شبح التضخم يطارد أسواق اليابان

«نيكي» يتراجع ومنحنى العائدات الياباني يزداد حدةً والين ينخفض

رجل يتحدث في الهاتف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في قاعة اجتماعات بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل يتحدث في الهاتف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في قاعة اجتماعات بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

شبح التضخم يطارد أسواق اليابان

رجل يتحدث في الهاتف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في قاعة اجتماعات بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل يتحدث في الهاتف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في قاعة اجتماعات بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تراجعت الأسهم اليابانية يوم الخميس، حيث أثَّرت المخاوف بشأن أزمة الشرق الأوسط وتقييمات قطاع التكنولوجيا سلباً على معنويات المستثمرين.

وانخفض مؤشر «نيكي» القياسي بنسبة 0.47 في المائة ليغلق عند 64,693.12 نقطة. وفي الجلسة السابقة، ارتفع المؤشر بنسبة 2.2 في المائة مسجلاً مستوى قياسياً بلغ 66,428.81 نقطة قبل أن يغلق دون تغيير. كما انخفض مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.41 في المائة إلى 3,902.01 نقطة.

وخلال الليل، رفعت أسهم قطاعي الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية مؤشر «داو جونز» الصناعي إلى مستوى إغلاق قياسي، على الرغم من تراجع قطاعي الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، اللذين شهدا انتعاشاً قوياً، عن مكاسبهما الأخيرة.

كما شهدت أسهم شركات التكنولوجيا اليابانية انخفاضاً ملحوظاً يوم الخميس، وتسارعت وتيرة التراجع بعد تبادل إيران والولايات المتحدة الضربات الجوية، مما هدَّد فرص التوصُّل إلى اتفاق سلام دائم، ودفع أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد مجدداً.

وتعليقاً على مستوى مؤشر «نيكي»، قال واتارو أكياما، استراتيجي الأسهم في شركة نومورا للأوراق المالية: «نظراً لضعف سوق الأسهم الأميركية أيضاً، لا سيما في قطاع أشباه الموصلات، فمن المرجح أن يبقى السوق حول مستوى 65 ألف نقطة، ما لم تظهر عوامل جديدة»، وأضاف: «بالنظر إلى سرعة الارتفاع، يتزايد الحذر بشأن التداول عند هذه المستويات المرتفعة، لذا نتوقع استمرار هذا التراجع».

وحتى الآن في عام 2026، ارتفع مؤشر «نيكي» بنسبة تقارب 29 في المائة. وشهد المؤشر يوم الخميس ارتفاع أسهم 90 شركة مقابل انخفاض أسهم 13 شركة.

وكانت شركة تايو يودن صاحبة أكبر نسبة ارتفاع، حيث ارتفعت أسهمها بنسبة 17 في المائة، تلتها شركة موراتا للتصنيع التي قفزت بنسبة 9.2 في المائة.

أما أكبر الخاسرين فهما شركتا فوروكاوا إلكتريك وسوميتومو ميتال ماينينغ، إذ انخفضت أسهم كل منهما بنسبة 7.3 في المائة.

* مخاوف التضخم

في غضون ذلك، ازداد انحدار منحنى العائدات للسندات اليابانية يوم الخميس، بينما انخفض الين إلى مستويات تُنذر بتدخل جديد، مع تجدُّد المخاوف بشأن تضخم أسعار الطاقة المستوردة نتيجةً لتصاعد التوترات في الشرق الأوسط.

وارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً بمقدار 3.5 نقطة أساس ليصل إلى 3.950 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار نقطتي أساس ليصل إلى 3.615 في المائة.

وانخفض عائد السندات لأجل عامين، وهو الأكثر تأثراً بأسعار الفائدة التي يحددها بنك اليابان، بمقدار نقطتين أساسيتين إلى 1.360 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ 27 أبريل (نيسان). كما انخفض عائد السندات لأجل خمس سنوات بالمقدار نفسه إلى 1.910 في المائة. وتتحرك العوائد عكسياً مع الأسعار.

وانخفضت قيمة الين إلى 159.65 ين للدولار، وهو أدنى مستوى له منذ 30 أبريل (نيسان) عندما تدخلت طوكيو في الأسواق لدعم العملة.

