أندريا بوتشيلي: يوجد رغبة واضحة في السعودية لوصول موسيقاها للعالم

الفنان الإيطالي تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن كواليس «روائع الأوركسترا» في روما

الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)
الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)
TT

أندريا بوتشيلي: يوجد رغبة واضحة في السعودية لوصول موسيقاها للعالم

الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)
الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

أكد الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي أن مشاركته في حفل «روائع الأوركسترا السعودية» بالعاصمة الإيطالية روما شكّلت تجربة استثنائية على المستويين الفني والإنساني، مشيراً إلى أن الموسيقى تصبح أكثر تأثيراً عندما تتحول مساحةً حقيقية للحوار بين الثقافات والشعوب.

وقال أندريا بوتشيلي لـ«الشرق الأوسط» إن الوقوف إلى جانب الأوركسترا والكورال الوطني السعودي في قلب روما منحه إحساساً خاصاً بالمسؤولية الفنية والإنسانية، في ظل ما يحمله المكان من قيمة تاريخية ورمزية كبيرة، لافتاً إلى أن الغناء بالقرب من الكولوسيوم يحمل دائماً مشاعر مختلفة بالنسبة إليه.

وأوضح أن هذا الموقع التاريخي يجعل الفنان يشعر بأنه يدخل في حوار مباشر مع التاريخ والحضارة والذاكرة الإنسانية، ومن ثم جاء إقامة الحفل في ساحة مفتوحة وسط هذا المشهد الأثري منح الأمسية طابعاً مميزاً، وأصبحت أجواء الليل الروماني والحجر العتيق والهواء المحيط جزءاً من التجربة الموسيقية نفسها.

شارك الفنان الإيطالي في الحفل الذي أقيم بروما (حسابه على فيسبوك)

وأوضح الفنان الإيطالي أن أكثر ما أثار إعجابه خلال الحفل هو قدرة الموسيقى السعودية والإيطالية على الالتقاء من دون أن تفقد أي منهما هويتها الخاصة، مؤكداً أن هذا النوع من اللقاءات الفنية يفتح أبواباً جديدة للفهم والتقارب الثقافي. وأشار إلى أن الموسيقى الإيطالية تعتمد بشكل كبير على اللحن والصوت القادر على مخاطبة المشاعر مباشرة، بينما اكتشف في الموسيقى السعودية والعربية عالماً مختلفاً من الإيقاعات والزخارف الصوتية والمسافات اللحنية الغنية.

حساسية تعبيرية

وأكد بوتشيلي أن الموسيقى العربية تمتلك حساسية تعبيرية خاصة، لافتاً إلى أن التنوع اللحني والانحناءات الصوتية الموجودة فيها تخلق حالة فنية مختلفة تماماً بالنسبة للمستمع الغربي، عادَّاً أن هذا الثراء الموسيقي منحه شعوراً بأنه يكتشف طريقة جديدة للإصغاء والتفاعل مع الموسيقى؛ وهو ما جعل التجربة بالنسبة إليه أكثر عمقاً وتميزاً.

وقال إن حفل «روائع الأوركسترا السعودية» لم يكن مجرد عرض موسيقي تقليدي، بل مثّل حواراً ثقافياً حقيقياً بين حضارتين عريقتين، مؤكداً أن الموسيقى تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز الحدود السياسية واللغوية، فالجمهور لا يحتاج دائماً إلى فهم الكلمات حتى يتأثر بالموسيقى؛ لأن اللحن والإيقاع والصوت قادرة وحدها على خلق حالة إنسانية مشتركة تجمع الناس مهما اختلفت خلفياتهم وثقافاتهم.

الفنان الإيطالي أكد أن تجربته مع الأوركسترا والكورال الوطني السعودي كانت مهمة (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وأكد بوتشيلي أن تقديم الموسيقى السعودية في مدينة مثل روما يحمل دلالات رمزية وثقافية مهمة، فهي تُعدّ واحدة من أبرز العواصم المرتبطة بتاريخ الحضارات الإنسانية، موضحاً أن ظهور الأوركسترا والكورال الوطني السعودي في هذا السياق يعكس رغبة حقيقية في تقديم الثقافة السعودية إلى العالم بصورة حديثة ومتوازنة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جذورها وهويتها الأصيلة.

