تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

الشهر الأول يحسم قرار الاشتراك

إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
TT

تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)

لم تعد اشتراكات التطبيقات مجرد خيار إضافي داخل متاجر التطبيقات، بل أصبحت نموذجاً رئيساً لإيرادات كثير من المطورين، خصوصاً في تطبيقات الإنتاجية، والتعليم، والصحة، والترفيه، والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكن تقريراً جديداً من شركة «ريغنيوكات» (RevenueCat) يقول إنه عندما يلغي المستخدم اشتراكه السنوي، فإن احتمالات عودته تكون ضعيفة جداً.

بحسب الجزء الثاني من تقرير «State of Subscription Apps 2026»، فإن 95 في المائة من مستخدمي الاشتراكات السنوية الذين يلغون اشتراكاتهم لا يعودون لاحقاً. التقرير يستند إلى بيانات من أكثر من 115 ألف تطبيق عبر فئات مختلفة، تغطي أكثر من 16 مليار دولار من الإيرادات.

الشهر الأول حاسم

تكشف البيانات أن إلغاء الاشتراكات السنوية لا يحدث بطريقة عشوائية على مدار العام. فالشهر الأول وحده يمثل 35 في المائة من جميع عمليات إلغاء الاشتراك السنوي، مع اختلاف واضح بين الفئات. في تطبيقات التسوق، تحدث نحو نصف عمليات الإلغاء السنوية في الشهر الأول، بينما تصل النسبة في تطبيقات التعليم إلى نحو 30 في المائة.

هذه الأرقام تعني أن المستخدم لا ينتظر دائماً نهاية العام ليقرر ما إذا كان التطبيق يستحق الاستمرار. وفي كثير من الحالات، يتخذ القرار مبكراً جداً، ربما بعد تجربة أولية لا تقنعه بالقيمة، أو بعد أن يكتشف أن الاستخدام الفعلي أقل من توقعاته عند الدفع.

فبعد الشهر الأول، تتراجع عمليات الإلغاء إلى مستويات أقل تتراوح بين 3 و7 في المائة شهرياً في الفترة من الشهر الثالث إلى الحادي عشر. لكن التقرير يرصد ارتفاعاً جديداً في الشهر الثاني عشر، عندما يقترب موعد التجديد، حيث تصل عمليات الإلغاء إلى ما بين 9 و14 في المائة عبر مختلف الفئات.

الاشتراكات السنوية تمنح المطورين قيمة أعلى لكنها تزيد صعوبة استعادة المستخدم بعد الإلغاء (شاترستوك)

قرار يُتخذ خلال ساعات

لا تقتصر المشكلة على الاشتراكات السنوية المدفوعة. فالتقرير يرصد أيضاً أن المستخدمين باتوا يحسمون موقفهم من الفترات التجريبية بسرعة كبيرة. أكثر من نصف عمليات إلغاء التجارب التي تستمر ثلاثة أيام تحدث في اليوم الأول نفسه، وتحديداً 55.4 في المائة منها في اليوم صفر. أما في التجارب ذات الأيام السبعة، فنسبة الإلغاء تبلغ في اليوم الأول 39.8 في المائة، وتصل إلى 35.7 في المائة للتجارب التي تستمر 14 يوماً، و31.1 في المائة للتجارب ذات الثلاثين يوماً.

وتظهر الصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى اليومين الأولين، حيث إن 84 في المائة من إلغاءات التجارب التي تستمر ثلاثة أيام تحدث بين اليوم صفر واليوم الأول، وكذلك 64 في المائة من إلغاءات التجارب التي تستمر سبعة أيام. هذا يعني أن النافذة المتاحة أمام التطبيق لإثبات قيمته أصبحت قصيرة جداً.

العودة نادرة

أبرز ما يلفت إليه التقرير أن استعادة المستخدم بعد إلغاء الاشتراك السنوي تبدو صعبة للغاية. فمعدل إعادة تنشيط الاشتراكات السنوية لا يتجاوز 5 في المائة خلال عام واحد، ويتراوح بين 3 و8 في المائة بحسب فئة التطبيق. في المقابل، يعود مشتركو الخطط الشهرية بمعدل أعلى بكثير، إذ تصل إعادة تنشيطهم إلى 20 في المائة خلال عام، أي أربعة أضعاف تقريباً.

هذا الفارق يغير طريقة النظر إلى قيمة الخطط السنوية، والشهرية. فالاشتراك السنوي يمنح المطور دخلاً أكبر في البداية، لكنه قد يجعل قرار الإلغاء أكثر نهائية. أما الاشتراك الشهري، فرغم أنه يبدو أقل قيمة فورياً، فإنه يترك باب العودة مفتوحاً بدرجة أكبر، خصوصاً في التطبيقات التي يستخدمها الناس حسب الحاجة.

