إسرائيل تدمر مربعات سكنية نجت من ذروة الحرب على غزة

غزيون يتلقون اتصالات من ضباط إسرائيليين لإخلاء منازلهم في دقائق

فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)
فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)
TT

إسرائيل تدمر مربعات سكنية نجت من ذروة الحرب على غزة

فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)
فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)

أظهرت غارات إسرائيلية متلاحقة في وسط غزة خلال الأسابيع الماضية، نمطاً متكرراً لتدمير مربعات سكنية نجت من الدمار الكبير خلال ذروة الحرب على القطاع، وذلك على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المفترض المعلن في غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتحدث سكان في مناطق وسط القطاع إلى «الشرق الأوسط»، عن أوامر إخلاء إسرائيلية يتلقونها لمغادرة منازلهم خلال دقائق، وبعدها يتم تدميرها بغارات جوية، من دون إعلان أسباب لاحقاً أو استهداف لشخص مطلوب.

وتعرضت أكثر من 5 مربعات سكنية وسط القطاع لعملية تدمير ممنهجة، في غضون شهر تقريباً، طالت مخيمات النصيرات والبريج والمغازي إلى جانب مدينة دير البلح، ما تسبب في تشريد ونزوح مئات العائلات.

ركام مبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

الغزي رامي خروب (32 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أحد أفراد عائلة مكونة من 16 فرداً، وجدت نفسها منذ أيام مشردة خارج منزلها بعد اتصال من أحد ضباط جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، تضمن أمراً بإخلاء المربع السكني الذي تعيش فيه بشكل مفاجئ.

وقال خروب لـ«الشرق الأوسط»: «بعد دقائق من الاتصال هاجمت طائرة حربية منطقتنا ودمر 3 منازل بشكل مباشر، وأحدثت أضراراً في أكثر من 10 منازل أخرى لم تعد هي الأخرى صالحة للسكن». ويضيف: «مجرد 5 دقائق تقريباً، تضعك في حيرة، فلا تفكر في شيء سوى أن تنجو بنفسك وبعائلتك وإخراج المسنين من المنزل، ولا تستطيع التفكير أصلاً بإخراج أي ملابس أو أثاث أو أجهزة أو حتى أبسط المقتنيات».

وتابع: «لا يوجد في منطقتنا السكنية أي من قيادات (حماس)، وبعض الجيران عناصر عادية يخدمون في جهاز الشرطة التابع لحكومة غزة ولم يطُل القصف منازلهم بشكل مباشر، بينما المنازل التي دمرت هي لمواطنين لا علاقة لهم بأي فصيل فلسطيني»، كما قال.

فلسطينيون يلقون نظرة أخيرة على جثمان مواطنهم جمال أبو عون بمستشفى بدير البلح وسط غزة بعد مقتله في غارة إسرائيلية (أ.ب)

وسوّى صاروخ واحد من الطائرات الحربية الإسرائيلية المنازل الثلاثة بالأرض، وهي جميعها ملاصقة بعضها لبعض، ما تسبب في تشريد مئات الفلسطينيين الذين تشتتوا بين مراكز إيواء استطاعت أن توفر لهم خياماً، أو استضافة أقارب وأصدقاء ممن بقيت لهم منازل.

ويعتقد خروب أن «الهدف الواضح للاحتلال هو تدمير بعض المناطق التي لم يطُلها القصف سابقاً بشكل مباشر، بغرض إجبارنا على التفكير بالهجرة برا (خارج) غزة، ولكن احنا وين نروح بحالنا، ما فيه إلنا حدا يستقبلنا برا غزة، ومشان هيك قاعدين هان، ما فيش حل ثاني».

«أمر إخلاء... ودقائق للمغادرة»

وتعرض مخيم الشاطئ في غضون شهر، لهجومين مماثلين تسببا في تدمير عدد كبير من المنازل وتعرضت منازل أخرى لأضرار متفاوتة، ما شرد عشرات العوائل التي تضم المئات من سكانها. ولم تعلق إسرائيل سوى على الحادثة الأولى التي ادعت حينها أنها استهدفت منزلاً يستخدمه نشطاء «حماس» و«الجهاد الإسلامي» لتصنيع وتخزين وسائل قتالية، فيما لم تعلق على الحادث الآخر وأحداث أخرى مماثلة في مناطق أخرى.

مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، إحدى تلك المناطق التي لم تتعرض لهجمات كبيرة طوال فترة الحرب، وكانت تعدّ آمنة نسبياً وفق تصنيفات بعضها إسرائيلي، لكنها تعرضت، أخيراً، إلى سلسلة من الهجمات تسببت في تدمير منازل الغزيين.

