ضاحية بيروت في دائرة النار مجدداً... بضوء أخضر أميركي

تهديد يتجاوز الرد العسكري وإعادة رسم لقواعد التفاوض والميدان

تصاعد الدخان من منطقة في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية كما بدا من مدينة مرجعيون (رويترز)
تصاعد الدخان من منطقة في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية كما بدا من مدينة مرجعيون (رويترز)
TT

ضاحية بيروت في دائرة النار مجدداً... بضوء أخضر أميركي

تصاعد الدخان من منطقة في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية كما بدا من مدينة مرجعيون (رويترز)
تصاعد الدخان من منطقة في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية كما بدا من مدينة مرجعيون (رويترز)

أدخلت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت مباشرة في قلب المواجهة، بعدما أصدر صباح الاثنين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أوامر باستهدافها، في خطوة عكست اتجاهاً لتوسيع الضغط العسكري والسياسي على لبنان، بالتوازي مع المسار التفاوضي الجاري برعاية أميركية.

وبعد الظهر دعا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي سكان الضاحية في بيروت إلى إخلائها، قائلاً: «إذا واصل (حزب الله) الإرهابي إطلاق القذائف الصاروخية نحو مدن وبلدات إسرائيل، فسوف يرد جيش الدفاع باستهداف أهداف في الضاحية الجنوبية».

وأثار التهديد الإسرائيلي حركة نزوح وزحمة سير في الضاحية، فيما طلبت مدارس عدة من الأهالي اصطحاب أولادهم. وجاء ذلك وسط تأكيدات إسرائيلية أن القرار اتُّخذ بالتنسيق مع واشنطن، وبالتزامن مع مشاورات حول توسيع العمليات من جنوب لبنان إلى بيروت.

وقال نتنياهو إن مراكز قيادة «حزب الله» في بيروت «لن تبقى خارج نطاق الاستهداف»، بينما ربط وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بين أمن شمال إسرائيل وأمن بيروت، مؤكداً أن «حكم الضاحية كحكم بلدات الشمال».

سقوط الخطوط الحمر

يرى العميد المتقاعد فادي داود أن القرار الإسرائيلي استهداف الضاحية الجنوبية يحمل في طياته رسائل تتجاوز الهدف العسكري المباشر، وتعكس تحولاً في مقاربة تل أبيب لإدارة المواجهة مع «حزب الله» ولبنان.

وقال داود لـ«الشرق الأوسط»: «النقطة الأولى أن نتنياهو يقول عملياً إنه لا توجد خطوط حمر. عندما يرى هدفاً يعتبره مهماً بالنسبة له استهدفه أينما كان، سواء في الجنوب، أو البقاع، أو الضاحية. هذه هي الرسالة الأساسية التي يريد إيصالها».

وبحسب داود، فإن إسرائيل «تسعى إلى تثبيت واقع جديد عنوانه أن أي منطقة في لبنان يمكن أن تصبح هدفاً متى اعتبرت تل أبيب أن ذلك يخدم أهدافها العسكرية، والأمنية، وهو ما يفسر انتقال التهديدات من الجنوب إلى البقاع، ثم إلى الضاحية الجنوبية لبيروت».

ضغط على الحزب والدولة

يعتبر داود أن الضاحية تحولت إلى أداة ضغط مزدوجة تستخدمها إسرائيل في مواجهة «حزب الله» والدولة اللبنانية في آنٍ واحد.

وقال: «إسرائيل تضغط على (حزب الله) بعدما وسّعت نطاق عملياتها من الجنوب إلى البقاع وصولاً إلى الضاحية الجنوبية، ما يؤدي إلى تشتيت قدراته وقواه. وفي الوقت نفسه تضغط على الدولة اللبنانية من خلال القول لها: إذا كنتم تريدون حماية العاصمة، ومنع استمرار القصف، فعليكم التحرك في مواجهة الحزب».

مزيد من أوراق التفاوض

ويربط داود بين التصعيد العسكري الحالي وأي مفاوضات محتملة في المرحلة المقبلة، معتبراً أن إسرائيل تعمل على تحسين موقعها التفاوضي عبر تكثيف الضغط الميداني.