وارتفعت أسعار النفط يوم الخميس بعد أن أعلنت طهران استهدافها قاعدة جوية أميركية عقب تقارير عن شنّ واشنطن غارات على عملية طائرات مسيَّرة إيرانية بالقرب من مضيق هرمز. واعتماد اليابان على الطاقة المستوردة يجعل اقتصادها وسوق سنداتها وعملتها عرضة للارتفاع الحاد في أسعار النفط الناجم عن النزاع المستمر منذ ثلاثة أشهر. ويؤدي التضخم إلى تآكل قيمة المدفوعات الثابتة للديون.

وقال فلوريان نيتو، رئيس قسم الاستثمارات في آسيا لدى شركة أموندي: «نعتقد أن علاوة الشرق الأوسط لا تُسعّر فقط على المدى الطويل، بل هي علاوة طويلة الأجل أيضاً، مرتبطة بشكل كبير بما يحدث على صعيد التضخم هناك، وما سينفذه بنك اليابان في نهاية المطاف».

وأضاف: «لتقوية الين الياباني، نحتاج إلى تضييق الفارق بين أسعار الفائدة الأميركية واليابانية، وخفض تكلفة استيراد الطاقة المرتفعة. باختصار، نحتاج إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط».

وانخفض عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 0.5 نقطة أساس إلى 2.685 في المائة.

وزادت المخاوف المالية من التحديات التي تواجه سوق سندات الحكومة اليابانية. فقد أظهر مسودة اقتراح الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، برئاسة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، يوم الخميس، أنه سيقترح إصدار «سندات مؤقتة» لتمويل برامج تهدف إلى تعزيز النمو والأمن الاقتصادي.

وحددت تاكايتشي 17 مجالاً استراتيجياً لزيادة الاستثمار الحكومي. ويكمن التحدي في كيفية تمويل هذه الإجراءات دون تفاقم الوضع المالي المتأزم أصلاً للبلاد.

وقال تاكايوكي مياجيما، كبير الاقتصاديين في مجموعة سوني المالية، في مذكرة: «يجب توخي الحذر بشأن احتمال عودة المخاوف المتعلقة بالتوسع المالي إلى الظهور». وأضاف: «قد تؤثر التقارير التي تفيد بأن الحكومة والحزب الليبرالي الديمقراطي يعتزمان إصدار سندات مؤقتة لتمويل النمو والاستثمارات الأمنية سلباً على السوق».

وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل طفيف في وقت سابق من هذا الأسبوع مع تراجع ضغوط التضخم الناجمة عن أسعار النفط، نتيجةً للآمال المعقودة على إحراز تقدم في المفاوضات الأميركية الإيرانية، بينما حذت عوائد منطقة اليورو حذوها.

ومع ذلك، لا تزال توقعات التضخم في اليابان تميل نحو الارتفاع، حيث بلغ معدل التضخم في قطاع الخدمات 3 في المائة في أبريل، وفقاً لبيانات صدرت يوم الأربعاء، وتشير المؤشرات الأساسية إلى استمرار ضغوط الأسعار.

وأكد محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، في خطاب ألقاه يوم الأربعاء، أن الصدمات المؤقتة في قطاع الطاقة قد تتحول إلى صدمات مستمرة إذا أثرت سلباً على الأجور والتوقعات.


مقالات ذات صلة

«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

تحليل إخباري لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)

«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

تعيد الإقالة الصاعقة لرئيس مجلس إدارة شركة «بي بي»، ألبرت مانيفولد، تسليط الضوء على معضلة الاستقرار المؤسسي داخل أحد أكبر عمالقة الطاقة عالمياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مقر «بنك الشعب» المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)

«بنك الشعب» يوجه مصارف الصين لزيادة الإقراض

أصدر «بنك الشعب» المركزي الصيني تعليمات للبنوك بزيادة الإقراض هذا الشهر، مما يؤكد جهود بكين المستمرة لدعم اقتصاد يعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الطلب.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتيش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)

صراع «بي بي» يشتعل... مانيفولد يتهم كواليس الشركة بـ«الأكاذيب»