وتظهر هذه النقطة بوضوح في تطبيقات الإنتاجية، وهي فئة تقودها بشكل متزايد أدوات الذكاء الاصطناعي. فقد سجلت أعلى معدل لإعادة تنشيط الاشتراكات الشهرية عند 36.1 في المائة، ما يعكس سلوك مستخدمين قد يلغون الاشتراك عندما لا يحتاجون إلى الأداة، ثم يعودون إليها عند ظهور حاجة جديدة.

قيمة ومخاطر عالية

رغم صعوبة استعادة المستخدمين الذين يلغون، تبقى الاشتراكات السنوية الأكثر قوة من حيث الاحتفاظ بمن يصلون إلى مرحلة التجديد. فالتقرير يذكر أن الخطط السنوية تجدد بمعدل 83.4 في المائة إجمالاً، وهو أكثر من أربعة أضعاف معدل الخطط الأسبوعية البالغ 18.7 في المائة، ونحو ضعف معدل الخطط الشهرية البالغ 39.2 في المائة.

لكن هذه القوة تظهر بعد تجاوز المرحلة الأولى. فالمستخدمون الذين يجددون اشتراكهم السنوي للمرة الأولى يصبحون أكثر التزاماً لاحقاً. معدلات التجديد الأولى تقع في نطاق متوسط بين 23 و40 في المائة بحسب الفئة، ثم ترتفع في التجديد الثاني إلى 44 و64 في المائة، وفي التجديد الثالث إلى 56 و70 في المائة.

بمعنى آخر، الاشتراك السنوي يحمل معادلة مزدوجة: المستخدم الذي يبقى قد يتحول إلى مشترك عالي الولاء، لكن المستخدم الذي يلغي يصبح غالباً خارج دورة الإيرادات بشكل شبه دائم.

كثير من المستخدمين يحسمون قرارهم بشأن التجربة المجانية خلال الأيام الأولى (شاترستوك)

السعر لا يغير النتيجة

قد يفترض بعض المطورين أن المستخدمين الذين يدفعون مبالغ أكبر قد يكونون أكثر قابلية للعودة بسبب وضوح قيمة الخدمة، أو ارتفاع تكلفة البدائل. لكن التقرير لا يدعم هذا الافتراض، حتى في التطبيقات مرتفعة السعر، لا يتجاوز معدل إعادة تنشيط الاشتراك السنوي 4.4 في المائة. وفي فئة السعر نفسها، يصل معدل إعادة تنشيط الاشتراك الشهري إلى 28.9 في المائة.

وتشير «RevenueCat» إلى أن معدلات إعادة تنشيط الاشتراكات السنوية تبقى متقاربة عبر مستويات الأسعار بين 4.4 و5.6 في المائة، بينما تتراوح في الخطط الشهرية بين 12 و29 في المائة. لذلك تبدو المشكلة مرتبطة بطبيعة الخطة نفسها أكثر من ارتباطها بالسعر وحده.

تراجع في الاحتفاظ

يشير التقرير إلى انخفاض الاحتفاظ في السنة الأولى للاشتراكات السنوية من 31 في المائة إلى 28 في المائة على أساس سنوي. كما تراجع الاحتفاظ الشهري من 10 إلى 8 في المائة، والأسبوعي من 1.7 إلى 1.2 في المائة.

هذه الأرقام تأتي في سوق أكثر ازدحاماً. فبحسب التقرير، زادت عمليات إطلاق التطبيقات الشهرية سبعة أضعاف منذ عام 2022، ما يجعل فترة إثبات القيمة أقصر، والمنافسة على انتباه المستخدم أكثر حدة.

ما قبل الإلغاء

تلفت هذه النتائج أنه إذا كان المستخدم السنوي لا يعود غالباً بعد الإلغاء، فإن الرهان الحقيقي لا يكون على حملات الاستعادة بعد الخروج، بل على منع الإلغاء المبكر.

يبين التقرير أن التطبيقات التي تعتمد على الخطط السنوية تحتاج إلى التركيز على الاحتفاظ المبكر، خصوصاً في الشهر الأول، وإلى توفير طرق أكثر مرونة قبل أن يختار المستخدم الإلغاء الكامل. من بين هذه الخيارات إتاحة إيقاف الاشتراك مؤقتاً بدلاً من إلغائه، بما يحافظ على العلاقة مع المستخدم من دون إجباره لاحقاً على إعادة إدخال بيانات الدفع، أو بدء الاشتراك من جديد.