وقال: «عندما تذهب إلى طاولة التفاوض تكون في يدها أوراق ضغط تضعها على الطاولة، وتستخدمها لتحسين موقعها التفاوضي، وما يجري اليوم يدخل أيضاً في هذا الإطار».

ويكتسب هذا التقدير أهمية إضافية في ضوء ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية عن اجتماعات أمنية متلاحقة عقدها نتنياهو خلال أقل من 24 ساعة لبحث إمكان توسيع العمليات باتجاه بيروت، بالتزامن مع استمرار المشاورات مع الإدارة الأميركية.

كما يتقاطع ذلك مع ما أوردته القناة نفسها بشأن محادثة أجراها نتنياهو مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، سعى خلالها إلى إقناع الإدارة الأميركية بعدم منح «حزب الله» ما وصفه بـ«الحصانة» داخل بيروت.

ازدحام مروري للخروج من الضاحية الجنوبية لبيروت عقب تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (رويترز)

من الشقيف إلى بيروت... معادلة جديدة

جاء التصعيد الأخير بعد يوم واحد على إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة على قلعة الشقيف الاستراتيجية.

وأثار هذا التطور مخاوف من أن تكون إسرائيل بصدد تثبيت وقائع ميدانية جديدة تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، وصولاً إلى تكريس نفوذها في مناطق تعتبرها حيوية لأمنها الحدودي.

ويرى داود أن ما يجري يندرج أيضاً ضمن مسار تكريس معادلة ميدانية جديدة مع «حزب الله».

وقال: «هي ليست معادلة جديدة بالكامل، لكنها تُكرَّس بشكل أوضح كلما زاد الحزب من استخدام الصواريخ أو المسيّرات ضد إسرائيل، يقابل ذلك بتوسيع نطاق الضربات داخل الأراضي اللبنانية، وهذا ما نشهده اليوم».

ويضيف: «يعني ذلك، وفق القراءة العسكرية، أن إسرائيل تسعى إلى جعل أي تصعيد من جانب (حزب الله) يقابله توسع جغرافي في بنك الأهداف، بما يشمل مناطق كانت تعد حتى وقت قريب أقل عرضة للاستهداف المباشر».

إعادة انتشار إسرائيلي... ومعركة روايتين

وتزامنت التطورات الميدانية مع إعلان إذاعة الجيش الإسرائيلي تقليص عدد الفرق العاملة في جنوب لبنان إلى فرقتين فقط هما 91 و36، بعدما شاركت خمس فرق في بداية العملية العسكرية، إضافة إلى نقل مسؤولية القطاع الغربي من الفرقة 146 إلى الفرقة 91، في إطار إعادة تنظيم الانتشار والقيادة الميدانية.

نزوح كثيف من الضاحية الجنوبية لبيروت عقب تهديد إسرائيلي باستهداف المنطقة (أ.ب)

في المقابل، نفى «حزب الله» صحة الرواية الإسرائيلية بشأن احتلال قلعة الشقيف، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية لم تتمكن من تثبيت سيطرتها على الموقع. وقال الحزب إن «الجيش الإسرائيلي حاول تعويض تأثير العمليات المصورة التي بثتها المقاومة ضد قواته عبر البحث عن صورة انتصار في الشقيف، فشن على مدى أيام غارات مكثفة وقصفاً عنيفاً على يحمر الشقيف ومحيطها بهدف التقدم نحو القلعة».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «واجهت مقاومة حالت دون تحقيق هدفها، ما دفعها إلى سلوك مسارات وعرة من الجهة الشرقية للقلعة، حيث تمكنت مجموعة مشاة من التسلل تحت غطاء دخاني والتقاط صور داخل الموقع جرى استخدامها لاحقاً للترويج للسيطرة عليه»، مؤكداً أن القلعة كانت خالية من أي وجود عسكري تابع للحزب.

وأشار البيان إلى أن القوات الإسرائيلية لا تزال تواجه صعوبات في تثبيت وجودها في المنطقة، وتتمركز قرب الاستراحة الواقعة أسفل القلعة، فيما يخوض مقاتلو الحزب ما وصفها بـ«معركة استنزاف» ضدها، في مؤشر إلى أن معركة الشقيف لا تزال مفتوحة رغم إعلان إسرائيل السيطرة على الموقع.