رفض رئيس مجلس إدارة شركة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد «الأكاذيب» المتعلقة بسلوكه، نافياً اتهامات «السلوك العدائي» ومدافعاً عن خطة تبسيط المحفظة المالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد محافظ بنك كوريا الجديد شين هيون سونغ مترئساً اجتماع لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي في سيول (إ.ب.أ)

«المركزي» الكوري الجنوبي يقترب من تشديد السياسة النقدية

أبقى البنك المركزي الكوري الجنوبي على أسعار الفائدة القياسية دون تغيير، غير أن الانقسام الواضح داخل مجلس إدارته أرسل إشارات قوية إلى الأسواق بقرب التشدد.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو - سريلانكا (رويترز)

زيادة الفائدة بسريلانكا تهدد خطة الإنقاذ... والأنظار تتجه لـ«صندوق النقد» اليوم

يواجه التعافي الاقتصادي الهش في سريلانكا، المدعوم من صندوق النقد الدولي، مخاطر حقيقية بالتعثر والدخول في مرحلة «التشديد النقدي المفرط»؛ عقب قرار رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)

الاتحاد الأوروبي: لا مخاوف حالياً بشأن أمن إمدادات الغاز للشتاء

محطة غيرشتاينويرك وهي محطة توليد طاقة تعمل بالغاز الطبيعي في مدينة فيرنه الألمانية (رويترز)
محطة غيرشتاينويرك وهي محطة توليد طاقة تعمل بالغاز الطبيعي في مدينة فيرنه الألمانية (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي: لا مخاوف حالياً بشأن أمن إمدادات الغاز للشتاء

محطة غيرشتاينويرك وهي محطة توليد طاقة تعمل بالغاز الطبيعي في مدينة فيرنه الألمانية (رويترز)
محطة غيرشتاينويرك وهي محطة توليد طاقة تعمل بالغاز الطبيعي في مدينة فيرنه الألمانية (رويترز)

أكدت «مجموعة تنسيق الغاز»، التابعة للاتحاد الأوروبي، عدم وجود أي مخاوف فورية في الوقت الحالي بشأن أمن إمدادات الغاز الطبيعي المُوجَّهة للقارة العجوز خلال فصل الشتاء المقبل، مشيرة إلى أنَّ مستويات تخزين الغاز في التكتل قادرة على الوصول إلى 80 في المائة من السعة الإجمالية بحلول نهاية فصل الصيف الحالي، وهو ما يضمن تأمين إمدادات فصل شتاء (2026 - 2027) دون الحاجة لتدخلات طارئة في السوق حتى الآن.

جاءت هذه التطمينات خلال اجتماعات مكثفة عقدتها المفوضية الأوروبية مع دول الاتحاد الأوروبي لمراجعة مخاطر إمدادات الطاقة، على خلفية حالة من عدم اليقين وتقلبات الأسعار التي تشهدها الأسواق العالمية مع دخول التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط شهرها الثالث، وإغلاق مضيق «هرمز»، الذي يعد شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة عالمياً.

وفي المقابل، حملت تقييمات «مجموعة تنسيق النفط» في التكتل لهجةً أكثر حذراً؛ إذ أشارت إلى أنَّ استمرار إغلاق مضيق «هرمز» يلقي بظلاله مباشرة على إمدادات النفط الخام، والمنتجات البترولية الرئيسية كافة، مؤكدة أنَّ جميع دول الاتحاد الأوروبي متأثرة بهذه الديناميكيات.

وأوضحت المجموعة أنَّه على الرغم من اقتصار التأثيرات الحالية على الجوانب السعرية دون حدوث انقطاعات مادية في الإمدادات تصل إلى المستهلك النهائي، فإنَّ الأسواق ستصبح شحيحةً ومضغوطةً بشكل متزايد خلال الأسابيع المقبلة إذا لم تتجه الأوضاع نحو التهدئة، مع توقعات بتأثر معروض «وقود الطائرات» على وجه الخصوص بهذا الشح المرتقب.


