«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

أسرار العلاقة الأكثر إثارة للجدل في فرنسا

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت
TT

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

في السياسة الفرنسية، لا يعيش الرؤساء داخل القصور فقط، بل داخل السرديات أيضاً. ومنذ أن دخل إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت قصر الإليزيه، بدا أن قصتهما الشخصية تحولت جزءاً لا يتجزأ من«العلامة السياسية» لماكرون نفسه: رئيس شاب، متمرّد على القوالب التقليدية، وزوجة كسرت معه الأعراف الاجتماعية والعمرية، قبل أن تتحول هذه الخصوصية ذاتها عبئاً سياسياً وإعلامياً مع اقتراب نهاية العهدة الثانية.

الإليزيه بين الطقوس اليومية وضغط السلطة

في صباحات قصر الإليزيه، لا يبدأ النهار بضجيج السياسة، بل بإيقاع منزلي هادئ يشبه طقوس الأزواج العاديين. قبل الاجتماعات والملفات الثقيلة وخطابات الدولة، هناك كوب شاي بالليمون، وصحيفة موضوعة بعناية على الطاولة، وامرأة تعصر برتقالتين مع ليمونة، بينما يتذمر الرئيس الفرنسي من إضافة حبة «كيوي» إلى فطوره اليومي.

غلاف كتاب «زوج شبه مثالي» للصحافي السياسي فلوريان تارديف

بهذه التفاصيل الصغيرة يفتتح الصحافي السياسي في «باريس ماتش» فلوريان تارديف كتابه «زوج شبه مثالي» Un couple (presque) parfait، الصادر عن «ألبان ميشال» Albin Michel، كاشفاً عن الوجه الأقل صخباً من حياة ماكرون وزوجته، ليس الرئيس هنا قائداً يخوض معارك الإصلاح والاحتجاجات والأزمات الدولية، بل رجلٌ يبحث، كل صباح، عن يدي «أكثر حلفائه وفاءً»، كما يصفها المقربون منه.

الرئيس إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت الأحد في نزهة على شاطئ منتجع «لو توكيه» (شمال) حيث تملك زوجته منزلاً (أ.ف.ب)

يقدّم الصحافي السياسي قراءة مختلفة للعلاقة التي شغلت فرنسا طوال سنوات. ليس بوصفها قصة رومانسية استثنائية فحسب، بل بصفتها أيضاً شراكة سلطة، وتحالفاً نفسياً وسياسياً اختبرته الأزمات، وأرهقته الضغوط، وهددته هشاشة الصورة العامة في عصر التواصل الفوري.

الكتاب، لا يكتفي بإعادة سرد الحكاية المعروفة بين الأستاذة وتلميذها النجيب في مدينة أميان، بل يحاول تفكيك «الميثولوجيا الماكرونية» نفسها. فكما لعبت إيفون دوغول دوراً في صناعة صورة الجنرال شارل ديغول، وكما حمت دانييل ميتران أسرار فرنسوا ميتران، وكانت بيرناديت شيراك عيناً سياسية حادة إلى جانب جاك شيراك، يضع تارديف بريجيت ماكرون داخل هذا التقليد الفرنسي القديم: «السيدة الأولى بوصفها شريكاً غير معلن في الحكم».

يستعيد تارديف في كتابه عبارة قالها ماكرون عام 2017، مع بداية ولايته الأولى: «إذا كانت بريجيت تعيسة، فلن أصمد وسأفشل في هذه الولاية». جملة تبدو اليوم، بعد تسع سنوات في السلطة، أكثر من مجرد اعتراف عاطفي؛ إنها مفتاح لفهم العلاقة العضوية بين الرجل ومشروعه السياسي. فبريجيت، في الرواية التي يبنيها الكتاب، لم تكن يوماً «السيدة الأولى» بالمعنى البروتوكولي، بل كانت جزءاً من البنية النفسية والسياسية للرئيس نفسه.

بريجيت وإيمانويل في يوم زفافهما (فرنس 3)

ماكرون كما يراه المقربون منه

الكتاب، الذي استند إلى أكثر من سبعين مقابلة، بينها لقاءات مع بريجيت ماكرون شخصياً، يذهب بعيداً في تفكيك الحياة اليومية داخل الإليزيه. هناك رئيس لا يستيقظ مبكراً، ويؤجل نزوله إلى مكتبه حتى التاسعة أو العاشرة أحياناً، في تناقض لافت مع صورته كرجل منضبط ومهووس بالإيقاع السريع. أحد موظفي القصر يعلّق ساخراً: «تشعر فوراً أنه ليس رجل الصباح».

