من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

قرى وبلدات لبنانية بكاملها امّحت عن الخريطة

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


مقالات ذات صلة

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

في مثل هذا اليوم من عام 2006، رحل نجيب محفوظ، المولود عام 1911، مخلفاً إرثاً روائياً ونثرياً هائلاً، أهله لنيل «جائزة نوبل» عام 1988، ليكون بذلك أول عربي،

د. رشيد العناني (لندن)
ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

«الشارقة الثقافية»: الأدب العربي وتشكيل الوعي الجمالي

صدر حديثاً العدد 118 (أغسطس/ آب 2026) من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمَّن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل

«الشرق الأوسط» (الشارقة)

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
TT

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

في مثل هذا اليوم من عام 2006، رحل نجيب محفوظ، المولود عام 1911، مخلفاً إرثاً روائياً ونثرياً هائلاً، أهله لنيل «جائزة نوبل» عام 1988، ليكون بذلك أول عربي، ورابع أفريقي يحصل على هذه الجائزة العالمية المعتبرة.

رغم الغياب، لا يزال محفوظ حاضراً بقوة، فلا تكاد تمر سنة من دون صدور كتاب عنه يتناول تجربته الروائية العريضة وعمق كتاباته وأبعادها الاجتماعية والتاريخية، التي تحتمل أكثر من تفسير وتأويل، كما حصل، على سبيل المثال، مع روايته الكبرى «أولاد حارتنا»، التي نوهت بها الأكاديمية السويدية حين منحته «جائزة نوبل».

محفوظ لم يكن روائياً فحسب، فقد مارس الصحافة أيضاً من خلال كتابة عمود أسبوعي في جريدة «الأهرام» من 1974 حتى 1994، حين تعرض لاعتداء.


نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
TT

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي
قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي، ولا تكاد تمر سنة من دون أن يصدر كتاب يتناول تجربته الروائية وأعماله وحياته، بالإضافة إلى عشرات المقالات النقدية.

وبهذه المناسبة، ننشر هنا مقالين. الأول، هو قراءة في الأعمدة الأسبوعية التي كان ينشرها محفوظ في جريدة «الأهرام» المصرية، واستمرت عشرين سنة، من 1974 إلى 1994، وتوقفت بعد محاولة اغتياله. وفي المقال الثاني، عرضٌ لكتاب مكرَّس لرواية محفوظ الجدلية «أولاد حارتنا». والكتاب، وهو جزء من مشروع نقدي ستصدر أجزاؤه الأخرى قريباً، هو بمنزلة إعادة قراءة تقارب هذه الرواية مقاربةً نقدية أدبية بحتة، بعيداً عن التأويلات التي أُسقطت على هذا العمل الكبير من خارجه.

رشيد العناني

من جوانب نجيب محفوظ التي يقل الالتفات إليها جانب الكاتب صاحب العمود الأسبوعي في صحيفة يومية. الكاتب المنشغل بالأحداث الجارية، والوقائع اليومية -في السياسة، والاجتماع، والاقتصاد- التي تشغل الناس، والحكومات، وتصنع العناوين الرئيسة في الصحافة، وسائر وسائل الإعلام. هذا ما كان يشغل محفوظ في عموده الأسبوعي في جريدة «الأهرام» المسمّى «بوجهة نظر»، والذي كان عادة في حدود 300 كلمة تتناول الأحداث الجارية وقتها، والذي بدأه في 1974، واستمر يكتبه أسبوعياً حتى حادث الاعتداء على حياته في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1994، فانقطع لفترة، ثم لم يلبث أن عاد لمواصلة العمود عن طريق حوار يجريه معه أسبوعياً الكاتب محمد سلماوي. المقالات جمعها فتحي العشري في عدة كتب، إلا أنه اختار أن يبوب المقالات حسب موضوعاتها (حول الدين، الديمقراطية، التعليم... إلخ)، ضارباً عرض الحائط بالتسلسل الزمني للمقالات حسب تاريخ نشرها. لكن من حسن الحظ أنه عندما تُرجمت المقالات إلى الإنجليزية، ونُشرت في أربعة مجلدات عن دار «جنكو» البريطانية بعنوان: «كتابات نجيب محفوظ غير القصصية»، فإن الناشر والمترجمين اعتمدوا المنهج الزمني، فأعادوا للمقالات تسلسلها حسب تاريخ النشر، ما يتيح للدارس رصد الفكر المحفوظي، رصداً يتتبع تجاوبه مع أحداث الساعة كما وقعت حين كتابة المقالات، وهو ما لمسته حين كتبت بتكليف من الناشر المقدمات للأجزاء الأربعة.

