بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

إنذار ينتهي... وقلق يبقى

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
TT

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)

أربك التهديد الإسرائيلي الأخير الضاحية الجنوبية لبيروت خلال ساعات قليلة. حيث أُخليت مدارس، وهرع الأهالي لاصطحاب أولادهم من الصفوف، وغادر كثيرون منازلهم على عجل، فيما امتلأت الطرق بحركة نزوح جديدة أعادت إلى الأذهان مشاهد عاشها اللبنانيون مراراً خلال الأشهر الماضية. لكن ما خلّفه التهديد لم يكن محصوراً بساعات الإنذار نفسها، بل امتد إلى ما بعدها. انتهى الإنذار وبقي القلق. عاد بعض الناس إلى أعمالهم، لكنهم لم يستعيدوا إحساسهم بالأمان. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد السؤال متى ستقع الغارة؟ بل كيف يمكن العيش في ظل انتظار دائم للإنذار التالي؟

البيت الذي لم يعد آمناً

أوضحت ليلى حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن التهديد الأخير للضاحية لم ينته بالنسبة إليها مع انتهاء الإنذار، لأن الشعور الذي تركه ما زال يرافقها. فالمشكلة، كما تصفها، لم تعد مرتبطة بحدث أمني محدد، بل بحالة دائمة من عدم اليقين.

وبينت أن العلاقة الطبيعية التي كانت تربط الإنسان بمنزله تغيّرت بصورة جذرية. «فالبيت الذي كان يمثل المساحة الآمنة التي يلجأ إليها الإنسان عند الخوف أو الخطر، أصبح اليوم جزءاً من مصادر القلق». وتعد أنّ «حصول الإنذار جعل فكرة العودة أكثر تعقيداً من فكرة المغادرة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية أطفال أو أفراد من عائلاتهم».

وترى «أن الحياة في أماكن النزوح، رغم صعوبتها وقلة الخدمات فيها، تبدو أحياناً أقل قسوة من القلق المرتبط بالعودة. فالكهرباء والمياه وضيق المساحات ومشقة الحياة اليومية تصبح تفاصيل ثانوية أمام هاجس واحد هو تأمين الحماية للعائلة». وتضيف: «أن تكرار هذه التجربة يدفع الإنسان تدريجياً إلى التكيف مع ظروف غير طبيعية، حتى يصبح مجرد الشعور بالأمان هدفاً بحد ذاته، ولو كان ذلك على حساب جودة الحياة التي اعتادها سابقاً».

كل يوم يبدأ بالخوف

لم تعد فاطمة شمص إلى الضاحية بعد تهديد يوم الاثنين. تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللبنانيين يعيشون اليوم حالة ترقب دائمة تجعل الخوف جزءاً من الروتين اليومي. فكل صباح يبدأ بسؤال مختلف، لكنه يحمل المعنى نفسه: هل سيمر هذا اليوم بسلام؟».

وتروي كيف انعكس التهديد الأخير على الحياة اليومية للعائلات. فشقيقتها كانت في المدرسة عندما تقرر وقف الامتحانات وإخلاء التلاميذ بصورة عاجلة. وخلال دقائق، وجد الأهالي أنفسهم مضطرين إلى ترك أعمالهم والتوجه نحو المدارس وسط ازدحام الطرق والقلق من احتمال حصول أي تطور أمني مفاجئ.

وتقول إن «أصعب ما يعيشه الناس ليس فقط الخوف من الغارات، بل الإحساس الدائم بعدم الاستقرار. فالعائلات لم تعد قادرة على التخطيط ليومها أو لأسبوعها، لأن أي إنذار جديد قد يقلب كل الخطط رأساً على عقب». وترى «أن الخطر لم يعد محصوراً بمنطقة دون أخرى، بعدما امتدت الإنذارات والتوترات إلى مناطق مختلفة من لبنان، ما جعل الشعور بعدم الأمان أكثر انتشاراً من أي وقت مضى».