العين على البقاع

ولا يعتقد داود أن الضاحية الجنوبية تمثل العنوان الوحيد للمرحلة المقبلة. وقال: «هناك من يتحدث عن أن جنوب لبنان جزء من أي تفاهم محتمل لوقف إطلاق النار في المنطقة، لكن الميدان يسير في اتجاه آخر، وأبعد من مجرد الضاحية أو الجنوب».

وأضاف: «يجب أن تبقى الأنظار متجهة نحو البقاع، وتحديداً البقاع الغربي. إذا نظرنا إلى خريطة الضربات الإسرائيلية الأخيرة، من الخيام وحاصبيا إلى مرجعيون والنبطية وجزين، نجد أن البقاع الغربي يشكل القاسم المشترك الجغرافي بينها جميعاً».

ويقرأ داود هذا المسار بوصفه مؤشراً إلى اتجاه العمليات المقبلة، موضحاً: «أبقوا أعينكم على البقاع، لأن البقاع الغربي قد يشكل المدخل إلى المرحلة المقبلة».

عمّال إغاثة يتفقدون الأضرار في موقع قصف إسرائيلي في مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إنذارات وغارات متصاعدة

في المقابل، وسّع الجيش الإسرائيلي إنذارات الإخلاء في النبطية وإقليم التفاح لتشمل مليخ وكفرحونة، فيما أفادت بلدية كيفون بتلقي أحد المنازل اتصالاً يطلب إخلاءه تمهيداً لاستهدافه. وأعقبت الإنذارات موجة غارات واسعة طالت تول وشوكين وزوطر الشرقية ويحمر الشقيف وكفرتبنيت وأرنون وحاروف وميفدون وحداثا وجويا ومجدل زون، بالتوازي مع استهداف سيارات ودراجات نارية في زفتا وبريقع وعبا ووطى عبا، ما أسفر عن قتلى وجرحى، وأضرار واسعة، بينها دمار في حوش صور، وقصف مدفعي على صريفا، فيما كثّفت المسيّرات الإسرائيلية تحليقها فوق بيروت وضواحيها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية في طبريا، والتصدي لمسيّرة من طراز «هرمز 450» فوق البقاع.


مقالات ذات صلة

فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

أفادت ​الرئاسة اللبنانية بأن نائب الرئيس الأميركي ووزير ‌الخارجية أبلغا ‌الرئيس ⁠اللبناني بأن ⁠واشنطن تتابع التفاهمات التي تسنى التوصل إليها في سويسرا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن- بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض قبيل توجهه إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)

انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات مع إسرائيل وسط رفض لبناني لـ«الاحتلال والوصايات الخارجية»

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن «تطورات الأيام الماضية أثبتت صحة خيارنا بالذهاب إلى التفاوض؛ لأنه السبيل الوحيد المعتمد على مستوى العالم كله لتحقيق الأهداف».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مشهد لدمار طال مبنى وسيارات استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تختبر «حرية الحركة» بهجمات متفرقة… و«حزب الله» يندّد ولا يهدّد بالرد

يتجدّد الجدل حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان مع تمسك حكومة بنيامين نتنياهو بما تسميه «المنطقة الأمنية» واستمرار العمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الأخير إلى باريس في شهر مارس عام 2025 (أ.ب)

ماكرون يتحرك لتأمين قوة دولية جديدة بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» بجنوب لبنان

بحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام التطورات في لبنان والمنطقة

شؤون إقليمية مركبة عسكرية إسرائيلية خلال دورية على طول المنطقة الشمالية في الجليل الأعلى على الحدود مع لبنان يوم 18 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يطلق النار على عناصر من «حزب الله» اجتازوا «المنطقة الأمنية»

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن قواته أطلقت النار على 4 من عناصر «حزب الله» بعد أن اجتازوا «المنطقة الأمنية» التي أقامتها الدولة العبرية في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
TT

لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)

اتهمت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين «عمداً»، وعدَّت أن ذلك أصبح عاملاً رئيسياً في «الإبادة» المستمرة بقطاع غزة، وذلك في تقريرٍ أصدرته اليوم الثلاثاء، ولقي انتقاد الدولة العبرية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وسبق للجنة التحقيق الدولية المستقلة، التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلّة، أن عدَّت، العام الماضي، أن إسرائيل ترتكب «إبادة جماعية» في الحرب، التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأوضحت، في تقريرها الجديد، أن القتل في القطاع المحاصَر والمدمَّر يتواصل رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلَن منذ 10 أكتوبر 2025.