لكن ما يبدو تفصيلاً عابراً يتحول، في سرد تارديف، عنصراً دالاً على شخصية سياسية معقدة: رئيس يكره الارتجال، ويقرأ الصحف قبل فريقه، ويصل إلى اجتماعاته وكأنه يحفظ «النوتة الموسيقية» ليومه كاملاً قبل عزفها. إنها صورة رجل يدير السلطة بعقلية التلميذ المتفوق الذي لا يحتمل المفاجآت.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت يستعدان لاستقبال ضيوف حفل افتتاح الأولمبياد 25 يوليو (أ.ف.ب)

القوة الحقيقية للنص لا تكمن في المعلومات وحدها، بل في الطريقة التي تُروى بها. فالكاتب يعتمد أسلوب «الستوريتيلينغ» السياسي، حيث تتحول التفاصيل الحميمة موعد الإفطار، ترتيب الصحف، مزاج الصباح إلى مفاتيح لفهم السلطة نفسها. وكأن الإليزيه ليس مجرد مؤسسة حكم، بل بيتٌ يعيش داخله زوجان أنهكتهما السنوات، لكنهما ما زالا يتمسكان بطقوسهما الصغيرة في مواجهة عواصف السياسة.

«صفعة بريجيت»... اللحظة التي هزّت الإليزيه

غير أن اللحظة الأكثر حساسية في الكتاب تبقى تلك المتعلقة بـ«حادثة هانوي»، التي انفجرت إعلامياً في مايو (أيار) 2025، عندما التقطت كاميرات وكالة «أسوشييتد برس» مشهداً بدا فيه أن بريجيت ماكرون تدفع زوجها بعنف نسبي أثناء نزولهما من الطائرة الرسمية في فيتنام. خلال ساعات، اجتاحت اللقطات المنصات الرقمية، وبدأت ماكينة التأويل السياسي والنفسي والإعلامي بالعمل بأقصى طاقتها.

ماكرون يكشف عن حقيقة «صفعة بريجيت» خلال نزولهما من الطائرة في فيتنام (أسوشييتد برس)

من «الديب فايك» إلى الاعتراف... ارتباك الإليزيه الإعلامي

الإليزيه اختار آنذاك استراتيجية دفاع مرتبكة، في البداية جرى التشكيك في صحة الفيديو، مع تلميحات إلى احتمال التلاعب عبر الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الديب فايك»، قبل أن يتراجع الخطاب الرسمي بعد تأكيد صحة الصور، ليتم تقديم الحادثة لاحقاً بوصفها «مشادة زوجية عابرة» أو «مزاحاً بين زوجين». لكن تارديف يرى أن الضرر الحقيقي لم يكن في المشهد نفسه، بل في طريقة إدارة الأزمة. فبين الإنكار ثم التراجع، ترسخت صورة سلطة مرتبكة تخشى الاعتراف بإنسانيتها أكثر مما تخشى الفضيحة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت (أ.ف.ب)

ومن هنا تكتسب المادة النقدية في الكتاب أهميتها؛ إذ لا يتعامل المؤلف مع القصة كفضول اجتماعي، بل كدراسة في هشاشة الاتصال السياسي الحديث. ففي زمن الفيديوهات الفيروسية والتدقيق الرقمي الفوري، لم تعد استراتيجيات النفي التقليدية فعالة. كل تأخير في الاعتراف، وكل رواية متناقضة، يتحولان وقوداً لنظريات المؤامرة والسخرية العابرة للحدود.

علاقة ماكرون وغلشيفته فراهاني... الشائعات التي أشعلت باريس

ويذهب تارديف أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن المشادة ارتبطت باكتشاف رسائل متبادلة بين الرئيس والممثلة الفرنسية - الإيرانية غلشيفته فراهاني، المعروفة بحضورها القوي في السينما الفرنسية والعالمية، وبمواقفها السياسية والحقوقية الحادة منذ مغادرتها إيران قبل سنوات. ووفق ما تداوله الإعلام الفرنسي، فإن العلاقة لم تُقدَّم بوصفها «قصة عاطفية» بالمعنى التقليدي، بل كصلة فكرية وشخصية وُصفت أحياناً بـ«الأفلاطونية»، وهو توصيف غذّى الفضول أكثر مما بدده.