سكان يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تهديدات إسرائيلية باستهدافها (إ.ب.أ)

الترقب يستهلك الناس

يصف علي نور الدين، ابن بلدة تول الجنوبية والمقيم في الضاحية الجنوبية، ما يعيشه السكان بأنه «ترقب قاتل». ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأزمة لم تعد مرتبطة بالإنذار نفسه، بل بالحالة النفسية التي تليه. فبعد كل تهديد، يبقى الناس عالقين بين احتمال العودة إلى حياتهم الطبيعية واحتمال حصول تصعيد جديد». ويشير إلى أن «هذا النوع من القلق المستمر يستنزف السكان أكثر مما تفعل الأحداث الأمنية المباشرة، لأنه يحول حياتهم إلى حالة انتظار مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي».

ويضيف أن «القلق لا يقتصر على الضاحية، بل يمتد إلى الجنوب أيضاً، حيث تتابع العائلات أخبار بلداتها ومنازلها ومصير مناطقها وسط غياب أي وضوح بشأن المرحلة المقبلة».

نحمل ذكرياتنا في حقيبة

بدورها، لم تعد ليان عبد الله إلى الضاحية منذ التهديد الأخير. فبالنسبة إلى الطالبة الجامعية، لم تعد الحياة الجامعية تدور حول المحاضرات والامتحانات والطموحات، بل حول النزوح والبحث عن مكان آمن.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إن «حياتها باتت عبارة عن توضيب للأغراض داخل حقيبة، ثم الانتقال إلى مكان جديد، قبل الاستعداد لإمكانية تكرار الأمر مجدداً». وتعد أن جيلها لم يعد قادراً على التفكير بمشاريعه المستقبلية أو بخططه المهنية، لأن الأولوية أصبحت محصورة بتجاوز اليوم الحالي بسلام.

وتتحدث عن شعور قاسٍ يرافق كل عملية نزوح، يتمثل في اختصار حياة كاملة داخل حقيبة واحدة. «فالإنسان لا يترك وراءه جدراناً وأثاثاً فقط، بل يترك ذكريات وتفاصيل وعلاقات ارتبطت بالمكان».

كما تشير إلى «معاناة إضافية تواجه العائلات التي تضم مرضى يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة. فكل انتقال يفرض أسئلة جديدة حول الطرق الآمنة وإمكانية الوصول إلى المستشفيات وتأمين العلاج، ما يضيف عبئاً إضافياً إلى الضغوط النفسية التي يعيشها الجميع».

مواطنون يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت سيراً على الأقدام بعد تهديدات إسرائيلية (إ.ب.أ)

نزوح من الضاحية وخوف من خسارة بنت جبيل إلى الأبد

لا يتحدث حسن بزي عن التهديد الأخير للضاحية الجنوبية بوصفه حدثاً أمنياً عابراً، بل بوصفه لحظة أعادت إليه هواجس أعمق تتعلق بمستقبله ومستقبل بلدته بنت جبيل.

يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «وجد نفسه، كما الآلاف غيره، أمام احتمال نزوح جديد من الضاحية، فيما يرافقه شعور بأن المسافة تكبر يوماً بعد يوم بينه وبين بلدته الجنوبية التي أمضى سنوات طويلة وهو يخطط للعودة إليها والاستقرار فيها».

ويضيف: «بعد تهديد الضاحية الأخير عاد الإحساس نفسه بأن حياتنا كلها أصبحت معلقة. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بمكان نسكن فيه اليوم أو غداً، بل بمستقبل كامل لا نعرف إذا كنا سنتمكن من استعادته».

ويشرح أن لديه أراضي وعقارات في بنت جبيل كان يعدها مشروع عمره ومصدر استقراره بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل، لكنه بات يشعر بأن تلك الخطط تبتعد باستمرار مع استمرار الحرب وتعقّد المشهد سياسياً وعسكرياً.

ويقول: «كنت أتصور أن أعود لأعيش في أرضي وأهتم بما بنيته طوال سنوات. كنت أعتقد أن التعب الذي استمر ثلاثين عاماً سيمنحني فرصة للراحة والاستقرار. اليوم أشعر بأن كل ذلك أصبح مؤجلاً إلى أجل غير معروف».

ويرى أن التهديدات المتكررة والنزوح المستمر من الضاحية والجنوب يضعان الناس أمام حالة من الإنهاك النفسي المتراكم، حيث يصبح من الصعب التفكير بالمستقبل أو بناء أي خطط طويلة الأمد.