مقالات ذات صلة

«اعتدال» و«تلغرام» يزيلان 34.3 مليون مادة متطرفة… وإغلاق 1.2 ألف قناة

الخليج تبرز جهود مركز «اعتدال» وشركائه في مواجهة المحتوى المتطرف على المنصات الرقمية (واس)

«اعتدال» و«تلغرام» يزيلان 34.3 مليون مادة متطرفة… وإغلاق 1.2 ألف قناة

نجح المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف «اعتدال» بالشراكة مع منصة «تلغرام» في إزالة 34 مليوناً و290 ألفاً و268 مادة متطرفة، وإغلاق 1.275 قناة استخدمت في نشرها.

«الشرق الأوسط» (جدة)
تكنولوجيا أداة تستنسخ صوتك وتُولِّد كلاماً محلياً دون إنترنت «Voicebox»

استوديو صوت يعمل بالذكاء الاصطناعي داخل جهازك... يدعم اللغة العربية

أداة مفتوحة المصدر تدعم اللغة العربية وتجمع استنساخ الصوت والإملاء وتحرير المشروعات الصوتية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا وصلت الميزة إلى عدد محدود من المستخدمين ضمن المرحلة التجريبية «تيك توك»

«تيك توك» يختبر المكالمات الصوتية داخل الرسائل الخاصة

لم يعلن «تيك توك» رسمياً عن موعد الإطلاق عالمياً، كما لم يؤكد ما إذا كانت ستتوفر لجميع الحسابات عند الإطلاق أو ستبدأ في أسواق محددة قبل تعميمها.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا يتوفر الآن تحديث «iOS 26.6» ويتضمن تحسينات للاستقرار وإصلاحات أمنية مهمة (أبل)

«أبل» تطلق «iOS 26.6» مع أكثر من 40 إصلاحاً أمنياً وتحسينات للاستقرار

يتضمن التحديث إصلاحات للأخطاء البرمجية، إلى جانب تحديثات أمنية مهمة تعالج أكثر من 40 ثغرة في مكونات مختلفة من النظام

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «باي»: تطبيق للصداقات باختبارات نفسية لتحديد توافق الشخصيات

«باي»: تطبيق للصداقات باختبارات نفسية لتحديد توافق الشخصيات

يجمع 6 أشخاص متوافقين في دردشة جماعية.

إليزابيث سيغران (واشنطن)

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
TT

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)

قبل أن تسمح المؤسسة لأول وكيل ذكاء اصطناعي باتخاذ إجراء داخل أنظمتها الفعلية، ينبغي أن تتمكن من الإجابة عن أربعة أسئلة عملية؛ من يتحمل مسؤولية سلوكه؟ ما الذي يُسمح له بالوصول إليه؟ هل يمكن إعادة بناء كل قرار اتخذه لاحقاً؟ وهل توجد وسيلة مجرّبة لإيقافه إذا انحرف عن المهمة؟

تصبح هذه المتطلبات، بحسب نيبو فارغيز، المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (FTI Consulting)، أكثر إلحاحاً مع انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم الإجابات والتوصيات إلى نشر وكلاء قادرين على الوصول إلى الأنظمة واستدعاء الأدوات وتنفيذ الإجراءات بأنفسهم.

تتزامن هذه النقاشات مع انطلاق النسخة الرابعة من «منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض، الاثنين، الذي يستمر حتى 17 سبتمبر (أيلول). ويجمع المنتدى مسؤولين وصناع قرار وخبراء وأكاديميين وممثلين عن منظمات دولية وقطاعات حكومية وخاصة، لبحث حوكمة الذكاء الاصطناعي وكيفية تحويل المبادئ الأخلاقية إلى سياسات وضوابط عملية تواكب تسارع استخدام الأنظمة الأكثر استقلالية.

ويشرح فارغيز أن المشكلة لا تكمن في أن الوكيل مجرد «مستخدم آلي» جديد يحتاج إلى حساب دخول آخر. فأنظمة الهوية والصلاحيات التقليدية صُممت أساساً للتعامل مع شخص بشري أو برنامج يتصرف بطريقة متوقعة ومتكررة. أما وكيل الذكاء الاصطناعي فيتصرف بالنيابة عن شخص، لكنه يستطيع أيضاً تحديد خطوته التالية بصورة ديناميكية، ما يجعل نمط سلوكه أقل قابلية للتوقع مسبقاً.

نيبو فارغيز المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (الشركة)

الصلاحيات الواسعة تتحول إلى نقطة ضعف

يضع هذا الاختلاف مسألة الصلاحيات في قلب المشكلة الأمنية. ويحذر فارغيز من التعامل مع الوكيل كما لو كان حساب خدمة تقليدياً يحمل مجموعة ثابتة من الصلاحيات ويدخل إلى أنظمة معروفة سلفاً.

