أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

حضور الليبيات في الحياة العامة لم يعد مقتصراً على تقلد مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
TT

أول رئيسة نادٍ رياضي بليبيا... «تمكين نسائي» وسط أزمات سياسية

رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)
رئيسة نادي «دارنس» انتصار شنيب (مجلس النواب الليبي)

لم يعد حضور المرأة الليبية في الحياة العامة مقتصراً على تقلد مناصب وزارية وبرلمانية أو قيادة بلديات، رغم إرث الأزمات السياسية والأمنية الذي تواجهه البلاد منذ عام 2011، بل امتد إلى مجالات ظلت لعقود حكراً على الرجال، كان أحدثها رئاسة الأندية الرياضية.

وتصدر تولّي انتصار شنيب، عضو مجلس النواب، رئاسة نادي «دارنس» في درنة الأخبار باعتبارها أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ البلاد، في سابقة ينظر إليها كخطوة جديدة على مسار تمكين المرأة، وسط أزمات سياسية وانقسام حكومي وعسكري ما زال مستمراً، منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي.

مهمة «استثنائية»

تبدو المهمة التي تنتظر شنيب «استثنائية»، من منظورها، ليس لأنها أول امرأة تتولى رئاسة نادٍ رياضي ليبي فقط، بل بسبب الإرث الثقيل الذي يحمله النادي العريق أيضاً. فقد تأسس «دارنس» عام 1958، وظل أحد أبرز أندية شرق البلاد، قبل أن تتعاقب عليه أزمات عصفت بمدينة درنة خلال السنوات الأخيرة.

وقالت شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن النادي تأثر بسلسلة من المحطات الصعبة، بدأت بالظروف الأمنية التي شهدتها المدينة خلال سنوات سيطرة تنظيم «داعش» قبل تحريرها عام 2018، وانتهت بكارثة «إعصار دانيال» في سبتمبر (أيلول) 2023.

وأوضحت شنيب أن «أنشطة النادي تجمدت تحت وطأة هذه الظروف القاسية، وكان أقساها الإعصار الذي دمّر مقر النادي بالكامل، وأودى بحياة عدد من لاعبيه ومشجعيه والعاملين فيه، ما ضاعف حجم التحديات أمام الإدارة الجديدة».

علم نادي «دارنس» الليبي (الصفحة الرسمية للنادي)

وكانت الفيضانات المدمرة التي اجتاحت درنة في عام 2023 قد تسببت في انهيار سدين وخسائر بشرية ومادية واسعة، كما أدت إلى توقف نشاط النادي في الدوري الممتاز نتيجة الأضرار، التي لحقت بمنشآته قبل أن يستأنف نشاطه العام الماضي.

وترى شنيب أن النادي يمر بمرحلة تتطلب «إعادة تأسيس حقيقية من القواعد والركائز الأساسية»، مشيرة إلى أن خطتها ترتكز على إعادة هيكلة الجوانب الإدارية والمالية والبشرية، وبناء إدارة قادرة على استعادة الاستقرار، ووضع أسس تنموية طويلة الأمد. وقالت إن الهدف «لا يقتصر على تجاوز آثار الأزمة، بل يشمل استعادة المكانة التاريخية للنادي، ونطمح إلى أن يعود دارنس منافساً على لقب الدوري الليبي مستقبلاً».

ويحمل وصول البرلمانية الليبية، انتصار شنيب، إلى رئاسة «دارنس» دلالات تتجاوز الرياضة، في ظل حضور المرأة الليبية في بعض مواقع المسؤولية العامة، وثقل نسائي ديموغرافي ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

يأتي ذلك وسط مناخ عام من الجمود السياسي والأزمات المعيشية، وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً بين حكومتين: إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على الشرق وأجزاء من الجنوب برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

تميز في ظروف معقدة

تبرز منذ عام تجربة الزائرة الفيتوري المقطوف، باعتبارها أول امرأة تُنتخب عميدة لبلدية في ليبيا بمدينة زلطن (على الحدود الليبية التونسية) نهاية عام 2024، قبل أن تلحق بها جميلة اللواطي في بلدية سلوق (شرق) مطلع العام الحالي.