ويضيف: «أخشى أن يكبر أولادنا وهم لا يعرفون هذه القرى كما عرفناها نحن، وأخشى أن يتحول انتظار العودة إلى حالة دائمة. لهذا السبب لا يقلقني النزوح من الضاحية وحده، بل يقلقني أكثر أن يأتي يوم أشعر فيه بأن بنت جبيل أصبحت مجرد ذكرى».


مقالات ذات صلة

تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

المشرق العربي العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)

تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

أرجأت الولايات المتحدة الاجتماع الافتراضي الذي كان مقرراً الجمعة بين الوفود العسكرية اللبنانية والإسرائيلية والأميركية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي دورية للجيش اللبناني في بلدة صريفا بقضاء صور في جنوب لبنان، بالتزامن مع اختتام جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية، والتي أسفرت عن الاتفاق على المضي في تنفيذ "المناطق التجريبية" (أ.ف.ب)

تعقيدات أمنية وقانونية تواجه تنفيذ «المناطق التجريبية» بجنوب لبنان

تفتح ترتيبات تنفيذ «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان ملفات قانونية وأمنية تتجاوز الانسحاب والانتشار، لتشمل حرية التنقل والعودة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي يوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعه مع نظيره الفنلندي في العاصمة الفنلندية هلسنكي - 15 يوليو 2026 (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا يقترح إرسال بعثة للاتحاد الأوروبي محل قوات الأمم المتحدة في لبنان

اقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول نشر قوة بتفويض من الاتحاد الأوروبي كبديل لبعثة الأمم المتحدة في لبنان التي تنتهي مهمتها بحلول نهاية هذا العام.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

ينتظر الجيش اللبناني «الضوء الأخضر» لدخول المناطق التجريبية في جنوب لبنان، تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار» مع إسرائيل برعاية أميركية، حيث من المزمع أن يُعقد اجتماع.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)

لبنان ينجح بفصل مساره التفاوضي مع إسرائيل عن المحادثات الإيرانية

نجح لبنان الرسمي، إلى حدّ كبير، بفصل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني، عبر اتفاق يبدأ تنفيذه في منطقة تجريبية.

نذير رضا (بيروت)

ضربات إسرائيلية تقتل 8 فلسطينيين في غزة خلال جنازة

فلسطينيون يحملون جثماناً آخر قتل في غارة إسرائيلية على مخيم النصيرات (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثماناً آخر قتل في غارة إسرائيلية على مخيم النصيرات (د.ب.أ)
TT

ضربات إسرائيلية تقتل 8 فلسطينيين في غزة خلال جنازة

فلسطينيون يحملون جثماناً آخر قتل في غارة إسرائيلية على مخيم النصيرات (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثماناً آخر قتل في غارة إسرائيلية على مخيم النصيرات (د.ب.أ)

قال مسؤولون بمجال الصحة في غزة إن غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ثمانية فلسطينيين وإصابة 20 آخرين ​كانوا يحضرون جنازة في النصيرات بوسط قطاع غزة، لتشييع قتيل آخر لقي حتفه في غارة إسرائيلية أخرى استهدفت المنطقة، في وقت سابق من اليوم الجمعة.

وقال مسعفون إن هذه الوفيات تضاف إلى ما لا يقل عن ثلاثة فلسطينيين آخرين قتلوا في غارات جوية إسرائيلية منفصلة بأماكن أخرى من القطاع، مما يرفع عدد القتلى، اليوم الجمعة، إلى 12 على الأقل.

ونددت حركة «حماس» بالغارة على النصيرات ووصفتها بأنها «مذبحة وحشية» ‌ضد المشيعين، وحثت ‌الوسطاء، وكذلك الأمم المتحدة، على التحرك لوقف ​الهجمات ‌الإسرائيلية في غزة، وفقاً لوكالة «رويترز».

ورداً ​على سؤال عن الهجوم في النصيرات، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف خلية تابعة لحركة «الجهاد الإسلامي»، التي لها نفوذ في أجزاء من القطاع إلى جانب «حماس». وقال الجيش إنه «على علم بالادعاءات بأن عدداً من الأفراد غير المتورطين تضرروا نتيجة الضربة».

إسرائيل تأمر بالإخلاء

رغم وقف النار قال سكان في منطقة تقع شرق دير البلح بوسط قطاع غزة إن القوات الإسرائيلية استخدمت طائرات مسيّرة لبث رسائل صوتية تنذرهم بمغادرة منازلهم، مما أجبر بعض ‌العائلات على النزوح طلباً للأمان.