وبجوار مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، الذي يعدّ المستشفى الحكومي الوحيد في منطقة وسط القطاع ويقدم خدمات لمئات الآلاف من السكان، قصفت طائرة حربية إسرائيلية أرضاً زراعية فيها منزل مكون من طابقين، ما أدى إلى تدميره بالكامل بعدما كان حضناً لسكانه والنازحين من أقاربهم طوال الحرب.

فلسطينيون يعاينون مبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية في مخيم الشاطئ للاجئين بمدينة غزة (أ.ب)

أحمد المنسي (28 عاماً) كان شاهداً على تدمير منزل عائلته ومنزل آخر بجوارهم، فيما تضررت عدة منازل أخرى، بعدما قصفت طائرة حربية إسرائيلية المكان بصاروخ واحد أحدث انفجاراً كبيراً. يقول المنسي لـ«الشرق الأوسط»: «منحونا دقائق قليلة فقط لمغادرة منزلنا، وبالكاد خرجنا من المكان بسرعة حتى لا يقصف المنزل ونحن فيه. وبصعوبة أخرجت هاتفي وهويتي، وساعدت أمي في الخروج من المكان».

«إرباك متعمد للسكان»

وفي تطابق تقريباً مع ما تعرض له مواطنه خروب في مخيم الشاطئ، يشير المنسي إلى أنه فوجئ وعائلته باتصال من ضابط إسرائيلي، وأكد جيرانهم لاحقاً تلقي الاتصال ذاته الذي تضمن أمراً بالإخلاء. وشدد المنسي على أنه «لا يوجد في عائلته من ينتمي لأي فصيل فلسطيني، كما أن جميع سكان المربع السكني الذي يعيشون فيه يعدّ من أكثر المناطق هدوءاً، ولا يوجد فيه أي نشطاء من الفصائل».

ويقول المنسي: «ما فيه هان (هنا) أي هدف عسكري أو منازل لعناصر في الفصائل، الإسرائيلي يريد تدمير منازلنا وإبقاءنا مشردين ونازحين حال أكثر من مليون غزي يعيشون في الخيام ومراكز الإيواء... قالوا فيه هدنة ووقف إطلاق نار، بس إحنا لسه عايشين في الحرب ومش عارفين لوين رايحين... ولوين حنوصل».

ويوضح المنسي أنه لم يكن يعرف أن منزلهم المستهدف بشكل أساسي، مشيراً إلى أن الاتصال من الضابط الإسرائيلي لم يحدد المكان المستهدف بشكل دقيق، ولكنه طلب إخلاء المربع السكني بشكل كامل، «مما يزيد من الإرباك المتعمد للسكان».

فلسطينيون يتفقدون أنقاض مبنى دمره غارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

ويعبر الكاتب والمحلل الفلسطيني، مصطفى إبراهيم، عن اعتقاده بأن «السؤال في غزة لم يعد كم شخصاً سيسقط (قتيلاً) اليوم؟... بل أي منطقة ستكون الهدف التالي؟... ومن سيجبر على النزوح مرة أخرى؟ وأين سيجد الناس مكاناً ينصبون فيه خيمة جديدة فوق ركام حياة لم يبقَ منها شيء؟».

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «سياسة تدمير المربعات السكنية هدفها تحويل حياة السكان إلى جحيم يومي يدفعهم إلى الرحيل تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان. والأمر لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة بل صار جزءاً من سياسة متواصلة هدفها التدمير الواسع لأحياء القطاع بهدف إعادة تشكيل واقعه الجغرافي والديموغرافي».


مقالات ذات صلة

«قمة السيسي-عباس» بالقاهرة: المصالحة الفلسطينية أولوية الفترة المقبلة

شمال افريقيا الرئيس المصري أكد لنظيره الفلسطيني الأربعاء دعم بلاده للسلطة الوطنية الفلسطينية (الرئاسة المصرية)

«قمة السيسي-عباس» بالقاهرة: المصالحة الفلسطينية أولوية الفترة المقبلة

استحوذ ملف المصالحة الفلسطينية على جزء من محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفلسطيني محمود عباس.

