عشرات القتلى من المدنيين في إقليم كردفان

الجيش السوداني يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض

سودانيون يُصلّون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيَّرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
سودانيون يُصلّون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيَّرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

عشرات القتلى من المدنيين في إقليم كردفان

سودانيون يُصلّون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيَّرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
سودانيون يُصلّون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيَّرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

سقط المزيد من الضحايا المدنيين في السودان خلال اليومين الماضيين، بينما أعربت وزارة الخارجية عن إدانتها الشديدة لـ«المجزرة المروعة» التي ارتكبتها «قوات الدعم السريع» في ولاية شمال كردفان، وأدّت إلى مقتل وإصابة العشرات من المواطنين العزّل.

وفي غرب كردفان، قُتل 10 أشخاص على الأقل، بينهم 8 أطفال وامرأتان، السبت، في غارة جوية، وفق ما أفادت منظمة حقوقية.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إن الاعتداءات على المدنيين جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة الانتهاكات الخطيرة التي ظلت ترتكبها «قوات الدعم السريع».

طفل وسيدة أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

وعدّ البيان هذه الهجمات، التي وصفها بــ«الإجرامية»، «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، تتحمل مسؤوليتها قيادة (الدعم السريع) المدعومة إقليمياً ودولياً».

وحضّت «الخارجية» السودانية المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن و«الاتحاد الأفريقي» ومنظمات حقوق الإنسان، إلى «إدانة هذه المجزرة، ومحاسبة المسؤولين، لوضع حد للإفلات من العقاب».

وجددت الحكومة السودانية دعوتها إلى تصنيف «قوات الدعم السريع» منظمةً إرهابيةً، «لاستمرارها في استهداف المدنيين وارتكاب جرائم القتل الجماعي، التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

وقُتل 28 مدنياً على الأقل وأُصيب العشرات، ثاني أيام عيد الأضحى، جرّاء هجمات نُسبت لـ«قوات الدعم السريع» على بلدات في ولاية شمال كردفان...وأشارت أنباء واردة إلى ارتفاع حصيلة الضحايا إلى أكثر من 30 شخصاً.

وتصاعدت حدة الهجمات بالطائرات المسيّرة التي يشنّها الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في جميع أنحاء البلاد في الآونة الأخيرة، وأسفر بعضها عن مقتل عشرات الأشخاص في ضربة واحدة.

عناصر من «المقاومة الشعبية» الموالية للجيش في القضاريف بشرق البلد (أ.ف.ب)

من جانبها، قالت منظمة «محامو الطوارئ»، وهي منظمة تُوثِّق الانتهاكات خلال الحرب المستمرة منذ 2023، إنَّ طائرة مسيّرة استهدفت مجموعة من النازحين في منطقة كدام بولاية غرب كردفان، ظهر السبت، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 8 أطفال وامرأتان.

وأضافت المجموعة في بيان على موقع «فيسبوك»، أنَّ الهجوم وقع في منطقة مدنية لا توجد فيها أي مظاهر عسكرية، ما يعكس اتساع نطاق العنف ليشمل مناطق النزوح القسري وسط تصاعد الهجمات بالمسيرات على المناطق المدنية.

وجددت الهيئة الحقوقية مطالبتها، «بوقف فوري للقصف الجوي العشوائي، الذي يستهدف المناطق المأهولة بالسكان، وتوسيع نطاق متابعة أوضاع النازحين بشكل مستمر». وعبَّرت عن «مخاوف جدية من تكرار استهداف البنية التحتية المدنية، الذي يفاقم من تدهور الوضع الإنساني في الإقليم، ويعرِّض حياة المدنيين لخطر مباشر».

ونفّذت «قوات الدعم السريع» سلسلة ضربات بطائرات مسيّرة على مناطق متفرقة في إقليم كردفان والعاصمة الخرطوم خلال الأشهر الماضية، استهدفت في الغالب مواقع مدنية وعسكرية ومحطات طاقة وبنى تحتية للمياه، وأدت إلى سقوط العشرات من الضحايا المدنيين.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 880 مدنياً على الأقل قُتلوا في ضربات بطائرات مسيّرة في السودان بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) من العام الحالي، محذّرة في الوقت نفسه، من أن هذه الضربات تدفع النزاع نحو «مرحلة جديدة أكثر دموية».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

إسقاط مسّيرة

وأفادت مصادر محلية بأن الدفاعات الجوية للجيش السوداني أسقطت، فجر الأحد، طائرات مُسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع» في سماء مدينة الأُبَيِّض عاصمة ولاية شمال كردفان وسط البلاد.