ويقول مسؤولو ‌الصحة في غزة إن عدد القتلى ​تجاوز 1100، معظمهم من المدنيين، من جراء ‌الهجمات الإسرائيلية منذ سريان وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» في ‌أكتوبر (تشرين الأول). ولا تكشف «حماس» عادة عن عدد القتلى في صفوفها.

وأوقف وقف إطلاق النار الأعمال القتالية الكبيرة، لكنها لم توقف الغارات الإسرائيلية شبه اليومية. وتقول إسرائيل إنها تستهدف المسلحين. وقُتل أربعة جنود إسرائيليين على يد مسلحين في غزة ‌خلال الفترة نفسها.

وقالت منظمة «إكليد» لرصد النزاعات، وهي مجموعة بحثية مقرها الولايات المتحدة تتابع العنف السياسي، إن الغارات الجوية الإسرائيلية على «حماس» وفصائل مسلحة أخرى ارتفعت إلى أكثر من 40 غارة في يونيو (حزيران)، وهو أعلى إجمالي شهري منذ وقف إطلاق النار. وأضافت أن غارات أخرى استهدفت أشخاصاً بالقرب من الخط الفاصل بين الجانبين، ما أسفر عن مقتل وإصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال.

وبدأت الحرب عندما هاجم مقاتلون بقيادة «حماس» جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، ما أسفر وفقاً للإحصاءات الإسرائيلية عن مقتل 1200 شخص واقتياد نحو 250 رهينة. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني.

ويعيش الآن جميع سكان القطاع البالغ ​عددهم مليوني نسمة تقريباً في ​شريط ضيق من الأرض على طول الساحل، معظمهم في خيام مؤقتة أو مبانٍ لحقت بها أضرار، تحت سيطرة «حماس».


تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)
العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)
TT

تأجيل الاجتماع التقني بين لبنان وإسرائيل يؤخر تنفيذ «المناطق التجريبية»

العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)
العلم الإسرائيلي على أحد المباني في جنوب لبنان حيث دعا الجيش الإسرائيلي الصحافيين إلى جولة في المنطقة حيث تقع قلعة الشقيف التي سيطر عليها (أ.ب)

أرجأت الولايات المتحدة الاجتماع الافتراضي الذي كان مقرراً الجمعة بين الوفود العسكرية اللبنانية والإسرائيلية والأميركية، والمخصص لبحث الآليات التنفيذية للمرحلة الأولى من تطبيق «المناطق التجريبية»، في خطوة تؤجل عملياً بدء تنفيذ الخطوات العملية لـ«اتفاق الإطار» ولا سيما المرتبطة بـ«المناطق التجريبية»، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول مسار التنفيذ والجدول الزمني الذي لم يتم تحديده.

وكان الاجتماع التقني الذي اتفق عليه خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات التي عقدت بداية الأسبوع في روما يهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على الآليات التنفيذية للمرحلة الأولى، التي تقوم على انسحاب الجيش الإسرائيلي من عدد من المناطق التجريبية مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها بإشراف لجنة المراقبة، تمهيداً لتوسيع نطاق التنفيذ في مراحل لاحقة.

جنود من الجيش اللبناني يقفون عند نقطة تفتيش في قرية فرون (أ.ب)

وأفادت مصادر مطلعة على المفاوضات لـ«الشرق الأوسط» بأن التأجيل جاء بطلب من الجانب الأميركي، الذي أبلغ الأطراف أن الأمر يعود إلى الحاجة إلى استكمال إعداد الملفات التقنية والخطط التطبيقية والإجراءات التنفيذية، من دون تحديد موعد جديد للاجتماع. إلا أن المصادر رجحت أن يعقد الاجتماع خلال زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر الذي يصل إلى بيروت في 23 يوليو (تموز) الحالي، وكان قد التقى نهاية الشهر الماضي كلاً من رئيس الجمهورية جوزيف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل.