ومن واقع تجربتها في الإدارة المحلية، أعربت المقطوف لـ«الشرق الأوسط» عن ثقتها في نجاح تجربة شنيب، عادّة أن «المرأة الليبية أثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية في ظروف معقدة، والمساهمة في جهود الاستقرار وإعادة الإعمار».

وتستند المقطوف في هذه الثقة إلى تجربة تمكنت فيها من تنفيذ مشروعات خدمية وتنموية ظلّت متعثرة لعقود، مقرّة بتعاون حكومي من جانب سلطات في غرب ليبيا، شملت تطوير شبكات طرق والإنارة، وحفر آبار جديدة، وإعادة تأهيل محطة التحلية، إلى جانب إنشاء ورفع تصنيف مستشفى زلطن من مستشفى قروي إلى مستشفى عام، وتأسيس دار ضيافة لزوار المدينة، بل توفير أكثر من 600 فرصة عمل، وإطلاق برامج تدريب وتأهيل للشباب والنساء.

نادي «دارنس» بعد إعادة افتتاحه العام الماضي إثر ما تعرض له خلال «إعصار دانيال» (وكالة الأنباء الليبية)

ومع ذلك، أشارت أول عميدة بلدية إلى أن طريق المرأة الليبية ليس مفروشاً بالورود، مع الحاجة إلى «جهد مضاعف لاستكمال مشروعات البنية التحتية»، مشيرة إلى أنها تضطر إلى قطع 160 كيلومتراً بشكل متكرر بين زلطن وطرابلس لمتابعة الملفات الحكومية مع الوزارات في طرابلس، وحلّ مشكلات تراكمت وجعلت البلدية مهمشة. ومبرزة «استمرار تحديات تتعلق بخلافات مرتبطة بالحدود الإدارية لبلدية زوارة، رغم صدور حكم قضائي في هذا الشأن، إلى جانب حملات ممنهجة من الانتقادات والشائعات التي تستهدف عملها كأول عميدة بلدية».

ويحظى تمكين المرأة الليبية بدعم دولي متزايد، إذ دعا بيان صادر عن الأمم المتحدة هذا الشهر إلى تعزيز حضور النساء في مواقع صنع القرار التنفيذية والتشريعية، وإزالة معوقات تمكينهن الاقتصادي، وإشراكهن في صياغة سياسات الأمن الوطني وحماية حقوق الإنسان.

يأتي ذلك فيما تتولى النساء 5 حقائب وزارية، إلى جانب عضويتهن في مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، فيما شهدت السنوات الأخيرة وصول نساء إلى مواقع قيادية في الإدارة المحلية.

وتشكل النساء نحو 49.3 في المائة من إجمالي سكان ليبيا، إذ يبلغ عددهن نحو 3 ملايين و638 ألفاً و621 امرأة، من أصل 7 ملايين و384 ألفاً و208 نسمة، بحسب أحدث بيانات مصلحة التعداد والإحصاء الرسمية.

ومع ذلك، ترى الناشطة الحقوقية، انتصار القليب، أن وصول النساء إلى مواقع قيادية في البلديات والقطاع الرياضي، إلى جانب دورهن التنفيذي والتشريعي، «يعكس تحولاً تدريجياً في المجتمع الليبي، ويؤكد تنامي الثقة بقدرات المرأة على إدارة الشأن العام».

وقالت القليب لـ«الشرق الأوسط» إن «الليبيات أثبتن كفاءتهن في العمل وسط ظروف معقدة، رغم استمرار أزمات سياسية وأمنية واجتماعية»، مبرزة أن انتخاب «انتصار شنيب لرئاسة نادي دارنس، ومن قبلها وصول نساء إلى رئاسة بلديات ومناصب تنفيذية أخرى، يمثل مؤشراً على اتساع فرص تمكين المرأة، لكنه يتطلب دعماً مؤسسياً وتشريعياً لتعزيز مشاركتها في مختلف القطاعات، وقبل ذلك توحيد مؤسسات الدولة الليبية».