«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
TT

«لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)
لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)

تُمثّل الإقالة الصاعقة، وبأثر فوري، لرئيس مجلس إدارة شركة «بي بي»، ألبرت مانيفولد، ذروة مشهد دراماتيكي يعيد تسليط الضوء على معضلة الاستقرار المؤسسي داخل أحد أكبر عمالقة الطاقة في العالم. ففي توقيت حساس كانت تحاول فيه المجموعة النفطية التقاط أنفاسها التشغيلية والارتداد من سنوات الأداء المالي المتعثر، جاء قرار الإطاحة بمهندس هيكلتها القيادية الأخيرة ليفتح صفحة جديدة من «لعنة الإدارة» التي أحرقت أربعة قادة في غضون ثلاث سنوات؛ مما يضع آليات الحوكمة وصناعة القرار داخل قاعة المجلس تحت مجهر المستثمرين والأسواق العالمية، ويهدد بنسف الاستقرار الإداري الهش في ذروة طفرة طارئة لأسعار الطاقة.

وتأتي هذه الخطوة المفاجئة التي فجّرت أزمة قيادة جديدة داخل كواليس قطاع الطاقة العالمي، بعد أن صوّت مجلس إدارة عملاق النفط البريطاني بالإجماع على عزل مانيفولد جراء «مخاوف جسيمة وقوية» تتعلق بمعايير الحوكمة والإشراف والسلوك الشخصي، لتمدد وتعمق وتيرة الاضطرابات العنيفة التي تعصف بالمجموعة، مكرسةً التعثر الاستراتيجي الذي طال أمدُه.

رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)

وفي هذا السياق، أفصحت أماندا بلانك، من كبار المديرين المستقلين في شركة «بي بي»، عبر بيان رسمي عن كواليس القرار قائلة: «لقد فوجئ مجلس الإدارة وأصيب بخيبة أمل شديدة بعد علمه بوجود مشكلات تتعلق بالإشراف على الحوكمة والسلوك، والتي نعتبرها غير مقبولة بتاتاً، لذا اتخذنا إجراءات حاسمة وقاطعة». وفور صدور هذا الموقف، تلقت أسواق المال الصدمة بقوة؛ حيث هوت أسهم شركة «بي بي» في بورصة لندن بنحو 9 في المائة فور الإعلان الأولي، قبل أن تقلص خسائرها اللاحقة لتغلق متراجعة بنحو 4 في المائة بحلول منتصف النهار.

كواليس الإطاحة

ورغم أن البيانات الرسمية لم تفصح عن التفاصيل الدقيقة، فإن مصادر قريبة من الشركة كشفت لـ«بلومبرغ» و«رويترز» أن قرار الطرد جاء عقب تلقي مجلس الإدارة شكاوى متعددة من «المبلغين عن المخالفات»، رصدت سلوكاً إدارياً يوصف بـ «العدائي والعدواني الحاد» من قبل مانيفولد (63 عاماً) تجاه الموظفين والزملاء، فضلاً عن اتهامات بإساءة إدارة المعلومات الحساسة ومحاولة تجاوز صلاحيات المجلس، إلى جانب استخدامه حسابات وأجهزة إلكترونية شخصية لإدارة أعمال الشركة الرسمية في خرق صريح لسياسات الامتثال المعتمدة.

في المقابل، خرج مانيفولد عن صمته في بيان شديد اللهجة وزعته وكالة علاقات عامة، نافياً الاتهامات جملة وتفصيلاً، ومؤكداً أنه لم يتلقَّ أي تحذير أو تلميح مسبق. ودافع مانيفولد عن خططه الرامية لخفض التكاليف وتبسيط المحفظة الاستثمارية قائلاً: «هل من الممكن أن أكون قد مارست ضغوطاً قوية وتحديت أشخاصاً بشكل مباشر بدافع إصراري على قيادة التغيير في التكاليف، والأداء، والميزانية العمومية؟ نعم، هذا ممكن.. ولكن هناك فرق شاسع بين إدارة مؤسسة بحزم والصورة النمطية التي تُروج لسلوكي حالياً».