احترافية وانضباط

وتحدث الفنان الإيطالي عن الموسيقيين السعوديين المشاركين في الحفل، مشيداً بما لمسه لديهم من احترافية وانضباط ووعي فني وثقافي كبير، لافتاً إلى أنهم لم يكونوا يؤدون مقطوعات موسيقية فحسب، بل كانوا يحملون معهم تراثاً فنياً يعبّر عن هوية وطنية وثقافية واضحة، وهو أمر ظهر في طريقة الأداء والتركيز والحرص على تقديم صورة راقية للموسيقى السعودية أمام الجمهور العالمي.

وأضاف أن «العمل المشترك بين الموسيقيين السعوديين وأوركسترا (فونتاني دي روما) خلق حالة فنية ثرية، مع التقاء مدارس موسيقية مختلفة داخل مساحة واحدة من الاحترام والتفاهم الفني، وهو نوع من التعاون يؤكد أن الموسيقى تستطيع أن تجمع بين أساليب متنوعة من دون أن تُلغي خصوصية أي طرف، بل تمنح كل تجربة فرصة أكبر للوصول والتأثير».

بوتشيلي أكد قدرة وصول الموسيقى السعودية للعالم (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وكشف بوتشيلي عن أن علاقته بالسعودية ليست جديدة، موضحاً أن زياراته السابقة إلى «العلا» ومشاركته في فعاليات «شتاء طنطورة» تركت لديه ذكريات خاصة ومشاعر عميقة، ويتذكر جيداً طبيعة الصحراء والهدوء الاستثنائي للمكان، إلى جانب كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال، عادّاً أن تلك التفاصيل الإنسانية تمنح الفنان ارتباطاً مختلفاً بالمكان الذي يقدم فيه عروضه الفنية.

وأشار إلى أن السعودية تشهد خلال السنوات الأخيرة حراكاً ثقافياً وفنياً متسارعاً، لا سيما في المجال الموسيقي، ويلاحظ وجود رغبة واضحة في بناء مشهد موسيقي قادر على الوصول إلى الجمهور العالمي، مؤكداً أن المشاريع الفنية الكبرى والتعاونات الدولية التي تشهدها المملكة تعكس مستوى متقدماً من الطموح والرؤية الثقافية، وهو ما يظهر بوضوح في مشروع «روائع الأوركسترا السعودية».

حظي الحفل بردود فعل إيجابية (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وأكد بوتشيلي أن تقديم الهوية الموسيقية السعودية في عواصم ثقافية كبرى مثل باريس ولندن ونيويورك وروما يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، مؤكداً أن الموسيقى تتحول في مثل هذه المناسبات وسيلةً للتواصل الإنساني والتعريف بالحضارات، فالجمهور الأوروبي يتعامل باهتمام كبير مع أي تجربة موسيقية تحمل طابعاً أصيلاً وصادقاً.

وأضاف أن إحدى اللحظات الأكثر تأثيراً بالنسبة إليه خلال الحفل كانت ملاحظته تفاعل الجمهور تدريجياً مع الموسيقى السعودية، فحالة الفضول والانبهار بدأت تظهر بوضوح مع تطور الأمسية، عادَّاً أن هذا التفاعل أكد له أن الموسيقى قادرة بالفعل على إزالة الحواجز النفسية والثقافية، وتحويل الاختلاف مساحةً مشتركة من الدهشة والتقدير المتبادل.

نتائج الدمج

كما تحدث الفنان الإيطالي عن الدمج بين الموسيقى التراثية والتوزيعات الأوركسترالية الحديثة، لافتاً إلى أن هذه التجربة تمنح الموسيقى التقليدية فرصة للوصول لشرائح أوسع من الجمهور، شرط الحفاظ على روحها الأصلية.

وأوضح أن التوزيع الموسيقي يجب أن يبقى في خدمة التراث لا أن يطغى عليه؛ لأن القيمة الحقيقية لأي موسيقى تكمن في صدقها وأصالتها الإنسانية.

بوتشيلي أكد أن تقديم الموسيقى السعودية في روما يحمل دلالات رمزية وثقافية مهمة (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وقال بوتشيلي إن الموسيقى بالنسبة إليه كانت دائماً «هدية من السماء»؛ لأنها تمتلك القدرة على تهدئة الروح وتقريب الناس من بعضهم بعضاً، مؤكداً أن العالم يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الفنون القادرة على بناء جسور التفاهم والثقة، خصوصاً في ظل ما يشهده من انقسامات وتوترات متزايدة.

