الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

مكافحة الإرهاب وملاحقة مطلوبي الفساد والـ«مافيا دي زاد» تتصدر مباحثات سعيود ونويز

وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
TT

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو (حزيران) الحالي. والتي اتخذت أبعاداً سياسية بارزة تمثلت في استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الثلاثاء، للوزير الجزائري في جلسة عمل رفيعة المستوى، تترجم الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية.

وأسفرت اللقاءات عن ضبط أولويات مشتركة تشمل محاربة المخدرات، وملاحقة الفارين من القضاء، ومكافحة التزوير، مع تعيين ملحق فرنسي أمني بالجزائر لتفعيل التنسيق المباشر.

الوفد الجزائري في أثناء المباحثات مع مسؤولي وزارة الداخلية الفرنسية «وزارة الداخلية الجزائرية»

وكتب وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بحسابه بمنصة «إكس»، أن استقباله المسؤول الجزائري، الثلاثاء، بمقر وزارته، يأتي في سياق الزيارة التي قادته إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، مؤكداً «مواصلة تبادلاتنا بشأن القضايا الرئيسية ذات الاهتمام المشترك لبلدينا، بهدف تعزيز النتائج المحققة بالفعل في مجالات الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، ومحاربة الجريمة المنظمة، وقضايا الهجرة، والحماية المدنية».

ورشة لتعديل «اتفاق 1968»

وفق مصادر جزائرية، توجت الزيارة باتفاق على تعزيز قنوات الاتصال وتجنيد القنصليات الجزائرية لرفع وتيرة ترحيل المقيمين بطرق غير قانونية، الذين صدرت بحقهم قرارات الإبعاد من التراب الفرنسي، مقابل تسهيل الهجرة النظامية. وأشارت نفس المصادر إلى اتفاق الطرفين على بدء ورشة عمل لتعديل «اتفاق عام 1968» التاريخي، بناء على مقترحات ملموسة ستقدمها فرنسا لاحقاً، تلبية لرغبة باريس في تقليص الهجرة العائلية.

جلسة عمل عقدها الرئيس الفرنسي مع وزير الداخلية الجزائري «الوزارة الجزائرية»

ويشمل الاتفاق قضايا العمل والتجارة والدراسة في الجامعات، و«لم الشمل العائلي» بالنسبة للجزائريين في فرنسا. وعاد الجدل حول هذه الوثيقة بقوة، خلال التصعيد الذي شهدته العلاقات الثنائية بعد اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء في صيف 2024. وشن تيار اليمين الفرنسي حملة كبيرة بهدف إلغاء الاتفاق، بدعوى أنه «تفضيلي» للجزائريين مقارنة ببقية الشعوب. كما أنه في نظر رافضيه، يعيق جهود الدولة في الحد من الهجرة.

من جانبها، أكدت الجزائر أن الجانب الفرنسي «أفرغ الاتفاق من محتواه» في السنين الأخيرة، بسبب عقبات إدارية حالت دون استفادة رعاياها من بنوده، خاصة ما تعلق بـ«لم الشمل العائلي».

وأفاد بيان صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية بأن المباحثات السياسية والتقنية، التي أجراها نونيز مع سعيود، «أكدت وجود رغبة مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي وفق أسس براغماتية وتدريجية، وموجهة نحو تحقيق نتائج ملموسة تخدم مصالح الطرفين». كما كرّس البلدان رسمياً استئناف الحوار بينهما، واتفقا على إعادة بناء آليات عمل حقيقية ودائمة بين الأجهزة الميدانية والتنفيذية حول أولويات محددة، مدعومة بأدوات للمتابعة تأخذ في الحسبان انشغالات كل جانب، وفق ما جاء في ذات البيان.

ورافق سعيد وفد أمني مهم متكون من مدير عام الشرطة علي بدوي، ومسؤولين في الأمن الداخلي، وأطر من الحماية المدنية.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 «الرئاسة الجزائرية»

وفي مضمار مكافحة الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، وغسل الأموال، حدد الطرفان ثلاثة محاور عمل ذات أولوية قصوى، وهي مجابهة المؤثرات العقلية والمخدرات الاصطناعية، وملاحقة الفارين المتورطين في الجريمة المنظمة، بالإضافة إلى مكافحة الهجرة غير النظامية وتزوير الوثائق. ولتجسيد هذه المساعي، أعلنت باريس عن تعيين ملحق فرعي للأمن الداخلي ينتمي إلى سلك الدرك الوطني الفرنسي، وهي خطوة يراها مراقبون إشارات ملموسة تعكس الإرادة الفعلية لإعادة تفعيل مصلحة الأمن الداخلي في الجزائر بكامل طاقتها وعملها المعتاد.

