بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

إنذار ينتهي... وقلق يبقى

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
TT

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)

أربك التهديد الإسرائيلي الأخير الضاحية الجنوبية لبيروت خلال ساعات قليلة. حيث أُخليت مدارس، وهرع الأهالي لاصطحاب أولادهم من الصفوف، وغادر كثيرون منازلهم على عجل، فيما امتلأت الطرق بحركة نزوح جديدة أعادت إلى الأذهان مشاهد عاشها اللبنانيون مراراً خلال الأشهر الماضية. لكن ما خلّفه التهديد لم يكن محصوراً بساعات الإنذار نفسها، بل امتد إلى ما بعدها. انتهى الإنذار وبقي القلق. عاد بعض الناس إلى أعمالهم، لكنهم لم يستعيدوا إحساسهم بالأمان. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد السؤال متى ستقع الغارة؟ بل كيف يمكن العيش في ظل انتظار دائم للإنذار التالي؟

البيت الذي لم يعد آمناً

أوضحت ليلى حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن التهديد الأخير للضاحية لم ينته بالنسبة إليها مع انتهاء الإنذار، لأن الشعور الذي تركه ما زال يرافقها. فالمشكلة، كما تصفها، لم تعد مرتبطة بحدث أمني محدد، بل بحالة دائمة من عدم اليقين.

وبينت أن العلاقة الطبيعية التي كانت تربط الإنسان بمنزله تغيّرت بصورة جذرية. «فالبيت الذي كان يمثل المساحة الآمنة التي يلجأ إليها الإنسان عند الخوف أو الخطر، أصبح اليوم جزءاً من مصادر القلق». وتعد أنّ «حصول الإنذار جعل فكرة العودة أكثر تعقيداً من فكرة المغادرة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية أطفال أو أفراد من عائلاتهم».

وترى «أن الحياة في أماكن النزوح، رغم صعوبتها وقلة الخدمات فيها، تبدو أحياناً أقل قسوة من القلق المرتبط بالعودة. فالكهرباء والمياه وضيق المساحات ومشقة الحياة اليومية تصبح تفاصيل ثانوية أمام هاجس واحد هو تأمين الحماية للعائلة». وتضيف: «أن تكرار هذه التجربة يدفع الإنسان تدريجياً إلى التكيف مع ظروف غير طبيعية، حتى يصبح مجرد الشعور بالأمان هدفاً بحد ذاته، ولو كان ذلك على حساب جودة الحياة التي اعتادها سابقاً».

كل يوم يبدأ بالخوف

لم تعد فاطمة شمص إلى الضاحية بعد تهديد يوم الاثنين. تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللبنانيين يعيشون اليوم حالة ترقب دائمة تجعل الخوف جزءاً من الروتين اليومي. فكل صباح يبدأ بسؤال مختلف، لكنه يحمل المعنى نفسه: هل سيمر هذا اليوم بسلام؟».

وتروي كيف انعكس التهديد الأخير على الحياة اليومية للعائلات. فشقيقتها كانت في المدرسة عندما تقرر وقف الامتحانات وإخلاء التلاميذ بصورة عاجلة. وخلال دقائق، وجد الأهالي أنفسهم مضطرين إلى ترك أعمالهم والتوجه نحو المدارس وسط ازدحام الطرق والقلق من احتمال حصول أي تطور أمني مفاجئ.

وتقول إن «أصعب ما يعيشه الناس ليس فقط الخوف من الغارات، بل الإحساس الدائم بعدم الاستقرار. فالعائلات لم تعد قادرة على التخطيط ليومها أو لأسبوعها، لأن أي إنذار جديد قد يقلب كل الخطط رأساً على عقب». وترى «أن الخطر لم يعد محصوراً بمنطقة دون أخرى، بعدما امتدت الإنذارات والتوترات إلى مناطق مختلفة من لبنان، ما جعل الشعور بعدم الأمان أكثر انتشاراً من أي وقت مضى».