مقالات ذات صلة

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

شمال افريقيا الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

طعنت حكومة «الاستقرار» المكلّفة من مجلس النواب في شرق ليبيا برئاسة أسامة حماد فيما ورد بتقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن مواطنين، ومؤسسات ليبية

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من اجتماع مسؤولين بحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (الحكومة)

إجماع ليبي على رفض «توطين المهاجرين غير النظاميين»

بحث مسؤولون حكوميون وأمنيون بارزون في ليبيا سبل تعزيز التنسيق لضبط ملف الهجرة غير النظامية ومتابعة الإجراءات القانونية والأمنية المتعلقة بالمهاجرين.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا هانا تيتيه مع عبد السلام الزوبي (البعثة)

تيتيه تتحدث عن «تقدم» في تنفيذ «خريطة الطريق» الليبية

يترقب ليبيون خلال الشهر الحالي التقرير النهائي لـ«الحوار المهيكل» الذي يعول عليه البعض للمضي في تنفيذ باقي خطوات «خريطة الطريق» السياسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع شركة «الخليج العربي للنفط» الليبية مع خبراء ومختصين بشركة «شيفرون» الأميركية (شركة الخليج العربي)

شركات عُمانية و«شيفرون» الأميركية تستكشف فرصاً جديدة في قطاع الطاقة الليبي

بحث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، مع عدد من شركات الاستثمار والطاقة من سلطنة عمان، فرص الشراكة بين البلدين في قطاع الطاقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام، وتفشي وباء «إيبولا» مع تصاعد المواجهات المسلحة.

تلك العقوبات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، قد «تُطوّق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا، اللتين تعدان أساس اشتعال النزاع في الكونغو»، مؤكداً أن «العقوبات لن تكون وحدها دافعاً للتفاهم، بل أداة من الأدوات التي يجب أن تتواصل فيها الضغوط لبحث إمكانية التوصل إلى سلام دائم».

وتواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

وأعلنت الولايات المتحدة، أخيراً، فرض إجراءات إضافية لمواجهة التهديدات التي «تواجه الاستقرار والازدهار» في شرق الكونغو الديمقراطية، بفرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وجون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا.

استمرار العنف

اتهمت واشنطن هذين القياديين، في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء بـ«ارتكاب أعمال عنف وعمليات قتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا»، مؤكدةً أنها «ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة».

وفي 30 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات على الرئيس ‌السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، لدوره في دعم حركة «23 مارس».

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافةً إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا عن تقدم بعد.

أداة ضغط

وفقاً لتقديرات المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، فإن العقوبات الأميركية تمثل أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة.

وقد تسهم هذه الإجراءات، حسب عيسى في «تقييد حركة بعض الفاعلين المسلحين، والحد من مصادر تمويلهم، ورفع تكلفة الاستمرار في القتال»، مُستدركاً: «غير أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تترافق مع مسار سياسي وأمني شامل». وأكد أن «الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، فضلاً عن التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. لذلك فإن العقوبات قد تدفع الأطراف نحو التفاوض أو تخفف من وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم».

وتأتي هذه العقوبات مع استمرار النزاع المسلح، وسط أزمة صحية كبيرة تواجهها الكونغو بمنطقة الصراعات.

وأعلنت الحكومة في الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، إعادة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري شرق البلاد، بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق لمدة عشرة أيام لأسباب تتعلّق بالسلامة العامة.

جمود جهود السلام

لم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسابيع الماضية، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس» من عدّة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الماضي.

