ملفات ساخنة تختبر حاكم «المركزي» الجديد في سوريا

مرحلة مفصلية تتشابك فيها خطط إعادة الإعمار ومسألة السيولة والاندماج المالي الخارجي

مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)
مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)
TT

ملفات ساخنة تختبر حاكم «المركزي» الجديد في سوريا

مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)
مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)

دخلت السلطة النقدية في سوريا مرحلة مفصلية جديدة عقب إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، تعيين محمد صفوت رسلان حاكماً جديداً لمصرف سوريا المركزي، خلفاً لعبد القادر الحصرية الذي عُيّن سفيراً للبلاد لدى كندا.

ويأتي هذا التغيير في قيادة الهرم النقدي، وهو الأحدث ضمن حركة التعديلات الوزارية والإدارية الواسعة، ليتزامن مع العام الثاني للحكومة التي تكافح لإدارة ملفات إعادة الإعمار الشائكة، وتثبيت ركائز الاقتصاد في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

ويواجه رسلان، الذي قاد سابقاً الصندوق السوري للتنمية، تركة مالية ثقيلة تطول النظام المصرفي والضغوط التضخمية الحادة، وبقاء سوريا في منطقة رمادية رغم خروجها من العزلة الخارجية. وبالتالي، فإن من أبرز التحديات المالية والنقدية أمام الحاكم الجديد، استعادة الثقة النقدية، وفكّ اختناق السيولة، ووقف التضخم وانخفاض قيمة الليرة السورية، والعودة إلى النظام المالي العالمي لجذب الاستثمارات الأجنبية والعربية ورأس المال السوري المهاجر.

الحاكم الجديد لمصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان (سانا)

يقول المستشار الاقتصادي السوري زياد عربش، لـ«الشرق الأوسط»: «فعلياً يقف الحاكم الجديد لمصرف سوريا المركزي أمام حزمة متداخلة من التحديات؛ هي: استكمال عملية تبديل العملة، وفك حبس السيولة، وإعادة ربط النظام المصرفي السوري بالمنظومة المالية العالمية، وبناء أدوات حديثة للتحويل والاستثمار والرقمنة».

وتكتسب هذه الملفات أهمية مضاعفة، لأن مصرف سوريا المركزي أعلن خلال العام الحالي، استراتيجية 2026 - 2030 التي تركّز على الاستقرار النقدي، وتطوير سوق الصرف، وتوسيع الدفع الرقمي، والاندماج التدريجي مع النظام المالي العالمي.

تبديل العملة وفك حبس السيولة

يرث رسلان مشروع إصلاح العملة الذي أشرف عليه سلفه عبد القادر الحصرية مطلع العام الحالي، والذي قضى بحذف صفرين من الأوراق النقدية السورية، واستبدال العملات التي كانت تحمل صور بشار الأسد وعائلته. ورغم أن هذا الإجراء الفني استهدف تسهيل المعاملات التجارية اليومية واستعادة جزء من الثقة المفقودة في الليرة السورية، فإن التحدي الحقيقي والراهن أمام الإدارة الجديدة يكمن في حماية القوة الشرائية للعملة الجديدة، ومنع أي تدهور إضافي في سعر الصرف؛ إذ تجاوز سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار يوم الأحد في السوق الموازية، 13 ألفاً و800 ليرة، بعد استقرار في بداية العام الحالي ما بين 10500 ليرة و11 ألف ليرة.

وتمثل عملية استكمال تبديل العملة وفك حبس السيولة، اختباراً عملياً للثقة بالمؤسسة النقدية، لأنها - وفق عربش - لا تقتصر على استبدال أوراق نقدية؛ بل تتطلب إصلاحاً نقدياً ومصرفياً شاملاً، بما فيها إدارة للتدفقات والكتلة النقدية المتداولة، وسلوك الأسواق. كما أن نجاحها يرتبط بقدرة المصرف على منع الارتباك النقدي، والحد من الاكتناز ومكافحة التضخم وتدهور قيمة الليرة، وتسهيل انتقال الأسعار والعقود إلى الصيغة الجديدة من دون صدمات إضافية. لذلك فإن «فك حبس السيولة» يحتاج إلى توسيع القنوات المصرفية، لا إلى إجراءات نقدية شكلية فقط.