محمد محمود (القاهرة )
ثقافة وفنون صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)

وقف تزويد الوقود يزيد آلام القطاع الصحي في غزة

صُدم القائمون على إدارة المنشآت الصحية في غزة، بإبلاغهم رسمياً من «منظمة الصحة العالمية» بوقف تزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالوقود بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ جاريد كوشنر (إ.ب.أ) p-circle

كوشنر: واشنطن استغلت عزلة إسرائيل بعد هجوم الدوحة لإبرام اتفاق غزة

كشف جاريد كوشنر تفاصيل لافتة بشأن الدور الذي لعبه الهجوم الإسرائيلي على الدوحة العام الماضي في مسار التوصل إلى اتفاق بشأن القطاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)

وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

هدد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بتجريد صانعي فيلم «نازا» يوفال أبراهام وراشيل تسور من جنسيتهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

مجلس الشعب يؤجل جلسة استماع وزير الطاقة إلى الأحد

سكان يغلقون طريقاً لمنع ناقلات بحقول النفط في رميلان من المرور خلال الاحتجاجات المستمرة ضد ارتفاع أسعار الوقود عند مدخل تل تمر شمال شرقي سوريا الأربعاء (أ.ب)
سكان يغلقون طريقاً لمنع ناقلات بحقول النفط في رميلان من المرور خلال الاحتجاجات المستمرة ضد ارتفاع أسعار الوقود عند مدخل تل تمر شمال شرقي سوريا الأربعاء (أ.ب)
TT

مجلس الشعب يؤجل جلسة استماع وزير الطاقة إلى الأحد

سكان يغلقون طريقاً لمنع ناقلات بحقول النفط في رميلان من المرور خلال الاحتجاجات المستمرة ضد ارتفاع أسعار الوقود عند مدخل تل تمر شمال شرقي سوريا الأربعاء (أ.ب)
سكان يغلقون طريقاً لمنع ناقلات بحقول النفط في رميلان من المرور خلال الاحتجاجات المستمرة ضد ارتفاع أسعار الوقود عند مدخل تل تمر شمال شرقي سوريا الأربعاء (أ.ب)

فيما دعا نشطاء في دمشق إلى وقفة احتجاجية أمام مجلس الشعب السوري، بالتزامن مع انعقاد جلسة الاستماع لوزير الطاقة محمد البشير الخميس، للإجابة عن أسئلة أعضاء المجلس حول الأسباب الموجبة لقرار رفع أسعار المحروقات، مؤخراً، أعلن مجلس الشعب على معرفاته مساء الأربعاء، أنه بناءً على طلب مقدّم من وزارة الطاقة بتأجيل جلسة الاستماع لاستكمال ملفاتها، أُجّلت الجلسة من يوم الخميس إلى يوم الأحد المقبل.

رغم تراجع الاحتجاجات الشعبية التي خرجت في مختلف المحافظات، فإن ارتدادات الصدمة تواصلت مع اتساع موجة ارتفاع الأسعار لتشمل كل مناحي الحياة المعيشية، بنسب تراوحت بين 20 و40 في المائة، أدت إلى شل حركة الأسواق، وإثارة القلق من أيام شتاء قادمة صعبة.

تزامن القرار الصادر في 13 سبتمبر (أيلول) الحالي مع بدء العام الدراسي وموسم تحضير (المونة) استعداداً لفصل الشتاء، ما أدى إلى تعميق معاناة أكثر من 90 في المائة من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، 66 في المائة منهم يعانون من فقر مدقع حسب تقارير الأمم المتحدة.

نادية (45 عاماً)، عاملة منزلية ومعيلة لأسرة من ثلاثة أفراد، تتقاضى 1500 ليرة يومياً، ما يعادل 350 دولاراً أميركياً شهرياً، وهو يعادل متوسط راتب العاملين بنظام العقود الجديدة والقطاع الخاص، في حين أن معدل راتب نظرائهم في القطاع العام بعد الزيادة بنسبة 50 في المائة العام الماضي، يصل إلى 100 دولار. في حين تحتاج عائلة من خمسة أفراد وسطياً إلى نحو 920 دولاراً أميركياً شهرياً لتأمين كل احتياجاتها الأساسية والمعيشية.

شوارع حمص اليوم وقت الذروة شبه خالية من المواصلات (الشرق الأوسط)

اعتبرت نادية ارتفاع أسعار المحروقات ثاني ضربة تتعرض لها بعد ضربة تغيير العملة السورية وحذف صفرين منها، وغياب فئة الخمس ليرات، حيث كان سائقو النقل الداخلي يتغاضون عن رد الخمس ليرات لتتكبد خسارة شهرية مقدارها 600 ليرة، تضاف الآن إلى ازدياد تكاليف تنقلها إلى مكان عملها، من 200 ليرة إلى 250 ليرة.

وتبدي قلقاً عميقاً من احتمال زيادة إيجار منزلها الواقع على الأطراف الجنوبية للعاصمة دمشق، والتكاليف التي «تكسر الظهر» حسب تعبيرها، مقابل تراجع الطلب على التنظيف، وتقول إن معظم العائلات التي تعمل لديها خفضت طلبها من مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع إلى مرة واحدة، وبعضها مرة في الشهر.