وجاء فيه أن «السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمداً، مما أدى إلى ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في قطاع غزة، وجرائم حرب في الضفة الغربية»، حيث تصاعدت مستويات العنف منذ حرب غزة.

ورأى أن «الاستهداف المتعمَّد للأطفال هو أحد العناصر الرئيسية التي تُثبت نية الإبادة الجماعية لدى السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن بغية تدمير المجموعة الفلسطينية، كلياً أو جزئياً، في غزة».

وكانت لجنة التحقيق، التي لا تنطق باسم المنظمة الدولية، قد خلصت، في سبتمبر (أيلول) 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية» في غزة. ورفضت الدولة العبرية هذه الخلاصة.

وقال رئيس اللجنة سرينيفاسان موراليدار: «تُظهر الأدلة أن الأطفال الفلسطينيين قد استُهدفوا وقُتلوا بشكل متعمَّد على يد قوات الأمن الإسرائيلية»، مضيفاً: «حتى بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لا يزال الأطفال يُقتلون ويصابون بجروح خطيرة، مع استمرار تجاهل إسرائيل وقف إطلاق النار والحماية المكفولة للأطفال الفلسطينيين، بموجب القانون الدولي».

اعتداء على شعب بأكمله

ورفضت إسرائيل، التي طالما وجَّهت انتقادات لعمل اللجنة، خلاصات التقرير الجديد، وعدَّت أنه «تشهيريّ».

واتهمت المحققين بتجاهل «التكتيكات الوحشية لـ(حماس) التي تُهاجم الأطفال الإسرائيليين بلا رحمة وتستخدم الأطفال الفلسطينيين دروعاً بشرية».

وأسَّس مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، اللجنة في عام 2021.

وقد قامت، لأجل تقريرها الأخير، بالنظر في جرائم تؤثر على حياة الأطفال، الآن ولسنوات عدة، إضافة إلى ظروف اعتقالهم من قِبل السلطات الإسرائيلية.

وأضافت: «لقد أدت الإصابات الجسدية والنفسية الشديدة، والصدمة الجماعية، واليُتم، والانفصال، والإعاقة، والنزوح المتكرر، إلى محو الطفولة والتجويع، وخلّفت آثاراً ستُلاحق أطفال غزة طوال حياتهم، وانهيار التعليم والرعاية الصحية».

وتابعت: «تعرَّض أطفال فلسطينيون للاعتقال والتعذيب وأشكال أخرى خطيرة؛ من سوء المعاملة في السجون ومَرافق الاحتجاز الإسرائيلية، دون أي معلومات عن مكان وجودهم. واستخدمت قوات الأمن الإسرائيلية العنف الجنسي ضد الأطفال في جزء من الاحتلال للقمع الجماعي، المتجذر في نمط طويل الأمد ذي طابع عِرقي وعابر للأجيال من الإذلال والعداء الإسرائيلي».

وعدَّت أنه «باستهدافها الأطفال، تُقوِّض إسرائيل البنية الأساسية للمجتمع الفلسطيني وتُضعف قدرته على صون وممارسة حقه كشعب في تقرير مستقبله».

ونقل التقرير عن رئيس اللجنة قوله: «لا يمكن فصل حماية الأطفال الفلسطينيين والاعتناء بهم وإبقائهم على قيد الحياة عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والوجود وفي تقرير مستقبله. من خلال استهداف الأطفال، تعتدي إسرائيل على قدرة الشعب الفلسطيني نفسه».

«زعزعة مقوّمات المجتمع»

أتى صدور التقرير بعد أيامٍ من تحذير منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن وقف إطلاق النار المعلَن في غزة هو «وهم قاتل» للأطفال الفلسطينيين، مشيرة إلى مقتل 265 منهم منذ بدء سريانه في أكتوبر 2025.

ولفت المتحدث باسم «يونيسف» جيمس إلدى إلى أن معظم هؤلاء الأطفال قُتلوا «على يد القوات الإسرائيلية». وأوضح: «كان عدد قليل منهم ضحايا ذخائر غير منفجرة، وعدد أقل منهم ضحايا لميليشيات. لكن معظمهم قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية في غارات جوية أو قنابل أو طائرات مُسيّرة».