فالوكيل قد يستدعي سلسلة من الأدوات والأنظمة أثناء محاولته إنجاز هدف معين، فيما يؤثر السياق الذي جمعه في بداية المهمة على القرارات التي يتخذها لاحقاً. ولهذا يرى أن الضوابط الموضوعة للبرمجيات التقليدية لن تكون كافية وحدها لإدارة المخاطر الجديدة.

ويطرح بديلاً يقوم على مبدأ «أقل قدر من الصلاحيات»، بحيث يحصل الوكيل على ما يحتاج إليه فقط لإنجاز المهمة المحددة، على أن تتغير صلاحياته عندما تتغير المهمة. ويشير إلى أن أحد الأخطاء الشائعة يتمثل في منح الوكيل منذ البداية كامل مجموعة الصلاحيات التي قد يحتاج إليها مستقبلاً، بدلاً من الحد الأدنى اللازم للعمل الحالي.

وتتزايد حساسية هذه المسألة مع ضغوط إثبات العائد من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فكلما زادت البيانات والأنظمة التي يستطيع الوكيل الوصول إليها، بدا أكثر قدرة على إنجاز المهام؛ إلا أن الصلاحيات ذاتها يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر إذا تعرض الوكيل للتلاعب أو الاختراق.

ويضرب فارغيز مثالاً بوكيل يمتلك صلاحية الكتابة في قواعد بيانات حساسة أو الوصول إلى مفاتيح أنظمة، إذ يستطيع تنفيذ إجراءات واسعة النطاق قبل أن يلاحظ أحد ما يحدث. وينوه أن تكون كل صلاحية ممنوحة قراراً متعمداً يرتبط بمالك محدد داخل المؤسسة.

هوية صحيحة... وفعل ضار

لا يكفي التحقق من أن الوكيل الذي نفذ الإجراء يحمل هوية صحيحة حيث إن المهاجم لا يحتاج في بعض السيناريوهات إلى انتحال هوية الوكيل أصلاً، إذ يمكنه التأثير في سلوكه بواسطة تعليمات خبيثة مخفية داخل محتوى يبدو موثوقاً، لتخرج النتيجة في سجلات المؤسسة وكأنها عملية مشروعة نفّذها وكيل مخول.

ولهذا يدعو فارغيز إلى تحليل مصدر الفعل وتوقيته والبيانات التي وصل إليها الوكيل، ومدى توافقها مع المهمة الموكلة إليه. ويشير إلى أن عملية مشروعة وأخرى خبيثة قد تبدوان متطابقتين عند النظر إلى سجل الوصول وحده، بينما تظهر الفروق عند جمع السياق والسلوك والنية المحيطة بالفعل. كما يدعو فرق الأمن إلى اختبار الوكلاء بالطريقة نفسها التي قد يستخدمها المهاجم، من خلال إدخال تعليمات خبيثة بصورة متعمدة ومراقبة ما إذا كانت أنظمة الرصد ستكتشفها أم ستسمح بمرورها باعتبارها نشاطاً طبيعياً.

تصبح مراقبة سلوك الوكلاء واكتشاف الانحرافات آلياً أكثر أهمية مع زيادة سرعة وعدد العمليات التي ينفذونها.

عندما تصبح سرعة الآلة مشكلة أمنية

يرى فارغيز أن الاعتماد على محلل بشري يراجع السجلات بعد وقوع الحدث لم يعد نموذجاً عملياً في مثل هذه البيئات. ويلفت أن الحل هو بناء خط أساس للسلوك الطبيعي لكل وكيل يشمل حجم النشاط وتسلسله وتوقيته والأدوات التي يستخدمها، ثم اكتشاف الانحرافات آلياً. فإذا بدأ وكيل مالي، على سبيل المثال، في الاستعلام عن أنظمة الموارد البشرية، أو شرع وكيل اعتاد العمل خلال ساعات الدوام في تنفيذ عمليات عند الثالثة صباحاً، فهذه إشارات تستحق التحقيق حتى لو كانت كل عملية منفردة تبدو مسموحاً بها تقنياً.

متى يجب أن يتدخل الإنسان؟

على الرغم من الاتجاه نحو زيادة الاستقلالية، لا يرى فارغيز أن كل قرار يجب أن يُترك للوكيل. ويفيد بأن العمليات التي يصعب التراجع عنها أو التي يمكن أن تسبب ضرراً كبيراً عند الخطأ ينبغي أن تبقى مرتبطة بموافقة بشرية، خصوصاً عندما تتعلق ببيانات العملاء، أو التزامات مالية، أو تغييرات في الوضع الأمني للمؤسسة، مثل تعديل الصلاحيات أو تعطيل الضوابط الأمنية.