الممثلة الفرنسية الإيرانية غلشيفته فراهاني (إنستغرام)

فراهاني نفسها تعاملت مع الشائعات ببرود لافت، عادَّة في تصريحات صحافية أن الهوس بهذا النوع من القصص يعكس «نقصاً في الحب داخل المجتمع»، مذكّرة بأنها تعيش أصلاً علاقة مستقرة. لكن مجرد ورود اسم ممثلة ذات شهرة دولية في محيط رئيس الجمهورية كان كافياً لإشعال دوامة من التأويلات السياسية والإعلامية، خصوصاً في مناخ فرنسي باتت فيه الحياة الخاصة للرؤساء مادة استهلاك يومية.

وهنا تحديداً، ينجح الكتاب في التقاط التحول العميق الذي أصاب الحياة العامة الفرنسية: لم يعد الرئيس مجرد صانع قرار، بل أصبح «شخصية سردية» تُستهلك يومياً عبر الشاشات والمنصات، حيث تختلط السياسة بالعاطفة، والسلطة بالصورة، والحقيقة بالإشاعة في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود التقليدية بين الخاص والعام.

هل أخطأ ماكرون بتسييس حياته الزوجية؟

أسلوب تارديف يقوم على المزج بين التحقيق السياسي والسرد الصحافي القريب من«الستوريتيلينغ»، حيث تتحول كواليس الإليزيه مسرحاً للعلاقات الإنسانية بقدر ما هي مركز للسلطة. وهو بذلك يقترب من المدرسة الفرنسية التي ترى أن فهم السياسة يمر أحياناً عبر فهم العواطف والهشاشة والغيرة والتوترات الصامتة داخل دوائر الحكم.

لكن الكتاب يطرح أيضاً سؤالاً أعمق: هل أخطأ ماكرون منذ البداية حين جعل من حياته الزوجية جزءاً من خطابه السياسي؟ فالقصة التي منحته في بداياته صورة الرجل المختلف والجريء، أصبحت اليوم نقطة ضعف دائمة، تستغلها المعارضة، وتضخمها المنصات الرقمية، وتراقبها الصحافة العالمية بوصفها مؤشراً على تآكل السلطة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ينزلان من الطائرة لدى وصولهما إلى هانوي (أ.ف.ب)

في النهاية، لا يقدم الكتاب أسراراً صادمة بقدر ما يقدم تشريحاً هادئاً لعلاقة تعيش تحت ضغط الرئاسة والكاميرات والتوقعات العامة. إنه كتاب عن السلطة حين تدخل البيت، وعن الحب حين يصبح شأناً جمهورياً، وعن رئيس اكتشف متأخراً أن أخطر ما يواجه السياسي المعاصر ليس المعارضة فقط، بل الصورة أيضاً.

في هذا النوع من الكتب، لا يبحث القارئ فقط عن «الأسرار»، بل عن هشاشة القادة أيضاً. وهذا ما ينجح فيه الكاتب أن يُظهر الرئيس الفرنسي خارج الخطابات الرسمية، في تلك المسافة الرمادية بين السلطة والإنسان، حيث يبدو ماكرون أقل صلابة مما توحي به المنصات، وأكثر اعتماداً على شريكته مما تعترف به السياسة عادة.


مقالات ذات صلة

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

الاقتصاد الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

حققت فرنسا رقماً قياسياً جديداً في جذب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن تعهدت شركات عالمية بضخ 93 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) في البلاد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أحد أفراد البحرية الفرنسية وهو يراقب ناقلة نفط خاضعة لعقوبات دولية قادمة من روسيا تبحر في المحيط الأطلسي (رويترز) p-circle

روسيا تندد بـ«قرصنة دولية» بعد احتجاز فرنسا ناقلة نفط

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده وحلفاءها احتجزوا ناقلة نفط روسية خاضعة للعقوبات في المحيط الأطلسي، خلال عطلة نهاية الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند استقباله فريق سان جيرمان بالإليزيه (أ.ب)

ماكرون يرى بسان جيرمان «فخراً عظيماً للبلد بأكمله»

رأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بباريس سان جيرمان «فخراً عظيماً للبلد بأكمله»، وذلك خلال استقباله لاعبي نادي العاصمة الأحد في قصر الإليزيه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب) p-circle

اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في لبنان

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً بعد ظهر الاثنين بناء على طلب فرنسا، وذلك لمناقشة تطورات الحرب في لبنان في أعقاب استيلاء الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف.