ترى ما الذي يميز تلك المقالات الأسبوعية القصيرة التي كتب محفوظ منها ما لا يقل عن 1500 مقالة عبر ثلاثة عقود ونيف؟ قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات مجتمعة اليوم يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي، والمعلق على الأحداث العامة، والمحلل السياسي الهاوي. أعدت على سبيل المثال قراءة المقالات التي كتبها في الفترة ما بين 1982 و1988، والتي تمثل الجزء الثالث من السلسلة، والمُعَنوَن: «سنوات مبارك المبكرة: 1982-1988» (صدرت الطبعة الورقية منه هذا العام). نُشرت المقالات أسبوعياً على مدى ست سنوات في الفترة الحرجة من تاريخ مصر المعاصر التي أعقبت اغتيال السادات، وتصاعد فيها الإرهاب، واشتدت الأزمة الاقتصادية في أعقاب سياسة الانفتاح الاستهلاكي التي ميزت عصر السادات... إلخ. كانت الصورة قاتمة تماماً، إلا أن ما لفتني في المقالات أنك تجد التفاؤل يقطر من مقالات محفوظ، والروح الإيجابية تنبض بها كلماته أسبوعاً بعد أسبوع. كانت مقالاته على وعي تام بالعيوب، والسلبيات، وإرث الديكتاتورية، والهزائم، والديون، والفقر، وأزمات الحياة اليومية، وضياع الشباب، وتفتت الوحدة الوطنية، وانتشار التعصب، والتفرق العربي، وحروب المنطقة، وتعثر التحول الديمقراطي... إلى آخر القائمة الطويلة، إلا أن روح القنوط لم تتسلل أبداً إلى مقالاته. كان يتجاوز هذا كله مقترحاً الحلول، وطالباً العبرة من الماضي، ومتطلعاً إلى مستقبل أفضل، وباثّاً العزيمة والأمل دائماً في مَن يقرأه. أدهشتني هذه الروح الشابة المتفائلة في غير هوادة في كاتب شيخ عاصر تراجع النهضة المصرية من أوائل القرن إلى أواخره. ازددت إعجاباً به، إلا أنني كنت على وعي بالمفارقة الكبيرة بين كتاباته الصحافية وكتاباته القصصية. إذا ما تركنا هذه المقالات وعدنا إلى رواياته، وقصصه القصيرة من نفس الفترة، فلن نجد فيها بارقة أمل. تلك هي الفترة التي نُشرت فيها «الباقي من الزمن ساعة»، «أمام العرش»، «يوم قُتل الزعيم»، «قشتمر»، وغيرها. هنا يصدمنا الواقع، والإحباط القومي والفردي بكل شراسته. أيُّ الصورتين نصدق؟ الصورة الفنية بطبيعة الحال. ولكنني أكبرت فيه القدرة على التفرقة بين التناول الفني حيث لا مناص من تصوير الوضع البشري في أحلك صوره، والتناول اليومي المباشر أمام الجمهور الذي يحتاج حلولاً وأفكاراً تعينه على مواجهة الحياة، ولا تدفع به نحو اليأس الكامل.

في سياق الحديث عن عمود الأحداث الجارية لمحفوظ أحب أن أقف عند مثال من استخدامه الخلّاق له. بتاريخ 23 أبريل (نيسان) 1987 كتب محفوظ مستشرفاً عيد تحرير سيناء (25 أبريل) من آخر فلول الاحتلال الإسرائيلي قائلاً: «ولتكن أيضاً مناسبة نذكر فيها أبطال التحرير، مثل أحمس، وعمر مكرم، وعرابي، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، ومصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وجمال عبد الناصر (وكان قد ذكر السادات في موضع آخر من المقالة)، الأحياء في قلوبنا، وفي رحاب ربهم».