سكان يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تهديدات إسرائيلية باستهدافها (إ.ب.أ)

الترقب يستهلك الناس

يصف علي نور الدين، ابن بلدة تول الجنوبية والمقيم في الضاحية الجنوبية، ما يعيشه السكان بأنه «ترقب قاتل». ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأزمة لم تعد مرتبطة بالإنذار نفسه، بل بالحالة النفسية التي تليه. فبعد كل تهديد، يبقى الناس عالقين بين احتمال العودة إلى حياتهم الطبيعية واحتمال حصول تصعيد جديد». ويشير إلى أن «هذا النوع من القلق المستمر يستنزف السكان أكثر مما تفعل الأحداث الأمنية المباشرة، لأنه يحول حياتهم إلى حالة انتظار مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي».

ويضيف أن «القلق لا يقتصر على الضاحية، بل يمتد إلى الجنوب أيضاً، حيث تتابع العائلات أخبار بلداتها ومنازلها ومصير مناطقها وسط غياب أي وضوح بشأن المرحلة المقبلة».

نحمل ذكرياتنا في حقيبة

بدورها، لم تعد ليان عبد الله إلى الضاحية منذ التهديد الأخير. فبالنسبة إلى الطالبة الجامعية، لم تعد الحياة الجامعية تدور حول المحاضرات والامتحانات والطموحات، بل حول النزوح والبحث عن مكان آمن.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إن «حياتها باتت عبارة عن توضيب للأغراض داخل حقيبة، ثم الانتقال إلى مكان جديد، قبل الاستعداد لإمكانية تكرار الأمر مجدداً». وتعد أن جيلها لم يعد قادراً على التفكير بمشاريعه المستقبلية أو بخططه المهنية، لأن الأولوية أصبحت محصورة بتجاوز اليوم الحالي بسلام.

وتتحدث عن شعور قاسٍ يرافق كل عملية نزوح، يتمثل في اختصار حياة كاملة داخل حقيبة واحدة. «فالإنسان لا يترك وراءه جدراناً وأثاثاً فقط، بل يترك ذكريات وتفاصيل وعلاقات ارتبطت بالمكان».

كما تشير إلى «معاناة إضافية تواجه العائلات التي تضم مرضى يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة. فكل انتقال يفرض أسئلة جديدة حول الطرق الآمنة وإمكانية الوصول إلى المستشفيات وتأمين العلاج، ما يضيف عبئاً إضافياً إلى الضغوط النفسية التي يعيشها الجميع».

مواطنون يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت سيراً على الأقدام بعد تهديدات إسرائيلية (إ.ب.أ)

نزوح من الضاحية وخوف من خسارة بنت جبيل إلى الأبد

لا يتحدث حسن بزي عن التهديد الأخير للضاحية الجنوبية بوصفه حدثاً أمنياً عابراً، بل بوصفه لحظة أعادت إليه هواجس أعمق تتعلق بمستقبله ومستقبل بلدته بنت جبيل.

يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «وجد نفسه، كما الآلاف غيره، أمام احتمال نزوح جديد من الضاحية، فيما يرافقه شعور بأن المسافة تكبر يوماً بعد يوم بينه وبين بلدته الجنوبية التي أمضى سنوات طويلة وهو يخطط للعودة إليها والاستقرار فيها».

ويضيف: «بعد تهديد الضاحية الأخير عاد الإحساس نفسه بأن حياتنا كلها أصبحت معلقة. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بمكان نسكن فيه اليوم أو غداً، بل بمستقبل كامل لا نعرف إذا كنا سنتمكن من استعادته».

ويشرح أن لديه أراضي وعقارات في بنت جبيل كان يعدها مشروع عمره ومصدر استقراره بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل، لكنه بات يشعر بأن تلك الخطط تبتعد باستمرار مع استمرار الحرب وتعقّد المشهد سياسياً وعسكرياً.