إعادة الاندماج المالي الخارجي

على الرغم من رفع الجزء الأكبر من العقوبات الغربية المفروضة على البلاد عقب التغيير السياسي، لا تزال المصارف السورية تعيش انقطاعاً شبه كامل عن المنظومة المالية الدولية. وبهذا الخصوص، يرى عربش أن العقبة الكبرى أمام إعادة الاندماج الخارجي، تكمن في انكفاء الشبكات المالية العالمية عن السوق المحلية، وتراجع علاقات المراسلة المصرفية التي تُعدّ الركيزة الأساسية للتجارة، والتحويلات، وتمويل الاستيراد.

لكنه يوضح، في المقابل، وجود مؤشرات أولية لانفتاح تدريجي؛ أبرزها المشاورات الجارية لإبرام اتفاقيات حسابات مراسلة مع تركيا، والعودة التجريبية لبوابات الدفع الدولية مثل «فيزا» و«ماستركارد»، ما من شأنه تقليص الاعتماد على السيولة النقدية واستعادة الثقة تدريجياً، لافتاً إلى ضرورة إدارة هذا المسار بحذر شديد عبر تعزيز الامتثال، والحوكمة، والشفافية؛ تفادياً لتحول هذا الانفتاح إلى مصدر مخاطر جديدة.

التحالفات والاستثمارات

يوضح عربش أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكات مالية استراتيجية مع مصارف من دول الخليج العربي وأوروبا؛ ليس فقط على شكل مراسلين مصرفيين، بل عبر محافظ استثمارية مشتركة وصناديق تمويل وتموضع في قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والتحول الرقمي.

وتظهر أهمية هذه المقاربة في أن بعض التحليلات يرى السوريين في الخارج، خصوصاً بألمانيا، «أصلاً استراتيجياً» يمكن أن يغذي التحويلات والروابط الاستثمارية، بدل النظر إليهم فقط بوصفهم ملف لجوء أو عودة، بحسب عربش، الذي رأى أن توسيع التحويلات منخفضة التكلفة والمنتجات المالية العابرة للحدود، قد يفتح قناة مهمة للمدخرات والتمويل الخاص.

الإصلاح المؤسسي والرقمنة

لا يمكن لأي إصلاح نقدي أن ينجح من دون إصلاح مصرفي وهيكلي موازٍ، لأن جزءاً كبيراً من الموارد البشرية في القطاعين العام والخاص، بات من وجهة نظر عربش، غير مهيأ لأدوات العمل الحديثة، ما يجعل مسألة التأهيل والتجديد المؤسسي أولوية لا تقل عن السياسة النقدية نفسها.

وتوضح الاستراتيجية المعلنة للمصرف أن الرقمنة، وسلامة القطاع المالي، والبنية التحتية للدفع الإلكتروني، والاندماج العالمي التدريجي؛ كلها ركائز أساسية للفترة من 2026 إلى 2030. ولذلك تبدو، بحسب عربش، أدوات الذكاء الاصطناعي، والتحليل الائتماني، والتدقيق الرقمي، وأنظمة الامتثال الآلي، ليست ترفاً تقنيا؛ بل هي شرط عملي لتجاوز التخلف المؤسساتي.

أولوية المرحلة

بالتالي، يرى عربش أن حاكمية المصرف الجديدة تحتاج إلى مقاربة مزدوجة: تثبيت نقدي سريع يمنع الفوضى، وإصلاح مؤسسي عميق يعيد بناء الثقة بالقطاع المصرفي.

ويضيف المستشار الاقتصادي أن «أي تأخير في الإصلاحات المصرفية والنقدية سيجعل فرص جذب التحويلات والمدخرات والاستثمارات أقل، بينما الإسراع في الرقمنة والشفافية وإعادة الاتصال المالي الخارجي قد يحولان الأزمة إلى نافذة تعافٍ تدريجي».

وتواجه القيادة المالية الجديدة تحديات أخرى؛ منها مسألة ابتكار أدوات تمويلية لتوفير السيولة اللازمة لمشاريع إعادة إعمار البنية التحتية.

