«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

أسرار العلاقة الأكثر إثارة للجدل في فرنسا

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت
TT

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

في السياسة الفرنسية، لا يعيش الرؤساء داخل القصور فقط، بل داخل السرديات أيضاً. ومنذ أن دخل إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت قصر الإليزيه، بدا أن قصتهما الشخصية تحولت جزءاً لا يتجزأ من«العلامة السياسية» لماكرون نفسه: رئيس شاب، متمرّد على القوالب التقليدية، وزوجة كسرت معه الأعراف الاجتماعية والعمرية، قبل أن تتحول هذه الخصوصية ذاتها عبئاً سياسياً وإعلامياً مع اقتراب نهاية العهدة الثانية.

الإليزيه بين الطقوس اليومية وضغط السلطة

في صباحات قصر الإليزيه، لا يبدأ النهار بضجيج السياسة، بل بإيقاع منزلي هادئ يشبه طقوس الأزواج العاديين. قبل الاجتماعات والملفات الثقيلة وخطابات الدولة، هناك كوب شاي بالليمون، وصحيفة موضوعة بعناية على الطاولة، وامرأة تعصر برتقالتين مع ليمونة، بينما يتذمر الرئيس الفرنسي من إضافة حبة «كيوي» إلى فطوره اليومي.

غلاف كتاب «زوج شبه مثالي» للصحافي السياسي فلوريان تارديف

بهذه التفاصيل الصغيرة يفتتح الصحافي السياسي في «باريس ماتش» فلوريان تارديف كتابه «زوج شبه مثالي» Un couple (presque) parfait، الصادر عن «ألبان ميشال» Albin Michel، كاشفاً عن الوجه الأقل صخباً من حياة ماكرون وزوجته، ليس الرئيس هنا قائداً يخوض معارك الإصلاح والاحتجاجات والأزمات الدولية، بل رجلٌ يبحث، كل صباح، عن يدي «أكثر حلفائه وفاءً»، كما يصفها المقربون منه.

الرئيس إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت الأحد في نزهة على شاطئ منتجع «لو توكيه» (شمال) حيث تملك زوجته منزلاً (أ.ف.ب)

يقدّم الصحافي السياسي قراءة مختلفة للعلاقة التي شغلت فرنسا طوال سنوات. ليس بوصفها قصة رومانسية استثنائية فحسب، بل بصفتها أيضاً شراكة سلطة، وتحالفاً نفسياً وسياسياً اختبرته الأزمات، وأرهقته الضغوط، وهددته هشاشة الصورة العامة في عصر التواصل الفوري.

الكتاب، لا يكتفي بإعادة سرد الحكاية المعروفة بين الأستاذة وتلميذها النجيب في مدينة أميان، بل يحاول تفكيك «الميثولوجيا الماكرونية» نفسها. فكما لعبت إيفون دوغول دوراً في صناعة صورة الجنرال شارل ديغول، وكما حمت دانييل ميتران أسرار فرنسوا ميتران، وكانت بيرناديت شيراك عيناً سياسية حادة إلى جانب جاك شيراك، يضع تارديف بريجيت ماكرون داخل هذا التقليد الفرنسي القديم: «السيدة الأولى بوصفها شريكاً غير معلن في الحكم».

يستعيد تارديف في كتابه عبارة قالها ماكرون عام 2017، مع بداية ولايته الأولى: «إذا كانت بريجيت تعيسة، فلن أصمد وسأفشل في هذه الولاية». جملة تبدو اليوم، بعد تسع سنوات في السلطة، أكثر من مجرد اعتراف عاطفي؛ إنها مفتاح لفهم العلاقة العضوية بين الرجل ومشروعه السياسي. فبريجيت، في الرواية التي يبنيها الكتاب، لم تكن يوماً «السيدة الأولى» بالمعنى البروتوكولي، بل كانت جزءاً من البنية النفسية والسياسية للرئيس نفسه.

بريجيت وإيمانويل في يوم زفافهما (فرنس 3)

ماكرون كما يراه المقربون منه

الكتاب، الذي استند إلى أكثر من سبعين مقابلة، بينها لقاءات مع بريجيت ماكرون شخصياً، يذهب بعيداً في تفكيك الحياة اليومية داخل الإليزيه. هناك رئيس لا يستيقظ مبكراً، ويؤجل نزوله إلى مكتبه حتى التاسعة أو العاشرة أحياناً، في تناقض لافت مع صورته كرجل منضبط ومهووس بالإيقاع السريع. أحد موظفي القصر يعلّق ساخراً: «تشعر فوراً أنه ليس رجل الصباح».