ويقول: «كنت أتصور أن أعود لأعيش في أرضي وأهتم بما بنيته طوال سنوات. كنت أعتقد أن التعب الذي استمر ثلاثين عاماً سيمنحني فرصة للراحة والاستقرار. اليوم أشعر بأن كل ذلك أصبح مؤجلاً إلى أجل غير معروف».

ويرى أن التهديدات المتكررة والنزوح المستمر من الضاحية والجنوب يضعان الناس أمام حالة من الإنهاك النفسي المتراكم، حيث يصبح من الصعب التفكير بالمستقبل أو بناء أي خطط طويلة الأمد.

ويضيف: «أخشى أن يكبر أولادنا وهم لا يعرفون هذه القرى كما عرفناها نحن، وأخشى أن يتحول انتظار العودة إلى حالة دائمة. لهذا السبب لا يقلقني النزوح من الضاحية وحده، بل يقلقني أكثر أن يأتي يوم أشعر فيه بأن بنت جبيل أصبحت مجرد ذكرى».


مقالات ذات صلة

فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

أفادت ​الرئاسة اللبنانية بأن نائب الرئيس الأميركي ووزير ‌الخارجية أبلغا ‌الرئيس ⁠اللبناني بأن ⁠واشنطن تتابع التفاهمات التي تسنى التوصل إليها في سويسرا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن- بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض قبيل توجهه إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)

انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات مع إسرائيل وسط رفض لبناني لـ«الاحتلال والوصايات الخارجية»

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن «تطورات الأيام الماضية أثبتت صحة خيارنا بالذهاب إلى التفاوض؛ لأنه السبيل الوحيد المعتمد على مستوى العالم كله لتحقيق الأهداف».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مشهد لدمار طال مبنى وسيارات استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تختبر «حرية الحركة» بهجمات متفرقة… و«حزب الله» يندّد ولا يهدّد بالرد

يتجدّد الجدل حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان مع تمسك حكومة بنيامين نتنياهو بما تسميه «المنطقة الأمنية» واستمرار العمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الأخير إلى باريس في شهر مارس عام 2025 (أ.ب)

ماكرون يتحرك لتأمين قوة دولية جديدة بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» بجنوب لبنان

بحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام التطورات في لبنان والمنطقة

شؤون إقليمية مركبة عسكرية إسرائيلية خلال دورية على طول المنطقة الشمالية في الجليل الأعلى على الحدود مع لبنان يوم 18 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يطلق النار على عناصر من «حزب الله» اجتازوا «المنطقة الأمنية»

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن قواته أطلقت النار على 4 من عناصر «حزب الله» بعد أن اجتازوا «المنطقة الأمنية» التي أقامتها الدولة العبرية في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
TT

لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)

اتهمت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين «عمداً»، وعدَّت أن ذلك أصبح عاملاً رئيسياً في «الإبادة» المستمرة بقطاع غزة، وذلك في تقريرٍ أصدرته اليوم الثلاثاء، ولقي انتقاد الدولة العبرية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وسبق للجنة التحقيق الدولية المستقلة، التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلّة، أن عدَّت، العام الماضي، أن إسرائيل ترتكب «إبادة جماعية» في الحرب، التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأوضحت، في تقريرها الجديد، أن القتل في القطاع المحاصَر والمدمَّر يتواصل رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلَن منذ 10 أكتوبر 2025.

وجاء فيه أن «السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمداً، مما أدى إلى ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في قطاع غزة، وجرائم حرب في الضفة الغربية»، حيث تصاعدت مستويات العنف منذ حرب غزة.

ورأى أن «الاستهداف المتعمَّد للأطفال هو أحد العناصر الرئيسية التي تُثبت نية الإبادة الجماعية لدى السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن بغية تدمير المجموعة الفلسطينية، كلياً أو جزئياً، في غزة».

وكانت لجنة التحقيق، التي لا تنطق باسم المنظمة الدولية، قد خلصت، في سبتمبر (أيلول) 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية» في غزة. ورفضت الدولة العبرية هذه الخلاصة.