ويأتي تعيين رسلان، في وقت تلقي فيه الأزمة الإنسانية بظلالها الثقيلة على قرارات المصرف المركزي؛ إذ تواجه البلاد حالة طوارئ تتعلق بالأمن الغذائي، مع وقوع أكثر من 25 في المائة من السكان في شبكة خطر الجوع، الأمر الذي يضع الحاكم الجديد أمام ضغط توفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل استيراد السلع الغذائية الأساسية بشكل مستدام، وبأقل التكاليف الممكنة.

ويرى مراقبون أن مفتاح الحل لمعظم الأزمات الهيكلية الراهنة، يتمثل في مدى نجاح الحاكم الجديد في بناء نموذج تكاملي وشراكة حقيقية بين الدولة والمصارف الخاصة. وتتجه الأنظار نحو قدرة رسلان - مستفيداً من خلفيته السابقة في إدارة الصناديق التنموية - على استقطاب وتوطين الخبرات المصرفية والمالية السورية المهاجرة في الخارج، وتحفيز رؤوس الأموال الوطنية للمساهمة في مرحلة الانتعاش الاقتصادي الصعبة.


مقالات ذات صلة

تقرير أممي: سوريا كانت تشيد مفاعلاً نووياً في دير الزور في عهد بشار الأسد

المشرق العربي صورة غير مؤرخة نشرتها الحكومة الأميركية تُظهر مبنى يُشتبه في أنه مفاعل نووي قيد الإنشاء في سوريا (رويترز - أرشيفية)

تقرير أممي: سوريا كانت تشيد مفاعلاً نووياً في دير الزور في عهد بشار الأسد

كشف تقرير للأمم المتحدة اطلعت عليه وكالة «أسوشييتد برس» أن سوريا كانت تشيد مفاعلاً نووياً في دير الزور في عهد الرئيس السابق بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
المشرق العربي صحافيون وناشطون يتساءلون عن مصير زميلين مغيبين في حلب شمال سوريا (مواقع التواصل)

وقفة احتجاجية في حلب للكشف عن مصير إعلاميَين مغيبَين

نظّم ناشطون وصحافيون سوريون في مدينة حلب وقفة احتجاجية أمام مقر قيادة الأمن الداخلي تعبيراً عن تنديدهم باستمرار تغييب الصحافي محمود الخطيب والإعلامي مراد محلي.

منصور حسين (حلب (شمال سوريا))
المشرق العربي الأضرار تظهر في شوارع مدينة بنش السورية بعد انفجار سيارة (د.ب.أ) p-circle

5 قتلى على الأقلّ بانفجار سيارة محملة بالذخيرة في شمال غربي سوريا

قتل خمسة أشخاص على الأقلّ اليوم الثلاثاء جراء انفجار سيارة محمّلة بالذخيرة في شمال غربي سوريا وفق ما نقل الإعلام الرسمي عن مديرية الصحة بمحافظة إدلب

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وفد وزارة الدفاع السوري في محافظة الحسكة خلال اجتماع الاثنين (المحافظة)

انتشار تدريجي للأمن في محافظة الحسكة السورية استكمالاً لدمج المؤسسات

دخل فوج يضم 300 عنصر تابعين للأمن العام السوري إلى مقر «فوج الطلائع»، وتسلمه من قوات «قسد»، وتقتصر مهامه على منطقة الطلائع وحي غويران.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي آمنة الخولاني معتقلة سابقة وناشطة في المحافل الدولية وأخت 3 معتقلين ارتقوا تحت التعذيب داخل سجون نظام الأسد (مواقع)

بمبادرة سورية... الأمم المتحدة تعتمد «19 ديسمبر» يوماً لـ«تكريم الباحثات عن المفقودين»

رحبت سوريا باعتماد مشروعها في الجمعية العامة للأمم المتحدة ‏بالإجماع بشأن إعلان «19 ديسمبر (كانون الأول)» يوماً ‏دولياً لـ«تكريم الباحثات عن المعتقلين»...

«الشرق الأوسط» (دمشق - نيويورك)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى في أسبوعين

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى في أسبوعين

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

استقر الدولار قرب أعلى مستوى له في أسبوعين، يوم الأربعاء، مدعوماً بارتفاع أسعار النفط بفعل تجدد التوترات في الشرق الأوسط، ما أعاد مخاوف التضخم وزاد الضغوط الصعودية على عوائد السندات.

وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات تشمل الين واليورو، بنسبة 0.11 في المائة إلى 99.79، وهو أعلى مستوى له منذ 17 أغسطس (آب). وتراجع اليورو 0.14 في المائة إلى 1.1576 دولار، وفق «رويترز».