ويتجاوز الإيقاف مجرد الضغط على زر يعطل الوكيل، إذ ينبغي حفظ حالته عند التعليق لفهم ما فعله، إلى جانب تحديد الإجراءات التي بدأ تنفيذها بالفعل قبل الإيقاف وما إذا كان بالإمكان التراجع عنها. كما يوصي بأن تُختبر آلية التعليق بواسطة أشخاص لم يشاركوا في تطوير الوكيل نفسه.

لا يكفي التحقق من الهوية وحده لأن التلاعب قد يحدث عبر تعليمات خبيثة داخل محتوى يبدو موثوقاً (رويترز)

سجل يعيد بناء القرار كاملاً

مع الوكلاء المستقلين، لا يكفي تسجيل النتيجة النهائية، بل يجب حفظ المعلومات الكافية لإعادة بناء القرار بالكامل بدءاً من التعليمات التي بدأت العملية، ومن أصدرها، والبيانات والأدوات التي استخدمها الوكيل، وصولاً إلى الصلاحيات التي نُفذت تحتها كل خطوة، والنتيجة النهائية.

ويشير فارغيز إلى أن بعض منصات الوكلاء بدأت بالفعل بتخصيص هوية وسجل دخول وتاريخ تدقيق لكل وكيل، مع إمكانية ربط الإجراء بالشخص أو القالب الذي يقف خلفه. لكن هذه القدرات ما زالت مرتبطة بالمنصات الفردية، ولا يوجد حتى الآن معيار واسع التبني لتسجيل هذه المعلومات ومشاركتها بصورة متسقة بين الأنظمة المختلفة.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يعمل عدة وكلاء معاً، إذ قد لا يظهر الخلل عند تقييم كل واحد منها منفرداً، بل في عمليات التسليم والتفاعل بينها. ولذلك، يعدّ فارغيز أن اختبارات المحاكاة والهجوم أكثر فاعلية من مراجعة السياسات وحدها في اكتشاف المخاطر الكامنة بين الوكلاء.

الشرق الأوسط أمام فرصة للبناء منذ البداية

يرى فارغيز أن وتيرة نشر الذكاء الاصطناعي تتسارع، مشيراً إلى خطط في الإمارات للانتقال بخدمات حكومية نحو الذكاء الاصطناعي المستقل خلال العامين المقبلين، وإلى توجه مركز دبي المالي العالمي نحو بناء مركز مالي «مولود للذكاء الاصطناعي» بحلول 2027، إلى جانب زخم مماثل في السعودية ضمن «رؤية 2030».

ويعتبر أن سرعة التبني في المنطقة لا تعني بالضرورة أن الحوكمة يجب أن تأتي لاحقاً، بل قد تمنح المؤسسات فرصة لبناء ضوابط الهوية والمراقبة والأمن منذ البداية، قبل أن يصبح الوكلاء جزءاً واسع الانتشار من البنية التشغيلية.

ولهذا يعود فارغيز إلى أربعة شروط قبل السماح لأي وكيل بالعمل فعلياً؛ يجب أن يكون مسؤولاً تنفيذياً معروفاً يمتلك سلطة إيقافه، وله صلاحيات مصممة وفق احتياجات المهمة، وسجلات كافية لإعادة بناء كل فعل، وآلية تعليق جرى اختبارها بصورة مستقلة.

ويؤكد فارغيز أن الاختبار الحقيقي لهذه الضوابط لا يكون على الورق، بل عندما تتعرض لمحاولة إساءة استخدام متعمدة، وأن المؤسسات بحاجة إلى الانتقال من مراجعة وكلائها نظرياً إلى اختبارهم تحت ظروف تحاكي هجوماً حقيقياً قبل منحهم القدرة على التصرف داخل الأنظمة الإنتاجية.


«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)

أفاد تحديث من «أمازون ويب سيرفيسز» اطلعت عليه وكالة «رويترز» للأنباء، الثلاثاء، بأن الخدمة غير قادرة على استعادة الوصول إلى منشأة الحوسبة السحابية التابعة لها في البحرين وإلى إحدى مناطق استضافة البيانات الثلاث في الإمارات، وذلك عقب أضرار لحقت بها خلال حرب إيران.

وذكرت وحدة الحوسبة السحابية التابعة لـ«أمازون» أن الأضرار في البحرين شملت عدداً مما يُعرف بمناطق التوافر، وهي تجمعات تضم مركز بيانات واحداً أو أكثر في المنطقة الجغرافية نفسها.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في التحديث الذي كانت «رويترز» أول من نشر عنه: «امتدت الأضرار التي لحقت ببنيتنا التحتية إلى مناطق توافر عدة، وتجاوزت ما صُممت خدماتنا الإقليمية وخدماتنا متعددة مناطق التوافر لتحمله». وأضافت أنها تساعد عملاءها في البحرين على استئناف عملياتهم في مناطق أخرى.