الاقتصاد شعار «سوفت بنك» بمتجر تابع للشركة في طوكيو (رويترز)

«سوفت بنك» تضخ 81 مليار دولار لبناء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي في فرنسا

تعهَّدت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية بضخ نحو 75 مليار يورو لبناء شبكة هائلة من مجمعات حوسبة الذكاء الاصطناعي في فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة
TT

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية من جامعة أكسفورد. كما أنجز أطروحته للدكتوراه (DPhil) في أكسفورد حول سوريا في أواخر العصر الروماني (البيزنطي). عمل في جامعة أكسفورد، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS في لندن وفي جامعة كمبريدج قبل انضمامه إلى معهد دراسة الحضارات الإسلامية (ISMC) التابع لجامعة أغا خان، ابتداء من عام 2012، أستاذاً في حقلي التاريخ والأديان المقارنة، لطلبة الماجستير، وهناك شغل منصب منسق برنامج الماجستير بين عامي 2013 و2017، كما تولّى منصب رئيس التعليم والعميد بالإنابة عام 2023. وقد نال جائزة البحوث من جامعة الآغا خان عام 2021، وجائزة القيادة المتميزة عام 2024. وهو عضو في الأكاديمية الأوروبية (Academia Europaea)، وزميل في الجمعية الملكية التاريخية، وزميل في الجمعية الملكية الآسيوية.

حفريات في العراق الساساني

أثار كتاب فيليب وود «حولية سْعِرْت: المخيال التاريخي في عراق أواخر العصر القديم» الصادر عن دار جامعة أكسفورد للنشر، الكثير من الاهتمام بين المعنيين في التاريخ الروماني البيزنطي بشكل خاص وتاريخ الشرق الأوسط بشكل عام، وتجسد هذا الاهتمام بظهور العديد من المراجعات المعمقة في دوريات أكاديمية بريطانية وأميركية.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه ليس تاريخاً عن العراق قبل الفتح العربي - الإسلامي الذي يؤرخ بسقوط طيسفون (المدائن) عاصمة الإمبراطورية الساسانية عام 637 ميلادية بل هو دراسة لوثيقة مهمة مكتوبة بالعربية في القرن العاشر، ترجمها أسقف كلداني يدعى أداي شير إلى الفرنسية، كان يقيم في مدينة سْعِرْت الواقعة في جنوب شرقي تركيا، وقد قُتل هذا العالم الملم بالعربية عام 1915 ضمن حملة إبادة تعرض لها المسيحيون في تلك المنطقة على يد عناصر تركية وكردية غير منضبطة.

وقد رأى عدد من الباحثين أن أهميته لا تكمن فقط في تحليل «حولية سْعِرْت»، بل في الطريقة الجديدة التي تعامل بها «وود» مع النص بوصفه بناءً تخييلياً - تاريخياً يعكس تطور هوية المسيحيين العراقيين عبر القرون.

نقرأ في دورية «يو إن آر في» المتخصصة بالتاريخ الروماني ما يلي: «حولية سْعِرْت كُتبت بالعربية خلال عصر الخلافة العباسية... ولأنها كُتبت بعد فترة طويلة عن وقوع الأحداث الموصوفة فيها، سمحت طريقة (وود) بإزاحة طبقة بعد أخرى منها كاشفاً العناصر المفبركة بها، وهذا ما سمح بإظهار صورة شاملة للمدونات الأقدم عن الأقلية المسيحية خلال عصر الإمبراطورية الساسانية».

وهذا ما جعلنا نرى كيف كان حال البطريركية في العاصمة طيسفون (المدائن)، وفيها عرض فيليب وود كيف أن كنيسة المشرق، الواقعة إلى شرق سوريا، تطورت وأصبحت مختلفة عن كنيسة المشرق الأرثوذوكسية الواقعة إلى غربها في سوريا خلال الحكم البيزنطي.

النتيجة النهائية هو أننا نقرأ تاريخاً مختلفاً عما كُتب سابقا عن المسيحيين خلال العصر الساساني وعلاقاتهم بالإمبراطورية البيزنطية الشرقية، ونظرة بديلة عن النظرة السابقة للملوك الساسانيين، التي ترى أنهم كانوا ينظرون إلى المسيحيين باعتبارهم عناصر مزعزعة نتيجة لما يحملون من آيديولوجيا ميالة إلى الرومان. ويبين الكتاب أن الاضطهاد الذي مارسه الشاهات الساسانيين للمسيحيين كان ناجماً عن طبيعة معتقدات المسيحيين وتصرفاتهم التي ينقصها الامتثال المتوقع من رعاياهم.