واختتم أندريا بوتشيلي حديثه بالتأكيد على أن تجربته مع الأوركسترا والكورال الوطني السعودي فتحت أمامه آفاقاً جديدة للتعاون الفني والثقافي، معرباً عن ترحيبه بأي مشاريع مستقبلية تجمعه بالموسيقيين السعوديين، وسيحتفظ دائماً في ذاكرته بصورة تلك الأمسية التي جمعت بين روما والعلا، وبين الموسيقى الإيطالية والسعودية، داخل لحظة إنسانية وفنية استثنائية.


مقالات ذات صلة

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

الوتر السادس لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

قالت الفنانة التونسية لطيفة إن اختيارها أغنية «شبهي بالمِلّي» عنواناً لألبومها الجديد جاء من شعورها بأنها الأقرب إلى شخصيتها وحالتها الإنسانية والفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

لم تشأ الفنانة مادلين مطر أن تحرق انتظار جمهورها بأغنية عادية، فبحثت وخططت وخلطت أوراقها من جديد، لتطل بعمل فني مختلف يُحدث فرقاً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

ماذا كشف وثائقي ترافيس باركر الجديد عن ليلة سقوط طائرته الخاصة؟

الموسيقي العالمي يواجه ندوب الماضي في «أعلى من الخوف»... ويستحضر ليلة كارولاينا الجنوبية المنكوبة التي خطفت 4 أرواح، وحوَّلته إلى ناجٍ وحيد يطارد الذكريات.

كوثر وكيل (لندن)
الوتر السادس فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

في مشهد فني خرج عن المألوف، أطلق الفنان رامي عيّاش الفيديو كليب الخاص بأغنيته الجديدة «عذّبيني».

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

قال الموسيقار المصري محمود طلعت إن الموسيقى التصويرية لا تُكتب بالقواعد نفسها في كل عمل، فلكل وسيط فني لغته وأدواته

أحمد عدلي (القاهرة)

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
TT

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

لا يُذكَر الممثل بعدد أعماله، بِقَدر ما يُحفَر اسمُه ووجهُه في ذاكرة الجمهور لجودة اختياراته وأدائه الآسِر. على هذه القاعدة يسير الفنان السعودي محمد الدوخي متأنياً في إطلالاته، وتاركاً بصمة من الصعب محوُها مع كل شخصيةٍ يقدّمها.

هو «فهد القضعاني» في فيلم «مندوب الليل»؛ ذاك الشاب الذي يصارع الدنيا وحيداً، متأرجحاً بين طيبةٍ طفوليّة وغضبٍ دفين فرضته قسوة الحياة. وإن كان مروره أسرع في السلسلة القصيرة «الخلّاط +»، فلا تقلّ شخصية صاحب الدكّان الكفيف والغامض أهميةً. مزج الدوخي فيها ما بين الغرابة والباطنيّة ليبقى «أبو مرداع» عالقاً في الأذهان. أما الكوميديا، المكان الذي انطلق منه، فعاد إليها الدوخي عام 2025 بشخصية «سطّام» في فيلم «رهين» من إخراج أمين الأخنش والذي يُعرَض حالياً على «نتفليكس».

الدوخي إلى جانب الفنان السعودي الراحل محمد الطويان في أحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

البطولة ليست أولويّة

يحمل الدوخي كل شخصياته في قلبه وسجلّه بفخر، لكنه يرغب دائماً في السير إلى الأمام. في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول الممثل السعودي إنه يريد الغوص في مناطق متعددة داخله، متجنّباً «تكرار الدور نفسه بأسماء وملابس مختلفة». مخطّطُه للسنوات المقبلة من مسيرته واضحٌ أمام عينيه: «أبحث عن الشخصية التي تجعلني أشعر بشيء من الخوف، وتدفعني إلى تحدّي نفسي والتساؤل ما إذا كنت قادراً بالفعل على تقديمها».

في فيلمَيه الأخيرَين، لعب الدوخي بطولةً مطلقةً. رغم ذلك، فهو لا يهجس بمفهوم البطولة: «صحيح أنني قدَّمت تجربتين سينمائيَّتين بطلاً أول، لكني لا أبحث عن البطولة لمجرّد أن يظهر اسمي في مقدّمة العمل». ويضيف ألّا إشكالية لديه في تقديم دور أصغر، شرط أن يكون مؤثّراً ومكتوباً بأسلوب جيّد.