وقال رئيس اللجنة سرينيفاسان موراليدار: «تُظهر الأدلة أن الأطفال الفلسطينيين قد استُهدفوا وقُتلوا بشكل متعمَّد على يد قوات الأمن الإسرائيلية»، مضيفاً: «حتى بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لا يزال الأطفال يُقتلون ويصابون بجروح خطيرة، مع استمرار تجاهل إسرائيل وقف إطلاق النار والحماية المكفولة للأطفال الفلسطينيين، بموجب القانون الدولي».

اعتداء على شعب بأكمله

ورفضت إسرائيل، التي طالما وجَّهت انتقادات لعمل اللجنة، خلاصات التقرير الجديد، وعدَّت أنه «تشهيريّ».

واتهمت المحققين بتجاهل «التكتيكات الوحشية لـ(حماس) التي تُهاجم الأطفال الإسرائيليين بلا رحمة وتستخدم الأطفال الفلسطينيين دروعاً بشرية».

وأسَّس مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، اللجنة في عام 2021.

وقد قامت، لأجل تقريرها الأخير، بالنظر في جرائم تؤثر على حياة الأطفال، الآن ولسنوات عدة، إضافة إلى ظروف اعتقالهم من قِبل السلطات الإسرائيلية.

وأضافت: «لقد أدت الإصابات الجسدية والنفسية الشديدة، والصدمة الجماعية، واليُتم، والانفصال، والإعاقة، والنزوح المتكرر، إلى محو الطفولة والتجويع، وخلّفت آثاراً ستُلاحق أطفال غزة طوال حياتهم، وانهيار التعليم والرعاية الصحية».

وتابعت: «تعرَّض أطفال فلسطينيون للاعتقال والتعذيب وأشكال أخرى خطيرة؛ من سوء المعاملة في السجون ومَرافق الاحتجاز الإسرائيلية، دون أي معلومات عن مكان وجودهم. واستخدمت قوات الأمن الإسرائيلية العنف الجنسي ضد الأطفال في جزء من الاحتلال للقمع الجماعي، المتجذر في نمط طويل الأمد ذي طابع عِرقي وعابر للأجيال من الإذلال والعداء الإسرائيلي».

وعدَّت أنه «باستهدافها الأطفال، تُقوِّض إسرائيل البنية الأساسية للمجتمع الفلسطيني وتُضعف قدرته على صون وممارسة حقه كشعب في تقرير مستقبله».

ونقل التقرير عن رئيس اللجنة قوله: «لا يمكن فصل حماية الأطفال الفلسطينيين والاعتناء بهم وإبقائهم على قيد الحياة عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والوجود وفي تقرير مستقبله. من خلال استهداف الأطفال، تعتدي إسرائيل على قدرة الشعب الفلسطيني نفسه».

«زعزعة مقوّمات المجتمع»

أتى صدور التقرير بعد أيامٍ من تحذير منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن وقف إطلاق النار المعلَن في غزة هو «وهم قاتل» للأطفال الفلسطينيين، مشيرة إلى مقتل 265 منهم منذ بدء سريانه في أكتوبر 2025.

ولفت المتحدث باسم «يونيسف» جيمس إلدى إلى أن معظم هؤلاء الأطفال قُتلوا «على يد القوات الإسرائيلية». وأوضح: «كان عدد قليل منهم ضحايا ذخائر غير منفجرة، وعدد أقل منهم ضحايا لميليشيات. لكن معظمهم قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية في غارات جوية أو قنابل أو طائرات مُسيّرة».

وأسفر هجوم «حماس» غير المسبوق على جنوب الدولة العبرية عن مقتل 1221 شخصاً، وفق إحصاء لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» يستند إلى بيانات إسرائيلية رسمية.

في المقابل، قُتل أكثر من 72 ألفاً و800 شخص، جرّاء القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية بالقطاع، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة.

ووفقاً للأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 20 ألفاً و179 طفلاً، وأُصيب 44 ألفاً و143 آخرين، في العامين الأولين للحرب؛ نتيجة الأعمال العدائية بين طرفي النزاع.