لكن ما يبدو تفصيلاً عابراً يتحول، في سرد تارديف، عنصراً دالاً على شخصية سياسية معقدة: رئيس يكره الارتجال، ويقرأ الصحف قبل فريقه، ويصل إلى اجتماعاته وكأنه يحفظ «النوتة الموسيقية» ليومه كاملاً قبل عزفها. إنها صورة رجل يدير السلطة بعقلية التلميذ المتفوق الذي لا يحتمل المفاجآت.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت يستعدان لاستقبال ضيوف حفل افتتاح الأولمبياد 25 يوليو (أ.ف.ب)

القوة الحقيقية للنص لا تكمن في المعلومات وحدها، بل في الطريقة التي تُروى بها. فالكاتب يعتمد أسلوب «الستوريتيلينغ» السياسي، حيث تتحول التفاصيل الحميمة موعد الإفطار، ترتيب الصحف، مزاج الصباح إلى مفاتيح لفهم السلطة نفسها. وكأن الإليزيه ليس مجرد مؤسسة حكم، بل بيتٌ يعيش داخله زوجان أنهكتهما السنوات، لكنهما ما زالا يتمسكان بطقوسهما الصغيرة في مواجهة عواصف السياسة.

«صفعة بريجيت»... اللحظة التي هزّت الإليزيه

غير أن اللحظة الأكثر حساسية في الكتاب تبقى تلك المتعلقة بـ«حادثة هانوي»، التي انفجرت إعلامياً في مايو (أيار) 2025، عندما التقطت كاميرات وكالة «أسوشييتد برس» مشهداً بدا فيه أن بريجيت ماكرون تدفع زوجها بعنف نسبي أثناء نزولهما من الطائرة الرسمية في فيتنام. خلال ساعات، اجتاحت اللقطات المنصات الرقمية، وبدأت ماكينة التأويل السياسي والنفسي والإعلامي بالعمل بأقصى طاقتها.

ماكرون يكشف عن حقيقة «صفعة بريجيت» خلال نزولهما من الطائرة في فيتنام (أسوشييتد برس)

من «الديب فايك» إلى الاعتراف... ارتباك الإليزيه الإعلامي

الإليزيه اختار آنذاك استراتيجية دفاع مرتبكة، في البداية جرى التشكيك في صحة الفيديو، مع تلميحات إلى احتمال التلاعب عبر الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الديب فايك»، قبل أن يتراجع الخطاب الرسمي بعد تأكيد صحة الصور، ليتم تقديم الحادثة لاحقاً بوصفها «مشادة زوجية عابرة» أو «مزاحاً بين زوجين». لكن تارديف يرى أن الضرر الحقيقي لم يكن في المشهد نفسه، بل في طريقة إدارة الأزمة. فبين الإنكار ثم التراجع، ترسخت صورة سلطة مرتبكة تخشى الاعتراف بإنسانيتها أكثر مما تخشى الفضيحة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت (أ.ف.ب)

ومن هنا تكتسب المادة النقدية في الكتاب أهميتها؛ إذ لا يتعامل المؤلف مع القصة كفضول اجتماعي، بل كدراسة في هشاشة الاتصال السياسي الحديث. ففي زمن الفيديوهات الفيروسية والتدقيق الرقمي الفوري، لم تعد استراتيجيات النفي التقليدية فعالة. كل تأخير في الاعتراف، وكل رواية متناقضة، يتحولان وقوداً لنظريات المؤامرة والسخرية العابرة للحدود.

علاقة ماكرون وغلشيفته فراهاني... الشائعات التي أشعلت باريس

ويذهب تارديف أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن المشادة ارتبطت باكتشاف رسائل متبادلة بين الرئيس والممثلة الفرنسية - الإيرانية غلشيفته فراهاني، المعروفة بحضورها القوي في السينما الفرنسية والعالمية، وبمواقفها السياسية والحقوقية الحادة منذ مغادرتها إيران قبل سنوات. ووفق ما تداوله الإعلام الفرنسي، فإن العلاقة لم تُقدَّم بوصفها «قصة عاطفية» بالمعنى التقليدي، بل كصلة فكرية وشخصية وُصفت أحياناً بـ«الأفلاطونية»، وهو توصيف غذّى الفضول أكثر مما بدده.