الدوخي في كواليس تصوير فيلم «مندوب الليل» (صور الفنان)

«مندوب الليل»

رغم النجاح الذي حقَّقه «مندوب الليل» حاصداً إعجاب النقّاد والجمهور وأرقاماً استثنائية على شبّاك التذاكر وعلى منصة «نتفليكس»، فإنّ الدوخي لا يتعامل معه على أنه لحظة مجدٍ واحتفال فحسب. ينظر الممثل إلى تلك التجربة وكأنها درس من دروس المهنة: «في (مندوب الليل) تعلّمت أن أعيش داخل الشخصية، وأن أتقبّل ألّا أكون محبوباً أو مضحكاً طوال الوقت». هذا بعضُ ما أخذه الدوخي من «فهد القضعاني»، لكنّ الفيلم منحَه المزيد. لا يُنكر الفنان السعودي أنّ «مندوب الليل» شكَّل نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرته: «لأنه قدّمني إلى الجمهور والوسط السينمائي بصورة أكثر جدّيّةً وتعقيداً ممّا ألِفوه سابقاً»، بعيداً عن الشخصية الكوميدية التي ارتبط بها لسنوات.

ليس من السهل نسيان «فهد القضعاني» ولا تجربة «مندوب الليل»، التي رفعت من توقعات الجمهور العربي حيال الدوخي والسينما السعودية على حدٍّ سواء. لكنّ بقاء الفيلم عالقاً في الأذهان، لا يعني بالضرورة بقاء الممثل عالقاً في وهج الشخصية خوفاً من ألّا يقدّم أفضل منها، «تفكير مثل هذا قد يدفعني إلى تقليد التجربة السابقة بدلاً من التطوّر»، يقول الدوخي. فالنجاح الحقيقي بالنسبة إليه «ليس في تكرار الفيلم نفسه، بل في تقديم شخصية مختلفة تماماً يصدّقها الجمهور أيضاً». ويضيف: «أريد أن يصبح (مندوب الليل) محطةً مهمةً في المسيرة، لا العمل الوحيد الذي يختصر المسيرة».

«أبو مرداع»

بين محمد الدوخي والمخرج السعودي علي الكلثمي شراكة استراتيجيّة أثمرت أعمالاً مميزة، وأغنَت استوديوهات «تلفاز 11» المنغمسة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، ذات المحتوى الدسِم والخارج عن المألوف. معاً خاضا العالميّة بوصول «مندوب الليل» و«الخلّاط» إلى «نتفليكس».

الدوخي والمخرج علي الكلثمي تحضيراً لأحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

عن شخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+»، يقول الدوخي إنها منحته «مساحة كبيرة للتجريب واللعب، لكنها في الوقت ذاته أثبتت أن الكوميديا ليست سهلة كما يبدو». وسط أجواء تمزج ما بين الغرابة والتشويق والأكشن والجريمة والكوميديا السوداء، وتحت إدارة المخرج عزيز الجسمي، تَحرَّك «أبو مرداع» بنظّارتَيه السوداوَين زارعاً مفاجأةً في كل مشهد. فهكذا هي روح «الخلّاط»، أنه «يضع الشخصيات في مواقف مألوفة، ثم يدفعها إلى أقصى الاحتمالات»، وفق الدوخي.

وهكذا يفعل كاتب العمل ومنتجُه المخرج علي الكلثمي الذي يدفع بالممثلين إلى أقصى قدُراتهم الأدائيّة. يصِف الدوخي علاقتهما بأنها أبعد من مجرّد شراكة مهنيّة وفنية، بل «رفقة عمر وأخوّة». ويضيف: «علي يعرف كيف يكتشف مساحةً مختلفةً داخل الممثل، وأحياناً يُبصر فيه ما لا يراه الممثل في نفسه». ويتوقع الدوخي لتلك العلاقة أن تستمر «ما دامت ثمة شخصيات وأفكار نستطيع من خلالها مفاجأة الجمهور». وعن ذلك الجمهور تحديداً يقول إنه صار صديقَه، بِغَضّ النظر عمّا إذا كانت هناك شخصيات وأعمال جديدة أم لا.

محمد الدوخي بشخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+» (صور الفنان)

مسيرة الدوخي محفوفة بالتحوّلات

لطالما سار محمد الدوخي على إيقاع التحوّلات الاستراتيجية في حياته ومهنته. لم يَكن المسار يوحي بدايةً بأنه سيخوض الفن، إلّا أنّ الشغف انتصر على سائر الاحتمالات الأخرى، فدخل الفنان السعودي عالم صناعة المحتوى من بابه العريض. تحوّل إلى نجم كوميدي أول على المنصات الرقميّة، وهو يبدو ممتنّاً لتلك المرحلة، إذ يقول: «لم أتعامل مع صناعة المحتوى على أنها جسر يأخذني إلى السينما أو التلفزيون. لكنها كانت بمثابة مدرسة وجامعة تعلمت فيها كيف أصل إلى الجمهور، وكيف أصنع الشخصية، وأفهم الإيقاع والتوقيت الكوميدي».