وقال شهود عيان، ومصادر عسكرية، إن قوات «الفرقة الخامسة» مشاة (الهجّانة) تصدت لهجوم بالمسيّرات «يرجح أنها كانت تحاول استهداف مواقع عسكرية ومدنية في المدينة».

وسبق أن استهدفت مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع» مرات متتالية في الأشهر الماضية مواقع عسكرية، ومنشآت مدنية في الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان في غرب السودان، ما أدّى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى وسط العسكريين والمدنيين.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض شمال كردفان

وتُعد الأُبيّض المركز الرئيس لـ«غرفة القيادة والسيطرة» للعمليات العسكرية التي يخوضها الجيش في إقليم كردفان.

وتتركز الاشتباكات حالياً بين الجيش و«الدعم السريع» في محاور مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن جنوب كردفان، كما تشمل العديد من المناطق في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدّت الحرب التي دخلت عامها الرابع إلى مقتل عشرات الآلاف، وتشير بعض التقديرات إلى تجاوز الحصيلة 200 ألف قتيل، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها... وتسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.


مقالات ذات صلة

السودان: تباطؤ العمليات العسكرية والغارات على الجبهات

شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني بمطار الخرطوم الدولي في 3 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

السودان: تباطؤ العمليات العسكرية والغارات على الجبهات

يعزى تراجع المعارك إلى أن الطرفين المتحاربين في السودان يكثفان الحشود العسكرية على الأرض، استعداداً لمرحلة جديدة من المعارك.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين 4 أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

«الخارجية المصرية» لـ«الشرق الأوسط»: العلاقات مع السودان عميقة وممتدة

أكدت مصر على متانة العلاقات مع السودان واستمرار التنسيق بالملفات الاستراتيجية بعد حادثين متتالين أحدهما يخص منقبين سودانيين والآخر بشأن سائقين مصريين

محمد الريس (القاهرة )
تحليل إخباري جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري «الدهّابة» على الحدود المصرية ـ السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول) في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب هناك

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

بحث وفد «إعلان المبادئ السوداني» بأديس أبابا مع «الآلية الخماسية» إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود المصرية - السودانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)
مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)
TT

مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)
مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)

قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» في مصر تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها الربع سنوي، الذي عقدته الخميس، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وقالت وزارة البترول في بيان الخميس، إن «اللجنة راجعت محددات آلية التسعير التلقائي وأهمها التغيرات في سعر الصرف وسعر برميل خام برنت خلال الربع الممتد من شهر يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنةً بالربع السابق وقررت فى ضوء تلك المحددات الإبقاء على أسعار المنتجات البترولية دون تعديل أو تغيير».

وأشار البيان إلى أن تثبيت الأسعار يأتي في ضوء «قرار من مجلس الوزراء بعودة عمل لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية، حيث راجعت اللجنة التطورات المحلية والدولية المؤثرة على المعادلة السعرية، وأخذاً في الاعتبار تطورات أسعار المنتجات البترولية العالمية، وما سبق اتخاذه من إجراءات سعرية طوال الفترة الماضية، واتخذت قرارها فى ضوء هذه المحددات».

وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، مطلع يوليو الماضي، عودة عمل لجنة «التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» اعتباراً من الربع الأول من العام المالي 2026-2027، بهدف ربط أسعار الوقود بالمتغيرات الاقتصادية وأسعار الطاقة العالمية.

جاء القرار المصري في وقت تشهد فيه أسواق النفط العالمية تحركات حادة، إذ أظهرت بيانات وزارة البترول المصرية أن سعر خام برنت بلغ نحو 104 دولارات للبرميل في 15 أكتوبر (تشرين الأول)، في حين خفّضت مصر في موازنة السنة المالية الجديدة 2026-2027 مستهدف دعم المواد البترولية بنحو 79 في المائة ليصل إلى 15.8 مليار جنيه مقابل دعم 75 ملياراً للعام المالي الحالي.

وقبل أيام جددت وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر نفيها رفع أسعار المنتجات البترولية، وذلك مع توقعات بوجود زيادة مرتقبة في الأسعار نتيجة ارتفاعات أسعار النفط العالمية.

وتبلغ الأسعار الرسمية الحالية، وفق بيانات وزارة البترول، 20.75 جنيه للتر بنزين 80، ونحو 22.25 جنيه لبنزين 92، ونحو 24 جنيهاً لبنزين 95، فيما يبلغ سعر لتر السولار 20.50 جنيه (الدولار يساوي 53 جنيهاً تقريباً في البنوك المصرية).


ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
TT

ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)

وسط مطالبة بـ«توسيع المشاركة السياسية في البلاد»، رحبت أحزاب وقوى سياسية بتأكيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عدم المساس بالدستور»، في حين عبّر معارضون عن «أملهم في انفراجة سياسية» مقبلة.

وكان السيسي أكد أن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد»، وجاءت تأكيدات السيسي خلال الندوة التثقيفية بالقوات المسلحة مساء الأربعاء، في سياق حديثه عن «محاولات استهداف مصر من الداخل، وبث حرب نفسية تستهدف ثقة المصريين في مؤسسات الدولة».

كما تزامن حديث السيسي بشأن «الدستور المصري» مع تنامي مقترحات بتعديله، خاصة أن ولاية الرئيس المصري الحالية هي الأخيرة، وتنتهي عام 2030.

وأشار السيسي إلى أن «حجم العمل والإنجاز الذي تم في مصر منذ عام 2014 ما كان أن يتم في أقل من ثلاثين عاماً»، مؤكداً أنه سوف «يستمر في العمل حتى آخر يوم من مدته في منصبه عام 2030».

وعبّرت «الحركة المدنية الديمقراطية»، وهي أكبر تجمع معارض في البلاد، عن «ارتياحها الشديد» بشأن حديث السيسي، ورأت أنه «خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية».

وأكدت الحركة في بيان، مساء الأربعاء، أن «الرهان الحقيقي لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية هو احترام الدستور وتفعيله والتداول السلمي للسلطة، والمدخل الأساسي لفتح رئة المجتمع، وتوسيع المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني».

وأكدت «الحركة» أنها «تتطلع إلى أن يتحول حديث السيسي إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل وطنهم».

الرئيس السيسي خلال الندوة التثقيفية بالقوات المسلحة مساء الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وقال المنسق العام للحركة المدنية أكرم إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، إن الحركة «تسعى إلى الحصول على مساحة أكبر من حرية العمل السياسي والحزبي وتوسيع المشاركة الجماهيرية».

من جهته، عدّ أستاذ العلوم السياسية في «جامعة القاهرة» طارق فهمي أن حديث السيسي «مباشر وصريح». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطاب يعني أن قرار الرئيس قد حُسم سياسياً، وأنه لا تعديل للدستور».

وتوقع فهمي أن يُحدث الخطاب «زخماً سياسياً بالبلاد خلال الفترة المقبلة»، وهو ما يتطلب من كافة القوى السياسية والأحزاب أن «تعيد تقييم قوتها ووضعها، وتقدم مقترحات وسياسات وتصورات جديدة للتعاطي مع المرحلة وتوسيع المشاركة السياسية بتحالفات جديدة».

كما يعتقد أن الرئيس السيسي حسم البعد السياسي لتعديل الدستور، لكن «الأمر في النهاية ليس بيد الرئيس وحده؛ إذ توجد مؤسسات أخرى بالدولة، حيث يمكن للسلطة التشريعية أن تتبنى تعديل الدستور»، مؤكداً أن «حسم السيسي لن يوقف المطالبين بتعديل الدستور».

أحزاب سياسية رحبت بحديث السيسي عن الدستور المصري (مجلس النواب المصري)

وفي إطار تأكيده «الترحيب» بحديث السيسي، عبّر حزب «الدستور» في بيان، مساء الأربعاء، عن أمله في أن تمثل هذه التصريحات «خطوة إيجابية نحو مرحلة جديدة يكون فيها احترام الدستور ليس فقط بالحفاظ على نصوصه»، وإنما أيضاً بالتنفيذ «الكامل لأحكامه»، وأن تكون «مدخلاً لخطوات أوسع نحو فتح المجال العام، وتعزيز التعددية السياسية، وإتاحة الفرصة أمام الأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني للقيام بأدوارها بحرية ومسؤولية».

وتطرق نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو هاشم ربيع إلى الدلالات المباشرة لحديث السيسي، مؤكداً أن الخطاب «يعني سياسياً أننا على موعد مع رئيس جديد عقب انتهاء ولاية السيسي في 2030 ما لم يحدث شيء آخر».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس السيسي جاد وصادق في إعلانه رفض تعديل الدستور، لكن يمكن أن نشهد تحركات سياسية من أحزاب ترى ضرورة التعديل عبر تظاهرات أو فعاليات سياسية».

وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة «زخماً سياسياً بالبلاد وحراكاً حزبياً»، لكن المشكلة في رأيه أن «الأحزاب لم تستعد لهذه اللحظة، وليس لديها بدائل».


الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي ومسار الصعود إلى قمة المؤسسة التشريعية

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)
الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي ومسار الصعود إلى قمة المؤسسة التشريعية

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)
الرئيس الجديد للبرلمان المغربي... أحمد التويزي (أ.ف.ب)

يمثل صعود أحمد التويزي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، إلى رئاسة مجلس النواب المغربي الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، محطة تدشين لمرحلة سياسية جديدة تعقب إعادة تشكيل الأغلبية والمعارضة بالمملكة.

ويأتي تسلمه إدارة الغرفة الأولى ترجمةً مباشرةً لنتائج الاقتراع التشريعي وموازين القوى الحزبية داخل البرلمان، واضعاً مساره الممتد بين قطاع التعليم وتدبير الشؤون المحلية والجهوية تحت مجهر التقييم المؤسساتي.

ومع بداية ولايته الخماسية، يواجه رئيس المجلس تحديات تنظيمية ودستورية جوهرية تتطلب قيادة النقاش التشريعي بالتوازن المطلوب، وإدارة التنافس السياسي بين مكونات الأغلبية والفرق المعارضة بمسافة واحدة تضمن حقوق الجميع وتصون هيبة المؤسسة.

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي أحمد التويزي (أ.ف.ب)

ليلة الحسم البرلماني وكواليس الأرقام في صندوق الاقتراع

توّج أحمد التويزي مساره السياسي بانتخابه رئيساً لمجلس النواب في الجلسة العمومية المنعقدة يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026. ووفقاً لنتائج التصويت، حسم التويزي المقعد الدستوري الثالث في هرم الدولة بحصوله على الأغلبية المطلقة الممثلة في 220 صوتاً، بدعم مباشر ومكثف من مكونات التحالف الحكومي الجديد.

وفي المقابل، حصد منافسه المباشر إدريس الأزمي الإدريسي، مرشح حزب العدالة والتنمية المعارض، 59 صوتاً.

وشهدت هذه الجلسة رسائل سياسية مبطنة من خلال تسجيل كتلة تصويتية بيضاء أو ملغاة بلغت 90 صوتاً من أصل 369 من الأصوات المعبر عنها، ما يعكس حجم التجاذبات الصامتة داخل القبة التشريعية.

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي أحمد التويزي (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، استكمل مجلس النواب المغربي بناء هياكله الدستورية غداة صعود التويزي إلى الرئاسة، إذ صوّت نواب الغرفة الأولى بالإجماع على لائحة فريدة نالت 293 صوتاً، ليتشكل بموجبها مكتب المجلس وفق مبدأ التمثيل النسبي مع نواب الرئيس الثمانية، وفي مقدمتهم مصطفى بايتاس (حزب التجمع الوطني للأحرار) نائباً أولاً، وخالد الشناق (حزب الاستقلال) نائباً ثانياً، إلى جانب عبد الله بوانو (حزب العدالة والتنمية)، ومحمد أوزين (حزب الحركة الشعبية).
ولم يقف مسار الهيكلة عند حدود الإدارة التنفيذية للمجلس، بل امتد ليشمل رؤساء اللجان النيابية الدائمة التسع التي تُعد المطبخ الحقيقي للتشريع, إذ آل قيادها إلى أسماء بارزة من بينها محمد الغراس (حزب الاتحاد الدستوري) رئيساً للجنة الخارجية، ومنصف الطوب (حزب الاستقلال) رئيساً للجنة الداخلية، ومحمد غياث (حزب التجمع الوطني للأحرار) رئيساً للجنة العدل والتشريع، وهشام المهاجري (حزب الأصالة والمعاصرة) رئيساً للجنة المالية، ومصطفى الإبراهيمي (حزب العدالة والتنمية) رئيساً للجنة القطاعات الاجتماعية، ومحمد الأعرج (حزب الحركة الشعبية) رئيساً للجنة القطاعات الإنتاجية، وعبد الحق أمغار (حزب الاتحاد الاشتراكي) رئيساً للجنة البنيات الأساسية، وحسن الدرهم (حزب التقدم والاشتراكية) رئيساً للجنة التعليم والثقافة، وحنان الماسي (حزب الأصالة والمعاصرة) رئيسةً للجنة مراقبة المالية العامة.

صعود من الهامش الجغرافي إلى هرم السلطة التشريعية

لا يمكن قراءة السيرة السياسية لأحمد التويزي بمعزل عن مجاله الترابي الحصين في إقليم الحوز، وتحديداً مدينة آيت أورير القريبة من مراكش. فهذه المنطقة الجبلية والناشئة لم تكن مجرد مسقط رأس ونشأة، بل شكلت على الدوام الخزان الانتخابي الحاسم والقاعدة الخلفية التي انطلق منها لبناء نفوذه السياسي.