وتحدّى مانيفولد كواليس الشركة متسائلاً عن كيفية اتهامه بمحاولة الهيمنة والعمل كـ«رئيس تنفيذي فعلي» في حين أنه لم يزُر مقر الشركة في لندن سوى 13 يوماً فقط منذ مطلع عام 2026. وفي محاولة لرد الاعتبار، أشار إلى تقشفه الشخصي قائلاً: «لم أكن مهتماً بالطيران الخاص أو تذاكر مباريات الشركات، كنت أصنع قهوتي بنفسي وأشتري غدائي من المقهى المحلي وأجلس في مكتب صغير رافضاً المكاتب الفاخرة للرؤساء السابقين». واختتم بيانه بالإعلان عن توكيل مكتب المحاماة الشهير «ميشكون دي ريا» لمقاضاة الشركة ومواجهة ما وصفه بـ«الأكاذيب التي يختبئ أصحابها خلف جدار السرية».

تاريخ من الاضطرابات الهيكلية

ويكشف تحليل لـ«بلومبرغ» أن ما يحدث في «بي بي» ليس مجرد سوء حظ عابر، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية عميقة في كيفية إدارة مجلس الإدارة لدفة القيادة؛ إذ عانت الشركة على مدار الـ 25 عاماً الماضية من اضطرابات مزمنة ارتبطت جلّها بالأزمات؛ بداية من استقالة جون براون عام 2007، مروراً بالإطاحة بطوني هيوارد عقب كارثة تسرب النفط في خليج المكسيك عام 2010، وصولاً إلى الحقبة الاستقرارية الوحيدة التي صنعها بوب ددلي وغادر بعدها بشروطه الخاصة.

إلا أن هذا الاستقرار انهار تماماً في غضون السنوات الثلاث الأخيرة فقط (بين 2023 و2026)، وهي الفترة العاصفة التي شهدت المقصلة الإدارية فيها الإطاحة بأربعة من كبار قادة المجموعة قسراً في تتابع سريع؛ إذ سقط برنارد لوني عام 2023 في فخ الاستقالة المفاجئة بسبب علاقاته الشخصية غير المفصح عنها، ثم لحقه النرويجي هيلغي لوند الذي تنحى من رئاسة المجلس عام 2025 بضغط من المساهمين، ليتبعه في مطلع عام 2026 إزاحة الرئيس التنفيذي موراي أوشينكلوس لفتح الطريق أمام استقطاب ميغ أونيل، وصولاً إلى قرار الإقالة الفورية والمدوية لألبرت مانيفولد اليوم بعد أشهر وجيزة من تعيينه.

الرئيس التنفيذي السابق موراي أوشينكلوس (أ.ف.ب)

«إيليوت» تحكم من الخلف

ورغم هذا التعاقب الإداري المتسارع الذي جعل الشركة تغير ستة قادة في أقل من ثلاث سنوات، يرى الخبراء في «سيتي غروب» و«بلومبرغ» أن الجدوى الاستثمارية لشركة «بي بي» قد تنجو من هذه المقصلة بفضل عاملين لا علاقة للإدارة الحالية بهما؛ الأول هو صندوق التحوط الأميركي الشرس «إيليوت إنفيستمنت مانجمنت» (Elliott)، الذي دخل بقوة على خط المساهمين وفرض استراتيجية صارمة تركز على ما يدر الأموال والتراجع عن الرهانات الخضراء غير المربحة التي تبناها لوني بين 2020 و2023 وأتت على 86 في المائة من صافي أرباح الشركة السنوية في عام 2025.

أما العامل الثاني، فهو البيئة الجيوسياسية المشتعلة؛ إذ تسببت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في تحليق أسعار خام برنت لتلامس حاجز الـ 100 دولار للبرميل (بمتوسط 88 دولاراً منذ مطلع 2026 مقارنة بـ 68 دولاراً في 2025). ووفقاً للحسابات الرقمية، فإن كل دولار زيادة في سعر البرميل يضخ نحو 340 مليون دولار إضافية في الأرباح التشغيلية لـ «بي بي»، مما يعني عائداً سنوياً إضافياً غير متوقع بقيمة 6.8 مليار دولار. هذه الطفرة النفطية وتعاظم هوامش التكرير سيمكنان الشركة من تقليص ديونها الصافية البالغة 25.3 مليار دولار لتصل إلى مستهدفاتها (بين 14 و18 مليار دولار) بحلول نهاية العام الحالي، أي قبل عام كامل من الجدول الزمني المحدد سابقاً.