وأشارت «أمازون ويب سيرفيسز» إلى أنها لم تتمكن في الإمارات من استعادة الوصول إلى موارد وبيانات مستضافة بصورة حصرية في منطقة توافر واحدة تعرف باسم إم إي سي 1- إيه. زد 2. وأضافت أنها تواصل العمل على استعادة الموارد في الإمارات ككل وفي منطقتي التوافر الأخريين المتضررتين.

بدأت الاضطرابات في مارس (آذار) عقب هجمات أميركية وإسرائيلية على إيران ردت عليها طهران بضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية. وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في ذلك الوقت، إن منشأتين تابعتين لها في الإمارات تعرّضتا لضربات مباشرة، بينما ألحق هجوم بطائرة مسيّرة قرب إحدى منشآتها في البحرين أضراراً مادية ببنيتها التحتية. ونقلت «رويترز» عن مصدر مطّلع في ذلك الوقت قوله إن الانقطاعات في خدمات «أمازون ويب سيرفيسز» أثّرت في بعض العمليات المصرفية.

وذكرت «رويترز»، الأسبوع الماضي، أن الإمارات تعدّل خططاً لمشروع كبير لمركز بيانات للذكاء الاصطناعي عقب الهجمات الإيرانية، بما في ذلك بحث توزيع المنشآت واستخدام بنية تحتية تحت الأرض ومقاومة للانفجارات.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في تحديث اليوم إنه بعد تضرر أول منطقة توافر في البحرين في مارس، بدأت الشركة توصي العملاء بنقل أحمال العمل إلى مناطق أخرى. وأضافت أن معظمهم فعلوا ذلك قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة عقب تعطل منطقة توافر ثانية في أبريل (نيسان).

وأضافت أنها دعمت منذ ذلك الحين العملاء في إعادة تأسيس عملياتهم في مناطق بديلة، باستخدام النسخ الاحتياطية في حالة توافرها أو تطبيق حلول بديلة للحد من تأثير البيانات التي يتعذر الوصول إليها.

وقالت الشركة إنها قيّمت البنية التحتية المتضررة، واستنفدت كل الخيارات لاستعادة البيانات والموارد التي لم تُنقل قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة.

وذكرت أنها لا تزال ملتزمة بدعم العملاء في البلدين.

وقالت الشركة إنها تعمل في الإمارات على استبدال البنية التحتية المتضررة، وإنها ستقدم تحديثاً بشأن استعادة الخدمات في الأشهر المقبلة، وأضافت أنها ستقدم أيضاً تحديثاً آخر في أوائل 2027 بشأن العمليات في البحرين.

وقالت الشركة إنها أبلغت السلطات المعنية في البلدين، وتواصل العمل معها.


حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك… من سيحتفظ بوظيفته في 2030؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
TT

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك… من سيحتفظ بوظيفته في 2030؟

حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟
حين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلك... هل تبقى لك وظيفة في 2030؟

تخيّل صباحاً عادياً في عام 2030. يصل الطبيب إلى عيادته، والمهندس إلى مكتبه، والمحاسب إلى شركته، والمبرمج إلى حاسوبه... لكنّ «زميلاً» جديداً سبقهم جميعاً إلى العمل: نظام ذكاء اصطناعي قرأ الملفات، وحلّل البيانات، وأعدّ التقارير، وربما أنجز خلال دقائق مهام كانت تحتاج سابقاً إلى ساعات.

عندها لن يكون السؤال: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ بل: أي جزء من وظائفنا سيبقى لنا؟ ومن سيحصل على الثروة التي يصنعها؟

هذا السؤال أصبح موضوعاً للبحث العلمي؛ ففي 2 يونيو (حزيران) 2026 نشرت دورية «Annual Review of Economics» دراسة بعنوان «النمو الاقتصادي في ظل الذكاء الاصطناعي التحويلي» (Economic Growth Under Transformative AI) للباحثين فيليب تراميل، من مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد، وأنطون كورينيك، من جامعة فيرجينيا والمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأميركي (NBER). وتطرح الدراسة مفارقة قد تحدد اقتصاد العقد المقبل: إذا استطاع الذكاء الاصطناعي إنجاز جزء كبير من العمل المعرفي بدلاً من البشر، فقد ترتفع الإنتاجية والنمو بصورة هائلة، من دون أن ترتفع أجور البشر بالنسبة نفسها. وبعبارة أبسط: قد يصبح الاقتصاد أغنى... من دون أن يصبح العامل أغنى بالقدر نفسه.

3 طرق إلى عام 2030

في سبتمبر (أيلول) 2026، أطلق «معهد أنثروبيك» (Anthropic Institute) النسخة الأولى من «مستكشف السيناريوهات الاقتصادية» (Econ Scenario Explorer)، استناداً إلى تقرير «السيناريوهات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التحويلي» (Economic Scenarios for Transformative AI)، للباحث أنطون كورينيك وزملائه.