في المقابل، ربطت مصادر عسكرية التأجيل بالنوايا الإسرائيلية، وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن موعداً رسمياً لم يكن قد حدد أساساً للاجتماع التقني، وأن ما أثير حول تأجيله يرتبط بأسباب تقنية وعملانية تتصل باستكمال التحضيرات التنفيذية. لكنها رأت أن المشهد الميداني يعكس في الوقت نفسه حسابات إسرائيلية تتجاوز الجوانب التقنية، لافتة إلى أن «إسرائيل تواصل عمليات التدمير الممنهج في القرى الحدودية، فيما يبدو، محاولة لاستكمال أهدافها الميدانية قبل الالتزام بأي اتفاق للتنفيذ».

ولفتت المصادر «إلى أن إسرائيل، التي لا تزال ترفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية، تحاول حصر الحديث عن المناطق التجريبية في مناطق غير خاضعة لاحتلالها أساساً، في حين يمارس الجانب الأميركي ضغوطاً عليها للبدء بتنفيذ الاتفاق من خلال الانسحاب من المناطق التي تحتلها». واعتبرت المصادر أن هذا التباين يفسر محاولات تل أبيب كسب المزيد من الوقت والمماطلة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

وكانت الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي انعقدت في روما برعاية أميركية، قد انتهت إلى اتفاق على استكمال هيكلية المناطق التجريبية والبدء بتنفيذها خلال أيام، وفق «اتفاق الإطار» الرامي إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية مقابل انتشار الجيش اللبناني.

شابان لبنانيان يلعبان كرة القدم أمام منزل دُمِّر بغارة إسرائيلية خلال الحرب مع «حزب الله» في قرية فرون (أ.ب)

ولا يحدد الاتفاق الإطاري جدولاً زمنياً ملزماً لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي، فيما تتمسك إسرائيل بموقفها القائل إنها لن تنسحب من المنطقة الأمنية التي تسعى إلى إبقائها بعمق يقارب عشرة كيلومترات عن الحدود، قبل التأكد من نزع سلاح «حزب الله» في تلك المناطق، وهو شرط ينظر إليه على أنه شديد التعقيد في ظل الواقع اللبناني.

خروق وعمليات هدم وتدمير مستمرة

ميدانياً، استمرت الخروق الإسرائيلية في جنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار الجيش اللبناني في تعزيز انتشاره. وسجل انتشار جديد للجيش في بلدة فرون في قضاء بنت جبيل، حيث بدأ تسيير دوريات مكثفة، علماً أن البلدة تقع ضمن القرى الست المرشحة لتكون جزءاً من المرحلة التجريبية.

في غضون ذلك، تستكمل القوات الإسرائيلية عمليات نسف المنازل، وكان آخرها في مدينة بنت جبيل، كما شنت غارات بمسيّرات على بلدتي ميفدون وشوكين، واستهدفت طريق الناقورة بثلاث غارات، إلى جانب غارة على بلدة المنصوري، وأخرى على الناقورة أسفرت عن إصابة عامل سوري. كما نفذت صباحاً تفجيراً كبيراً في بلدة حداثا عند أطراف عيتا الجبل، واستمرت عمليات التمشيط في عدد من المناطق الحدودية.

وانتشلت فرق الإسعاف جثامين ضحايا الغارة التي استهدفت بلدة المنصوري ليل الخميس، فيما ناشد أهالي بلدة حاريص الجيش اللبناني التدخل لإجلاء عدد من المدنيين بعد محاصرتهم خلال عملية تمشيط إسرائيلية، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».

جنود لبنانيون يقيمون نقطة تفتيش في جنوب البلاد (موقع قيادة الجيش)

«حزب الله» يواصل هجومه على «اتفاق الإطار» ويهدد بالاستقرار الداخلي

سياسياً، يواصل «حزب الله» انتقاداته لـ«اتفاق الإطار» ولأداء السلطة اللبنانية. واعتبر النائب عن الحزب علي فياض أن جولة روما أظهرت «انكشاف» الموقف الرسمي اللبناني، متهماً السلطة بمواصلة المفاوضات رغم استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، والسير في خيارات تهدف، حسب تعبيره، إلى إرضاء الولايات المتحدة وإسرائيل.

وهدد فياض بالاستقرار الداخلي قائلاً: «هذه السلطة مُصرّة على أخذ البلد إلى مكان شديد الخطورة»، معتبراً أن هذا المسار لن يؤدي إلى استعادة الأرض أو السيادة، بل سيؤدي إلى خسارة الاستقرار الداخلي ووحدة اللبنانيين. كما أكد أن «المقاومة جاهزة لكل الاحتمالات والخيارات»، مشدداً على تمسكها بما وصفه بثوابتها في الدفاع عن لبنان وتحرير الأرض وعودة السكان إلى قراهم.