وأسفر هجوم «حماس» غير المسبوق على جنوب الدولة العبرية عن مقتل 1221 شخصاً، وفق إحصاء لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» يستند إلى بيانات إسرائيلية رسمية.

في المقابل، قُتل أكثر من 72 ألفاً و800 شخص، جرّاء القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية بالقطاع، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة.

ووفقاً للأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 20 ألفاً و179 طفلاً، وأُصيب 44 ألفاً و143 آخرين، في العامين الأولين للحرب؛ نتيجة الأعمال العدائية بين طرفي النزاع.

إلى ذلك، رأت اللجنة أن «تفكيك وتدمير دُور الأيتام والمرافق التعليمية في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية» أدى إلى «إعاقة الرعاية والنمو المعرفي والعاطفي والاجتماعي للأطفال، وزعزعة مقوّمات المجتمع الفلسطيني».

وأضافت: «أضرّ استهداف إسرائيل مراكز رعاية الأطفال حديثي الولادة والأمومة في غزة، بشكل مباشر، بقاء الأطفال حديثي الولادة ومستقبل الفلسطينيين الإنجابي، بما في ذلك من خلال زيادة معدلات الإجهاض العفوي والعيوب الخلقية والضعف الدائم بين الأطفال حديثي الولادة، مما أدى إلى تدمير حياة الأطفال الفلسطينيين حديثي الولادة واستمرارية السكان».

كما عدَّت أن «التجويع»، الناتج عن الحصار الإسرائيلي للقطاع وشُحّ المواد الإنسانية التي يُسمح بدخولها، أسهم «في وفاة الأطفال الفلسطينيين وأثّر بشكل خطير على صحة كثير من الأطفال الآخرين، وحرَمَهم من التغذية الأساسية وزاد من خطر الإصابة بالأمراض، في ظل انخفاض التحصين، وانعدام الأمن الغذائي، وتدمير الخدمات الصحية».

وحذّر موراليدار من أنه «حتى لو سكتت القنابل والبنادق في غزة والضفة الغربية، فإن الأطفال الفلسطينيين لن يتعافوا بين ليلة وضحاها. إن تدمير صحتهم وتعليمهم ونموّهم أمر لا رجعة فيه».

وتضمّن التقرير قائمة بألوية ووحدات عسكرية إسرائيلية قد تكون مسؤولة عن مقتل أطفال في حوادث محددة بغزة والضفة الغربية.

وقال المحامي بمجال حقوق الإنسان وعضو لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي تنظر في انتهاكات حقوق الإنسان بإسرائيل والأراضي الفلسطينية، كريس سيدوتي: «نعرفها»؛ في إشارة إلى هذه الوحدات.

وأضاف، في مؤتمر صحافي: «انتهكت أفعال السلطات الإسرائيلية تجاه الأطفال الفلسطينيين كل القواعد القانونية الدولية، ويجب محاسبتها على ذلك».

وأفاد متوجّهاً للإسرائيليين مباشرة: «أي نوع من القادة لديكم عندما يصدرون أوامر ويطلقون تصريحات تُشجّع هذا النوع من السلوك؟! لا يكتفون بالسماح به، بل يشجّعونه».


عاطف نجيب ينكر مجدداً الاتهامات بعد مواجهة مع ضحاياه

عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)
عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)
TT

عاطف نجيب ينكر مجدداً الاتهامات بعد مواجهة مع ضحاياه

عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)
عاطف نجيب من الجلسة الرابعة لمحاكمته (وزارة العدل السورية)

عقدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بقضايا العدالة الانتقالية بدمشق، الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا المتهم بارتكاب انتهاكات في عام 2011.

وخصصت الجلسة المغلقة، التي عقدت، الثلاثاء، للاستماع إلى أقوال شهود الحق العام، وفق وكالة (سانا). وحضر الجلسة ممثلون لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان ونشطاء ومنظمات دولية مهتمة بمتابعة مجريات القضية.