وتعززت جاذبية الدولار بوصفه ملاذاً آمناً بفعل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وتزايد توقعات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، رغم أن البيانات الاقتصادية الأخيرة جاءت دون التوقعات.

وشنّت الولايات المتحدة، يوم الثلاثاء، سلسلة من الغارات الجوية على إيران، وردت طهران بهجمات مضادة، في أخطر تصعيد للتوترات خلال أسابيع.

ارتفاع النفط والعوائد يدعم الدولار

وواصلت أسعار النفط ارتفاعها اليوم (الأربعاء)، بعد قفزة كبيرة في الجلسة السابقة، إذ صعدت العقود الآجلة لخام برنت 0.75 في المائة إلى 95.36 دولار للبرميل، في حين ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 0.41 في المائة إلى 90.62 دولار.

وصعد عائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات إلى 4.812 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، قبل أن يتراجع إلى 4.804 في المائة. كما واصل عائد السندات اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات ارتفاعه إلى 3.01 في المائة اليوم (الأربعاء)، بعدما بلغ يوم الثلاثاء مستوى 3 في المائة، وهو الأعلى في ثلاثة عقود.

وقال كبير استراتيجيي الأسواق لدى بنك «سوميتومو ميتسوي تراست»، دايسوكي شيمـازو، إن «عوائد السندات الأميركية تواصل الارتفاع تدريجياً، ما يدعم الدولار الأميركي».

وتدفع العوائد المرتفعة المستثمرين إلى شراء عملات الملاذ الآمن، ومن بينها الدولار الأميركي، في حين تقوّض جاذبية الأصول الأكثر مخاطرة مثل الأسهم.

في المقابل، هبط الدولار النيوزيلندي 1.01 في المائة أمام الدولار الأميركي إلى 0.5844 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ 13 أغسطس، رغم رفع البنك المركزي النيوزيلندي سعر الفائدة الرسمي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.75 في المائة. وقال محللون إن المشاركين في السوق عدّوا القرار أقل تشدداً مما كان متوقعاً.

وقال الاستراتيجي لدى ويستباك نيوزيلندا، إيمري سبايزر: «مقارنة بما كانت الأسواق تتوقعه وما كان يمكن أن تتوقعه، فإن القرار لم يلبِّ توقعاتها».

وجاءت بيانات الوظائف الشاغرة الأميركية وفق مسح «غولتس» لشهر يوليو (تموز)، ومؤشر معهد إدارة التوريد «آي إس إم» لقطاع الصناعات التحويلية لشهر أغسطس، اللذَين صدرا خلال الليل، دون توقعات الأسواق. لكن أسواق المال عززت رهاناتها على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، عقب كلمة رئيس المجلس كيفين وارش في جاكسون هول بولاية وايومينغ الأسبوع الماضي.

وتسعّر الأسواق حالياً احتمالاً بنسبة 68 في المائة لرفع الفائدة الأميركية في سبتمبر (أيلول)، ارتفاعاً من نحو 40 في المائة قبل أسبوع، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي أم إي».

ومن المقرر صدور بيانات الوظائف والتضخم في أسعار المستهلكين لشهر أغسطس قبل اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» المقبل في 15 و16 سبتمبر. ومن المتوقع أن يظهر تقرير الوظائف المقرر صدوره يوم الجمعة أن أصحاب العمل أضافوا 56 ألف وظيفة الشهر الماضي، وفق متوسط توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم.

وقال عضو مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، مايكل بار، يوم الثلاثاء، إنه إذا لم يتراجع التضخم سريعاً فسيحين وقت رفع البنك المركزي أسعار الفائدة.

وتراجع الجنيه الإسترليني 0.15 في المائة إلى 1.3495 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ 14 أغسطس، كما انخفض الدولار الأسترالي 0.15 في المائة إلى 0.7133 دولار.

وفي سوق العملات المشفرة، عكست «البتكوين» اتجاهها لترتفع 0.07 في المائة إلى 77,485.49 دولار، في حين قلّصت «إيثر» خسائرها السابقة لتتراجع 0.27 في المائة إلى 2,413.74 دولار.