وعن ردود فعل المتمردين بعد العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أنه من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن قراءة تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية بين التصعيد وإظهار عدم التأثر بالعقوبات أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعرت بأن العقوبات جزء من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو المزج بين الأمرين عبر استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويخلص إلى أن العقوبات لن تؤدي وحدها إلى تهدئة فورية، وأنه غير مستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً «لكن استمرار الضغوط الدولية، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى تفضيل التفاوض على المواجهة».


ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
TT

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية، الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من التداعيات الأمنية والديمغرافية للظاهرة، وسط رفض متزايد لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد.

وتواصلت الأربعاء في شرق ليبيا حملة أمنية واسعة النطاق، جرى خلالها ضبط مئات المهاجرين غير النظاميين، تنفيذاً لتعليمات أصدرها الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء مظاهر الوجود غير القانوني للأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادة العامة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن «الأجهزة المختصة تمكنت من ضبط أكثر من 2000 مهاجر غير نظامي في مدينة طبرق (شرق) خلال ثلاثة أيام، في إطار عمليات تفتيش ومداهمة، شملت عدداً من الأحياء والمواقع التي يشتبه في استخدامها لإيواء مهاجرين لا يحملون وثائق قانونية».

وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على «ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة».

كما أطلقت مديرية أمن البطنان، تحذيراً إلى ملاك العقارات ومؤجري المساكن من «إيواء أو تأجير وحدات سكنية لأجانب أو مهاجرين دون استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة»، متوعدةً بـ«اتخاذ تدابير صارمة بحق المخالفين، تشمل المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات بحق العقارات، التي يثبت استخدامها لإيواء مقيمين بصورة غير مشروعة».

اجتماع وزيري الداخلية والعمل بحكومة «الوحدة» مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية لبحث ملف الهجرة غير النظامية (حكومة الوحدة)

وفي درنة، أعلنت السلطات المحلية ضبط نحو 800 مهاجر غير قانوني، فيما أسفرت حملات نفذها «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في البيضاء عن ضبط عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى رصد حالات مصابة ببعض الأوبئة والأمراض، وفق بيان للجهاز، الأربعاء.

كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا (شرق) مواصلة حملاتها الأمنية لضبط المهاجرين غير الشرعيين، مؤكدةً «وضع آليات تنظيمية وقانونية، تهدف إلى حصر المخالفين لقوانين الإقامة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر القنوات الرسمية».

وفي غرب ليبيا، تزامنت التحركات الأمنية مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم ملف الهجرة والعمالة الأجنبية. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عن اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والعمل ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، خُصص لبحث خطة وطنية متكاملة لمعالجة الملف.

وقالت «الوحدة» إن «الخطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: تعزيز أمن الحدود، وتنظيم العمالة الوافدة، وتفعيل برامج ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات أو مقترحات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، باعتبار أن ذلك يمس الأمن القومي للبلاد».

وفي إطار الإجراءات المحلية، فرضت «لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب في بلدية زوارة»، المدينة الساحلية الواقعة غرب ليبيا قرب الحدود التونسية، حظراً مؤقتاً على حركة وتجول الأجانب والمقيمين والزائرين خلال ساعات الليل، من الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

وأدرجت «اللجنة» هذا القرار في إطار «تدابير احترازية تهدف إلى حماية الأمن والسلامة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالتجمعات والتحركات الليلية»، داعيةً أصحاب الشركات والمصانع إلى «إبلاغ العمالة الأجنبية بالقرار، والتأكد من حملهم الوثائق الثبوتية اللازمة».

تأتي هذه الإجراءات في وقت يشهد فيه الشارع الليبي تصاعداً ملحوظاً في حدة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، مع ازدياد الأصوات التي تُحذر من انعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والتركيبة السكانية للبلاد.

وأعلن ما يعرف بـ«حراك أبناء سوق الجمعة»، في بلدية سوق الجمعة، إحدى كبرى بلديات العاصمة طرابلس، رفضه المطلق لأي مشاريع لتوطين المهاجرين، داعياً السلطات إلى «اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الملف». كما أصدر أهالي وأعيان عين زارة، الواقعة جنوب شرقي طرابلس، بيانات مماثلة حذروا فيها من مخاطر التوطين، مطالبين بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.