كذلك، تبين الحولية كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق، وهو جانب لم تعطه الكتب السابقة اهتماماً كافياً.

الجانب الآخر الذي أشاد به معظم المراجعين لهذا الكتاب هو أن «وود» لم يتعامل مع الحولية كمجرد «مستودع معلومات» عن الماضي، بل بوصفها نصاً تراكمياً متعدد الطبقات، تشكلت رواياته عبر أجيال مختلفة من الكتّاب والمؤرخين. ولذلك فإن الكتاب، بحسب بعض المراجعات، لا يدرس «ما حدث» فقط، بل يدرس كيف تخيّل مسيحيو العراق تاريخهم الخاص وكيف أعادوا كتابة هذا الماضي لتأكيد هويتهم وعلاقتهم بالسلطة والمجتمع.

وأثنت عدة مراجعات مثل ما جاء في مجلة «المراجعة التاريخية الأميركية» و«دوريات جامعة شيكاغو» على المنهج الذي اتبعه فيليب وود في «تفكيك الطبقات» التاريخية داخل الحولية، أي محاولة إعادة بناء النصوص السريانية الأقدم المختبئة داخل النص العربي المتأخر. وقد اعتبر بعض الباحثين أن هذا المنهج يُشبه ما فعله مؤرخو الإسلام المبكر عند تحليل الطبقات المختلفة في روايات الطبري والبلاذري، لكن «وود» طبّقه على التراث السرياني - العراقي.

يمكن القول إن هذا الكتاب قدم صورة أكثر تعقيداً للعلاقة بين المسيحيين والدولة الساسانية. فهو يرفض الصورة التقليدية التي تختزل العلاقة في اضطهاد دائم بسبب «الولاء للروم»، ويُظهر بدلاً من ذلك شبكة أكثر تعقيداً من التفاوض والتكيّف والتعاون بين الكنيسة والنخب الساسانية، ثم لاحقاً مع الدولة العباسية.

ومن النقاط التي نالت اهتماماً واسعاً في المراجعات تحليل وود لدور الأديرة، والمدارس اللاهوتية، والنخب الأرستقراطية المسيحية، والبطريركية.

يُظهر هذا الكتاب أن التاريخ لم يكن مجرد تسجيل للأحداث، بل أداة لإنتاج الشرعية وصياغة هوية جماعية مسيحية داخل عالم ساساني ثم عباسي متعدد الأديان والثقافات.

كذلك رأى بعض النقاد أن من أهم إضافات الكتاب كشفُه كيف أُعيد دمج تاريخ الأديرة والمدارس والقديسين والأساقفة ضمن «سردية جامعة» تتمحور حول البطريرك في المدائن (طيسفون)، بحيث أصبح تاريخ الكنيسة أشبه بتاريخ سياسي - روحي موحَّد لكنيسة المشرق في شقها العراقي.

في المقابل، أشارت بعض المراجعات إلى أن الكتاب صعب نسبياً على القارئ غير المتخصص، بسبب كثافة الأسماء السريانية والتفاصيل التاريخية وتشابك الطبقات النصية. ورأى بعضهم أن الكتاب موجّه أساساً للباحثين المتخصصين بتاريخ المسيحية الشرقية والعراق الساساني، أكثر من القارئ العام.

ومع ذلك، فإن الانطباع العام في أغلب المراجعات كان إيجابياً جداً. فقد اعتُبر الكتاب دراسة رائدة أعادت وضع تاريخ المسيحيين العراقيين داخل مركز النقاش الأكاديمي الدائر حول أواخر العصر القديم Antiquity، بدلاً من النظر إليهم كهوامش تابعة للتاريخ البيزنطي أو الإسلامي فقط. كما رأى بعض الباحثين أن وود نجح في تحويل «حولية سْعِرْت» من نص مهمل نسبياً إلى مصدر أساسي لفهم تشكل الهوية المسيحية العراقية بين الساسانيين والعباسيين.