المرأة الحديدية في مواجهة الساعة

وبموجب هذه المقصلة المفاجئة، أعلنت «بي بي» عن تعيين عضو مجلس الإدارة إيان تايلر رئيساً مؤقتاً لمجلس الإدارة حتى اختيار بديل دائم، مؤكدة أن الاستراتيجية التشغيلية لن تتغير.

وفي المقابل، تخرج الرئيسة التنفيذية الجديدة ميغ أونيل (القادمة من «وودسايد إنرجي» الأسترالية كأول امرأة وأول عنصر خارجي يقود الشركة عبر تاريخها) الرابح الأكبر والوحيد من هذه الأزمة؛ حيث تخلصت من هيمنة مانيفولد الذي عينها في مطلع أبريل (نيسان) الماضي وكان يتصرف كـ«رئيس تنفيذي فعلي»، وباتت الآن الحاكم المطلق للشركة بعد أن صوّتت بنفسها لصالح قرار إقالته.

الرئيسة التنفيذية لـ«بي بي» ميغ أونيل (رويترز)

لكن «المرأة الحديدية» تقف الآن وحيدة في مواجهة عقارب الساعة وضغوط صناديق التحوط الشرسة؛ حيث أبلغت أونيل المستثمرين سراً بأنها ستعلن عن مراجعتها الاستراتيجية الشاملة في شهر سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول) المقبلين. وسيكون عليها اتخاذ قرارات مؤلمة وسريعة تشمل تسييل وإعادة هيكلة الأصول التي لا تتوافق مع العودة للنفط - مثل بيع شركة «لايت سورس» للطاقة الشمسية و«أركيا» للغاز الحيوي - إلى جانب إقرار تخفيضات حادة وواسعة في التكاليف تشمل تسريح مئات الموظفين في المقر الرئيسي بلندن، وبيع أجزاء ضخمة من شبكة محطات الوقود التابعة لها حول العالم لجمع مليارات الدولارات وإعادتها للمساهمين.

في نهاية المطاف، فإن لغة الأرقام في أسواق المال لا تلتفت كثيراً للدراما الإدارية؛ وفجوة التقييم الحالية التي يتداول بها سهم «بي بي» بخصم يبلغ 5 في المائة مقارنة بمنافستها الكبرى «شل»، قد تحول السهم إلى فرصة جاذبة للمستثمرين لإعادة الشراء وبناء المراكز، طالما أن طفرة أسعار النفط العالمية المغذاة بالمخاطر الجيوسياسية الراهنة تضمن استمرار التدفقات النقدية القوية والتوزيعات السخية للمساهمين.


«بنك الشعب» يوجه مصارف الصين لزيادة الإقراض

مقر «بنك الشعب» المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

«بنك الشعب» يوجه مصارف الصين لزيادة الإقراض

مقر «بنك الشعب» المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)

أفاد أشخاص مطلعون على الأمر أن «بنك الشعب» المركزي الصيني أصدر تعليمات للبنوك بزيادة الإقراض هذا الشهر، مما يؤكد جهود بكين المستمرة لدعم اقتصاد يعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الطلب المحلي.

وأوضحت المصادر أن «بنك الشعب» الصيني أصدر هذه التوجيهات غير الرسمية لبعض البنوك الحكومية الكبرى الأسبوع الماضي، نظراً لضعف الطلب على قروض الأفراد والشركات هذا الشهر بعد انخفاض الإقراض بشكل غير متوقع في أبريل (نيسان).

وطلبت المصادر عدم الكشف عن هويتها لعدم حصولها على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام حول هذا الموضوع. وتُراقب بيانات الائتمان الشهرية في الصين من كثب باعتبارها مؤشراً على نشاط ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وتراجع سوق العقارات وارتفاع تكاليف الطاقة يُؤثران سلباً على الطلب على القروض. ولم يُعلن بنك الشعب الصيني سابقاً عن «توجيهات نافذة الإقراض» لشهر مايو (أيار)، وهي ليست إجراءً روتينياً.