ولا تقتصر أهمية ملف محاكمة عاطف نجيب عليه وحده، بل تمتد إلى «تثبيت وقائع قانونية يمكن الاستناد إليها في ملفات أخرى تخص رموزاً يُحاكمون غيابياً»، وفق الخبير القانوني والباحث المتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي المعتصم الكيلاني في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الذي اعتبر أن استمرار عرض الأدلة والشهادات بالوتيرة التي ظهرت في الجلسات السابقة، فإن القضية تبدو متجهة إلى ما هو أبعد من محاكمة شخص واحد، أي إلى «محاولة بناء سردية قضائية متكاملة حول مسؤولية القيادات الأمنية والسياسية عن أحداث درعا في بداية عام 2011».

وأوضح أنه منذ بدء القضية، وردت أسماء بارزة من النظام السابق، بينها بشار الأسد وماهر الأسد، بوصفهما مدَّعى عليهما غيابياً ضمن الملف نفسه.

وقال كيلاني إن «المحاكمة الغيابية لا تعني تجميد الملف؛ بل تستمر المحكمة في دراسة الوقائع والأدلة والاتهامات بحقهم حتى في غيابهم». بمعنى آخر: «الادعاء ما زال قائماً بحقهم، الأدلة المتعلقة بأدوارهم تُناقش ضمن الملف، ويمكن أن تصدر أحكام غيابية إذا استكملت المحكمة إجراءاتها القانونية، وتنفيذ أي حكم بحقهم يبقى مرتبطاً بإمكانية القبض عليهم أو تسليمهم مستقبلاً».

شهادة أمام الهيئة القضائية في الجلسة الرابعة لمحاكمة عاطف نجيب الثلاثاء (وزارة العدل السورية)

المحكمة استمعت في الجلسة، اليوم الثلاثاء، إلى أربع عشرة شهادة ضمن جلسات شهود الادعاء والحق العام، أدلى بها أشخاص «تعرضوا جميعاً لانتهاكات مباشرة من نجيب». وقال رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني الذي يتابع سير محاكمات العدالة الانتقالية لـ«الشرق الأوسط»، أن الجلسة تضمنت الاستماع إلى شهادات تناولت تفاصيل تتعلق بمسؤولية نجيب عن انتهاكات الاعتقال والتعذيب، وعرض الشهود إفاداتهم أمام المحكمة بشأن الوقائع المرتبطة بالقضية. وكما «حدث في الجلسة الماضية، أنكر نجيب مسؤوليته عن جميع التهم».

ولفت عبد الغني إلى أن الجلسة المقبلة ستخصص لمواصلة الاستماع إلى أقوال الشهود، في ظل تجاوز عدد المدعين 51 مدعياً، وقال إن ذلك «يستدعي استكمال عرض الشهادات والإفادات ذات الصلة بالقضية، وفحص الأدلة التي تدين نجيب من وثائق وغيرها».

وبدأت محاكمة عاطف نجيب وجاهياً في أبريل (نيسان) الماضي، مع عدد رموز النظام السابق لمحاكمتهم غيابياً، وفي مقدمتهم بشار الأسد وشقيقه ماهر.

وانتقلت المحاكمة تدريجياً من «مرحلة تلاوة الاتهامات واستجواب المتهم إلى مرحلة مواجهة المتهم بالأدلة والشهادات والمواد المصورة. ففي الجلسة الثالثة عُرضت مقاطع وشهادات تتعلق بالتعذيب والاعتقال نفى نجيب مسؤوليته عنها»، وفق الكيلاني الذي إلى أن الاتجاه العام للمحكمة حتى الآن يبدو أنه «يركز على إثبات المسؤولية القيادية وليس فقط الأفعال المباشرة، أي: هل كان نجيب مسؤولاً بحكم موقعه الأمني عن الانتهاكات التي وقعت في درعا عام 2011 أم لا؟ وهذا ظهر في الاستجوابات ومواجهة المتهم بأقوال الشهود».