الخليفة المأمون وديونيسيوس التلمحري

في عام 2021 أصدر فيليب وود كتاباً جديداً عنوانه «إمام النصارى: عالم ديونيسيوس التلمحري (750- 850 ميلادياً)»، وفيه يتعقب حلقة أخرى تكشف مدى التعاون المثمر الذي تحقق خلال الخلافة العباسية وخصوصاً بعد وصول المأمون إلى سدة الحكم، وكانت من مظاهر هذا التعاون مشاركة العديد من المثقفين المسيحيين الذين يتقنون اللغات العربية والآرامية (السريانية) ترجمة الكثير من الكتب ذات الأصل الإغريقي إلى العربية، ومن أشهر الكتب التي لعبت دوراً في تطور الفلسفة العربية - الإسلامية كتاب «أثولوجيا أرسطو» الذي ترجمه المسيحي ابن ناعمة الحمصي وقام بتحريره الفيلسوف الكندي في بغداد.

من أهم أطروحات فيليب وود أن ديونيسيوس استخدم مفهوم «الإمام» لوصف موقعه الديني والسياسي داخل الجماعة المسيحية. ولم يكن ذلك مجرد استعارة لغوية، بل محاولة لإعادة تعريف سلطة البطريرك وفق النموذج السياسي الإسلامي. فالإمام، في التصور الإسلامي، ليس فقط من يؤم الصلاة، بل هو أيضاً مرجع أخلاقي وسياسي للجماعة. ديونيسيوس حاول أن يمنح البطريرك دوراً مشابهاً داخل المجتمع المسيحي الخاضع للدولة العباسية.

ويرى «وود» أن التحول الكبير بدأ بعد سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، إذ فقدت الكنائس القديمة علاقتها المباشرة بالدولة الإمبراطورية المسيحية، واضطرت إلى التكيف مع واقع سياسي جديد تقوده دولة إسلامية عربية. في البداية تمتعت النخب المسيحية المحلية بحرية واسعة نسبياً بسبب ضعف السيطرة المركزية بعد الفتوحات، لكن مع صعود العباسيين عاد نموذج الدولة المركزية والضرائب والإدارة المُحكمة. وهذا ما دفع القيادات المسيحية إلى تطوير أشكال جديدة من التنظيم والوساطة مع السلطة العباسية.

إحدى الأفكار المهمة في الكتاب هي أن الثقافة الإسلامية لم تؤثر في المسيحيين على مستوى اللغة فقط، بل على مستوى المخيال السياسي نفسه. فالمسيحيون السريان بدأوا يستعيرون مفاهيم من البيئة الإسلامية، مثل فكرة الجماعة المنظَّمة تحت قائد شرعي، وفكرة العلاقة بين السلطة الدينية والإدارة الاجتماعية. لذلك يصف «وود» هذه العملية بأنها نوع من «التخيّل السياسي المشترك» داخل العالم العباسي.

كما يركز الكتاب على أن المسيحيين كانوا جزءاً فعّالاً من الحياة العباسية: في الإدارة، والترجمة، والطب، والبيروقراطية، والثقافة الفكرية. فهم لم يكونوا معزولين عن المجتمع الإسلامي، بل شاركوا في تشكيل الحضارة العباسية نفسها، مع احتفاظهم بهويتهم الطائفية الخاصة.

ومن الأفكار اللافتة أيضاً أن «وود» يحاول تجاوز الصورة الأوروبية التقليدية للعلاقة بين الإسلام والمسيحية بوصفها مجرد صراع أو اضطهاد. بدلاً من ذلك، يقدم صورة أكثر تعقيداً: تفاعل، وتفاوض، وتكيّف متبادل، وصياغة لهويات جديدة داخل فضاء حضاري واحد. لذلك فالكتاب ليس مجرد سيرة لبطريرك سرياني، بل دراسة لكيفية تشكل «سياسة مسيحية» داخل العالم الإسلامي المبكر.

تركّزت أبحاث فيليب على موقع «الأقليات» الدينية داخل إمبراطوريات غرب آسيا خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين. وقد تناول جانب كبير من هذا العمل الجماعات المسيحية التي تستخدم السريانية (وهي إحدى لهجات الآرامية) إضافة إلى العربية، واعتمد على مصادر مكتوبة بهاتين اللغتين لدراسة الكيفية التي يعيد بها قادة الجماعات، التي تمثل أقليات، إنتاج الخطابات الصادرة عن المركز الإمبراطوري أو تكييفها، وقد تناولت كتبه الثلاثة، التي ابتدأ أولها كأطروحة للدكتوراه، هذه العلاقة في الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، وكذلك في الخلافتين الأموية والعباسية.

