دائماً (لاحظ أنني لم أقل «استغل») أبسط المصطلحات وأكثرها مباشرة.

إنّ الشرح الزائد غير الضروري، والعمليات، والسياق، والإجابات التي تتجاوز نطاق السؤال، تُشوش أفكارك بمعلومات غير ضرورية، وغالباً ما تكون غير مفيدة.

2- ابدأ بالإجابة

يكمن السر في أن تبدأ كل إجابة، بالإجابة نفسها. عندما يُسأل عن موعد إطلاق المشروع، ابدأ بـ«يوم الثلاثاء». إذا سُئل عما إذا كنت تؤيد المقترح، ابدأ بـ«نعم». إذا سُئل عما حدث لعملية الاستحواذ، ابدأ بـ«قررنا عدم المضي قدماً». ثم اشرح السبب، مُقدماً من ثلاث إلى خمس نقاط داعمة.

على سبيل المثال، يمكنك القول: «قررنا عدم المضي قدماً لثلاثة أسباب. أولاً، تغيرت الظروف الاقتصادية. ثانياً، اكتشفنا مشكلة تنظيمية أثناء عملية التدقيق. ثالثاً، نعتقد أن هناك استخداماً أفضل لرأس المال».

تبدو الإجابة موثوقة لأن التفكير مُنظم، وعادة يُكوّن الناس أحكاماً على المتحدثين بسرعة ملحوظة. إذا لم يعرفوا وجهتك في غضون ثوانٍ، فقد يفقدون تركيزهم ويبدأون بالتساؤل عما إذا كنت تعرف ما تتحدث عنه. لكن إذا قدمت الإجابة أولاً، فمن المرجح أن يستمر الناس في الاستماع.

من البديهي أن ليس كل سؤال يُجاب عنه بإجابة نمطية جاهزة؛ فلا ترغب في التبسيط المفرط أو إظهار يقين زائف. الهدف هو التمييز بين المعلومات التي يحتاج إليها جمهورك والمعلومات التي تعرفها أنت.

وكلما تعلمت التحدث بلغة موجزة وواضحة، وتدربت على تقديم إجاباتك أولاً، سهُل عليك التوقف عن الإطالة، والتخلص من عاداتك الكلامية السيئة، وتقديم ردود تبدو مقصودة وسهلة الفهم - حتى عندما يكون الموضوع معقداً.

على الأرجح ستصبح أقل توتراً وأكثر ثقة. في مرحلة ما، لن تحتاج إلى التظاهر بالسلطة أو إظهارها. ستكون لديك هذه السلطة بالفعل.


لماذا نتردد في استعادة التواصل مع أصدقاء قدامى؟

قد تكون الرغبة في استعادة التواصل أيضاً وسيلة غير مباشرة للعودة إلى الذات الأصغر سناً (بكسلز)
قد تكون الرغبة في استعادة التواصل أيضاً وسيلة غير مباشرة للعودة إلى الذات الأصغر سناً (بكسلز)
TT

لماذا نتردد في استعادة التواصل مع أصدقاء قدامى؟

قد تكون الرغبة في استعادة التواصل أيضاً وسيلة غير مباشرة للعودة إلى الذات الأصغر سناً (بكسلز)
قد تكون الرغبة في استعادة التواصل أيضاً وسيلة غير مباشرة للعودة إلى الذات الأصغر سناً (بكسلز)

مع التقدم في العمر، قد يزداد اهتمام الأشخاص بمن عرفوهم في مراحل سابقة من حياتهم. فخلال سنوات الشباب ومنتصف العمر، ينشغل كثيرون بمسيرتهم المهنية والعائلية والتخطيط للمستقبل، ولا يجدون وقتاً أو اهتماماً كبيراً للتفكير في الماضي.

لكن مع تباطؤ وتيرة الحياة في مراحل عمرية لاحقة، قد يبدأ البعض بالتساؤل عما حلّ بالأصدقاء والأشخاص الذين عرفوهم في شبابهم. وقد جعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي العثور على هؤلاء وإعادة التواصل معهم أكثر سهولة من أي وقت مضى.

وفي كثير من الحالات، يمكن أن تكون استعادة التواصل تجربة ممتعة ومُرضية للطرفين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصداقات قديمة انتهت بفعل ظروف الحياة وليس بسبب خلافات.

لكن فكرة التواصل مع أصدقاء من الماضي قد تثير أيضاً قدراً من التردد. وهنا قد يكون من المفيد، قبل إحياء علاقة قديمة، التفكير في الدافع الحقيقي وراء الرغبة في العودة إليها.

لماذا نرغب في استعادة صداقات قديمة؟

قد تكون هناك أسباب عدة ومتداخلة تدفع الشخص إلى التواصل مع أصدقاء قدامى:

1- الاطمئنان إلى شخص كان مهماً في الماضي.

أحياناً تنبع الرغبة في إعادة التواصل من مجرد الفضول لمعرفة ما حلّ بشخص كان ذات يوم مهماً جداً، وكانت تربطه بالشخص مشاعر مودة حقيقية. وقد يكون الدافع ببساطة الاطمئنان إلى أنه سعيد وأن حياته سارت على ما يرام.

2- استعادة الصلة بالذات الأصغر سناً.

