«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

أسرار العلاقة الأكثر إثارة للجدل في فرنسا

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت
TT

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

في السياسة الفرنسية، لا يعيش الرؤساء داخل القصور فقط، بل داخل السرديات أيضاً. ومنذ أن دخل إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت قصر الإليزيه، بدا أن قصتهما الشخصية تحولت جزءاً لا يتجزأ من«العلامة السياسية» لماكرون نفسه: رئيس شاب، متمرّد على القوالب التقليدية، وزوجة كسرت معه الأعراف الاجتماعية والعمرية، قبل أن تتحول هذه الخصوصية ذاتها عبئاً سياسياً وإعلامياً مع اقتراب نهاية العهدة الثانية.

الإليزيه بين الطقوس اليومية وضغط السلطة

في صباحات قصر الإليزيه، لا يبدأ النهار بضجيج السياسة، بل بإيقاع منزلي هادئ يشبه طقوس الأزواج العاديين. قبل الاجتماعات والملفات الثقيلة وخطابات الدولة، هناك كوب شاي بالليمون، وصحيفة موضوعة بعناية على الطاولة، وامرأة تعصر برتقالتين مع ليمونة، بينما يتذمر الرئيس الفرنسي من إضافة حبة «كيوي» إلى فطوره اليومي.

غلاف كتاب «زوج شبه مثالي» للصحافي السياسي فلوريان تارديف

بهذه التفاصيل الصغيرة يفتتح الصحافي السياسي في «باريس ماتش» فلوريان تارديف كتابه «زوج شبه مثالي» Un couple (presque) parfait، الصادر عن «ألبان ميشال» Albin Michel، كاشفاً عن الوجه الأقل صخباً من حياة ماكرون وزوجته، ليس الرئيس هنا قائداً يخوض معارك الإصلاح والاحتجاجات والأزمات الدولية، بل رجلٌ يبحث، كل صباح، عن يدي «أكثر حلفائه وفاءً»، كما يصفها المقربون منه.

الرئيس إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت الأحد في نزهة على شاطئ منتجع «لو توكيه» (شمال) حيث تملك زوجته منزلاً (أ.ف.ب)

يقدّم الصحافي السياسي قراءة مختلفة للعلاقة التي شغلت فرنسا طوال سنوات. ليس بوصفها قصة رومانسية استثنائية فحسب، بل بصفتها أيضاً شراكة سلطة، وتحالفاً نفسياً وسياسياً اختبرته الأزمات، وأرهقته الضغوط، وهددته هشاشة الصورة العامة في عصر التواصل الفوري.

الكتاب، لا يكتفي بإعادة سرد الحكاية المعروفة بين الأستاذة وتلميذها النجيب في مدينة أميان، بل يحاول تفكيك «الميثولوجيا الماكرونية» نفسها. فكما لعبت إيفون دوغول دوراً في صناعة صورة الجنرال شارل ديغول، وكما حمت دانييل ميتران أسرار فرنسوا ميتران، وكانت بيرناديت شيراك عيناً سياسية حادة إلى جانب جاك شيراك، يضع تارديف بريجيت ماكرون داخل هذا التقليد الفرنسي القديم: «السيدة الأولى بوصفها شريكاً غير معلن في الحكم».

يستعيد تارديف في كتابه عبارة قالها ماكرون عام 2017، مع بداية ولايته الأولى: «إذا كانت بريجيت تعيسة، فلن أصمد وسأفشل في هذه الولاية». جملة تبدو اليوم، بعد تسع سنوات في السلطة، أكثر من مجرد اعتراف عاطفي؛ إنها مفتاح لفهم العلاقة العضوية بين الرجل ومشروعه السياسي. فبريجيت، في الرواية التي يبنيها الكتاب، لم تكن يوماً «السيدة الأولى» بالمعنى البروتوكولي، بل كانت جزءاً من البنية النفسية والسياسية للرئيس نفسه.

بريجيت وإيمانويل في يوم زفافهما (فرنس 3)

ماكرون كما يراه المقربون منه

الكتاب، الذي استند إلى أكثر من سبعين مقابلة، بينها لقاءات مع بريجيت ماكرون شخصياً، يذهب بعيداً في تفكيك الحياة اليومية داخل الإليزيه. هناك رئيس لا يستيقظ مبكراً، ويؤجل نزوله إلى مكتبه حتى التاسعة أو العاشرة أحياناً، في تناقض لافت مع صورته كرجل منضبط ومهووس بالإيقاع السريع. أحد موظفي القصر يعلّق ساخراً: «تشعر فوراً أنه ليس رجل الصباح».