وقد أصدر البنك تعليمات مماثلة الشهر الماضي، وفقاً لما ذكرته «رويترز» آنذاك.

وعلى الرغم من هذه التعليمات، انخفضت قروض اليوان الجديدة في أبريل للمرة الأولى منذ تسعة أشهر، متجاوزةً التوقعات بشكل حاد، حيث أثرت العوامل الموسمية وضعف طلب الأسر على الائتمان سلباً على الإقراض.

ونما الاقتصاد الصيني بنسبة 5 في المائة في الربع الأول، وهو الحد الأعلى للنطاق المستهدف الذي حددته بكين للعام بأكمله، والذي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة. ومع ذلك، يُظهر النمو مؤشرات على تباطؤ زخمه في بداية الربع الثاني.

وفي حين أن التراجع المطول في سوق العقارات لا يزال يُعيق النمو، فقد أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي استمرت ثلاثة أشهر، إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، وعرّضت الاقتصاد الصيني لمخاطر خارجية في وقت يشهد فيه الاستهلاك المحلي ضعفاً.

وقد أدى تراجع سوق الإسكان إلى تآكل ثقة الأسر، في حين أن ضعف إقبال القطاع الخاص على الاستثمار قد زاد من انخفاض الطلب على الائتمان في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وأفاد أحد المصادر أنه مع تحويل صناع السياسات الدعم من البنية التحتية التقليدية والعقارات إلى التكنولوجيا والطاقة النظيفة، لا يزال الطلب على الائتمان في المجالات الجديدة غير كافٍ لدعم حجم الإقراض الإجمالي.

معايير أكثر صرامة

وأضافت المصادر أن البنوك، في ظل ارتفاع حالات التخلف عن سداد القروض، تُشدد معايير منح القروض للشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة، مما يزيد من تقييد تدفق الائتمان إلى بعض قطاعات الاقتصاد.

ومما يزيد الوضع تعقيداً، أن البنوك تُشدد شروط منح القروض للشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة، نظراً لارتفاع حالات التخلف عن السداد، مما يُقيد تدفق الائتمان إلى بعض قطاعات الاقتصاد. استجابت البنوك أيضاً لارتفاع حالات التخلف عن سداد القروض من قبل الأسر بتشديد معايير الإقراض، وتقليص المعروض الائتماني للأفراد الذين لم يتخلفوا عن السداد، كما ذكرت شياوكسي تشانغ من شركة جافيكال دراغونوميكس في مذكرة بحثية يوم الأربعاء.

وقالت: «بينما قد يرغب المنظمون في أن توسع البنوك الائتمان الاستهلاكي، فإنهم يرغبون أيضاً في أن تحافظ البنوك على ضوابط إدارة المخاطر، وهذا يبدو أكثر أهمية»، وأضاف المصدر أن البنوك اضطرت، بسبب ضعف الطلب على الائتمان من الاقتصاد الحقيقي، إلى شراء سندات تجارية قصيرة الأجل لتحقيق أهدافها الإقراضية.

ومع ذلك، لا يتوقع المحللون أن يسارع «بنك الشعب» الصيني إلى تيسير السياسة النقدية مع تزايد ضغوط التضخم. ففي يناير (كانون الثاني)، خفض «بنك الشعب» الصيني أسعار الفائدة القطاعية بمقدار 25 نقطة أساس، مستهدفاً قطاعات مثل الشركات الصغيرة والابتكار التكنولوجي والتنمية الخضراء.

وقالت صحيفة «فاينانشال نيوز»، وهي منشور يصدره بنك الشعب الصيني، بعد بيانات أبريل الضعيفة، إنه ينبغي على السوق أن ينظر إلى تباطؤ نمو الائتمان «بعقلية ناضجة وعقلانية». وأفاد التقرير بأن التمويل المباشر قد تسارع في السنوات الأخيرة، مع الحفاظ على نمو معقول في التمويل الاجتماعي الإجمالي، على الرغم من الانخفاض المطرد في حصة القروض من التمويل الجديد.