ثم جاءت النقلة إلى الشاشة الواقعية وتحديداً إلى عالم السينما، فكان «التحدّي الأصعب التخلّص من بعض العادات التي اكتسبتها في المحتوى القصير وتقديم الأداء بناءً على رؤية المخرج»، وفق تعبير الدوخي.

ملصق فيلم «رهين» من بطولة الدوخي ويُعرَض حالياً على «نتفليكس» (إنستغرام)

من الكوميديا إلى الدراما والتشويق

نقلة نوعيّة أخرى سجّلتها مسيرة الدوخي الفنية، يوم خطا الممثل باتّجاه الدراما والتشويق بعد مشوار طويل في عالم الكوميديا. انطلاقاً من رغبةٍ لديه في التنويع وعدم البقاء محصوراً ضمن إطارٍ واحد، تجرّأ على نوعٍ آخر من الأداء: «الدراما والتشويق يعتمدان أكثر على الصمت والنظرة والحالة الداخلية للشخصية على غرار ما حصل في (مندوب الليل)». لا يُخفي الدوخي أنَّ ذلك الانتقال أثار قلقَه، «لكنه خوفٌ صحّي». يضيف مؤكّداً أنَّ الدراما والأكشن لن يأخذاه كُلياً من الكوميديا، لتبقى السينما هي الأساس بالنسبة إليه لأنها «تمنح الممثل فرصةً مختلفةً لبناء الشخصية وتركِ أثرٍ يبقى طويلاً في ذاكرة الجمهور».

لحظة سعوديّة استثنائيّة

يفرح محمد الدوخي لكونه جزءاً من «لحظةٍ سعوديةٍ استثنائية تشهد نهضةً» ثقافية وفنية غير مسبوقة، لكنه يتعامل بواقعيّة مع الأمر: «صحيح أنّ ما يحصل يمنحنا شعوراً بالفخر، لكنه يضع علينا مسؤولية في الوقت ذاته. لا يكفي أن نكون جزءاً من النهضة، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الفرصة ونصنع أعمالاً تعيش وتعبّر عن المجتمع بتنوّعه، لا مجرّد أعمال مرتبطة بحماسة المرحلة». يأتي هذا التفكير المنطقيّ نتيجةً لمعرفته بـ«الجمهور الذي أصبح أكثر وعياً وتطلّباً».

الدوخي في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» عام 2025 (إنستغرام)

الدوخي مقتنع بأنّ «النهضة لا تُقاس بعدد الأعمال، بل بجودتها وقدرتها على البقاء وصناعة هوية حقيقية للسينما السعودية». وهو مُدركٌ أنَّ أجمل ما في «التجربة السعودية الحاليّة أنها انطلقت من قصص شديدة المحَلّية، واستطاعت الوصول إلى جمهور عربي وعالمي».

بهويّتها الأصيلة ولهجتها الحقيقيّة، ومن خلال إنتاجاتٍ وحكاياتٍ تحترم عين المُشاهِد وعقلَه، سافرت السينما السعوديّة خارج المملكة. استقطبت جمهوراً غريباً عن البيئة السعودية، لكنه لم يجد صعوبةً في التماهي والتعاطف مع شخصياتٍ مثل «فهد القضعاني»، الذي أمسى بطلاً عابراً للحدود.


«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشافات أثرية تُعيد رسم خريطة طريق حورس الحربي بسيناء

جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الآثار بطريق حورس الحربي (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع آثار تل أبو صيفي بمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، عن توصلها، خلال موسم حفائر هذا العام، إلى عدد من النتائج العلمية المهمة التي تلقي مزيداً من الضوء على تاريخ المواقع الأثرية الواقعة على الحدود الشرقية لمصر، وتكشف عن ملامح طريق حورس الحربي التاريخي، وتطوره المعماري والعسكري عبر العصور التاريخية المختلفة.

ومن أهم هذه النتائج، العثور على نصف عتب علوي ضخم من الحجر الرملي، مكسور إلى جزأين، ومنقوش من 3 جهات بألقاب الملك رمسيس الثاني، وفقاً لما ذكره رئيس الإدارة المركزية لوجه بحري وسيناء ورئيس البعثة، الدكتور هشام حسين، مضيفاً، في بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أنه عُثر أيضاً على نص كتابي يشير إلى أعمال الترميم التي أُجريت لتمثال المعبود «حورس سيد مدينة مسن»، وهو ما يُمثل دليلاً بالغ الأهمية على هوية الموقع ودراسة تاريخه.