لكن ما يبدو تفصيلاً عابراً يتحول، في سرد تارديف، عنصراً دالاً على شخصية سياسية معقدة: رئيس يكره الارتجال، ويقرأ الصحف قبل فريقه، ويصل إلى اجتماعاته وكأنه يحفظ «النوتة الموسيقية» ليومه كاملاً قبل عزفها. إنها صورة رجل يدير السلطة بعقلية التلميذ المتفوق الذي لا يحتمل المفاجآت.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت يستعدان لاستقبال ضيوف حفل افتتاح الأولمبياد 25 يوليو (أ.ف.ب)

القوة الحقيقية للنص لا تكمن في المعلومات وحدها، بل في الطريقة التي تُروى بها. فالكاتب يعتمد أسلوب «الستوريتيلينغ» السياسي، حيث تتحول التفاصيل الحميمة موعد الإفطار، ترتيب الصحف، مزاج الصباح إلى مفاتيح لفهم السلطة نفسها. وكأن الإليزيه ليس مجرد مؤسسة حكم، بل بيتٌ يعيش داخله زوجان أنهكتهما السنوات، لكنهما ما زالا يتمسكان بطقوسهما الصغيرة في مواجهة عواصف السياسة.

«صفعة بريجيت»... اللحظة التي هزّت الإليزيه

غير أن اللحظة الأكثر حساسية في الكتاب تبقى تلك المتعلقة بـ«حادثة هانوي»، التي انفجرت إعلامياً في مايو (أيار) 2025، عندما التقطت كاميرات وكالة «أسوشييتد برس» مشهداً بدا فيه أن بريجيت ماكرون تدفع زوجها بعنف نسبي أثناء نزولهما من الطائرة الرسمية في فيتنام. خلال ساعات، اجتاحت اللقطات المنصات الرقمية، وبدأت ماكينة التأويل السياسي والنفسي والإعلامي بالعمل بأقصى طاقتها.

ماكرون يكشف عن حقيقة «صفعة بريجيت» خلال نزولهما من الطائرة في فيتنام (أسوشييتد برس)

من «الديب فايك» إلى الاعتراف... ارتباك الإليزيه الإعلامي

الإليزيه اختار آنذاك استراتيجية دفاع مرتبكة، في البداية جرى التشكيك في صحة الفيديو، مع تلميحات إلى احتمال التلاعب عبر الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الديب فايك»، قبل أن يتراجع الخطاب الرسمي بعد تأكيد صحة الصور، ليتم تقديم الحادثة لاحقاً بوصفها «مشادة زوجية عابرة» أو «مزاحاً بين زوجين». لكن تارديف يرى أن الضرر الحقيقي لم يكن في المشهد نفسه، بل في طريقة إدارة الأزمة. فبين الإنكار ثم التراجع، ترسخت صورة سلطة مرتبكة تخشى الاعتراف بإنسانيتها أكثر مما تخشى الفضيحة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت (أ.ف.ب)

ومن هنا تكتسب المادة النقدية في الكتاب أهميتها؛ إذ لا يتعامل المؤلف مع القصة كفضول اجتماعي، بل كدراسة في هشاشة الاتصال السياسي الحديث. ففي زمن الفيديوهات الفيروسية والتدقيق الرقمي الفوري، لم تعد استراتيجيات النفي التقليدية فعالة. كل تأخير في الاعتراف، وكل رواية متناقضة، يتحولان وقوداً لنظريات المؤامرة والسخرية العابرة للحدود.

علاقة ماكرون وغلشيفته فراهاني... الشائعات التي أشعلت باريس

ويذهب تارديف أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن المشادة ارتبطت باكتشاف رسائل متبادلة بين الرئيس والممثلة الفرنسية - الإيرانية غلشيفته فراهاني، المعروفة بحضورها القوي في السينما الفرنسية والعالمية، وبمواقفها السياسية والحقوقية الحادة منذ مغادرتها إيران قبل سنوات. ووفق ما تداوله الإعلام الفرنسي، فإن العلاقة لم تُقدَّم بوصفها «قصة عاطفية» بالمعنى التقليدي، بل كصلة فكرية وشخصية وُصفت أحياناً بـ«الأفلاطونية»، وهو توصيف غذّى الفضول أكثر مما بدده.

الممثلة الفرنسية الإيرانية غلشيفته فراهاني (إنستغرام)

فراهاني نفسها تعاملت مع الشائعات ببرود لافت، عادَّة في تصريحات صحافية أن الهوس بهذا النوع من القصص يعكس «نقصاً في الحب داخل المجتمع»، مذكّرة بأنها تعيش أصلاً علاقة مستقرة. لكن مجرد ورود اسم ممثلة ذات شهرة دولية في محيط رئيس الجمهورية كان كافياً لإشعال دوامة من التأويلات السياسية والإعلامية، خصوصاً في مناخ فرنسي باتت فيه الحياة الخاصة للرؤساء مادة استهلاك يومية.