الممثلة الفرنسية الإيرانية غلشيفته فراهاني (إنستغرام)

فراهاني نفسها تعاملت مع الشائعات ببرود لافت، عادَّة في تصريحات صحافية أن الهوس بهذا النوع من القصص يعكس «نقصاً في الحب داخل المجتمع»، مذكّرة بأنها تعيش أصلاً علاقة مستقرة. لكن مجرد ورود اسم ممثلة ذات شهرة دولية في محيط رئيس الجمهورية كان كافياً لإشعال دوامة من التأويلات السياسية والإعلامية، خصوصاً في مناخ فرنسي باتت فيه الحياة الخاصة للرؤساء مادة استهلاك يومية.

وهنا تحديداً، ينجح الكتاب في التقاط التحول العميق الذي أصاب الحياة العامة الفرنسية: لم يعد الرئيس مجرد صانع قرار، بل أصبح «شخصية سردية» تُستهلك يومياً عبر الشاشات والمنصات، حيث تختلط السياسة بالعاطفة، والسلطة بالصورة، والحقيقة بالإشاعة في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود التقليدية بين الخاص والعام.

هل أخطأ ماكرون بتسييس حياته الزوجية؟

أسلوب تارديف يقوم على المزج بين التحقيق السياسي والسرد الصحافي القريب من«الستوريتيلينغ»، حيث تتحول كواليس الإليزيه مسرحاً للعلاقات الإنسانية بقدر ما هي مركز للسلطة. وهو بذلك يقترب من المدرسة الفرنسية التي ترى أن فهم السياسة يمر أحياناً عبر فهم العواطف والهشاشة والغيرة والتوترات الصامتة داخل دوائر الحكم.

لكن الكتاب يطرح أيضاً سؤالاً أعمق: هل أخطأ ماكرون منذ البداية حين جعل من حياته الزوجية جزءاً من خطابه السياسي؟ فالقصة التي منحته في بداياته صورة الرجل المختلف والجريء، أصبحت اليوم نقطة ضعف دائمة، تستغلها المعارضة، وتضخمها المنصات الرقمية، وتراقبها الصحافة العالمية بوصفها مؤشراً على تآكل السلطة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ينزلان من الطائرة لدى وصولهما إلى هانوي (أ.ف.ب)

في النهاية، لا يقدم الكتاب أسراراً صادمة بقدر ما يقدم تشريحاً هادئاً لعلاقة تعيش تحت ضغط الرئاسة والكاميرات والتوقعات العامة. إنه كتاب عن السلطة حين تدخل البيت، وعن الحب حين يصبح شأناً جمهورياً، وعن رئيس اكتشف متأخراً أن أخطر ما يواجه السياسي المعاصر ليس المعارضة فقط، بل الصورة أيضاً.

في هذا النوع من الكتب، لا يبحث القارئ فقط عن «الأسرار»، بل عن هشاشة القادة أيضاً. وهذا ما ينجح فيه الكاتب أن يُظهر الرئيس الفرنسي خارج الخطابات الرسمية، في تلك المسافة الرمادية بين السلطة والإنسان، حيث يبدو ماكرون أقل صلابة مما توحي به المنصات، وأكثر اعتماداً على شريكته مما تعترف به السياسة عادة.


مقالات ذات صلة

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 19 يونيو 2026 (رويترز) p-circle

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، إن روسيا تتطلع إلى معرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب غيّر موقفه فعلاً تجاه حرب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص العلم الفلسطيني مرفوع على تمثال الجمهورية في باريس دعماً للفلسطينيين بغزة في يونيو 2025 (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: لقاء سري لـ«حماس» مع نواب ودبلوماسيين فرنسيين

قالت 3 مصادر فلسطينية، في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، إن لقاءً «سرياً» جمع قيادات بارزة من المكتب السياسي لحركة «حماس» مع وفد فرنسي في إحدى دول المنطقة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ) p-circle

فرنسا تعارض إنشاء «مراكز عودة» للمهاجرين في دول ثالثة

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الجمعة)، إن باريس لا تؤيد إنشاء ما تُسمى «مراكز العودة» للمهاجرين في دول ثالثة، وشكّك في فاعليتها.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز) p-circle

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي... ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً و«الاتحاد» يمدد عقوبات روسيا لمدة 12 شهراً بالإجماع منذ خسارة المجَري أوربان

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال غداء عمل مع قادة مجموعة السبع (أ.ب)

«أنا الزعيم» و«هل لديكِ لصقة نيكوتين؟»... أحاديث جانبية طريفة لقادة قمة السبع

كشفت الميكروفونات المفتوحة في أروقة قمة السبع عن أحاديث عفوية ولحظات طريفة أظهرت جانباً مختلفاً بعيداً عن أجواء الاجتماعات الرسمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية
TT

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لرواية لمحفوظ لم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها من أعمال محفوظ والفن الروائي عامةً. كنت قد قرأت كل روايات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في الاختيار حتى رسيت على رواية كانت حديثة النشر وقتها، وكنت معجباً بها أشد الإعجاب رغم أنه قلَّ بين القراء والنقاد من يحسبها بين روائع محفوظ. تلك هي رواية «حضرة المحترم»، المنشورة سنة 1975.