إلى ذلك، رأت اللجنة أن «تفكيك وتدمير دُور الأيتام والمرافق التعليمية في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية» أدى إلى «إعاقة الرعاية والنمو المعرفي والعاطفي والاجتماعي للأطفال، وزعزعة مقوّمات المجتمع الفلسطيني».

وأضافت: «أضرّ استهداف إسرائيل مراكز رعاية الأطفال حديثي الولادة والأمومة في غزة، بشكل مباشر، بقاء الأطفال حديثي الولادة ومستقبل الفلسطينيين الإنجابي، بما في ذلك من خلال زيادة معدلات الإجهاض العفوي والعيوب الخلقية والضعف الدائم بين الأطفال حديثي الولادة، مما أدى إلى تدمير حياة الأطفال الفلسطينيين حديثي الولادة واستمرارية السكان».

كما عدَّت أن «التجويع»، الناتج عن الحصار الإسرائيلي للقطاع وشُحّ المواد الإنسانية التي يُسمح بدخولها، أسهم «في وفاة الأطفال الفلسطينيين وأثّر بشكل خطير على صحة كثير من الأطفال الآخرين، وحرَمَهم من التغذية الأساسية وزاد من خطر الإصابة بالأمراض، في ظل انخفاض التحصين، وانعدام الأمن الغذائي، وتدمير الخدمات الصحية».

وحذّر موراليدار من أنه «حتى لو سكتت القنابل والبنادق في غزة والضفة الغربية، فإن الأطفال الفلسطينيين لن يتعافوا بين ليلة وضحاها. إن تدمير صحتهم وتعليمهم ونموّهم أمر لا رجعة فيه».

وتضمّن التقرير قائمة بألوية ووحدات عسكرية إسرائيلية قد تكون مسؤولة عن مقتل أطفال في حوادث محددة بغزة والضفة الغربية.

وقال المحامي بمجال حقوق الإنسان وعضو لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي تنظر في انتهاكات حقوق الإنسان بإسرائيل والأراضي الفلسطينية، كريس سيدوتي: «نعرفها»؛ في إشارة إلى هذه الوحدات.

وأضاف، في مؤتمر صحافي: «انتهكت أفعال السلطات الإسرائيلية تجاه الأطفال الفلسطينيين كل القواعد القانونية الدولية، ويجب محاسبتها على ذلك».

وأفاد متوجّهاً للإسرائيليين مباشرة: «أي نوع من القادة لديكم عندما يصدرون أوامر ويطلقون تصريحات تُشجّع هذا النوع من السلوك؟! لا يكتفون بالسماح به، بل يشجّعونه».


عاطف نجيب ينكر مجدداً الاتهامات بعد مواجهة مع ضحاياه

عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)
عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)
TT

عاطف نجيب ينكر مجدداً الاتهامات بعد مواجهة مع ضحاياه

عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)
عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)

عقدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بقضايا العدالة الانتقالية بدمشق، الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا المتهم بارتكاب انتهاكات في عام 2011.

وخصصت الجلسة المغلقة، التي عقدت، الثلاثاء، للاستماع إلى أقوال شهود الحق العام، وفق وكالة (سانا). وحضر الجلسة ممثلون لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان ونشطاء ومنظمات دولية مهتمة بمتابعة مجريات القضية.

ولا تقتصر أهمية ملف محاكمة عاطف نجيب عليه وحده، بل تمتد إلى «تثبيت وقائع قانونية يمكن الاستناد إليها في ملفات أخرى تخص رموزاً يُحاكمون غيابياً»، وفق الخبير القانوني والباحث المتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي المعتصم الكيلاني في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الذي اعتبر أن استمرار عرض الأدلة والشهادات بالوتيرة التي ظهرت في الجلسات السابقة، فإن القضية تبدو متجهة إلى ما هو أبعد من محاكمة شخص واحد، أي إلى «محاولة بناء سردية قضائية متكاملة حول مسؤولية القيادات الأمنية والسياسية عن أحداث درعا في بداية عام 2011».