تُرجمت مقالات محفوظ إلى الإنجليزية ونُشرت في 4 مجلدات اعتمدت المنهج الزمني بعكس الطبعة العربية

أي عبقرية، وأي نظرة شمولية، وأي حس وطني ذلك الذي يقرن اسم أحمس الأول الفرعون المصري العظيم، مؤسس الأسرة الثامنة عشرة، ومحرر مصر من رعاة الشمال، الهكسوس، الذين احتلوا مصر السفلى لنحو مائة عام، بينما انحصر حكم الفراعنة في مصر العليا في طيبة، إلى أن شن أحمس حملة عليهم طردتهم من مصر السفلى، ومن سيناء، معيداً مجد الإمبراطورية المصرية القديمة. وكان ذلك من نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. إلا أن نجيب محفوظ (الذي كتب روايته التاريخية الشهيرة «كفاح طيبة» عن أحمس، 1944) يقرن اسمه بأسماء قادة مصر المعاصرين من القرن العشرين. هذه هي وحدة التاريخ الوطني. هذا هو الفهم الحقيقي لتاريخ مصر، وتسلسله عبر العصور. هذا هو الوعي الذي يدرك الصلة والتشابه والقدوة الصالحة عبر آلاف السنين. هذا هو الحس الذي لم يفقد وعيه بتاريخ الوطن الممتد في الزمان حتى بداياته. وهي رسالة محفوظ لكل حاكم مطلق مزهو بنفسه يظن أن تاريخ مصر يبدأ به، وأن ما قبله كان عدماً. للسبب نفسه يذكر محفوظ في نفس القائمة اسمي مصطفى النحاس، ومحمد نجيب، وقد كانا من الأسماء المحرمة الممحوة من تاريخ مصر في الفترة الناصرية، وكانت كتب التاريخ تعلم التلامذة أن عبد الناصر كان أول رئيس للجمهورية المصرية (متجاهلةً محمد نجيب)، وأنه كان أول مصري يحكم مصر منذ عهد الفراعنة. لو كان لدى الدولة وجهازها الإعلامي والتعليمي حسّ بالتاريخ المصري لكان اسم أحمس تردد عالياً يوم تحرير سيناء، فما حدث في حرب 1973 وحتى اكتمال تحرير سيناء في 1982 ثم 1989 هو بالضبط ما قام به أحمس الأول قبل 35 قرناً من الزمان. لكن هذا لم يحدث، فليس في وعي الدولة المصرية الحديثة هذه الصلة الوطنية الممتدة في الماضي البعيد. لكن ما انقطع في فهم الدولة يعيد وصله نجيب محفوظ في مقالة صحافية عابرة. ليس من عجب أنه كثيراً ما وُصف بأنه ضمير مصر الحي.

لا يكفُّ نجيب محفوظ عن إدهاشي كلما أعدت قراءته بمعاصرته لهموم اليوم، حتى في هذه المقالات الآنية الوجيزة المواكبة لأحداث يومها. وكأنه حي بيننا لم يُوارَ التراب منذ عشرين عاماً. بتاريخ 27 سبتمبر (أيلول) 1990 كتب مقالة بعنوان: «الدروس القاسية» في معرض الحديث على غزو صدام حسين للكويت الذي لم يكن قد مضى عليه شهران بعد، وكانت الأزمة لا تزال في ذروتها، كتب قائلاً: «البلوى تكمن عادة في زعيم مستبد يفرض ذاته بالقوة، ويهيمن على أجهزة الإعلام حتى يتراءى لنفسه وقومه كأنه فوق البشر، وينطق عن الوحي، ويتصرف بالإلهام. ولا يثوب إلى رشده إلا وهو في قاع الهاوية. متى تبرأ الأوطان العربية من ذلك الداء القاتل؟ متى تُعدّ بيتها للحياة في هذا العصر؟ متى تؤمن بالحرية واحترام حقوق الإنسان؟». لا نزال نسأل معه «متى؟»، نسأل بنفس السخط، وبنفس الإلحاح «متى؟»، وكأن ثلاثين عاماً لم تمضِ على سؤاله. إما أن محفوظ كان يتمتع برؤية تنبئية تجعل كلامه صالحاً لقادم الأزمان، وإما أننا قد تجمدنا عند لحظة سؤاله. تحولنا إلى أصنام. توقفت ساعاتنا عن الدوران، بينما تدور الساعات في كل مكان آخر. صرنا مأسورين في زمن ماضٍ قبيح، وكلما حاولنا الخطو خارجه، وكلما حاولنا فكّ الحصار، رُددناً على أعقابنا محسورين إلى داخل الدائرة المسحورة الشريرة.


محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي
TT

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل، وتحديداً في روايته الإشكالية «أولاد حارتنا»، التي أثارت كثيراً من الجدل على مدار عقود، فيُصدر عنها كتاباً نقدياً بعنوان «مملكة الله: نجيب محفوظ في أولاد حارتنا»، الذي يأتي في إطار مشروع نقدي كبير لمقاربة أدب نجيب محفوظ، فحسبما أعلن الناقد في نهاية مؤلفه، هناك أكثر من كتاب آخر تحت الطبع عن المدونة الروائية المحفوظية. وأهم ما في هذا الكتاب أنه يخلص الرواية مما تجاذبها طويلاً من قراءات آيديولوجية، وتحيزات سياسية، ومن استدراجها إلى أرض الفقهاء حيناً والسياسيين حيناً آخر، ويُعيدها مرة أخرى إلى أرض العمل الأدبي، الذي يجب قراءته وفهم حمولاته في هذا السياق دون غيره، وبمعايير النقد الأدبي ومناهجه، وليس وفق أهواء وتحزبات وقناعات مسبقة قادمة من حقول أخرى.

الكتاب صدر في القاهرة عن «دار العين للنشر»، في مائتين وثلاثين صفحة، ويسعى لقراءة الرواية بوصفها «سرداً أليجورياً ذا حمولات ترميزية»، بما يجعلها ذات طبيعة أمثولية تمثل شوق الإنسانية إلى العدل، واحتياجها من آن لآخر إلى ثورة تعيده بعد فقدانه وضياعه، وتعيدها إلى مسارها الصحيح كلما ضلت الطريق. لم يتوقف بدوي عند قراءة الرواية فقط، بوصفها نصاً منغلقاً، بل كان دائماً في مراوحات بندولية: أولاً بين النص الروائي وشخوصه وأمكنته الدنيوية كما رسمها السارد، وبين الشخصيات الأصلية التي تحاكيها هذه الشخوص الروائية. وثانياً؛ مراوحات دائمة بين الرواية موضوع الكتاب وغيرها من روايات محفوظ السابقة عليها أو التالية لها، مشيراً إلى وجود امتدادات لفكرة أو أسلوب هنا أو هناك، وتمدد حضوره من عمل لآخر، أو لانقطاع أو تحول أو اختلاف بينها وبين بقية الأعمال. وثالثاً؛ مراوحة بين السارد أو المؤلف الضمني داخل الرواية الذي تحكمه تقاليد النوع الأدبي، وبين نجيب محفوظ الإنسان الواقعي، المحكوم بسياقات سياسية واجتماعية في لحظة كتابة الرواية، بما يؤشر على قفز الناقد فوق مقولة «موت المؤلف»، التي ظلت حاكمة للنقد الأدبي منذ بزوغ البنيوية وصرعة مناهج الحداثة النقدية.

هذه المراوحات، استلزمت من المؤلف قدراً هائلاً، ومثيراً للإعجاب، من المعارف، خصوصاً المعرفة العميقة بالنصوص المقدسة، التي يصعب فهم الرواية دون الرجوع إليها، سواء كانت الكتب المقدسة (القرآن الكريم، والإنجيل، والتوراة) أو النصوص الثانوية الشارحة، من كتب فقه وغيرها، فهذه النصوص تمثل الأصل الذي انبنت عليه الرواية، للوقوف على ما حاكاه السارد، وكيف حاكاه، ومن ثم كان الناقد ينطلق من تفاصيل السرد الروائي إلى تتبع أصوله في السرود المقدسة، وكيف أعاد محفوظ تقديمها بشكل فني، وفقاً لتقاليد الرواية الواقعية، بما يخدم بنيتها الروائية، بدءاً من اختيار المكان الواقعي (حارتنا)، بكل التفاصيل الواقعية التي اعتادها قارئ أدب محفوظ، وفي الوقت نفسه ترميز هذه الحارة بما يجعلها فضاءً كونياً صالحاً لإنتاج أمثولة كونية عن العدل وغيابه والكفاح لاستعادته.