سيارات ودراجات نارية عند مدخل تل تمر في شمال شرقي سوريا تعبر حاجز أقامه السكان لإيقاف ناقلات النفط من حقول رميلان خلال الاحتجاجات المستمرة ضد ارتفاع أسعار الوقود الأربعاء (أ.ب)

وفور صدور القرار يوم السبت الماضي، أحجم سائقو النقل الداخلي عن العمل وأعلنوا الإضراب في العديد من المناطق من حلب وحماة وحمص إلى اللاذقية والحسكة ودمشق، مطالبين برفع تعريفة النقل التي ارتفعت تلقائياً وبنسب عشوائية بين 20 و40 في المائة.

شادي (19 عاماً) قال إنه دفع 700 ليرة تعريفة الباص من حمص إلى دمشق بدلاً من 500 ليرة، وهو رقم منهك له بصفته طالباً جامعياً يعتمد على عائلته لتغطية تكاليف الدراسة والإقامة في دمشق، لافتاً إلى أن معدل إنفاقه الشهري يتراوح بين 600 و800 دولار.

سائق سرفيس في دمشق يؤكد أن زيادة الـ20 في المائة التي فرضها على الركاب لا تكفي لتغطية الزيادة في سعر المازوت، وأن ناتج حسابه آخر الشهر «ما نأخذه ننفقه على محروقات وصيانة ورسوم»، لكنه مضطر لهذا العمل وإلا سيجلس في البيت أو يسرق.

وتتفاوت مظاهر قسوة الأوضاع المعيشية في دمشق بين حي وآخر، وكذلك بين محافظة وأخرى، ففي حين تتدهور الأوضاع في المناطق الفقيرة والمدمرة، وتدخل في حالة شلل شبه تام، تبدو أكثر تماسكاً في الأحياء الراقية وفي الوسط التجاري.

رضوان المسؤول عن محل غذائيات في سوق الصالحية بدمشق تحدث عن تراجع حركة البيع والشراء واقتصارها على الضروريات، وتابع: «كالعادة في البداية يحصل اختناق، ثم يبدأ الناس بالبحث عن مخارج لمواصلة العيش».

يلفت رضوان إلى اقتراب الشتاء وتزايد القلق من تأثير أسعار مشتقات الوقود بقوله: «خلال الأعوام الماضية كنا نحلم بشتاء دافئ، والعام الماضي أنعم الله علينا وحصلنا على الغاز والمازوت اللازمين للتدفئة بسعر مقبول، لكن صفعة رفع الأسعار الأخيرة أعادت إلينا ذاكرة الشح والبرد القاسيين زمن الحرب».

احتجاجات في معرة النعمان شمال غربي سوريا على رفع أسعار المحروقات (متداولة فيسبوك)

في مدينة حمص قال سلام، تاجر غذائيات في سوق الجملة، إن معظم تجار الجملة أحجموا عن البيع بانتظار استقرار السوق، إذ تشهد فوضى في الأسعار، مع تراجع في الحركة بنسبة 80 في المائة على الأقل، مشيراً إلى اختفاء الازدحام المعتاد في أوقات الذروة، وتراجع حركة شحن الخضار والفواكه عبر المحافظات، مع ارتفاع تكاليف النقل، وما تبعه من ارتفاع في أسعار الخضار أكثر من 40 في المائة. عادّاً ذلك ضربة عنيفة للتاجر والمنتج.

ودعا نشطاء في دمشق عبر تطبيق «واتس آب» لتنظيم وقفة احتجاجية أمام مجلس الشعب بالتزامن مع جلسة الاستماع لوزير الطاقة محمد بشير التي سيعقدها المجلس ظهر الخميس، لتوضيح الأسباب الموجبة لرفع الأسعار، ومناقشة التداعيات، وسط مطالبات شعبية بالعودة عن القرار وإقالة الوزير. إلا أن مجلس الشعب أعلن على معرفاته مساء الأربعاء، أنه بناءً على طلب مقدّم من وزارة الطاقة بتأجيل جلسة الاستماع لاستكمال ملفاتها، أُجّلت الجلسة من يوم الخميس إلى يوم الأحد المقبل.

يذكر أن وزارة الطاقة قالت الأحد إنها رفعت الأسعار مؤقتاً بسبب ظروف الحرب التي تشهدها المنطقة وارتفاع تكاليف التأمين والشحن الدولي وتزامن ذلك مع إعادة تأهيل مصفاة «بانياس».

وارتفع سعر ليتر البنزين أوكتان 95 من 152 ليرة إلى 195 ليرة وبنزين أوكتان 90 من 142 ليرة ارتفع إلى 185 ليرة والمازوت (الديزل): من 125 ليرة إلى 175 ليرة والغاز المنزلي: ارتفع سعر الأسطوانة من 1470 إلى 1600 ليرة والغاز الصناعي من 2350 ليرة إلى 2570 ليرة.