الين تحت الضغط

استقر الين الياباني أمام الدولار عند 160.15 ين للدولار، بعد أن تراجع في وقت سابق إلى أدنى مستوى له منذ 31 يوليو. وظل الين في الجانب الضعيف من حاجز 160 يناً للدولار، الذي يحظى بأهمية نفسية في الأسواق، رغم التوقعات القوية برفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة هذا الشهر.

وأعرب وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، عن دعمه القوي لاتخاذ خطوات نقدية «حازمة» لمواجهة ضعف الين، وذلك خلال اجتماع مع محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا، وفقاً لما ذكرته وزارة الخزانة الأميركية.

وقال أويدا للصحافيين إنه يأمل في مناقشة أعضاء مجلس إدارة البنك خلال اجتماع هذا الشهر ما إذا كان الاقتصاد يتحرك بما يتماشى مع توقعاتهم، وما إذا كانت مخاطر التضخم تتزايد.

وقال عضو مجلس إدارة «بنك اليابان»، المعروف بموقفه المتشدد، هاجيمي تاكاتا، اليوم (الأربعاء)، إن على البنك تنفيذ زيادات أسعار الفائدة بمرونة استجابة للضغوط التضخمية.

وكان تدخل مشترك نادر من الولايات المتحدة واليابان في نهاية يوليو قد قدّم دعماً مؤقتاً إلى الين الضعيف، وأبعده عن أدنى مستوى له في 40 عاماً عند 163.99 ين للدولار، إلا أن العملة فقدت منذ ذلك الحين نحو نصف المكاسب التي حققتها عقب التدخل المشترك.

وقال محلل الأسواق لدى شركة «آي جي»، توني سيكامور، في مذكرة: «يبدو أن فرص تنفيذ تدخل منسق آخر محدودة للغاية إلى أن يحدث بعض التهدئة في مضيق هرمز، بما يخفف الضغوط على أسعار النفط».


السندات الهندية تتراجع... وعائد الـ10 سنوات يتجاوز 7 %

أوراق نقدية من فئة 2000 روبية هندية داخل أحد البنوك في جامو بالهند (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 2000 روبية هندية داخل أحد البنوك في جامو بالهند (رويترز)
TT

السندات الهندية تتراجع... وعائد الـ10 سنوات يتجاوز 7 %

أوراق نقدية من فئة 2000 روبية هندية داخل أحد البنوك في جامو بالهند (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 2000 روبية هندية داخل أحد البنوك في جامو بالهند (رويترز)

تراجعت السندات الحكومية الهندية خلال التعاملات المبكرة، اليوم الأربعاء، حيث تجاوز عائد السندات القياسية لأجَل 10 سنوات مستوى 7 في المائة لفترة وجيزة، للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، في ظل موجة بيع متصاعدة بأسواق الدين العالمية وارتفاع جديد بأسعار النفط، ما أثار قلق المستثمرين.

وارتفع عائد السندات القياسية الهندية المستحَقة في عام 2036، والبالغ كوبونها 6.94 في المائة، بمقدار 3 نقاط أساس ليصل إلى 6.9898 في المائة، بحلول الساعة 10:45 صباحاً بالتوقيت المحلي، بعد أن اخترق مستوى 7 في المائة عند افتتاح التداولات، مسجلاً مستوى قريباً من أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر، وفق «رويترز».

جاءت هذه الموجة البيعية عقب إعادة تقييم عالمية لمخاطر التضخم والأعباء المالية والتوترات الجيوسياسية، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار إغلاق مضيق هرمز الحيوي.

وخلال التداولات الآسيوية، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجَل 10 سنوات إلى 4.81 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، كما لامس عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة، يوم الثلاثاء، للمرة الأولى منذ عام 1996، في حين بلغت عوائد السندات الألمانية والبريطانية أعلى مستوياتها منذ أكثر من 15 عاماً.

ويؤدي ارتفاع العوائد في الاقتصادات المتقدمة إلى تقليص جاذبية العوائد التي توفرها ديون الأسواق الناشئة، كما قد يدفع المستثمرين الأجانب إلى سحب أموالهم من هذه الأسواق.

وقال متداول بأحد البنوك الخاصة: «إذا واصلت عوائد السندات الأميركية ارتفاعها، فقد يتجه عائد السندات الهندية لأجل 10 سنوات نحو 7.15 في المائة، على المدى القريب».