رسالة محفوظ إلى المترجم

ما لفتني في الرواية خاصةً كان توظيف محفوظ للغة فيها. فالرواية في ظاهرها ذات قصة بسيطة ومتكررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُعيّن في وظيفة متواضعة، كاتباً في الأرشيف القائم في الطابق تحت الأرضي في بناية شاهقة تؤوي إحدى الإدارات الحكومية. هذا الأرشيفي عادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت الأرض لا يتبدل له حال حتى تؤويه الأرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بيومي»، الذي تدور حوله الرواية. فهو من اليوم الأول يتملكه طموح سام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم المدير العام لتلك الإدارة الكبرى ويحتل الغرفة السماوية الزرقاء أعلى المبنى التي رآها للحظات خاطفة حين استقبل المديرُ العام الموظفين الجدد من كل الفئات للترحيب بهم.

قصة الطموح أو التطلع الوظيفي شديدة الألفة هذه يصنع بها محفوظ الأعاجيب عن طريق اللغة والأخيلة التي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تجاوزية متعالية متسامية تكاد لا تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لنا حكاية الطموح المستحيل للموظف الصغير عثمان بيومي. ومن هنا يخلق محفوظ مستويين للمعنى، مستوى ظاهرياً واقعياً كما وصفت، والآخر باطني رمزي يمثل سعي الإنسان للمطلق على نحو ما رأينا في عملين رمزيين سابقين للكاتب، هما القصة القصيرة «زعبلاوي» في مجموعة «دنيا الله» (1963) ورواية «الطريق» (1964). هكذا كان اختياري لهذه الرواية للترجمة والتحليل مستعيناً ببعض نظريات الدراسات اللغوية والأسلوبية.

كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس (آذار) 1980 أخبره فيها بما أنا بصدده وأستأذنه في الترجمة وللتأكد من أنه لم يعطِ حق الترجمة لجهة أخرى (لم تكن الجامعة الأميركية في القاهرة قد توّلت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة العالمية بعد). كانت ترجمات محفوظ في الإنجليزية في ذلك الوقت لا تتجاوز 4 روايات هي «زقاق المدق» (1966)، «المرايا» (1977)، «ميرامار» (1978)، «الكرنك» (1979) (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في الإنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، ولا كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الرسالة على عنوان صحيفة الأهرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بالردّ يأتيني برجوع البريد، مكتوباً بخط اليد ومؤرخاً في 10 أبريل (نيسان) 1980، حاملاً الموافقة على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة المحترم) موضوعاً لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين الأول) ولو أن نشرها جاء متأخراً كالعادة، وكتبتها وأنا في خضم تأمل للإنسان كإنسان، بخيره وشره، وورعه وطموحه، وانغرازه في الوحل وتطلعه للسماء، فكان عثمان بيومي ثمرة ذلك كله، وإن توهم كثيرون أني أكتب سيرة موظف».

في تلك الأثناء، كنت تواصلت مع «دار هينمان» Heinemann التي كانت تصدر سلسلة تسمى «كتاب أفريقيون» نُشرت فيها روايتان لمحفوظ وقتها هما «زقاق المدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار الترجمة الأولى لـ«أولاد حارتنا» في 1981، فأبدوا اهتماماً وطلبوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة الأميركية مثل غيرها، فكتبت إليه مرة أخرى في أكتوبر 1980، ومرة أخرى جاءني الردّ بغير تسويف، مؤكداً أن الحقوق ما زالت بيده.

في صيف 1984، كنت قد أنجزت الترجمة والدراسة ونلت درجة الدكتوراه، التي قمت بها، بينما أعمل وقتاً كاملاً بتدريس اللغة العربية وآدابها في قسم الدراسات العربية والإسلامية حديث النشأة وقتها في جامعة «إكستر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت لمحفوظ أخبره بالتطورات، فجاءتني منه تهنئة بالدكتوراه في 11 أكتوبر 1984، يقول: «ولعلي أهنئك قريباً بالموافقة على نشر ترجمة (حضرة المحترم)».