سجال انتخابي إسرائيلي حول «هزيمة حماس»... وتضارب عسكري

ر
ر
TT

سجال انتخابي إسرائيلي حول «هزيمة حماس»... وتضارب عسكري

ر
ر

استدعى المتنافسون في الانتخابات الإسرائيلية ملفاً للمزايدة اليمينية الداخلية حول إتمام هزيمة حركة «حماس» خلال الحرب الممتدة معها منذ حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ودخل الجيش على خط السجال وبدت إفاداته متضاربة.

وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، إن حركة «حماس» قد هُزمت وإن إسرائيل «حسمت المواجهة ضدها»، لكن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش (أمان) قدَّرت أن الحركة «لا تزال تشكل تهديداً وتسعى إلى استعادة قدراتها وحكمها في قطاع غزة».

ومن زاوية سياسية، جاء وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، ليقول إن الجيش «جاهز للدخول في موجة حربية أخرى في غزة للقضاء التام على (حماس)».

ويسعى كاتس المنخرط مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضمن تحالف يميني حكومي إلى الفوز في الانتخابات المقبلة المقررة في أكتوبر المقبل، في حين تبدو استطلاعات الرأي متفاوتة ومتغيرة.

وقال كاتس، في منشور له، الأربعاء، إن «الجيش الإسرائيلي ينتظر أوامر القيادة السياسية، التي تعتقد بأن (حماس) لن تتخلى عن أسلحتها. وفي اللحظة التي يتم فيها استئناف العمليات العسكرية الواسعة (الحرب الشاملة) في قطاع غزة سيكون الهدف القضاء التام على (حماس)»، عادَّاً أن العودة للحرب وإسقاط الحركة هي «مسألة وقت».

على من يرد كاتس؟

جاءت تصريحات كاتس، رداً على اتهامات العميد عوفر فينتر، الذي يخوض الانتخابات على رأس حزب يميني يضع في رأس أهدافه تهجير أهل غزة، والذي حاول المزايدة يمينياً، بالقول إن كاتس كلفه قبل سنتين تشكيل لجنة مهنية لوضع خطة لتهجير أهل غزة خلال الحرب، وإنه وضع فعلاً هذه الخطة، «لكن كاتس هرب وتراجع ووقَّع اتفاق تهدئة مع (حماس)».

ودافع كاتس قائلاً إن «القيادة السياسية تدير سياستها في غزة بحكمة، وبفضل سياستها، يحتل الجيش الإسرائيلي اليوم 70 في المائة من أراضي غزة، وتمكن من تدمير 90 في المائة من الأنفاق، ويتمركز في مواقع عسكرية محيطة بما تبقى من قطاع غزة، المحاصرة. واتفاق وقف إطلاق النار الحالي، الذي تم التوصل إليه برعاية أميركية، كان مهماً لإعادة المحتجزين الإسرائيليين من أسر (حماس)».

وأكد كاتس أنه مثل فينتر لا يؤمن بأن «حماس» ستلتزم فعلاً بنزع سلاحها، لكن هذا بالضبط هو ما سيجعل استئناف المواجهة الشاملة حتمياً. وستنتهي المواجهة بإنهاء وجود «حماس» العسكري، وهذا سيفتح الباب لتنفيذ ما يصفه بـ«خطة الهجرة» وإفراغ ما تبقى من السكان للفلسطينيين.

وحسب الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» (واينت)، فإن مداولات عُقدت قبل نحو أسبوعين خلال زيارة أجراها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه كاتس إلى فرقة غزة التابعة للجيش الإسرائيلي، حيث عُرضت أمامهما تقديرات بشأن وضع «حماس» وقدراتها الحالية.

دافعاً عن سمعة القوات

لكن التقديرات العسكرية لما أسفرت عليه مواجهة «حماس» بدت متضاربة، وفي حين رأى زامير أن «حماس» قد هُزمت، قال رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أوفير مزراحي: «نرصد رغبة لدى (حماس) في استعادة الحكم في الخط الأحمر»، في إشارة إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة الحركة، وأضاف أنها تسعى إلى «تجنيد أشخاص وتعزيز قوتها واستعادة قدراتها»، محذّراً من أنه «يجب الانتباه إلى أن (حماس) لا تزال تنظيماً يشكل تهديداً».

ورد زامير بتحفظ جزئي على تصريحات مزراحي، وقال: «أتفهم ما يقوله رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات، وهذا صحيح؛ لأن هذه هي نواياهم»، لكنه أضاف مخاطباً نتنياهو: «إلى جانب ذلك، أقول لك، رئيس الحكومة، إن حماس تنظيم جرى هزيمته» وحسمنا المواجهة ضده.