تبيّن حولية سْعِرْت كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق


«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع
TT

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق، من وسط نجد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، منها إلى الكويت والعراق والشام ومصر. وارتبطت مصائر بعض رجالهم بها وآثروا سكناها إلى يومنا هذا. وقد صدر من الرباعية جزآن عن «مؤسسة الانتشار العربي» اللبنانية. الجزء الأول يقع في 358 صفحة والثاني في 425 صفحة.

اعتمدت الرواية على مراجع ودراسات كثيرة عن أحداث تاريخية معينة، وإن جاء المتخيل رديفاً سردياً يخفف من صلادة الوقائع التاريخية ليسكبها في قوالب تشبه إعادة صياغة للبنية السردية التاريخية.

تنطلق مغامرة المؤلف لكتابة هذه الرباعية الروائية التي ننتظر صدور الجزئين المتبقيين من مشهد مهيب لعودة رجال عقيل إلى ديارهم ليجدوها وقد عاث بها الجوع والمرض، هذه الاستفتاحة السردية تنبئ عما تكتنفه من صراعات ومواجهات مع الخوف والانتظار لمفاجآت تبعث بها صحراء يعبث بها بطش محاربين وطامعين ينتزعون لقمة عيشهم التي تبقيهم على مشارف الحياة هذا إن نجوا من المرض أو القتل.

هنا يتساوى الناس في الخوف الذي يقبض على القلوب في فضاءات انتزع منها الأمن وغادرتها السكينة:

«ما بين البلدات المتناثرة رمال حمر تحركها هبات هواء ساخن ومباغت تقطعها أودية هرمت بالجفاف، تتناولها الرياح تقلبها، تتلاعب بها كحفلة جن، تصفق الأبواب المواربة، في البلدة المهجورة تقريباً إلا من أطفال يحتضن أطفالهن خشية الموت خلف جدران حرشاء يابسة، ورجال لم يعد لأنفاسهم رائحة سوى رائحة الخوف، كم من السنين انصرمت وهم يتقلبون ما بين الفاقة والجوع لا يذكرون متى ولا كيف تناسلوا، هل سقطوا في بئر سوداء عميقة موحلة، وقد أيقنوا أنهم وصلوا حافات الهلاك».

المزيني جعل قلمه مشرط تشريح للبعد الزمني والمكاني الذي تقع فيه هذه الأحداث بصورة جلية، ثم يربطها بصورة أخرى أشد إيلاماً، للمرض الغريب الذي اندس في أجساد الناس الضامرة من الجوع، ليشهدوا موتهم عياناً وهم يتساقطون الآخر تلو الآخر، هل يرهن المرء نفسه للموت المنتظر أم يبحث له عن وسيلة تنتزعه من براثنه، هكذا فكر روضان الرجعان، وهو يستذكر كيف نجا صغيراً مع أخته التي تصغره. كانت عناية الله ثم المرأة النازحة من ديار بعيدة زوجة أحد الذين قضوا نحبهم في هذه الجائحة، لتنتشلهم وترعاهم. هذه الصورة التي لم تكن تغادر ذاكرة روضان دفعت به ليقف أمام شيخ عقيل ويطلب منه أن يرافقه في رحلته وشيكة الانطلاق «جلس روضان الرجعان بين الرجال صافناً متلحفاً بعباءته الصوفية، وقد لف شماغه حول وجهه، وعيناه تنظران إلى الأفق البعيد، كانت الأرض يابسة جرداء، وأفواه الرجال ناشفة متشققة لا تقوى حتى على الكلام، وكأنهم ينتظرون الموت، وذاكرتهم لا تزال غضة طرية بالوجوه التي اختطفها الموت من بين أيديهم عنوة، ورائحة القبور لا تزال عالقة في أنوفهم، وقلوبهم متلظية بالفقد، ما زال روضان الرجعان يتذكر تلك الريح السوداء التي اختطفت عشرة من أهله وعمومته بما فيهم أمه وأباه وثلاثة من أخوته وأختان وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لم يبق له سوى بنت عمه مزنة ذات الخمس سنوات التي رآها تقفز بين الأزقة المهجورة، كان يجلس مستنداً إلى جدار تنش منه رائحة الموت، وهو يرمق الرجال من بعيد يدفنون جثامين الموتى، حتى النحيب الذي كان يخامر الليل، لم يعد يسمع له حس، سقط الجميع في جب الحزن والانتظار، متى يخرون على الأرض صرعى الريح السوداء».