ورغم أن هذا الارتباط الوثيق بالمنطقة منحه شرعية الميدان، فإنه لم يخلُ من انتقادات مستمرة من قبل فاعلين محليين ومعارضين اعتبروا أن حصيلته التدبيرية المحلية لم تحقق القفزة التنموية المأمول فيها ببلدته الأصلية والمناطق المجاورة لها.

الرئيس الجديد للبرلمان المغربي أحمد التويزي (أ.ف.ب)

من فصول التدريس وعلوم الطبيعة إلى ردهات السياسة

يبلغ رئيس مجلس النواب الجديد من العمر 71 عاماً، حيث ولد في خمسينات القرن الماضي، وعاش تحولات المغرب الحديث. تلقى التويزي تعليمه الأكاديمي في شعبة العلوم، وهو التخصص الذي أهّله لولوج الوظيفة العمومية أستاذاً لمادة العلوم الطبيعية في قطاع التعليم العمومي المغربي. وخلال مساره، ظل حريصاً في خطاباته على استحضار هويته الأولى كرجل تعليم، وهي الخلفية التي وظّفها لسنوات في صياغة خطابه السياسي وتواصله المباشر مع الفئات الشعبية، قبل أن يقرر التفرغ الكامل للعمل الانتخابي والمؤسساتي.

البرلمان المغربي (أ.ف.ب)

البراغماتية السياسية ورحلة التحولات الحزبية المثيرة

يكشف التاريخ الحزبي لأحمد التويزي عن مرونة سياسية واضحة وقدرة على التكيف مع تقلبات المشهد الحزبي المغربي وتغير موازين القوى. بدأت خطواته الأولى في العمل السياسي منذ عام 1974 من داخل تنظيمات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمراكش ذي التوجه اليساري الراديكالي آنذاك.

ومع تغير الخرائط السياسية للمملكة، تدرج التويزي عبر هيئات سياسية مختلفة شملت حزب الاتحاد الدستوري ثم حزب الحركة الشعبية، ليتوج هذا المسار الطويل بالانضمام إلى حزب الأصالة والمعاصرة الليبرالي، حيث ترقى في مناصبه الداخلية ليصبح عضواً في مكتبه السياسي وأحد أبرز مهندسي توازناته البرلمانية.

من التدبير الجماعي ورئاسة الجهة إلى المطبخ التشريعي

تنوعت المسؤوليات التي شغلها التويزي طوال عقود من التدبير على مستويات ترابية وتشريعية مختلفة. فقد تولى رئاسة المجلس الجماعي لمدينة آيت أورير لعدة ولايات متتالية، ما جعله وجهاً مألوفاً في تدبير الشأن المحلي. وعزّز هذا النفوذ الترابي بانتخابه رئيساً لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز بين عامي 2011 و2016 قبل اعتماد التقسيم الجهوي الحالي للمملكة.

ولم يقتصر مساره على الجماعات الترابية، بل شغل لسنوات طويلة عضوية مجلس المستشارين، وتولى داخل الغرفة الثانية منصب محاسب المجلس، قبل أن ينتقل للغرفة الأولى نائباً عن دائرة الحوز، ثم رئيساً للفريق النيابي للأصالة والمعاصرة خلال الولاية التشريعية السابقة، وهي المهمة التي أكسبته دراية دقيقة بكواليس الطبخ التشريعي وضبط التوازنات بين الفرق.

في معبد الرئاسة ومواجهة إرث الأسلاف الكبار

بدخوله مكتب رئاسة الغرفة الأولى، يخلف التويزي مباشرة الرئيس السابق رشيد الطالبي العلمي المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار. وبذلك، ينضم رئيس البرلمان الجديد إلى قائمة تاريخية حافلة من الشخصيات الوازنة التي تعاقبت على إدارة المشهد التشريعي المغربي منذ فجر الاستقلال، حيث يضع إرثه التدبيري في ميزان المقارنة مع قامات سياسية كبرى ترأست هذا المجلس، بدءاً من المهدي بن بركة في المجلس الوطني الاستشاري، وعبد الكريم الخطيب، والداي ولد سيدي بابا، وأحمد عصمان الذي قاد السفينة البرلمانية لأطول فترة متواصلة، وصولاً إلى عبد الواحد الراضي، ومصطفى المنصوري، وكريم غلاب، والحبيب المالكي.