وأوضح أنه منذ بدء القضية، وردت أسماء بارزة من النظام السابق، بينها بشار الأسد وماهر الأسد، بوصفهما مدَّعى عليهما غيابياً ضمن الملف نفسه.

وقال كيلاني إن «المحاكمة الغيابية لا تعني تجميد الملف؛ بل تستمر المحكمة في دراسة الوقائع والأدلة والاتهامات بحقهم حتى في غيابهم». بمعنى آخر: «الادعاء ما زال قائماً بحقهم، الأدلة المتعلقة بأدوارهم تُناقش ضمن الملف، ويمكن أن تصدر أحكام غيابية إذا استكملت المحكمة إجراءاتها القانونية، وتنفيذ أي حكم بحقهم يبقى مرتبطاً بإمكانية القبض عليهم أو تسليمهم مستقبلاً».

شهادة أمام الهيئة القضائية في الجلسة الرابعة لمحاكمة عاطف نجيب الثلاثاء (وزارة العدل السورية)

المحكمة استمعت في الجلسة، اليوم الثلاثاء، إلى أربع عشرة شهادة ضمن جلسات شهود الادعاء والحق العام، أدلى بها أشخاص «تعرضوا جميعاً لانتهاكات مباشرة من نجيب». وقال رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني الذي يتابع سير محاكمات العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط»، أن الجلسة تضمنت الاستماع إلى شهادات تناولت تفاصيل تتعلق بمسؤولية نجيب عن انتهاكات الاعتقال والتعذيب، وعرض الشهود إفاداتهم أمام المحكمة بشأن الوقائع المرتبطة بالقضية. وكما «حدث في الجلسة الماضية، أنكر نجيب مسؤوليته عن جميع التهم».

ولفت عبد الغني إلى أن الجلسة المقبلة ستخصص لمواصلة الاستماع إلى أقوال الشهود، في ظل تجاوز عدد المدعين 51 مدعياً، وقال إن ذلك «يستدعي استكمال عرض الشهادات والإفادات ذات الصلة بالقضية، وفحص الأدلة التي تدين نجيب من وثائق وغيرها».

وبدأت محاكمة عاطف نجيب وجاهياً في أبريل (نيسان) الماضي، مع عدد رموز النظام السابق لمحاكمتهم غيابياً، وفي مقدمتهم بشار الأسد وشقيقه ماهر.

وانتقلت المحاكمة تدريجياً من «مرحلة تلاوة الاتهامات واستجواب المتهم إلى مرحلة مواجهة المتهم بالأدلة والشهادات والمواد المصورة. ففي الجلسة الثالثة عُرضت مقاطع وشهادات تتعلق بالتعذيب والاعتقال نفى نجيب مسؤوليته عنها»، وفق الكيلاني الذي إلى أن الاتجاه العام للمحكمة حتى الآن يبدو أنه «يركز على إثبات المسؤولية القيادية وليس فقط الأفعال المباشرة، أي: هل كان نجيب مسؤولاً بحكم موقعه الأمني عن الانتهاكات التي وقعت في درعا عام 2011 أم لا؟ وهذا ظهر في الاستجوابات ومواجهة المتهم بأقوال الشهود».

حضور أهالي الضحايا في الجلسة الرابعة لمحاكمة عاطف نجيب (وزارة العدل السورية)

وأكد الكيلاني أن القضية تحمل أهمية رمزية كبيرة؛ لأنها تُعد «أول محاكمة علنية لشخصية أمنية بارزة من النظام السابق أمام القضاء السوري بعد التغيير السياسي». وعن الخطوات اللاحقة للجلسة الرابعة، قال الكيلاني إنه عادة في مثل هذه القضايا تكون المراحل التالية: استكمال سماع شهود الإثبات، مناقشة الأدلة والوثائق والفيديوهات المقدمة، تمكين الدفاع من تقديم دفوعه وشهوده إن وجدوا. ثم مرافعة النيابة العامة والمرافعات الختامية للدفاع. وتختتم بحجز الدعوى للحكم أو تحديد جلسات إضافية إذا رأت المحكمة أن الملف يحتاج إلى مزيد من التحقيق، إلا أن القرار النهائي «يبقى مرتبطاً بما إذا كانت المحكمة تعتبر ملف الإثبات مكتملاً أم لا».