وتتزامن هذه التطورات مع دعوات لتنظيم احتجاجات شعبية، أخيراً، تحت شعار «الانتفاضة الكبرى ضد الهجرة غير الشرعية ومحاولات التوطين»، وسط مخاوف من أن تؤثر التحركات المرتقبة على عمل بعثة المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

وتحدثت وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، عن رصد عمليات نقل وثائق ومعدات من مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات للاحتجاجات المرتقبة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها المنظمة الدولية.

وكانت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شددت، مساء الثلاثاء، على أن «عمل المفوضية في ليبيا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، والحماية للفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين والمهاجرين، نافيةً وجود أي دور للمنظمة في تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وفق بيان نقله إعلام محلي».

وأعادت التأكيد على موقفها بأن «الجهود الدولية تركز على إيجاد حلول دائمة، من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية الآمنة إلى بلدان المنشأ»، مشيرةً إلى أنها «تمارس أنشطتها الإنسانية داخل ليبيا منذ عام 1991 بالتنسيق مع السلطات المختصة».

Your Premium trial has ended


مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

رغم التأكيدات الرسمية المستمرة بتكثيف جهود حصار معدلات التضخم في مصر، التي بدأت في الارتفاع مجدداً منذ اندلاع الحرب الإيرانية، فإن ذلك لم ينعكس إيجاباً على القطاع الخاص غير النفطي، الذي يعد الأكثر تأثراً وفقاً لمؤشر «ستاندرد أند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في مصر الصادر الأربعاء عن شهر مايو (أيار) الماضي.

وبحسب مسح الأعمال الخاص بالمؤشر فإن «القطاع الخاص غير النفطي في مصر ظل غارقاً في حالة الانكماش خلال شهر ​مايو، بعد أن أدى الارتفاع الجديد في تكاليف ‌المدخلات إلى تراجع الطلب، ما أجبر الشركات على رفع الأسعار بشدة، وأدى إلى أكبر موجة من تخفيضات الوظائف منذ ما يقرب من ست سنوات».

ويشير خبراء اقتصاد لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المؤشر، رغم أنه ارتفع قليلاً عن شهر أبريل (نيسان) الماضي، فإن ذلك لا يخفف من صعوبة المشكلات التي يعانيها القطاع الخاص، الذي لا يزال يعاني من توفير الفرص التي تحرك الطاقات الإنتاجية، وأن الجهود الحكومية لمواجهة التضخم لم تفلح في إنقاذه من الركود مع الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج.

واتخذت الحكومة والبنك المركزي المصري، وفق خبراء، قرارات من شأنها تخفيف وطأة معدلات التضخم المرتفعة، بينها قرارات مصرفية مثل تثبيت أسعار الفائدة، وأخرى تنفيذية من جراء توفير السلع وإتاحتها بأسعار مخفضة في بعض المنافذ على معدلات التضخم، مشيرين في الوقت ذاته إلى محدودية تأثير هذه القرارات.

وارتفع ​مؤشر «مديري المشتريات» في مصر إلى ​47.1 في مايو من 46.6 في أبريل، ⁠لكنه ظل دون عتبة 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش للشهر الخامس على التوالي، ما يشير إلى تباطؤ وتيرة نمو ​الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني مقارنة بنهاية 2025.

وأشارت نتائج المسح إلى أن أسعار مستلزمات الإنتاج ارتفعت بأسرع وتيرة لها منذ يناير (كانون الثاني) 2023، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكاليف الوقود والديزل والكهرباء، إلى جانب تأثير انخفاض قيمة العملة المحلية، وضغوط الأجور التي بلغت ذروتها منذ يناير 2018.

أحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وقالت الباحثة في الاقتصاد الدولي، سمر عادل، إن انكماش القطاع الخاص يعود مباشرة لارتفاع معدلات التضخم، وهي ناتجة عن ارتفاع مدخلات الإنتاج مع اعتماد الشركات والمصانع بشكل كبير على الاستيراد، سواء فيما يتعلق بالمواد الخام أو السلع التي ارتفع الكثير منها عالمياً بفعل حالة عدم اليقين، التي سببتها الاضطرابات السياسية والأمنية، وكان لديها تأثير قوي على بعض الاقتصاديات الكبرى.

وأضافت سمر عادل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن القول إن التضخم في مصر مستورد، والتعامل معه يبقى صعباً بسبب الاعتماد على استيراد كثير من السلع الأساسية، وتبقى القرارات المصرفية التي يتخذها (البنك المركزي) عبر تثبيت أسعار الفائدة أو خفضها، وكذلك توفير السلع بأسعار مخفضة في بعض المنافذ إجراءات ليست كافية».

وأبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، خلال ثاني اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، خلال الشهر الماضي، وسط مخاطر صعودية تحيط بالتضخم محلياً وعالمياً. وقررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على أسعار الفائدة للإيداع عند 19 في المائة، وسعر الإقراض عند 20 في المائة.

وتباطأ معدل التضخم في مصر على نحو طفيف في أبريل، وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.9 في المائة خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ15.2 في المائة في مارس (آذار) المنصرم.

وسبق أن توقع «المركزي» المصري ارتفاع متوسط معدلات التضخم في عام 2026 إلى ما بين 16 في المائة و17 في المائة، مقابل 11 في المائة في توقعاته السابقة، كما توقع البنك أن يصل معدل التضخم في مصر إلى ما بين 12 في المائة و13 في المائة في عام 2027، بدلاً من 8 في المائة بتوقعاته السابقة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في زيارة لأحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

من جانبها، أكدت أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، الدكتورة يمن الحماقي، أن مؤشر «مدير المشتريات» يشير إلى أن القطاع الخاص لا يجد الفرص الكافية لتحريك الطاقات الإنتاجية، وهو ينخفض بثلاث نقاط كاملة عن الوصول إلى 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش، ويبرهن ذلك على أن فرص الاستثمار ضعيفة، وقد انعكس ذلك على تسريح أكبر عدد من العمالة خلال الشهر الماضي، وهو مؤشر خطير يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر.

وأشارت الحماقي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن معدلات التضخم المرتفعة تضغط على المواطنين، ومن ثم يتأثر بها القطاع الخاص، وهو ما يتطلب إجراءات حكومية سريعة للتعامل مع الوضعية الراهنة، وفي مقدمتها التركيز على التمكين الاقتصادي للفقراء، وتحسين المناخ الاستثماري وعلاج مشاكل المصانع المتعثرة، وتفعيل الآليات المجتمعية التي تحمي المواطنين، مثل إتاحة السلع بأسعار مخفضة، والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه في حال جرى الانتقال إلى الدعم النقدي، والتأكد من كفاية ما يحصل عليه المواطنون لسد احتياجاتهم.

وتفاقمت اضطرابات سلاسل التوريد في مصر بشكل كبير خلال مايو الماضي، حيث طالت فترات تسليم الموردين بأسرع معدل منذ قرابة أربع سنوات نتيجة تقلبات الأسعار والآثار المستمرة للصراع والاضطرابات، التي تواجه حركة الشحن العالمي في المنطقة، وفقاً لمؤشر «مديري المشتريات».

وهذا الخلل في الإمدادات، بالتوازي مع تقليص القوى العاملة، أدى إلى تراكم الأعمال المعلقة بأسرع وتيرة منذ سبتمبر (أيلول) 2023. وفي محاولة للتحوط ضد القفزات السعرية المتوقعة مستقبلاً، سجلت الشركات أكبر زيادة في مخزون المشتريات منذ نحو ثلاث سنوات، رغم ضعف الطلب الحالي.