يتكون الكتاب من أربعة فصول وخاتمة. الفصل الأول، «الكتابة والتّقنُّع»، يركز على وضعية السارد وعلاقته بالمؤلف، وكيف بدأ السارد حكايته، مرتدياً عدة أقنعة، أحدها قناع «الحكواتي»، الأقرب إلى شاعر الربابة، الذي يروي حكاية الحارة بعد أن انتقلت إليه شفاهةً من جيل لآخر، على عادة الرواة الشعبيين. والقناع الثاني قناع المؤرخ المحايد، وأول من تعلم حرفة الكتابة في الحارة، ومن ثم يخايل بقناع الحياد التاريخي هذا، وبقناع السارد المراقب فقط أحياناً، لكن مع التوغل في السرد كثيراً ما يتوارى هذا الحياد، وتبزغ انحيازات المؤلف الإنسان، الذي يتدخل أحياناً بوجهات نظره وقناعاته خلال مسارات السرد، ويتجلى هذا الانحياز منذ العنوان، خصوصاً في كلمة «حارتنا»، التي تشير إلى انتماء السارد إلى العالم المرويّ عنه، واتخاذه موضعاً محدداً فيه. تتداخل هذه الأقنعة معاً، ومع وضعية المؤلف المنحاز، لتشكل في كلّيتها جزءاً مهماً من البنية الروائية، ووجهات النظر السردية.

ينقسم الفصل الثاني، «القادمون من أقصى الزمن والسرد»، إلى ثلاثة مباحث؛ أولها يعالج كيفية الإمساك السردي بـ«نغمة» الانطلاق، وفي الوقت نفسه تمثيل حقبة ما قبل بداية البشرية سردياً، إذ «استخدم السرد كلمة الخلاء لتمثيل الهيولي والفراغ، وهو أقصى ما تقدر الواقعية على قوله، لتمثيل ما قبل الخلق، ما قبل امتلاء الفضاء بالكائنات». والمبحثان الثاني والثالث يقاربان كيفية صوغ الحدث المركزي في الرواية، وهو «هبوط لإنسان من جنة عدن إلى الأرض، بعد أن اقترف آدم وحواء جرم عصيان الله»، وكيف صاغ محفوظ هذا الحدث، والشخصيات، والفروقات بين الصياغة الروائية وما ورد في النصوص المقدسة على اختلافها.

الفصل الثالث، «سردية الثورة، خطيئة النسيان»، يشير فيه المؤلف بوضوح إلى أنه «خلف المشاهد والتفاصيل المتدفقة، معنى صلب بالغ الوضوح، يمكن صوغه على نحو بسيط، وربما بصيغة شعارية: العدالة هي الأصل. هي توق الناس القارّ في أجسادهم ولا وعيهم إلى التحرر والانعتاق. هذا التوق يخبو حين يغرق الفضاء في ركام من التفاصيل الصغيرة، وربما المبتذلة، ويقترف الناس إثم النسيان». هذا المعنى الرئيس يجعل الرواية تخلق صراعاً بين سرديتين: سردية الثورة من أجل الانعتاق، ويمثّلها مهمشو وحرافيش الحارة/ العالم، وسردية الثورة المضادة، التي تريد سلب ثروات المهمشين وحرياتهم، ويمثلها «الفتوات» و«ناظر الوقف»، الذين يسعون للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها من إرث الجد «الجبلاوي».

الفصل الرابع والأخير بعنوان «شعرية المحاكاة»، يتتبع فيه المؤلف جماليات محاكاة النص الروائي للسرد المقدس.

«أولاد حارتنا» من وجهة نظر الناقد، ليست رواية تاريخية، بل «كنائية، أساسها إنتاج مشابهة، تأتي بشخصية من السرد الأسطوري أو السرد التاريخي، وتقوم بتجذيرها في فضاء غير فضائها، أي في فضاء مختلف في زمانه ومكانه». إنها رواية تبحث عن اليوتوبيا، وتتبنى منطقها، وهذه «معضلة الأمثولة، التي تعني أن ثمة معنى تقوم كل أدواتها بصقله وتزيينه عبر صهر التناقضات، ليصبح المعنى واضحاً جلياً، يقينيا، سابقاً على الكتابة، وتتم البرهنة عليه بكل أدوات السرد»، هذا المعنى هو العدل، والتحرر، والبحث عن عالم مثالي.