حضور أهالي الضحايا في الجلسة الرابعة لمحاكمة عاطف نجيب (وزارة العدل السورية)

وأكد الكيلاني أن القضية تحمل أهمية رمزية كبيرة؛ لأنها تُعد «أول محاكمة علنية لشخصية أمنية بارزة من النظام السابق أمام القضاء السوري بعد التغيير السياسي». وعن الخطوات اللاحقة للجلسة الرابعة، قال الكيلاني إنه عادة في مثل هذه القضايا تكون المراحل التالية: استكمال سماع شهود الإثبات، مناقشة الأدلة والوثائق والفيديوهات المقدمة، تمكين الدفاع من تقديم دفوعه وشهوده إن وجدوا. ثم مرافعة النيابة العامة والمرافعات الختامية للدفاع. وتختتم بحجز الدعوى للحكم أو تحديد جلسات إضافية إذا رأت المحكمة أن الملف يحتاج إلى مزيد من التحقيق، إلا أن القرار النهائي «يبقى مرتبطاً بما إذا كانت المحكمة تعتبر ملف الإثبات مكتملاً أم لا».

ويواجه نجيب، بصفته المسؤول الأول عن فرع الأمن السياسي في درعا، عام 2011، تهماً بالمسؤولية عن المجزرة التي وقعت في الجامع العمري عام 2011. واتهامات بقمع الاحتجاجات في درعا، والتسبب في تعريض معتقلين، بينهم أطفال، للتعذيب الجسدي، منها قلع الأظافر والصعق الكهربائي وتهديد ذويهم.

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا أعلنت، في وقت سابق، أن الأسبوع الحالي سيشهد سلسلة جلسات قضائية ضمن مسار العدالة الانتقالية تشمل محاكمة عاطف نجيب، ووسيم الأسد، والمفتي السابق أحمد حسون.

وعقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق المتخصصة، الاثنين، الجلسة الثانية من محاكمة عبد الناصر براقي بن أيمن، المتهم بأنه كان مخبراً لدى النظام السابق، وقد ارتكب القتل العمد والكذب الافترائي والسلب بالعنف، وطالبت النيابة العامة في الجلسة الثانية إنزال أقصى العقوبات المنصوص عليها قانوناً وهي الإعدام، إلا أن المتهم طلب منحه مهلة لإبداء دفوعه الأخيرة، وقررت المحكمة منحه مهلة أخيرة وحددت 13 يوليو (تموز) المقبل موعداً للجلسة الأخيرة قبل النطق بالحكم.


فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أفادت ​الرئاسة اللبنانية، الثلاثاء، بأن جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي ووزير ‌الخارجية ‌ماركو ​روبيو أبلغا ‌الرئيس ⁠اللبناني ​جوزيف عون بأن ⁠واشنطن تتابع التفاهمات التي تسنى التوصل ⁠إليها في ‌سويسرا، ومنها ‌خطط ​إنشاء ‌آلية ‌أميركية - لبنانية إيرانية للمساعدة في ترسيخ وقف ‌إطلاق النار في لبنان ومراقبة ⁠تنفيذه، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضافت ⁠الرئاسة أن ترتيبات هذه الآلية لا تزال قيد المناقشة.

وقالت الرئاسة اللبنانية: «فانس وروبيو يؤكدان مجدداً لعون دعم واشنطن لسلطة الدولة اللبنانية».

كما أكد الرئيس اللبناني أن خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل هو خيار صحيح، وأمل أن تكون الجولة الخامسة من المفاوضات حاسمة في استعادة سيادة لبنان كاملة، مطالباً «بزوال الاحتلال الإسرائيلي وسقوط الوصايات الخارجية معاً».

وجاء تصريح عون جاء خلال ترؤسه، بعد ظهر اليوم، اجتماعاً حضره قائد الجيش العماد رودولف هيكل وأعضاء الفريق الاستشاري المواكب للمفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية في واشنطن، وذلك لمتابعة مداولات اجتماع الوفد اللبناني الدبلوماسي والعسكري في الجولة الخامسة من المفاوضات، بحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية.

وأكد عون أن تطورات الأيام الماضية «أثبتت صحة خيارنا بالذهاب إلى التفاوض؛ لأنه السبيل الوحيد المعتمد على مستوى العالم كله لتحقيق الأهداف الوطنية واستعادة كل الحقوق».

وأضاف: «لذلك ذهبنا اليوم، وفي اليومين المقبلين، إلى جولة جديدة نأمل أن تكون حاسمة على طريق إنجاز ما نريد من خير لوطننا وشعبنا، وهذا الخير نراه في استعادة سيادة لبنان كاملة على كل ذرة تراب وبسط سلطة الدولة على كل إنسان على أرضنا».