لغز عوائد السندات: كيف تتحكم «سوق الدين» في أسعار السلع وقروض المنازل؟

لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

لغز عوائد السندات: كيف تتحكم «سوق الدين» في أسعار السلع وقروض المنازل؟

لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)

في عالم المال، عندما تعطس بورصة «وول ستريت» للأسهم، يلتفت الجميع. لكن خلف الستار، يقبع عملاق أكثر هدوءاً وأشد فتكاً يتحكم في حركة الاقتصاد العالمي بأكمله: إنه سوق السندات.

مؤخراً، ومع اشتعال التوترات الجيوسياسية وحصار مضيق هرمز، قفزت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى مستوى قياسي بلغ 5.16 في المائة. فلماذا يرتعد المستثمرون من هذا الرقم؟ وكيف تؤثر هذه «الأرقام الجافة» على حياة المواطنين اليومية؟

ما هو السند؟

السند هو باختصار «ورقة دين». عندما تحتاج حكومة (مثل الولايات المتحدة) أو شركة كبرى إلى تريليونات الدولارات لتمويل مشاريعها أو سد عجزها، فإنها لا تذهب إلى البنك، بل تقترض من الجمهور والمؤسسات الاستثمارية.

فإذا اشترى أي شخص سنداً بقيمة 1000 دولار بفائدة 5 في المائة لمدة 10 سنوات، فهذا يعني أنه أقرض الحكومة أمواله، وفي المقابل ستمنحه 50 دولاراً سنوياً، وتعيد له الـ1000 دولار كاملة في نهاية المدة. هذه الفائدة السنوية تُسمى في السوق العائد (Yield).

لماذا تشتعل السندات الآن؟

الوقود الأساسي لسوق السندات هو التضخم. عندما تسببت حرب إيران في حبس إمدادات النفط عبر مضيق هرمز وقفز خام برنت فوق 111 دولاراً للبرميل، أدرك الجميع أن أسعار كل شيء (من الشحن إلى الوقود والغذاء) سترتفع.

هذا التضخم المشتعل يجبر البنوك المركزية على إلغاء خطط خفض الفائدة، بل والتلويح برفعها مجدداً. وطالما أن الفائدة ستبقى أعلى ولفترة أطول، فإن المستثمرين يتخلصون من السندات القديمة ذات الفائدة المنخفضة، ويبدأ «البيع الكثيف»، مما يدفع عوائد السندات الجديدة للقفز إلى مستويات غير مسبوقة لتعويض مخاطر التضخم.

ما دخل الفرد؟

ارتفاع عوائد السندات هو بمثابة «تأثير الفراشة» الذي يضرب ميزانية الفرد الشخصية عبر ثلاثة مسارات:

* قروض المنازل والسيارات: السندات الحكومية هي «المسطرة» التي تقيس بها البنوك تكلفة الإقراض. عندما يقفز عائد السندات، تسارع البنوك التجارية لرفع فائدة الرهن العقاري والقروض الشخصية تلقائياً لحماية هوامش أرباحها، مما يعني أن حلم شراء منزل يصبح أكثر كلفة وصعوبة.

* شبح البطالة وتراجع التوظيف: الشركات الكبرى تعتمد على الاقتراض عبر إصدار السندات لتمويل توسعاتها وبناء مصانع جديدة. عندما تصبح كلفة هذا الدين باهظة، تتجه الإدارات التنفيذية فوراً لتجميد التوظيف، أو تقليص النفقات، مما يهدد استقرار الوظائف.

* ضعف القوة الشرائية: السندات المشتعلة تعني أن التضخم انتصر ولو مؤقتاً على خطط البنوك المركزية، وبالتالي ستبقى أسعار السلع الأساسية مرتفعة، وتستمر قيمة الراتب الفعلية في التراجع.

لماذا تُصاب أسواق الأسهم بالرعب من صعود السندات؟

العلاقة بين الطرفين تشبه «الأواني المستطرقة» في السيولة؛ والسبب يعود إلى تبخر الأكسجين (السيولة). ففي الأوقات العادية، يخاطر المستثمر بماله في الأسهم بحثاً عن الربح. لكن عندما توفر الحكومة الأميركية عائداً مضموناً بنسبة تتجاوز 5 في المائة دون أي مخاطرة، فإن الصناديق الكبرى تسحب أموالها فوراً من أسهم التكنولوجيا والشركات الناشئة المتقلبة، وتضعها في السندات الآمنة، مما يحرم الأسهم من السيولة ويهبط بأسعارها.

في الخلاصة، سوق السندات ليست مجرد شاشات معقدة لخبراء المال في «وول ستريت»؛ إنها «ترمومتر تكلفة المال في العالم». وعندما يسجِّل هذا الترمومتر درجات حرارة قياسية كما يحدث اليوم، فإن الرسالة واضحة: عصر الأموال الرخيصة قد انتهى، وعلى الجميع - من الحكومات ذات الديون المليارية إلى الأسر التي تبحث عن سكن - الاستعداد لإعادة تسعير قاسية.


مقالات ذات صلة

ترمب يعيد فتح جبهة الرسوم الجمركية مع 60 شريكاً تجارياً

الاقتصاد دونالد ترمب يحمل خاتم البطولة خلال حفل لتكريم فريق «لوس أنجلوس دودجرز» الفائز ببطولة العالم لعام 2025 (أ.ب)

ترمب يعيد فتح جبهة الرسوم الجمركية مع 60 شريكاً تجارياً

فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الجمعة رسوماً جمركيةً جديدةً بنسبة 10 في المائة و12.5 في المائة على واردات من 60 شريكاً تجارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)

النفط يقفز إلى 100 دولار مع تصاعد هجمات البحر الأحمر

ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في شهرين، بعدما لامس خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «غوغل» يظهر خارج مكاتب الشركة في لندن (رويترز)

استثمارات الذكاء الاصطناعي تستنزف سيولة «غوغل» رغم نمو الإيرادات

أدى الإنفاق المتسارع على الذكاء الاصطناعي إلى استنزاف السيولة الحرة لشركة «ألفابت»، المالكة لـ«غوغل»، لأول مرة منذ أكثر من عقد.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)
الاقتصاد رجل يمر أمام محل صرافة، مزين بلوحات من الفينيل عليها صور أوراق نقدية من فئة الدولار، في المكسيك (رويترز)

التوتر الأميركي - الإيراني يدعم الدولار... والين يقترب من أدنى مستوى في 40 عاماً

استقر الدولار، يوم الخميس، مدعوماً بتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، الذي عزز الإقبال على العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع عن أعلى مستوى في أسبوعين مع صعود النفط وترقب اجتماع «الفيدرالي»

استقرت أسعار الذهب، يوم الخميس، بعدما تراجعت قليلاً من أعلى مستوياتها في أسبوعين التي سجلتها في الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)