إسرائيل تصعد ميدانياً وتحضّر «منطقة إنسانية» في غزة

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
TT

إسرائيل تصعد ميدانياً وتحضّر «منطقة إنسانية» في غزة

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (رويترز)

اتجهت القوات الإسرائيلية، التي تسيطر على مناطق واسعة في قطاع غزة، مؤخراً على اتخاذ إجراءات ميدانية تمهد الطريق لتنفيذ خطة «مجلس السلام» القائمة على نقل فلسطينيين لا تربطهم علاقة بحركة «حماس» إلى مناطق إنسانية في رفح المدمرة والتي تقع تحت سيطرة إسرائيل بشكل كامل منذ نحو عامين.

بوابات حديدية

فوجئ سكان مواصي جنوب خان يونس، وشمال رفح، جنوب قطاع غزة، صباح الجمعة، بتركيب القوات الإسرائيلية بوابة على طريق الرشيد الساحلي، في منطقة «هاي كلاس» بمواصي رفح، وسط انتشار لآليات في تلك المنطقة، وتطلق النار على كل من يقترب من محيط البوابة.

فلسطينيون يشيعون قتيلاً سقط بهجوم إسرائيلي في مدينة غزة الخميس (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن هذه البوابة الثانية التي تضعها قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة مواصي رفح، بعد أن وضعت أخرى منذ أيام في منطقة الشاكوش.

وشرح المصدر أن هاتين البوابتين تؤديان إلى مناطق غرب رفح، وتحديداً حي تل السلطان ومناطق محيطة به، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية قامت مؤخراً بحفر خندق في منطقة مواصي رفح، الهدف منه على ما يبدو منع اقتراب الفلسطينيين من تلك القوات، في حال تم فعلياً نقلهم للمنطقة التي يدور الحديث عنها للعيش فيها.

ولم يستبعد المصدر أن تستخدم هذه البوابات لاحقاً لتفتيش الفلسطينيين والتحقق من هوياتهم عند انتقالهم للمنطقة التي يتم الحديث عنها.

تل السلطان

ووفقاً لتقارير في وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، فإن حي تل السلطان بمثابة المنطقة الأولى التي ستستخدم لإقامة مشروع وُصف بـ«المنطقة الإنسانية» التي ستتم محاولة تشجيع سكان من القطاع للعيش فيها بعد تجهيزها لاستقبال السكان في إطار خطة وضعها «مجلس السلام» للتقدم بخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في مرحلتها الثانية، التي تشير للمضي قدماً في تنفيذ الخطة حتى لو رفضت «حماس» نزع سلاحها.

فلسطيني يعاين مبنى دمرته غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

ويصعب على الفلسطينيين في قطاع غزة معرفة مدى التجهيزات التي تجري في تلك المنطقة، لا سيما أن مدينة رفح تقع تحت سيطرة إسرائيل بالكامل.

ووفقاً لتقرير نُشر في «هيئة البث الإسرائيلية» قبل أسابيع، فإن إسرائيل وبطلب من الولايات المتحدة بدأت بإزالة الركام من رفح وتحديداً حي تل السلطان، بهدف بدء إقامة منطقة تجريبية هناك لجلب فلسطينيين إليها، مشيرةً إلى أن عناصر من قوة الاستقرار الدولية ستنتشر في تلك المنطقة من دون أسلحة نارية، لضبط الأمن، في وقت كان الحديث قبل أشهر يدور عن إمكانية نشر عناصر من العصابات المسلحة لضبط الأمن في تلك المنطقة.

دمار هائل

وقالت 3 مصادر ميدانية فلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المعالم التي كانت سابقاً، وتظهر وجود ركام ودمار كبيرين في رفح وخان يونس، بدأ يختفي فعلياً بفعل عمليات إزالتها ونقل الركام إلى داخل إسرائيل فيما يبدو.

وكشفت دورين كارادي، وهي مديرة شركة «تايلور كارادي» المتخصصة في إزالة الأنقاض، أن كمية الأنقاض الهائلة الموجودة في قطاع غزة بعد أكثر من عامين ونصف العام على الحرب، تقدَّر بنحو 40 مليون طن، وبحاجة إلى نحو 2.5 مليار دولار، كما أن إزالتها بحاجة لنحو 10 سنوات، كما نقلت عنها صحيفة «معاريف» العبرية.