ولا يتنبأ النموذج بما سيحدث؛ بل يسأل سؤالاً علمياً: كيف يمكن أن يبدو الاقتصاد الأميركي عام 2030 إذا تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعات مختلفة؟

وجاءت الإجابة في 3 سيناريوهات:

* في السيناريو «المتواضع»، يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية، لكن تأثيره يبقى شبيهاً بثورة الإنترنت: واسعاً، لكنه تدريجي وقابل للاستيعاب. ويصل الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في النموذج إلى نحو 34.1 تريليون دولار بأسعار 2025.

* أما السيناريو «الجوهري»، فيفترض أن يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على أداء نصف العمل المعرفي بحلول 2030. عندها يرتفع الناتج إلى نحو 36.3 تريليون دولار؛ أي أعلى بنحو 8.3 في المائة من اقتصاد مماثل من دون التأثير المفترض للذكاء الاصطناعي.

3 طرق إلى 2030... أي مستقبل ينتظر الإنسان؟

* لكن السيناريو «المتطرف» يرسم عالماً مختلفاً جذرياً: أنظمة تتفوق على البشر في معظم المهام المعرفية، وتنجز غالبية تلك الأعمال بصورة مستقلة. وفي هذه الحالة الافتراضية، قد يصل النمو الاقتصادي إلى نحو 15 في المائة سنوياً، ويرتفع الناتج إلى 44.4 تريليون دولار عام 2030.

إنها أرقام تبدو للوهلة الأولى خبراً رائعاً: إنتاجية أعلى واقتصاد أكبر بكثير. لكنها تقود إلى السؤال الأكثر أهمية في الدراسة: إذا أصبح الاقتصاد أغنى بفضل الذكاء الاصطناعي، فمن سيحصل على هذه الثروة؟... الإنسان أم الآلة ومن يملكها؟

حين تكبر الكعكة وتصغر حصة العامل

هنا تكتسب الدراسة المنشورة في «Annual Review of Economics» أهميتها؛ فتراميل وكورينيك يخلصان إلى أن إسناد جزء كبير من العمل والإنتاج إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي بدلاً من البشر يمكن، في بعض النماذج الاقتصادية، أن يسرّع النمو بصورة غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه يخفض حصة العمل البشري من الدخل. أما الأجور، فقد ترتفع أو تنخفض تبعاً لطبيعة التطور التقني والموارد وعوامل اقتصادية أخرى. وهنا تكمن المفارقة: ازدهار الاقتصاد لا يعني بالضرورة ازدهار أجور البشر.

وتجسد سيناريوهات «Anthropic» هذه الفكرة رقمياً؛ ففي السيناريو المتطرف، تنخفض أجور العاملين في الوظائف المعرفية بأكثر من 10 في المائة بحلول 2030. والأكثر إثارة أن حصة العمل من الناتج، التي تبلغ نحو 59.4 في المائة في السيناريو المتواضع، تهبط إلى 45.2 في المائة في السيناريو المتطرف، بينما ترتفع حصة رأس المال إلى 54.8 في المائة؛ أي إن الاقتصاد قد ينتج ثروة أكبر بكثير، لكن نصيب العامل البشري النسبي منها يصبح أصغر. وهنا يظهر سؤال يتجاوز الاقتصاد إلى المجتمع نفسه: إذا كانت الخوارزميات ستنتج جزءاً متزايداً من الثروة، فمن سيمتلك هذه الثروة؟ وكيف ستوزع مكاسبها؟

هل بدأت الوظائف تتأثر فعلاً؟

لكن، هل بدأت هذه السيناريوهات تظهر في سوق العمل اليوم؟ في 5 مارس (آذار) 2026، نشر الباحثان مكسيم ماسينكوف وبيتر ماكروري من فريق «Anthropic»، دراسة بعنوان «تأثيرات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل: مقياس جديد وأدلة أولية» (Labor Market Impacts of AI: A New Measure and Early Evidence). وابتكر الباحثان مقياساً يجمع بين ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه نظرياً، وما يُستخدم فعلياً منه في أماكن العمل.

وجاءت النتيجة أكثر تعقيداً من الحديث عن «اختفاء الوظائف»، فلم يجد الباحثان حتى ذلك التاريخ ارتفاعاً واضحاً ومنتظماً في البطالة بالمهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي. لكنهما رصدا إشارة مبكرة تستحق الانتباه: توظيف الشباب قد يكون بدأ يتباطأ في بعض هذه المهن.