وتابع زامير: «هي لا تطلق النار، نحن ندمر لها المخازن، ونقضي على قياداتها وعلى من نفذوا هجوم السابع من أكتوبر، وهي لا ترد؛ ولذلك يمكن القول إن (حماس) هُزمت».

فلسطينيون يحملون جثمان القياي في «كتائب القسام» نائل أبو عبيد بعد اغتياله بغارة إسرائيلية في خان يونس بغزة الأربعاء (أ.ب)

وعدَّد زامير الذي بدا مدافعاً عن سمعة جيشه خسائر «حماس» على النحو التالي: «يسيطر الجيش الإسرائيلي على ما يقارب 67 في المائة من قطاع غزة، ويدير 42 موقعاً متقدماً، تم تدمير أو تحييد ما يقارب 80 في المائة من الأنفاق، تم استنزاف ما يقارب 98 في المائة من مخزونات أسلحة (حماس) والفصائل، كما تم استنزاف ما يقارب 50 في المائة من مخزونات أسلحة الكتائب الإقليمية، وتم القضاء على ما يقارب 35 في المائة من عناصر حركة النخبة (في حماس) منذ بداية الحملة».

التباهي بالتمييز ضد العرب

وعلى صعيد انتخابي أيضاً، هيمن التباهي بالتمييز العنصري ضد المواطنين العرب على الدعايات لمعظم الأحزاب في إسرائيل.

ولم يعد الأمر قاصراً على أحزاب اليمين المتطرف؛ بل بات يشمل حزب الليكود بقيادة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وحزب «يشار» (مستقيم)، الذي يترأسه منافسه، غادي آيزنكوت أيضاً.

وقُدّم إلى لجنة الانتخابات المركزية 12 طلباً لشطب قوائم، تشمل جميع الأحزاب العربية، وهي الأحزاب الثلاثة التي تضم القائمة المشتركة (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بقيادة يوسف جبارين، والحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي، والتجمع الوطني الديمقراطي بقيادة سامي أبو شحادة، والقائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس).

ويدير الليكود وبقية أحزاب اليمين حملة ترهيب ضد الأحزاب المناوئة لنتنياهو، ويزعمون أنها تخطط بقيادة آيزنكوت لتشكيل ائتلاف حكومي يضم بعض الأحزاب العربية وتعيين وزير عربي في الحكومة القادمة في حال هزيمة نتنياهو.

وفي ذلك السياق الترهيبي، زعم أحد رؤساء البلديات البدوية في الشمال إن آيزنكوت تعهد أمام ثمانية قادة لتجمعات بدوية بأنه سيعين منصور عباس وزيراً في حكومته؛ فخرج آيزنكوت ببيان رسمي يفند فيه الخبر ويعدّه «كذباً وافتراءً». وعرض على الجمهور تسجيلاً يوثق كلمات آيزنكوت، لمدة نصف ساعة، تخلو من أي تعهد كهذا، ويؤكد أنه لا ينوي ضم حزب عباس (القائمة الموحدة).

وكان حزبا بنيت ولبيد وكذلك حزب يسرائيل بيتينو، برئاسة أفيغدور ليبرمان، قد أكدوا أنهم لن يقيموا حكومة تستند إلى العرب، كما فعلوا في سنة 2021 لأنه بعد «7 أكتوبر» تغيرت الأحوال.

هدم البيوت العربية

وفي النقب، حضر وزير الأمن الداخلي، إيتمار بن غفير، إلى بلدة بير هداج البدوية، الأربعاء، ليكون شريكاً مع قوات ضخمة من الشرطة وموظفي لجنة التنظيم والبناء التي حضرت لهدم بعض المنشآت العربية بحجة أنها بُنيت بلا ترخيص.

وأعلن من هناك متباهياً أن الحكومة التي يشارك فيها بقيادة نتنياهو قامت خلال السنوات الأربع الماضية بهدم ما لا يقل عن 10 آلاف بيت ومنشأة.

وقال إن ما سماها «حكومة الإخوان المسلمين» بقيادة نفتالي بنيت، ويائير لبيد التي سبقتنا «لم تهدم سوى 4 بيوت، وتركت البدو سائبين ينهبون أراضي الدولة كما يحلو لهم ويبنون البيوت والقصور. وقد وضعنا حداً لانفلاتهم وسنواصل في الحكومة القادمة الهدم بوتيرة أعلى».