خطة تجريبية

ويبدو أن ملف إعادة إعمار قطاع غزة، بات يواجه عقبات كبيرة في ظل عدم التوصل لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار والمضي بالمرحلة الثانية من الخطة. ووفقاً لصحيفة «الغارديان» فإن خطة «مجلس السلام» لإعادة الإعمار تراجعت، من مشروع شامل لإعادة بناء القطاع بأكمله إلى برنامج تجريبي محدود في جنوبه.

وقالت الصحيفة إن الخطة التي كانت تستهدف في بدايتها إعادة إعمار غزة وإنعاش بنيتها التحتية تحولت إلى مشروع صغير يتمثل في إنشاء مخيم مؤقت قرب مدينة رفح، يستوعب عشرات الآلاف فقط من أصل أكثر من مليوني فلسطيني نزحوا بسبب الحرب، على أن تديره إدارة فلسطينية تتبع للجنة إدارة غزة، وتحرسه قوة أمنية دولية محدودة. مشيرةً إلى أن المشروع لا يتوقع أن يرى النور قبل نهاية العام الحالي، رغم اتخاذ بعض الخطوات التحضيرية فإن الأعمال الميدانية لم تبدأ بعد.

ويواجه المشروع أيضاً تحديات مالية كبيرة؛ إذ لم يصل سوى جزء محدود من أصل 17 مليار دولار سبق التعهد بها لخطة ترمب الأوسع، في حين يسعى القائمون على المشروع إلى استخدام جزء من أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل لتمويله، وهو ما أثار رفض السلطة الفلسطينية التي أكدت أن هذه الأموال حق فلسطيني لا يجوز استخدامها كورقة تفاوض.

وعقد منتصف الشهر الحالي، اجتماع هو الثالث بين مكتب التنسيق المشترك، للسلطة الفلسطينية و«مجلس السلام»، على هامش مؤتمر المانحين الدوليين في بروكسل، والذي بحث خطة التعافي المبكر في قطاع غزة. بينما شهد الاجتماع الإعلان عن مبادرة «فريق غزة»، بمشاركة أكثر من 12 دولة مانحة، إلى جانب البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الدولي، بهدف حشد نحو مليار دولار لدعم برنامج التعافي في القطاع.

دخان جراء غارة إسرائيلية على مخيم المغازي للاجئين بوسط قطاع غزة الأربعاء (أ.ب)

تصعيد لا يتوقف

ويأتي ذلك على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة؛ فقد اغتيل، فجر الجمعة، محمد عبيد أحد القادة الميدانيين في لواء غزة التابع لـ«كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس» إثر قصف شقة سكنية. بينما قُتلت، ظهراً، سيدة بإلقاء قنبلة من طائرة مسيرة في بلدة بيت لاهيا، وأخرى بإطلاق نار جنوب خان يونس، وقُتل شابان إثر غارتين منفصلتين مخيم النصيرات وسط القطاع، بينما انتُشل جثمان شاب سادس من المنطقة الصفراء في خان يونس، وأصيب ما لا يقل عن 6 فلسطينيين في غارات مماثلة بمدينة غزة ودير البلح وبلدة الزوايدة.

وتعرضت عدة مناطق لقصف مدفعي ونسف على جانبي الخط الأصفر، بينما قدمت آليات إسرائيلية «الخط الأصفر» قرب طريق صلاح الدين الرئيس ببلدة القرار شمال خان يونس. بينما طلبت طائرات مسيرة إسرائيلية صغيرة من السكان القاطنين في منطقة القسطل شرق دير البلح بإخلائها بشكل كامل والتوجه إلى غرب الدير فيما يبدو تمهيداً لتوسيع الخط الأصفر في تلك المنطقة.

وقُتل، الخميس، 5 فلسطينيين في غارات إسرائيلية طالت في اثنتين منها قيادات في «القسام» بغزة وخان يونس، من بينهم أنس حمدان الذي قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه كان اليد اليمنى قبل وخلال الحرب لمحمد الضيف ورافع سلامة، وكان مسؤولاً عن احتجاز مختطفين إسرائيليين، وشارك في عمليات تسليمهم.