بقيت الترجمة لدى «دار هينمان» 9 أشهر دون أن أتلقى منهم رداً، ولما بدأت ألاحقهم جاءت الاعتذارات والتأسفات، فقد كانت الدار تمر بأزمة وتحركات موظفين... إلخ، ما نتج عنه إهمال الردّ، وأخطروني بقرارهم عدم النشر. كتبت لمحفوظ أعلمه بما صار وجاءني الردّ بتاريخ 24-3-1985 يقول: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».

بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قصار النظر فقد كان محفوظ على مسافة 3 سنوات لا غير من جائزة نوبل)، عرضت الترجمة على دار أميركية تُسمّى «Three Continents Press» أو «مطبعة القارات الثلاث»، التي كانت داراً صغيرة متخصصة في نشر ترجمات من الآداب غير الغربية (العالم الثالث) قليلة الانتشار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وسارعوا بإرسال عقد إلى محفوظ الذي سارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في 11-9-1985 قائلاً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكراً مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الترجمة. ولقد وصلني خطاب دار النشر والعقد وأمضيته حتى يتم الاتفاق معك دون تأخير...». وكنت سألته عن الحقوق والعوائد التي تأتيه من ناشري ترجماته حتى أتحقق من أن الناشر الحالي قد قدم عرضاً لائقاً، فأعطاني بعض المعلومات، وختم قائلاً: «والحق أني أوافق دون مناقشة لأني لم آخذ الترجمة مأخذ الجدّ أبداً».

أما أنا فكنت آخذ الترجمة مأخذ الجد، فهي أول كتاب يُنشر باسمي وهي فوق هذا وذاك ترجمة لنجيب محفوظ، وكنت أريد الأفضل لكلينا. كنت في نفس الوقت الذي فاتحت الناشر الأميركي قد فاتحت أيضاً داراً بريطانية تُدعى «كوارتيت» Quartet Books ولم يلبث أن جاءني منهم عرض أفضل، يتمثل في مقدم يبلغ 750 جنيهاً إسترلينياً مناصفة بين المؤلف والمترجم، وعائدٍ يبلغ 10 في المائة من سعر الغلاف سنوياً، مقاسمةً أيضاً. أما الناشر الأميركي فكان عرضه لا يتجاوز 500 دولار مناصفة كمقدَّم. هذا إلى جانب أنهم ناشرون أكاديميون يوزعون على نطاق ضيق، أما «كوارتيت» فناشرون عامّون للرواية، وكان لهم اسم جيد في بريطانيا وقتها، وكنت أنا راغباً أن يخرج محفوظ عن نطاق النشر الأكاديمي الضيق المحصور في مجال المهتمين بالعالم العربي والعالم الثالث إلى نطاق قراء الرواية عموماً. بخلاف محفوظ لم أكن وقّعت العقد الذي جاءني من الناشر الأميركي وتريثت حتى جاءني العرض الأفضل من «كوارتيت». حينها عاودت الكتابة إلى محفوظ بتاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، موضحاً مزايا العقد الثاني وقلت له إن توقيعه على العقد الأميركي لا يلزمه بشيء لأنه مرتبط بتوقيعي أنا أيضاً، الذي لم يحدث. ومن ناحية أخرى أرسلت له «كوارتيت» العقد الجديد.

في خلال 5 أيام بتاريخ 16 نوفمبر جاءني ردّ محفوظ كاشفاً عن الإنسان الملتزم فيه، كما هو معروف عنه. أقرَّ بمزايا العقد الجديد، ولكنه كان قد وقَّع على العقد السابق: «ولا أقبل التحلل منه من ناحيتي (...) فأرجو أن تبلغ الناشر الأميركي بعدم موافقتك وبإلغاء العقد السابق معي وإبلاغي بذلك. وعند ذلك سأوقع على العقد الجديد بكل سرور». وهو بالضبط ما حدث.

صدرت الترجمة مع مقدمة منّي عن دار «كوارتيت» في خريف 1986، وتمكنتُ من الحصول على نسختين منها قبل سفري إلى القاهرة لبضعة أيام في زيارة سريعة. اتصلت بمحفوظ الذي دعاني للقائه (مع المخرج السينمائي توفيق صالح) في جلسة ضيقة في كازينو كليوباترا في الزمالك. فرح مثل طفل بالترجمة، وحين قدّمت له النسختين قال لي بامتنان: «كفاية واحدة»، لكني قلت له إن من حقه 6 نسخ، وإن الباقي سيرسله له الناشر بريدياً.