وارتفع خام برنت فوق مستوى 95 دولاراً للبرميل، خلال ساعات التداول الآسيوية، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو ستة أسابيع، عقب هجمات جديدة متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران.

وتُعد الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، عرضة لتداعيات أي صدمة نفطية مطوَّلة، إذ يمكن أن تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وتفاقم الأعباء على المالية العامة.

كما عزَّز ارتفاع أسعار النفط والعوائد العالمية التوقعات بتشديد السياسة النقدية، خلال الفترة المقبلة.

وتُظهر الأسواق حالياً احتمالاً بنسبة 68 في المائة لإقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، خلال الشهر الحالي، مقارنة بنسبة 41 في المائة قبل أسبوع، وفقاً لبيانات أداة «فيد ووتش»، التابعة لمجموعة «سي إم إي».

وأسهمت التصريحات المتشددة، الصادرة عن مسؤولي البنوك المركزية في الولايات المتحدة والهند، في تعزيز الرهانات على أن بنك الاحتياطي الهندي قد يتجه إلى تشديد السياسة النقدية، في وقت أقرب من المتوقع.

ويتوقع بنك «إتش إس بي سي» أن يرفع بنك الاحتياطي الهندي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس، مرتين خلال السنة المالية 2027، ما سيرفع سعر إعادة الشراء (الريبو) إلى 5.75 في المائة.

أسواق المبادلات

تعرضت عقود المبادلات المرتبطة بمعدل الفائدة لليلة واحدة في الهند، لضغوط شراء قوية.

وارتفع معدل المبادلات لأجَل عام واحد بمقدار 3 نقاط أساس إلى 6.0450 في المائة، في حين قفز المعدل لأجَل عامين بمقدار 5 نقاط أساس إلى 6.26 في المائة، كما صعد معدل المبادلات لأجَل خمس سنوات بمقدار 6 نقاط أساس ليصل إلى 6.5650 في المائة.


رايت في كاراكاس لدعم توسع «شيفرون»... وواشنطن تراهن على مضاعفة إنتاج النفط الفنزويلي

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)
TT

رايت في كاراكاس لدعم توسع «شيفرون»... وواشنطن تراهن على مضاعفة إنتاج النفط الفنزويلي

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)

تضع إدارة الرئيس دونالد ترمب النفط الفنزويلي في قلب رهانها لزيادة المعروض وخفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة، مستفيدة من احتياطيات ضخمة تسعى إلى إعادة توظيفها عبر جذب استثمارات شركات الطاقة الأميركية والعالمية.

ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع زيارة وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إلى كاراكاس، واستعداد شركة «شيفرون» لتوسيع عملياتها في البلاد، في مؤشر على انتقال الاستراتيجية الأميركية من مجرد الإعلان عن اتفاقات نفطية إلى محاولة استقطاب رأس المال والخبرات اللازمة لإعادة تشغيل صناعة تضررت بشدة خلال سنوات طويلة.

ودافع رايت عن الشراكة النفطية التي تدعمها واشنطن، قائلاً إن استثمارات كبيرة تتجه إلى فنزويلا، وإن الاتفاقات التي تستعد شركات أميركية وأجنبية لإبرامها يمكن أن تؤدي إلى أكثر من مضاعفة إنتاج البلاد من الخام خلال السنوات المقبلة.

وقال رايت إن «أوقاتاً كبيرة مقبلة مع تدفق استثمارات ضخمة إلى هذا البلد»، عادَّاً أن الشراكة بين الولايات المتحدة والحكومة الموجودة على الأرض في فنزويلا توفر ضمانة قوية لتحسن بيئة الأعمال.

«شيفرون» في صدارة العودة النفطية

وتبرز «شيفرون» في قلب هذه التحركات، بوصفها أكبر شركة نفط أميركية تتمتع بحضور رئيسي في فنزويلا، ومن المتوقع أن تعلن توسعة عملياتها في البلاد بالتزامن مع زيارة رايت.

ويمثل توسع الشركة اختباراً عملياً لقدرة واشنطن على تحويل الدعم السياسي للقطاع النفطي الفنزويلي استثماراتٍ وإنتاجاً فعلياً. كما يمكن أن يشكل قرار «شيفرون» إشارة إلى شركات الطاقة العالمية الأخرى بشأن مستوى المخاطر والفرص في السوق الفنزويلية.