شروط الجزائر ومطالب باريس

تم كذلك التطرق إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب؛ حيث استؤنف تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية، ومن المرتقب تكثيفه بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، حسب مصادر صحافية. وقد أتاحت المباحثات تحديد المخاطر الناشئة والمشتركة بين البلدين، بهدف الاستباق الأمثل للتهديدات، وضمان مرونة وسلاسة تدفق الاستعلامات والمعلومات الاستخباراتية ذات الفائدة المشتركة للجانبين.

وزير الصناعة الجزائري سابقاً أحد أبرز المطلوبين قضائياً «الشرق الأوسط»

ووفق المصادر الجزائرية، فقد طرح سعيود خلال زيارته مطالب بلاده بدقة: تسليم مطلوبين لدى القضاء الجزائري بسبب تورطهم في قضايا «فساد» وفي «المساس بوحدة البلاد». وتشمل التهمة الأولى شخصيات بارزة في نظام الحكم في وقت سابق. فيما تتضمن الثانية معارضين يقيمون في فرنسا كلاجئين سياسيين.

من جهتها، طالبت باريس من الجزائر تسليمها عناصر من شبكة «مافيا دي زاد»، تعتقد أنهم يقيمون في ترابها، حيث يلاحقهم الأمن الفرنسي بجرائم تجارة المخدرات في مدن جنوب البلاد.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي «الرئاسة الجزائرية»

وتتجاوز زيارة سعيود أبعادها البروتوكولية المعتادة لتكتسي دلالة سياسية خاصة، حسب المراقبين، إذ تأتي في سياق دبلوماسي تعكسه الرغبة المعلنة من العاصمتين لطي صفحة التوترات، التي ألقت بظلالها الثقيلة على العلاقات الثنائية خلال العامين الأخيرين. ومع ذلك، فإن مساعي التطبيع من المنظور الجزائري لم تعد مجرد هدف مبدئي، بل أضحت مساراً مشروطاً بالتزامات ملموسة من جانب فرنسا.

ومن الجزائر، ينظر إلى وجود وزير الداخلية في باريس كإشارة قوية تؤكد عزم سلطاتها على طرح تطلعاتها، وشروطها بشكل مباشر قبل أي تكريس نهائي للتقارب الثنائي، حيث تتطلع السلطات الجزائرية إلى نتائج ملموسة ترتبط بالملفات، التي طالما غذت التوتر بين البلدين. وخلف الشق الفني والأمني التقليدي، الذي تضمنته أجندة اجتماعات وزيري الداخلية، يبرز الرهان الحقيقي المتمثل في رسم أسس علاقة مستقرة ومستدامة.


مقالات ذات صلة

الجزائر: وفاة 6 أشخاص في حرائق الغابات

شمال افريقيا إطفائي يحاول إخماد النيران التي اندلعت بحقول خارج بلدة الهاشمية (أ.ف.ب)

الجزائر: وفاة 6 أشخاص في حرائق الغابات

أعلنت وزارة الداخلية الجزائرية، اليوم الثلاثاء، وفاة ستة أشخاص جراء حرائق الغابات، التي اجتاحت عدداً من ولايات البلاد، خلال الأيام الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة توضح حجم ومدى انتشار حرائق الغابات بشرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر: تعبئة ميدانية شاملة لمواجهة النيران وسط تساؤلات عن أسباب الإهمال

تصارع الجزائر، منذ الأحد الماضي، موجة حرائق واسعة شهدت اندلاع أكثر من 170 بؤرة في الكثير من ولاياتها، طالت الغابات والأدغال والأحراش.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس الحكومة الإسبانية يوم الاثنين (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر: زيارة رئيس وزراء إسبانيا محطة مفصلية تعيد رسم العلاقات الثنائية

بحث رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خلال زيارة رسمية للجزائر، الاثنين، في ملفات اقتصادية مهمة يُرتقب أن تُتوج مسار إعادة الدفء للعلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

الجزائر: ترقب سيناريوهات التشكيل الحكومي الجديد بعد غربلة صناديق «التشريعية»

بينما عبّرت المعارضة الجزائرية عن قلقها من «تفاقم أزمة الثقة» إثر عزوف كثير من الناخبين عن الاقتراع التشريعي، تتجه الأنظار إلى التشكيل الحكومي الجديد المرتقب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)

المحكمة الدستورية تفصل في النتائج النهائية لـ«تشريعيات» الجزائر

المحكمة الدستورية في الجزائر، اليوم (السبت)، النتائج النهائية والرسمية للانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) 2026.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)