وقد نشبت مواجهة كلامية بين أحد أهالي بير هداج وبن غفير، الذي وصفه بـ«الوزير الفاشل»، مستشهداً بانعدام الأمن في المجتمع العربي واقتحاماته الاستعراضية ضمن حملته الانتخابية ضد المواطنين العرب. وقال رئيس اللجنة المحلية في بير هداج سليم الدنفيري، إن «زيارة فتى التلال (بن غفير) إلى بير هداج لا تؤثر فينا، رغم أنه دمر المئات من منازلنا، فإننا أقوياء ولن ننكسر ولن نتزحزح إلى أي مكان».

فلسطيني ينظر إلى منزل هدمته القوات الإسرائيلية في بلدة تل قرب نابلس يوليو الماضي (رويترز)

وأشار إلى أن «هدف بن غفير هو تدمير العلاقات ونشر الكراهية، وهو لا يبالي بأحد. إنه رجل يكره الجميع لأن آيديولوجيته تقوم على إشعال الحرب وإراقة الدماء لمصالحه الشخصية»، واصفاً إياه بأنه «وزير يتصرف بصبيانية». وأعرب عن أمله في حكومة أخرى تصلح الضرر الذي ألحقه بن غفير، بعد انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر المقبل، مضيفاً: «سنلقي به إلى مزبلة التاريخ عبر صناديق الاقتراع».

وقدمت عائلات قتلى إسرائيليين وتنظيم «بِتسلمو» اليميني المتطرف وحزب ليبرمان المعارض، التماساً لشطب ترشيح عضو الكنيست عوفر كسيف، المرشح في القائمة العربية المشتركة، وأُرفِِق الطلب بتأييد 11 عضواً في لجنة الانتخابات المركزية، التي تسيطر فيها أغلبية من أحزاب اليمين المتطرف في الائتلاف، لطرح شطب ترشيح كسيف في اللجنة. وادعى الملتمسون أن كسيف عبّر عن تأييد للكفاح المسلح ضد الجنود الإسرائيليين وقوات الأمن

وقدم الليكود وبن غفير طلباً مشابهاً لشطب القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس. ورداً على ذلك؛ قدم حزب الديمقراطيين اليساري برئاسة يائير جولان طلباً بشطب حزبي بن غفير وسموترتش. ورد هؤلاء على الرد، بطلب شطب جولان وحزبه.

وقد رد القاضي نوعم سولبيرغ، رئيس لجنة الانتخابات، برفض كل الطلبات التي تتعلق بأشخاص، ووافق على البحث في الطلبات المتعلقة بشطب أحزاب.

يذكر أن شطب قائمة انتخابية في لجنة الانتخابات ليس نهائياً. فإذا طُرِح الموضوع أمام المحكمة العليا، يصبح في عهدة القضاة، وقد جرت العادة على رفض المحكمة شطب أحزاب إلا فيما ندر. لكن طلبات الشطب تحدِث ضجيجاً كبيراً وتترك أثراً على اتجاهات المعركة الانتخابية.


الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق
TT

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى بغداد، الأربعاء، بعد جولة أوروبية شملت فرنسا وألمانيا، في وقت يسعى فيه إلى توسيع الشراكات مع الغرب، بينما يواجه في الداخل ضغوطاً سياسية وأمنية مرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة وبالعلاقة مع الفصائل القريبة من إيران.

ووقّع العراق خلال زيارة الزيدي إلى فرنسا 6 مذكرات تفاهم وإعلانات نوايا في مجالات؛ بينها الدفاع والطاقة والطيران المدني والتعاون الاقتصادي، قبل أن يتوجه إلى برلين لإجراء محادثات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول ملفات إقليمية ودولية، إضافة إلى التعاون في قطاعات الطاقة والأمن والنقل.

وتأتي الجولة الأوروبية بعد زيارة الزيدي إلى واشنطن في يوليو (تموز)، حيث أعلن خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن القوات الأميركية ستغادر العراق بحلول 30 سبتمبر (أيلول)، وأن بغداد تعمل في المقابل على شراكة اقتصادية مع الولايات المتحدة. كما أعلن الزيدي عزمه على منع أي جهة من حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة.

لكن مساعي الحكومة العراقية لتوسيع علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة تجري في بيئة سياسية وأمنية معقدة، مع اقتراب موعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، واستمرار الخلاف بشأن آلية وتوقيت حصر السلاح بيد الدولة.

وزير الطاقة العراقي علي وهيب (يساراً) والرئيس التنفيذي لشركة «سيمنز» كريستيان بروخ (يميناً) يوقعان اتفاقية تعاون في برلين يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

طموحات الزيدي

يبدو أن الزيدي يسعى إلى البناء على التحرك الذي بدأه خلال زيارته إلى واشنطن، وتوسيع هامش الحركة العراقية باتجاه أوروبا، في محاولة لجذب استثمارات وشراكات في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية.