في السنة التالية 1987، صدرت طبعة جديدة للترجمة عن الجامعة الأميركية في القاهرة. ولم يلبث محفوظ أن فاز بجائزة نوبل في العام التالي 1988، وفي خلال أسابيع باعت «كوارتيت» حقوق «حضرة المحترم» أو «Respected Sir» كما ترجمتُ العنوان إلى «دار دَبِلداي» (Doubleday) الأميركية الكبرى التي أعادت نشر الترجمة في 1990. أذكر أني فيما عدا المُقدَّم المذكور أعلاه من «كوارتيت» مناصفة مع محفوظ لم أتلقَّ عائداً مالياً في السنتين التاليتين لأن نسبة العشرة في المائة من المبيعات (5 في المائة لكل طرف) تُخصم من المقدم، ولا تبدأ تتلقى شيئاً حتى سداد المقدم. لكن طفرة المبيعات بعد فوز محفوظ بنوبل أنتجت شيكاً على ما أذكر في 1990 مقدارُه 3 آلاف جنيه إسترليني، كانت هي آخر ما اغتنمت مالياً من شراكتي النبيلة مع نجيب محفوظ (بل هي أكبر مبلغ حصلت عليه من أي من كتبي في الإنجليزية أو العربية)، أما غنائمي المعنوية والروحية من تلك الشراكة فأظنني سأبقى أحصِّل عوائدها بنسبة 100 في المئة حتى آخر يوم في حياتي.


دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت
TT

دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة». وفي قاموس «الكامل الكبير: فرنسي - عربي» للدكتور يوسف محمد رضا نقرأ هذا التعريف: «نزعة أدبية قوامها أن القيمة الجمالية للأثر الأدبي تقوم على قدرة ذلك الأثر لدى القراء أو النظارة، حالة من يبالغ في التعبير عن عاطفة أو يتكلف هذا التعبير. ويترتب على ذلك في الأدب سوء استغلال عواطف القراء».

هذه العاطفية المفرطة موضوع كتاب عنوانه «ناعم: تاريخ وجيز للعاطفية المفرطة» (Soft: A Breif History of Sentimentality) صدر عن دار نشر «بلومزبرى كونتنام» في 2025 من تأليف فرديناند ماونت (Ferdinand Mount)، وهو رئيس تحرير سابق لملحق «التايمز الأدبي» في لندن.

يقول المؤلف إن الناس قد عبروا في مختلف الأزمنة عن أفراحهم وأتراحهم بطرق غريبة شائقة. وقد علقت المجتمعات أهمية متغيرة على التعاطف مع الآخرين ووضع الذات في مكانهم. واقترنت الأحداث السياسية الكبرى - مثل الثورة الفرنسية في 1789 وحركة الحقوق المدنية في عصرنا - بثورات اجتماعية بعيدة المدى.

تشارلز ديكنز

على أن المشاعر القوية ظلت طيلة تاريخها الطويل تتعرض للهجوم من عدة جهات. وصفت بأنها مخنثة أو متهافتة أو شعبوية. ودعا نقاد كبار في القرن الماضي - مثل إرفنج بابت الأميركي، وت. س. إليوت الأنجلو - أميركي، وت. إ. هيوم الإنجليزي - إلى الموضوعية وكبح المشاعر وهاجموا الرومانسية وأنكروا أن يكون الشعر تعبيراً عن الشخصية أو فيضاناً تلقائياً لانفعالات قوية. لكن ذلك لم يقض على سلطان العاطفة على النفوس، اليوم كما في الماضي.

وكتاب فرديناند ماونت دفاع عن العاطفية إزاء من يرون أنها تزييف للواقع الخارجي والوعي الداخلي على السواء، ومن يقولون إن السنتمنتالي شخص ديدنه الإنكار، فهو ينكر الواقع الماثل أمامه ويحاول أن يهرب منه برسم صورة زائفة له.

ويرد ماونت على ذلك بقوله إن الحملة على العاطفية تتجاهل حقيقة نفسية مؤداها أن الناس عموماً لا يكونون عاطفيين في كل لحظة من حيواتهم وإنما هم يراوحون - حسب الموقف - بين نداء القلب وأحكام العقل. وقد يكون الشخص الواحد عاطفياً متحمساً في صدد فريق كرة القدم الذي يشجعه ولكنه بارد المشاعر إزاء حزب العمال مثلاً.