الموقع تم استخدامه في أغراض شتى عبر العصور (وزارة السياحة والآثار)

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن «النتائج الجديدة تُمثل إضافة مهمة إلى جهود الوزارة في الكشف عن تاريخ المواقع الأثرية بشمال سيناء ومنطقة القنطرة»، مشيراً إلى أن «ما يجري الكشف عنه بالموقع يُبرز الدور الاستراتيجي والحضاري الذي لعبته هذه المنطقة في حماية الحدود الشرقية لمصر عبر العصور».

وأضاف أن «استمرار أعمال الحفائر المصرية في المواقع المرتبطة بطريق حورس يُسهم في إعادة بناء الصورة التاريخية لهذا الطريق ومحطاته، كما يؤكد أهمية الاستثمار العلمي في أعمال التنقيب والتوثيق الأثري للكشف عن جوانب جديدة من تاريخ مصر القديم».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن «أعمال الموسم الحالي استكملت سلسلة من الحفائر التي أجريت بالموقع على مدار العقود الماضية، وأسفرت عن نتائج أعادت قراءة بعض العناصر المعمارية المكتشفة سابقاً بصورة أكثر دقة، بما يدعم فهم التخطيط الأصلي للموقع وتتابعه التاريخي»، مشيراً إلى أن «البعثة استكملت الكشف عن سور ضخم من الطوب اللبن ببواباته وغرفه الداخلية وطبقاته المختلفة؛ حيث تبيّن، من خلال الدراسة، أنه يُمثل السور الخارجي للحرم المحيط بالمعبد وليس المعبد نفسه، وهو ما يُصحح التفسير السابق لبعض أجزاء الموقع».

جانب من الآثار المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

ولفت إلى أن الأدلة الجديدة تطرح فرضية أثرية وتاريخية قوية بشأن ارتباط الموقع بمدينة «مسن» المصرية القديمة.

ورصدت البعثة كذلك بقايا طريقين حجريين متعاقبين يؤديان من خارج منطقة التحصين إلى داخل المعبد؛ أولهما طريق من العصر البطلمي، يعلوه طريق روماني أقل اتساعاً.

كما جرى الكشف عن بقايا المعبد، مع غرف تخزينية متتابعة في الناحية الشمالية، وغرف خدمية أوسع في الناحية الجنوبية، وصولاً إلى منطقة قدس الأقداس التي تعرضت للهدم نتيجة أعمال التحجير أواخر العصر الروماني، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وأكد مدير البعثة، محمود جلال، أن الحفائر كشفت كذلك عن مجموعة من اللقى الأثرية ذات الدلالات الإدارية والعسكرية، من بينها جزء من تمثال من حجر الشست، يعود إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، لكاتب الجيش يحمل ناووساً مكسوراً، بما يعكس بوضوح الطبيعة الاستراتيجية والعسكرية للموقع.

كما عُثر على تمثال فاقد الرأس والقدمين يعود إلى العصر المتأخر، وجذع تمثال ملكي من البازلت، إلى جانب أجزاء من تماثيل لصقور مصنوعة من البازلت والحجر الجيري.

نقوش مصرية قديمة على صخور الموقع (وزارة السياحة والآثار)

وتُشير نتائج الحفائر إلى أن الموقع شهد مراحل متعددة من التطور والتحول؛ إذ بلغ المعبد ذروة ازدهاره المعماري خلال العصر البطلمي، قبل أن يُعاد استخدام أجزاء من الموقع في إنشاء ثكنات عسكرية خلال القرن الثالث الميلادي.

وفي أواخر العصر الروماني تحوّل الموقع إلى محجر لإنتاج الجير؛ حيث كشفت البعثة عن فرنين دائريين ضخمين، أقيما فوق ركني منطقة قدس الأقداس، يحتويان على بقايا أحجار جيرية تعرضت للحرق.

وتؤكد النتائج التي توصلت إليها البعثة أن تل أبو صيفي يُمثل أحد المواقع الرئيسية على امتداد طريق حورس الحربي، ويكشف عن تعاقب وظائف عسكرية ودينية واقتصادية على الموقع، بما يعكس أهميته الاستراتيجية ودوره في حماية الحدود الشرقية لمصر.