وقال نائب عراقي سابق، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن قوى الإطار التنسيقي «تراجعت عن مستوى الدعم الذي كانت قد تعهدت بتقديمه إلى الزيدي عندما كلفته بتشكيل الحكومة».

وأضاف أن قوى «الإطار التنسيقي»، في الوقت الذي كانت فيه «مجبرة على القبول بالزيدي بسبب خلافها الحاد على من يتولى منصب رئيس الوزراء، بدأت تتخوف من تبعات تعهداته الأمنية والسياسية».

وبحسب النائب السابق، تراقب قوى الإطار التنسيقي «ما يصدر عن الإدارة الأميركية من إشارات، تلميحاً أو تصريحاً، على صعيد حصر السلاح بيد الدولة بعد الثلاثين من هذا الشهر».

وقال إن تلك القوى «لا تستطيع في النهاية التصادم مع الإرادة الأميركية»، لكنها «تماطل الآن على صعيد اللجنة المُشكَّلة للتفاهم مع الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها»، بهدف معرفة مدى الضغط السياسي الذي يمكن أن تمارسه واشنطن.

وأضاف أن السؤال بالنسبة إلى هذه القوى هو ما إذا كان الضغط سيبقى «عند حدود التراجع عن دعم الزيدي» أم قد يصل إلى «اتخاذ قرارات صارمة، ومنها إيقاف شحنات الدولار وغير ذلك من وسائل الضغط التي من شأنها أن تجعل تلك القوى أمام مواجهة مع الشارع تتعدى حدود خلافها الصامت مع الزيدي».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

واشنطن داعمة

وفي أحدث مؤشر على موقف واشنطن، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة تدعم جهود الزيدي لتعزيز سيادة الدولة ومنع الهجمات داخل العراق أو انطلاقاً من أراضيه، كما أكدت التزامها ببناء «شراكة قوية ومتبادلة المنفعة» مع بغداد.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تدعم جهود الزيدي «لتطبيق وممارسة السيادة العراقية»، مضيفاً أن العراق «بدأ اتجاهاً جديداً تحت قيادة رئيس الوزراء الزيدي، بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة».

وكانت «الخارجية» الأميركية قد ربطت هذا الموقف باللقاء الذي جمع ترمب والزيدي في البيت الأبيض في 14 يوليو، وقالت إن واشنطن تدعم رؤية رئيس الوزراء العراقي لـ«مستقبل أكثر إشراقاً لجميع العراقيين خالٍ من الإرهاب»، إلى جانب منع الهجمات داخل العراق أو انطلاقاً منه وبناء شراكة أميركية-عراقية قوية ومتبادلة المنفعة.

ويرى الكاتب والإعلامي فلاح المشعل أن «اتجاه الزيدي غرباً حالة إيجابية، نظراً لتاريخ العلاقة التجارية والاستثمارية والصناعية التي جمعت العراق مع فرنسا وألمانيا، وتنويع المصادر ما بين أميركا وأوروبا».

وقال المشعل لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التوجه «سيفتح أسواق هذين البلدين للبترول العراقي وإعادة تصنيعه في تشارك للمصالح وتطويرها، خاصة في الصناعات النفطية».

لكنه أضاف أن «جميع تلك الطموحات التي يسعى إلى تحقيقها رئيس الوزراء الزيدي تصطدم بواقع عراقي يفتقد البيئة المشجعة، من ناحية الاستقرار الأمني والكفاءة المصرفية وقوانين الاستثمار العراقي، ناهيك بظروف الحرب الإقليمية المتقطعة ما بين أميركا وإيران».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

استراتيجية جديدة

وفي السياق ذاته، قال الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور هاني عاشور إن الزيدي «انتهج سياسة جديدة في الجانب السياسي والاقتصادي معاً، وذلك بالانفتاح على القوى العربية والإقليمية والدولية»، معتبراً أن هذه السياسة يمكن أن تمهد للتوجه الاقتصادي الذي يتبناه رئيس الوزراء.

وأضاف عاشور أن طبيعة الظروف الإقليمية، إلى جانب خبرة الزيدي السابقة في مجال الأعمال، دفعت الحكومة إلى تبني «سياسة جديدة، خاصة في الجانب الاقتصادي»، مشيراً إلى تأثير التطورات الإقليمية على صادرات النفط العراقية.

وقال إن الاتفاقيات التي وقعها الزيدي في أوروبا، إلى جانب مواقف حكومته من تركيا وسوريا والعمل على زيادة تصدير النفط عبر خط أنابيب إلى البحر المتوسط، تمثل، من وجهة نظره، جزءاً من «استراتيجية جديدة تقوم على نهج اقتصادي جديد من أجل النهوض بالعراق من جديد».