قد تكون الرغبة في استعادة التواصل أيضاً وسيلة غير مباشرة للعودة إلى الذات الأصغر سناً. فمع التقدم في العمر، تتغير الملامح والقدرات الجسدية، وقد يجد الشخص نفسه محاطاً بأشخاص لم يعرفوه إلا في منتصف العمر أو في مرحلة متقدمة منه.

وهنا يمكن لأصدقاء الماضي أن يشكلوا صلة بالشخص الذي كانه الفرد في شبابه. فالحديث مع أشخاص عرفوه في تلك المرحلة واستعادة الذكريات المشتركة قد ينعشان صوراً لأوقات كانت أكثر إثارة وأملاً، ويمكن لهذه الروابط أن تمنح الطرفين شعوراً متجدداً بالحيوية، ولو على المدى القصير.

3- تقييم مسار الحياة.

هناك أيضاً تفسير نفسي لهذه الرغبة. فقد اقترح عالم النفس إريك إريكسون أن الإنسان يمر خلال حياته بثماني مراحل من التطور النفسي، تضع كل واحدة منها الفرد أمام أزمة أو صراع نفسي يتعين عليه تجاوزه بطريقة صحية.

وبالنسبة إلى كبار السن، أي من تجاوزوا 65 عاماً وفق إريكسون، تتمحور المرحلة الأخيرة حول الصراع بين ما سماه «تكامل الأنا» و«اليأس».

في هذه المرحلة، يميل الإنسان إلى تأمل حياته وتقييم المسار الذي قطعه. هل يشعر بالإنجاز والرضا والحكمة والسلام؟ أم يسيطر عليه الندم وخيبة الأمل؟ وهل حقق في حياته ما يراه ذا معنى، أم يشعر بأنه أهدر فرصاً أو خذل أشخاصاً مهمين، سواء كانوا شركاء حياة أو أبناء أو أصدقاء أو والدين؟

وقد تساعد إعادة التواصل مع زملاء الدراسة القدامى وأصدقاء الطفولة في هذه المراجعة. فهم غالباً في العمر نفسه، وانطلقوا من مراحل متقاربة، ولذلك يمكن أن يشكلوا نقطة مرجعية لتقييم المسار الذي اتخذته حياة كل شخص.

ومن خلال مقارنة الظروف الحالية والإنجازات المهنية ومستويات السعادة بما وصل إليه الأصدقاء القدامى، قد يتمكن الفرد من تكوين صورة أوضح عن موقعه اليوم والمسار الذي سلكته حياته.

ولا تستبعد هذه الدوافع بعضها بعضاً. ففي كثير من الحالات، قد تجتمع الأسباب الثلاثة بدرجات متفاوتة: الرغبة في الاطمئنان إلى صديق قديم، والحنين إلى الذات الأصغر سناً، والحاجة إلى تقييم المسار الذي اتخذته الحياة.

هل تنطوي استعادة الصداقات القديمة على مخاطر؟

رغم الجوانب الإيجابية المحتملة، هناك أمور ينبغي أخذها في الاعتبار قبل التواصل مع أصدقاء قدامى.

فإذا انتهت العلاقة قبل سنوات طويلة في ظروف سيئة، فقد يكون اللقاء مجدداً سلاحاً ذا حدين. فمن ناحية، قد يتيح فرصة للاعتذار وإصلاح العلاقة وتجاوز خلافات قديمة. لكن من ناحية أخرى، قد يؤدي إلى إعادة فتح جروح واستحضار أحداث مؤلمة، وربما ينتهي الأمر بالطرفين إلى الشعور بحال أسوأ مما لو لم تحدث محاولة التواصل أساساً.

وحتى إذا تلاشت الصداقة القديمة بصورة طبيعية وفي ظروف جيدة، فإن استعادتها لا تخلو من التحديات. فقد يكون الطرفان أصبحا شخصين مختلفين تماماً عما كانا عليه في السابق، وربما باتت قضايا لم تكن مهمة في مرحلة الشباب ذات أهمية كبيرة اليوم.

وقد يظهر ذلك، على سبيل المثال، في الاختلافات السياسية والاجتماعية. فقد يكتشف صديقان كانا شديدي الانسجام في شبابهما أنهما أصبحا بعد عقود على طرفي نقيض في قضايا أساسية، وهو ما قد يجعل استعادة العلاقة أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

كما ينبغي توخي الحذر عند التواصل مع صديق قديم معروف بأنه مرَّ بظروف صعبة، خصوصاً إذا كانت حياة الطرف الآخر تبدو، من الخارج على الأقل، سعيدة وناجحة للغاية.

فحتى عندما تكون النيات صادقة وحسنة، قد تُفسَّر محاولة إعادة التواصل بطريقة مختلفة. وقد يرى فيها الصديق القديم نوعاً من التباهي بالنجاح أو حتى الشفقة عليه، إذا لم تتم المبادرة بقدر كافٍ من الحساسية.

لذلك، قد يكون السؤال الأهم قبل البحث عن صديق قديم أو إرسال رسالة إليه ليس فقط: «ماذا حدث له؟»، وإنما أيضاً: «لماذا أرغب في التواصل معه الآن؟».

ففهم الدافع وراء العودة إلى علاقة من الماضي قد يساعد في تحديد ما إذا كانت استعادتها قادرة على إحياء صداقة ذات قيمة، أم أن بعض العلاقات يكون من الأفضل تركها جزءاً من الذكريات.