من هنا وبهذه الصورة المشهدية تبدأ الرحلة السردية لتصور لنا كيف واجهت النساء مصائرهن بين سراق الأرض والجوع المباغت، والمرض المحتمل، وقد تدربن على الدفاع عن أنفسهن ولبسن ثياب أزواجهن لإيقاع الخوف في قلوب كل من تسول له نفسه الاقتراب من بيوتهن، وما بين الرجال وهم في عرض الصحراء يواجهون مصائر مختلفة، هجوم مباغت لمحاربين تملكوا الصحراء برعونة القوة الغاشمة، وحناشل يترصدون لهم تحت عباءة الليل السوداء، وعبر تتابعات الأحداث المرة تقع المفاجآت والكوارث، وفي كل مرة يجد رجال عقيل أنفسهم وقد تعلموا لغة الصحراء وباتوا هم الأقدر على المواجهة إما بحكمة التاجر الحصيف، أو بالقدرة على المواجهة بلا خوف أو تردد.

التغريبة النجدية سفر مليء بالأحداث محتدم بالصراعات، مسكون بالرجال والنساء، عابر للصحارى والمدن العربية، وقد اتخذت جميعها وسوماً شكلت فيما بعد صورة للتحولات المتلاحقة التي أعقبتها، حتى قيض الله سبحانه وتعالى للجزيرة العربية المؤسس الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) الذي انتشلها من معاناتها وكان رجال عقيل يقفون جنوداً أوفياء في صفوف مسيرته المباركة، ننتظر صدور ما بقي من الملحمة السردية، والشوق يحدونا لمشاهدتها واقعاً ممثلاً على الشاشة الرمضانية.

* كاتب وصحافي سعودي


مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي» (The AI-Ready Doctor) للدكتور عميد خالد عبد الحميد، الباحث العراقي - البريطاني المتخصص في الذكاء الاصطناعي الطبي وأخلاقيات الرعاية الصحية.

ويستعرض الكتاب التحولات العميقة التي بدأت تعيد صياغة مفهوم القرار الطبي التقليدي، مع التوسع المتسارع في اعتماد الأنظمة الصحية على الخوارزميات الذكية في التشخيص والتحليل السريري والتنبؤ بالمضاعفات.

ويركز المؤلف على سؤال محوري بات يُطرح بقوة داخل المؤسسات الطبية العالمية: هل أصبح الأطباء مستعدين فعلاً لعصر الذكاء الاصطناعي؟ فالكتاب لا يناقش التكنولوجيا بوصفها أدوات تقنية فقط، بل يتناول أيضاً أبعادها الأخلاقية والفلسفية، خصوصاً ما يتعلق بحدود الثقة بالخوارزميات، ومسؤولية الطبيب، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة داخل الرعاية الصحية.

كما يطرح الكتاب مفهوم «الصمت الخوارزمي»؛ أي الحالات التي ينبغي فيها لأنظمة الذكاء الاصطناعي الامتناع عن إصدار توصيات حاسمة عندما تكون درجة عدم اليقين مرتفعة، وهي فكرة بدأت تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الحديثة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي. وقد حظي الكتاب باهتمام من «المجلة البريطانية لطب الأسنان» (British Dental Journal - BDJ) الصادرة عن دار «سبرينغر نيتشر» العالمية، التي ناقشت صدوره ضمن الاهتمام الدولي المتنامي بمفهوم «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصحي.

ويُعرف الدكتور عميد خالد عبد الحميد بإسهاماته في مجال الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان والرعاية الصحية، وهو أستاذ زائر في الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن، كما يكتب بانتظام في صفحة «علوم» في «الشرق الأوسط».

ويرى مراقبون أن الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الكتب يعكس تحولاً أوسع داخل المؤسسات الطبية العالمية، التي بدأت تدرك أن التحدي القادم لن يكون بناء أنظمة أكثر ذكاءً فقط، بل إعداد أطباء قادرين على فهم حدود هذا الذكاء، والتعامل معه دون فقدان البعد الإنساني للمهنة.

يعكس هذا النوع من المؤلفات تصاعد الاهتمام العالمي بما يُعرف اليوم بـ«الأدبيات الطبية الرقمية»، الذي يحاول فهم العلاقة الجديدة بين الإنسان والخوارزمية داخل الطب الحديث.