ومن المتوقع كذلك إبرام اتفاقات مع شركات دولية أخرى، بينها «إيني» و«بي بي» و«شل» و«ريبسول»، في إطار مسعى أوسع لإعادة جذب الشركات الأجنبية إلى قطاع الطاقة الفنزويلي.

ولا تقتصر أهمية هذه العودة على زيادة الإنتاج؛ إذ تنظر إليها واشنطن أيضاً بصفتها وسيلة لتقليص النفوذ الروسي والصيني في قطاع النفط الفنزويلي، وإعادة توجيه تدفقات الخام نحو الأسواق والشركات الغربية.

السحب تشكل فوق مضخات النفط وأبراج نقل الطاقة ببحيرة ماراكايبو في كابيمس - فنزويلا (أ.ب)

احتياطيات ضخمة... وإنتاج متراجع

ورغم امتلاك فنزويلا ثروة نفطية هائلة، فإن تحويلها إمداداتٍ إضافية لن يكون سريعاً. فقد بلغ إنتاج البلاد نحو 1.16 مليون برميل يومياً في يوليو (تموز)، وفق مسح لـ«بلومبرغ»، وهو أقل من نصف المستوى الذي كانت تنتجه قبل عقد.

وتعاني صناعة النفط الفنزويلية سنوات نقص الاستثمار وسوء الإدارة؛ ما أدى إلى تدهور الحقول والمنشآت وتعطل عدد كبير من المضخات وتضرر شبكات الأنابيب، إلى جانب مشكلات في إمدادات الكهرباء والبنية التحتية اللازمة للإنتاج والتصدير.

وتشير تقديرات خبراء في الصناعة إلى أن إعادة الإنتاج إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى كانت فنزويلا تضخه قبل الانهيار الطويل لقطاعها النفطي، قد تستغرق أكثر من عقد.

وهذا يعني أن زيادة الإنتاج التي تراهن عليها واشنطن قد تكون كبيرة على المدى الطويل، لكنها لن توفر بالضرورة الكميات الإضافية التي تحتاج إليها السوق الأميركية خلال الأشهر القليلة المقبلة.

رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» (رويترز)

ضغط الأسعار يسرّع الرهان

وتكتسب الاستراتيجية أهمية سياسية إضافية مع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من 40 في المائة منذ بداية العام، وسط تداعيات الحرب مع إيران، واقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

وتريد إدارة ترمب أن تؤدي زيادة إنتاج النفط الفنزويلي، إلى جانب زيادة استثمارات شركات الطاقة الأميركية والدولية، إلى رفع المعروض تدريجياً وتخفيف الضغوط على أسعار النفط والوقود.

لكن توقيت هذه الزيادة يمثل تحدياً رئيسياً. فإعادة تشغيل الحقول المتضررة وتطوير الآبار والبنية التحتية تحتاج إلى إنفاق رأسمالي كبير، كما أن استعادة مستويات الإنتاج السابقة تتطلب وقتاً أطول بكثير من الإطار الزمني الذي قد تحتاج إليه الإدارة الأميركية لتحقيق نتائج ملموسة في أسعار البنزين.

مصفاة إل باليتو في بويرتو كابيلو بولاية كارابوبو - فنزويلا (أ.ف.ب)

اعتراضات داخلية وتساؤلات قانونية

ولا تحظى الترتيبات الجديدة بإجماع داخل فنزويلا؛ إذ امتنع نواب من المعارضة عن التصويت على الاتفاق بعد أن قالوا إنهم لم يطلعوا على الشروط المكتوبة للصفقة، في اعتراض يعكس حجم الجدل السياسي المحيط بالدور الأميركي المتزايد في قطاع النفط الفنزويلي.

ودافع رئيس الجمعية الوطنية خورخي رودريغيز عن الاتفاق، في وقت أبدى وزير الدفاع غوستافو غونزاليس لوبيز دعمه له، في حين ترى المعارضة أن غياب التفاصيل المكتوبة أمام النواب يثير تساؤلات بشأن شفافية الاتفاق وآلية إقراره.