وهنا تحديداً، ينجح الكتاب في التقاط التحول العميق الذي أصاب الحياة العامة الفرنسية: لم يعد الرئيس مجرد صانع قرار، بل أصبح «شخصية سردية» تُستهلك يومياً عبر الشاشات والمنصات، حيث تختلط السياسة بالعاطفة، والسلطة بالصورة، والحقيقة بالإشاعة في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود التقليدية بين الخاص والعام.

هل أخطأ ماكرون بتسييس حياته الزوجية؟

أسلوب تارديف يقوم على المزج بين التحقيق السياسي والسرد الصحافي القريب من«الستوريتيلينغ»، حيث تتحول كواليس الإليزيه مسرحاً للعلاقات الإنسانية بقدر ما هي مركز للسلطة. وهو بذلك يقترب من المدرسة الفرنسية التي ترى أن فهم السياسة يمر أحياناً عبر فهم العواطف والهشاشة والغيرة والتوترات الصامتة داخل دوائر الحكم.

لكن الكتاب يطرح أيضاً سؤالاً أعمق: هل أخطأ ماكرون منذ البداية حين جعل من حياته الزوجية جزءاً من خطابه السياسي؟ فالقصة التي منحته في بداياته صورة الرجل المختلف والجريء، أصبحت اليوم نقطة ضعف دائمة، تستغلها المعارضة، وتضخمها المنصات الرقمية، وتراقبها الصحافة العالمية بوصفها مؤشراً على تآكل السلطة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ينزلان من الطائرة لدى وصولهما إلى هانوي (أ.ف.ب)

في النهاية، لا يقدم الكتاب أسراراً صادمة بقدر ما يقدم تشريحاً هادئاً لعلاقة تعيش تحت ضغط الرئاسة والكاميرات والتوقعات العامة. إنه كتاب عن السلطة حين تدخل البيت، وعن الحب حين يصبح شأناً جمهورياً، وعن رئيس اكتشف متأخراً أن أخطر ما يواجه السياسي المعاصر ليس المعارضة فقط، بل الصورة أيضاً.

في هذا النوع من الكتب، لا يبحث القارئ فقط عن «الأسرار»، بل عن هشاشة القادة أيضاً. وهذا ما ينجح فيه الكاتب أن يُظهر الرئيس الفرنسي خارج الخطابات الرسمية، في تلك المسافة الرمادية بين السلطة والإنسان، حيث يبدو ماكرون أقل صلابة مما توحي به المنصات، وأكثر اعتماداً على شريكته مما تعترف به السياسة عادة.


مقالات ذات صلة

محمد بن سلمان وماكرون يبحثان جهود تعزيز أمن المنطقة

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الشرق الأوسط)

محمد بن سلمان وماكرون يبحثان جهود تعزيز أمن المنطقة

استعرض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المستجدات الإقليمية، والجهود المبذولة بشأنها، بما يسهم في تعزيز أمن المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
أوروبا زينيا فيدوروفا لدى مشاركتها في معرض الكتاب بباريس في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

طرد صحافية روسية من فرنسا يثير جدلاً سياسياً واسعاً

تتهم فرنسا، ومعها العديد من الدول الأوروبية، روسيا بشن «حرب هجينية - سيبرانية» على الديمقراطيات الغربية.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا سياح يشاهدون حريقاً كبيراً يلتهم منطقة غابات قرب خليج أركاشون في مقاطعة جيروند وسط تفاقم ظروف الجفاف في أعقاب موجة حر ونقص في المياه في معظم أنحاء فرنسا - 24 يوليو 2026 (رويترز)

ماكرون: فرنسا طلبت مساعدة الاتحاد الأوروبي للتعامل مع الحرائق

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، إن فرنسا طلبت مساعدة الاتحاد الأوروبي في التعامل مع حريق غابات كبير بالقرب من ساحل البلاد المطل على المحيط الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا طائرة هليكوبتر من طراز «شينوك» تحلّق خلال عرض عسكري بمناسبة عيد استقلال اليونان... في أثينا يوم 25 مارس 2026 (رويترز)

اليونان تقرّ شراء منظومة دفاعية من إسرائيل مقابل 2.8 مليار يورو

أقرّت اليونان، الخميس، خططاً لشراء قبّة «درع أخيل» الدفاعية؛ المضادّة للصواريخ والمسيّرات والطائرات، من إسرائيل لقاء مبلغ قدره 2.8 مليار يورو...

«الشرق الأوسط» (أثينا)
أوروبا  الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ماكرون: لم نحدد «هدفاً» لعدد التأشيرات للجزائريين ولا نبدي «أي تهاون»

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، أن باريس لم تحدد «هدفاً» لعدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين وأنها لا تبدي «أي تهاون».

«الشرق الأوسط» (باريس )

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.