إن الأعمال الفنية العاطفية - سواء كانت كتباً أو برامج تلفزيونية أو مسرحيات - تمنح الضحايا صوتاً يعبرون به عن معاناتهم ويخاطبون الرأي العام، وما إسرافها في العاطفية إلا خطوة ضرورية لإيقاظ الضمائر من غفوتها.

ولا ينكر ماونت أن كثيراً من المسرحيات أو المسلسلات التلفزيونية التى تصور، مثلاً، العثور على ابنة مفقودة بعد غياب طويل عاطفية رخيصة ترمي إلى استدرار دموع المشاهد. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نعادي كل مظاهر التعبير عن العاطفة، ولا يجب أن نستسلم لإغراء اعتبار أنفسنا فوق مشاعر الآخرين نحكم عليها من عل وكأننا نعلو على المستوى البشري.

وفي رصدنا لتاريخ التعبير العاطفي نلتقي عدداً من علامات الطريق: الحب الرفيع (أو حب البلاط) كما تغنى به شعراء التروبادور البروفنساليون في القرن الثاني عشر، وقصة غرام تريستان وأيزولده (اتخذ منها الموسيقار الألماني فاغنر موضوعاً لأوبراه في 1865)، وقصة غرام ترويلوس وكريسيدا في قصيدة قصصية طويلة لأبي الشعر الإنجليزي تشوسر، وقصيدة «قصة الوردة» في نحو 22 ألف بيت للشاعرين الفرنسيين جيوم دي لوريس وجان دي مين، ورواية سرفنتس «دون كيشوت» التي تصور حب فارس صريع الأوهام لفتاة تدعي دوروثيا لا تكاد تشعر بوجوده.

وعلى ظهر القارة الأوروبية ازدهرت الرواية العاطفية، كما في «أحزان الشاب فرتر» لغوته، و«جولي» لجان جاك روسو. وظهر من الفلاسفة من عالجوا العواطف، واتخذوا منها مواقف إيجابية أو سلبية. ومن هؤلاء الفلاسفة توماس هوبز وديفيد هيوم وآدم سميث.

وأهم روائي إنجليزي أثارت معالجته للعواطف الخلاف ما بين مادح وقادح هو بلا شك تشارلز ديكنز، وذلك في روايتيه «محل العاديات القديمة» (1841) و«دمبي وولده» (1847 - 1848). في هذه الرواية الأخيرة يسعى ديكنز إلى إثارة عطفنا على بطله دمبي وهو صبي رقيق النفس، ضعيف البنية، يمرض ويموت.

وفي «محل العاديات القديمة» نلتقي بفتاة تدعى نللي الصغيرة تعيش مع جدها صاحب المحل وترعاه. ويعاني الاثنان مشاق كبيرة ويواجهان الشر المتمثل في قزم شرير يدعى «كويلب». وتسلم نللي الأنفاس في مشهد مؤثر، ثم يلحق بها جدها.

كان من الواضح أن ديكنز يريد أن يستثير شفقة القارئ على بطلته الصغيرة، وأن يدفع بالدموع إلى عيني من يتابع معاناتها. ولكن إسرافه في العاطفة كاد يحدث أثراً عكسياً حتى إن أوسكار وايلد قال: «لا بد أن يكون للمرء قلب من حجر إذا أمكنه أن يقرأ موت نللي الصغيرة دون أن يضحك».

ولكن أقاصيص وايلد ذاته - مثل «الأمير السعيد» و«العملاق الأناني» - كانت تفيض عاطفة حتى إن أبناء وايلد يروون أن أباهم كانت تدمع عيناه وهو يقرأ لهم بصوت عال هذه الأقصوصة الأخيرة.

ويختم ماونت كتابه بقوله إننا إذ نرتد بأبصارنا إلى كاتدرائيات القرن الثالث عشر ومستشفياته، والاتجاهات المتحررة والمتعاطفة مع معاناة الإنسان في الثلث الأخير من القرن العشرين، ننتهي إلى نتيجة مؤداها أن العاطفة المفرطة ليست مجرد مهماز حافز على الفعل، وإنما هي جزء لا غنى عنه من وجود الإنسان وجهازه النفسي والعقلي. إن المجتمع الذي يعجز عن استشعار العاطفة لا بد أن ينكمش ويتضاءل ويفتقر. إننا بحاجة إلى ما دعته ليدي مكبث - في مسرحية شكسبير- «لبان الرحمة الإنسانية»، وإن كانت هي ذاتها قد تنكرت لهذه الرحمة، وقمعت نوازع الحنان والأمومة في صدرها.


طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً
TT

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن التشكيليّ السوريّ والعربيّ، ويعيد بناء عالمه الإنسانيّ والفنيّ عبر مقاربة سردية تنفتح على الذاكرة والتأمّل والأسئلة الوجودية.

تتخذ الرواية من الساعات الأخيرة في حياة الفنان لؤي كيالي نقطة انطلاق لسرد يتنقل بين محطات متعددة من حياته، مستحضراً طفولته في حلب، وتجربته الدراسية في روما، وعلاقته بالفن والمدينة والإنسان، وصولاً إلى أزماته النفسية والفكرية التي رافقت مسيرته الإبداعية. ومن خلال هذا البناء، تتحول الذاكرة إلى فضاء رحب تتقاطع فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات، ضمن نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع مع الرؤى والتداعيات الداخلية.

تأتي أهمية هذا العمل من اقترابه من شخصية فنية تركت أثراً استثنائياً في تاريخ التشكيل السوري والعربي. فما زالت أعمال لؤي كيالي تحظى بحضور واسع في الدراسات الفنية والمعارض والكتابات النقدية، لما انطوت عليه من حساسية إنسانية عالية وقدرة على التقاط وجوه المهمشين والبسطاء وتحويلها إلى جزء من الذاكرة البصرية العربية.

ولا تنشغل الرواية بإعادة سرد الوقائع المعروفة في حياة كيالي بقدر اهتمامها باستكشاف العالم الداخلي للفنان، والتكلفة الإنسانية التي ترافق الإبداع حين يصبح وسيلة لرؤية ما يغفل عنه الآخرون. ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من الأسئلة التي شغلت تجربة كيالي كلها: الفن، والعزلة، والهشاشة الإنسانية، والبحث الدائم عن المعنى في عالم مثقل بالتحولات والخيبات.

ويستفيد معلّا من خبرته الطويلة في الحقل التشكيلي ليمنح النص بعداً بصرياً واضحاً، حيث تتشكل المشاهد الروائية عبر الضوء والظلّ واللون، وتتجاور المدن والوجوه والذكريات كما لو أنها عناصر في لوحة واسعة تستعيد ملامح مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة السورية. كما تحضر شخصيات فنية وثقافية ارتبطت بتجربة كيالي، وفي مقدمتها الفنان فاتح المدرس، ضمن حوارات ومواقف تضيء جوانب من التحولات الفكرية والجمالية التي شهدتها الحركة التشكيلية السورية في القرن العشرين.

وتكشف الرواية عن اهتمام خاص بالعلاقة بين الفنان ومحيطه الاجتماعي والثقافي، وبالأثر الذي تتركه الأحكام النقدية والتوقعات العامة على المبدع. لذلك تتجاوز شخصية لؤي كيالي حدود السيرة الفردية لتتحول إلى نافذة للتأمل في مصير الفنان العربي، وفي التوتر المستمر بين الصدق الفني ومتطلبات الواقع، وبين الحساسية الإبداعية والقدرة على الاحتمال.

وعلى الرغم من استناد الرواية إلى شخصية واقعية معروفة، فإنها تتحرك ضمن فضاء تخييلي يمنح الكاتب حرية إعادة تشكيل الأحداث والحوارات والذكريات وفق رؤية أدبية خاصة، الأمر الذي يجعل العمل أقرب إلى إعادة تخيل حياة لؤي كيالي من منظور روائي معاصر، يزاوج بين المعرفة الفنية والاشتغال السردي.

تضع «ذاكرة النار» تجربة لؤي كيالي أمام جيل جديد من القرّاء، وتعيد فتح النقاش حول واحد من أكثر الفنانين السوريين تأثيراً وإثارة للأسئلة، في رواية تمنح الفن موقعاً مركزياً في مساءلة الإنسان ومصيره وعلاقته بالعالم.

وفي جانب آخر، تستعيد الرواية جانباً من الذاكرة الثقافية السورية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عبر إشاراتها إلى المدن والأمكنة والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني آنذاك. وبذلك يتجاوز العمل حدود السيرة الفردية ليقترب من سيرة جيل كامل عاش تحولات كبرى انعكست على الثقافة والفن والحياة العامة.

جاءت الرواية في 186 صفحة من القطع الوسط، ولوحة الغلاف للفنان الراحل لؤي كيالي.