وتتجاوز الاعتراضات الجانب السياسي إلى تساؤلات قانونية أيضاً؛ إذ يشكك محللون في مدى قدرة الترتيبات الجديدة على الصمود أمام أي تغيير سياسي مستقبلي، خصوصاً أن منح حقوق طويلة الأجل في 17 حقلاً نفطياً يثير أسئلة بشأن الصلاحيات القانونية للجهات التي أبرمت الاتفاق.

وتنص القواعد الدستورية الفنزويلية على ضرورة موافقة الجمعية الوطنية على العقود التي تبرمها الحكومة مع حكومات أجنبية، في حين تقول واشنطن إن الترتيب الحالي لا يمثل عقداً مباشراً بين الحكومتين، وإنما شراكة مع كيان خاص مقره في باربادوس وله عمليات في فنزويلا.

كما يثير اختيار رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت شريكاً رئيسياً في الخطة جدلاً إضافياً. فقد خضع بيتانكورت لتحقيقات في إسبانيا وسويسرا على خلفية مزاعم تتعلق بغسل الأموال، لكنه لم توجه إليه اتهامات رسمية، وهو ينفي تلك المزاعم.

وتدافع واشنطن عن اختياره، قائلة إنه مشغل نفطي يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة الحقول، وإنه خضع للتدقيق ولم يثبت انتهاكه للقوانين الأميركية. كما ترى الإدارة أن الشراكة مع القطاع الخاص هي الوسيلة العملية لجذب الاستثمارات من دون أن تضخ الحكومة الأميركية أموالاً مباشرة في الشركة الجديدة.

وتضيف هذه الاعتراضات طبقة أخرى من المخاطر إلى المشروع؛ إذ لا يرتبط نجاح الاستثمارات بحجم الاحتياطيات أو توفر رأس المال والخبرات الفنية فقط، وإنما أيضاً بمدى قدرة الاتفاقات على اكتساب شرعية سياسية وقانونية تحميها من الطعن أو الإلغاء في المستقبل.

ومن ثم، فإن رهان واشنطن على النفط الفنزويلي يواجه معادلة معقدة: استثمارات ضخمة وشركات نفط عالمية من جهة، وقطاع متدهور واعتراضات سياسية وتساؤلات قانونية من جهة أخرى. وستحدد قدرة الإدارة الأميركية والشركات على تجاوز هذه العقبات ما إذا كانت فنزويلا ستتحول فعلاً مصدراً إضافياً مهماً للنفط، أم أن الخطة ستبقى رهينة التجاذبات السياسية والقانونية لسنوات مقبلة.

شاحنات نفطية متوقفة في مصفاة نفط بمدينة ماراكايبو الفنزويلية (أ.ف.ب)

بين حاجة واشنطن وقدرة فنزويلا

وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة واضحة بين طموح واشنطن وسرعة استجابة الصناعة الفنزويلية. فالولايات المتحدة تريد زيادة المعروض والمساعدة في خفض أسعار الوقود، في حين تحتاج فنزويلا إلى سنوات من الاستثمار لإعادة بناء قطاعها النفطي واستعادة قدراته الإنتاجية.

ومن هذه الزاوية، لا يمثل توسع «شيفرون» مجرد صفقة تجارية جديدة، بل هو اختبار مبكر لمدى نجاح الاستراتيجية الأميركية في تحويل الاحتياطيات النفطية الهائلة إنتاجاً فعلياً. فإذا تمكنت الشركة، إلى جانب المستثمرين الآخرين، من إعادة تشغيل الحقول ورفع الإنتاج بوتيرة أسرع من المتوقع، فقد تتحول فنزويلا مصدراً مهماً لإمدادات إضافية في السوق العالمية.

أما إذا اصطدمت الاستثمارات بتدهور البنية التحتية والتحديات القانونية والسياسية، فقد يبقى تأثير الخطة محدوداً في الأجل القصير، لتتحول الثروة النفطية الفنزويلية رهاناً استراتيجياً طويل الأجل، لا إلى حل سريع لمشكلة أسعار البنزين الأميركية.

وبذلك، تصبح زيارة رايت وتوسع «شيفرون» أكثر من مجرد تطورين منفصلين؛ فهما أول اختبار عملي لرهان واشنطن على إعادة إدخال النفط الفنزويلي بقوة إلى السوق، في وقت تحتاج فيه الإدارة إلى نتائج أسرع مما تستطيع صناعة منهكة تقديمه بسهولة.