وكشفت الدراسة أيضاً فجوة مهمة؛ فما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي إنجازه تقنياً أكبر بكثير مما تستخدمه المؤسسات فعلياً اليوم. وقد تكون هذه الفجوة هي الأهم: إنها النافذة الزمنية المتاحة أمام العالم للاستعداد قبل أن تتحول القدرة التقنية إلى واقع يومي في سوق العمل.

الوظيفة لا تختفي... بل تتغير

لكن الحديث عن اختفاء «الوظائف» قد يكون مضللاً؛ فالطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي والمحامي لا يقوم أي منهم بمهمة واحدة، بل بعشرات المهام. بعضها يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه بدلاً من الإنسان، وبعضها يعزز فيه قدراته، بينما يظل جزء منها محتاجاً إلى الحكم البشري والخبرة والمسؤولية المهنية.

في الرعاية الصحية، مثلاً، يستطيع الذكاء الاصطناعي تلخيص السجل الطبي، وتحليل البيانات، والمساعدة في فرز المرضى. لكنه يجعل مهمة بشرية أخرى أكثر أهمية: مراجعة قرار الخوارزمية ومعرفة متى ينبغي الاعتراض عليه.

لذلك ربما لا يكون الأكثر أماناً في سوق العمل عام 2030، هو من يعمل في مهنة بعيدة عن الذكاء الاصطناعي، بل من يعرف ماذا يسلّم إليه، وماذا يحتفظ به لنفسه، ومتى لا يثق بإجابته.

من سيدفع الضرائب إذا تراجع العمل؟

يطرح التحول سؤالاً أبعد من الوظائف والأجور: ماذا سيحدث للدولة إذا أصبحت نسبة متزايدة من الثروة تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي ورأس المال، بدلاً من عمل البشر؟

في فبراير (شباط) 2026، نشر المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأميركي (NBER) دراسة للباحثين أنطون كورينيك ولي لوكوود بعنوان «المالية العامة في عصر الذكاء الاصطناعي: مدخل تمهيدي» (Public Finance in the Age of AI: A Primer). وناقشت الدراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التحويلي أن يضعف تدريجياً مصدرين أساسيين تعتمد عليهما النظم الضريبية الحديثة: دخل العمل والاستهلاك البشري.

وهنا يتجاوز السؤال مستقبل الطبيب أو المحاسب أو المبرمج: إذا أنتجت الآلات جزءاً متزايداً من الثروة، فمن سيدفع الضرائب؟ وكيف ستوزع الدول مكاسب هذه الثورة بين أفراد المجتمع؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

العالم العربي وسباق وظائف المستقبل... هل نحن مستعدون؟

هذه الدراسات والنماذج بُنيت أساساً على الاقتصاد الأميركي، ولذلك لا يمكن نقل أرقامها حرفياً إلى السعودية أو الاقتصادات العربية. لكن الأسئلة التي تطرحها تهم منطقة تستثمر بسرعة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي واقتصاد المعرفة.

فهل نقيس نجاح الذكاء الاصطناعي بعدد المهام التي يستطيع إنجازها بدلاً من البشر؟ أم بعدد الوظائف الجديدة والأفضل التي يساعد في خلقها؟ والسؤال يبدأ من الجامعات: هل نستمر في إعداد الطالب لمهنة ثابتة؟ أم نعدّه لعالم تتغير فيه المهنة نفسها؟ وهذا يعني تعزيز قدرات يصعب الاستغناء عنها: التفكير النقدي، والحكم المهني، والإبداع، والتواصل الإنساني، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي ومراجعة قراراته.

فالاستعداد لسوق عمل 2030 ينبغي أن يبدأ قبل الوصول إليه؛ لأن إعداد الإنسان للتحول أسهل من محاولة إنقاذ وظيفته بعد أن يكون التحول قد حدث.

الإنسان والذكاء الاصطناعي... من يعرف متى يقول «لا»؟

الإنسان الذي يعرف متى يقول «لا»

لا تقول هذه الدراسات إن عام 2030 سيكون عالماً بلا وظائف، ولا إن السيناريو الأكثر تطرفاً سيتحقق. لكنها تكشف أن مستقبل العمل لم يعد مجرد قضية تكنولوجية؛ بل أصبح سؤالاً علمياً واقتصادياً وإنسانياً.

وحين يصبح الذكاء الاصطناعي زميلنا، لن تكون أثمن مهارات الإنسان أن ينافس الآلة في سرعة القراءة أو الحساب أو تحليل البيانات؛ بل أن يمتلك ما لا ينبغي أن نتخلى عنه بسهولة: فهم السياق، والحكم البشري، وتحمل المسؤولية، والقدرة على الشك عندما ينبغي الشك.

فربما لن يكون السؤال في 2030: من يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي؟

بل: من يعرف متى يثق به؟... ومتى يقول له «لا»؟