ويواجه نجيب، بصفته المسؤول الأول عن فرع الأمن السياسي في درعا، عام 2011، تهماً بالمسؤولية عن المجزرة التي وقعت في الجامع العمري عام 2011. واتهامات بقمع الاحتجاجات في درعا، والتسبب في تعريض معتقلين، بينهم أطفال، للتعذيب الجسدي، منها قلع الأظافر والصعق الكهربائي وتهديد ذويهم.

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا أعلنت، في وقت سابق، أن الأسبوع الحالي سيشهد سلسلة جلسات قضائية ضمن مسار العدالة الانتقالية تشمل محاكمة عاطف نجيب، ووسيم الأسد، والمفتي السابق أحمد حسون.

وعقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق المتخصصة، الاثنين، الجلسة الثانية من محاكمة عبد الناصر براقي بن أيمن، المتهم بأنه كان مخبراً لدى النظام السابق، وقد ارتكب القتل العمد والكذب الافترائي والسلب بالعنف، وطالبت النيابة العامة في الجلسة الثانية إنزال أقصى العقوبات المنصوص عليها قانوناً وهي الإعدام، إلا أن المتهم طلب منحه مهلة لإبداء دفوعه الأخيرة، وقررت المحكمة منحه مهلة أخيرة وحددت 13 يوليو (تموز) المقبل موعداً للجلسة الأخيرة قبل النطق بالحكم.


فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أفادت ​الرئاسة اللبنانية، الثلاثاء، بأن جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي ووزير ‌الخارجية ‌ماركو ​روبيو أبلغا ‌الرئيس ⁠اللبناني ​جوزيف عون بأن ⁠واشنطن تتابع التفاهمات التي تسنى التوصل ⁠إليها في ‌سويسرا، ومنها ‌خطط ​إنشاء ‌آلية ‌أميركية - لبنانية إيرانية للمساعدة في ترسيخ وقف ‌إطلاق النار في لبنان ومراقبة ⁠تنفيذه، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضافت ⁠الرئاسة أن ترتيبات هذه الآلية لا تزال قيد المناقشة.

وقالت الرئاسة اللبنانية: «فانس وروبيو يؤكدان مجدداً لعون دعم واشنطن لسلطة الدولة اللبنانية».

كما أكد الرئيس اللبناني أن خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل هو خيار صحيح، وأمل أن تكون الجولة الخامسة من المفاوضات حاسمة في استعادة سيادة لبنان كاملة، مطالباً «بزوال الاحتلال الإسرائيلي وسقوط الوصايات الخارجية معاً».

وجاء تصريح عون جاء خلال ترؤسه، بعد ظهر اليوم، اجتماعاً حضره قائد الجيش العماد رودولف هيكل وأعضاء الفريق الاستشاري المواكب للمفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن، وذلك لمتابعة مداولات اجتماع الوفد اللبناني الدبلوماسي والعسكري في الجولة الخامسة من المفاوضات، بحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية.

وأكد عون أن تطورات الأيام الماضية «أثبتت صحة خيارنا بالذهاب إلى التفاوض؛ لأنه السبيل الوحيد المعتمد على مستوى العالم كله لتحقيق الأهداف الوطنية واستعادة كل الحقوق».

وأضاف: «لذلك ذهبنا اليوم، وفي اليومين المقبلين، إلى جولة جديدة نأمل أن تكون حاسمة على طريق إنجاز ما نريد من خير لوطننا وشعبنا، وهذا الخير نراه في استعادة سيادة لبنان كاملة على كل ذرة تراب وبسط سلطة الدولة على كل إنسان على أرضنا».