«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

أسرار العلاقة الأكثر إثارة للجدل في فرنسا

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت
TT

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

«زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

في السياسة الفرنسية، لا يعيش الرؤساء داخل القصور فقط، بل داخل السرديات أيضاً. ومنذ أن دخل إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت قصر الإليزيه، بدا أن قصتهما الشخصية تحولت جزءاً لا يتجزأ من«العلامة السياسية» لماكرون نفسه: رئيس شاب، متمرّد على القوالب التقليدية، وزوجة كسرت معه الأعراف الاجتماعية والعمرية، قبل أن تتحول هذه الخصوصية ذاتها عبئاً سياسياً وإعلامياً مع اقتراب نهاية العهدة الثانية.

الإليزيه بين الطقوس اليومية وضغط السلطة

في صباحات قصر الإليزيه، لا يبدأ النهار بضجيج السياسة، بل بإيقاع منزلي هادئ يشبه طقوس الأزواج العاديين. قبل الاجتماعات والملفات الثقيلة وخطابات الدولة، هناك كوب شاي بالليمون، وصحيفة موضوعة بعناية على الطاولة، وامرأة تعصر برتقالتين مع ليمونة، بينما يتذمر الرئيس الفرنسي من إضافة حبة «كيوي» إلى فطوره اليومي.

غلاف كتاب «زوج شبه مثالي» للصحافي السياسي فلوريان تارديف

بهذه التفاصيل الصغيرة يفتتح الصحافي السياسي في «باريس ماتش» فلوريان تارديف كتابه «زوج شبه مثالي» Un couple (presque) parfait، الصادر عن «ألبان ميشال» Albin Michel، كاشفاً عن الوجه الأقل صخباً من حياة ماكرون وزوجته، ليس الرئيس هنا قائداً يخوض معارك الإصلاح والاحتجاجات والأزمات الدولية، بل رجلٌ يبحث، كل صباح، عن يدي «أكثر حلفائه وفاءً»، كما يصفها المقربون منه.

الرئيس إيمانويل ماكرون وعقيلته بريجيت الأحد في نزهة على شاطئ منتجع «لو توكيه» (شمال) حيث تملك زوجته منزلاً (أ.ف.ب)

يقدّم الصحافي السياسي قراءة مختلفة للعلاقة التي شغلت فرنسا طوال سنوات. ليس بوصفها قصة رومانسية استثنائية فحسب، بل بصفتها أيضاً شراكة سلطة، وتحالفاً نفسياً وسياسياً اختبرته الأزمات، وأرهقته الضغوط، وهددته هشاشة الصورة العامة في عصر التواصل الفوري.

الكتاب، لا يكتفي بإعادة سرد الحكاية المعروفة بين الأستاذة وتلميذها النجيب في مدينة أميان، بل يحاول تفكيك «الميثولوجيا الماكرونية» نفسها. فكما لعبت إيفون دوغول دوراً في صناعة صورة الجنرال شارل ديغول، وكما حمت دانييل ميتران أسرار فرنسوا ميتران، وكانت بيرناديت شيراك عيناً سياسية حادة إلى جانب جاك شيراك، يضع تارديف بريجيت ماكرون داخل هذا التقليد الفرنسي القديم: «السيدة الأولى بوصفها شريكاً غير معلن في الحكم».

يستعيد تارديف في كتابه عبارة قالها ماكرون عام 2017، مع بداية ولايته الأولى: «إذا كانت بريجيت تعيسة، فلن أصمد وسأفشل في هذه الولاية». جملة تبدو اليوم، بعد تسع سنوات في السلطة، أكثر من مجرد اعتراف عاطفي؛ إنها مفتاح لفهم العلاقة العضوية بين الرجل ومشروعه السياسي. فبريجيت، في الرواية التي يبنيها الكتاب، لم تكن يوماً «السيدة الأولى» بالمعنى البروتوكولي، بل كانت جزءاً من البنية النفسية والسياسية للرئيس نفسه.

بريجيت وإيمانويل في يوم زفافهما (فرنس 3)

ماكرون كما يراه المقربون منه

الكتاب، الذي استند إلى أكثر من سبعين مقابلة، بينها لقاءات مع بريجيت ماكرون شخصياً، يذهب بعيداً في تفكيك الحياة اليومية داخل الإليزيه. هناك رئيس لا يستيقظ مبكراً، ويؤجل نزوله إلى مكتبه حتى التاسعة أو العاشرة أحياناً، في تناقض لافت مع صورته كرجل منضبط ومهووس بالإيقاع السريع. أحد موظفي القصر يعلّق ساخراً: «تشعر فوراً أنه ليس رجل الصباح».

لكن ما يبدو تفصيلاً عابراً يتحول، في سرد تارديف، عنصراً دالاً على شخصية سياسية معقدة: رئيس يكره الارتجال، ويقرأ الصحف قبل فريقه، ويصل إلى اجتماعاته وكأنه يحفظ «النوتة الموسيقية» ليومه كاملاً قبل عزفها. إنها صورة رجل يدير السلطة بعقلية التلميذ المتفوق الذي لا يحتمل المفاجآت.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت يستعدان لاستقبال ضيوف حفل افتتاح الأولمبياد 25 يوليو (أ.ف.ب)

القوة الحقيقية للنص لا تكمن في المعلومات وحدها، بل في الطريقة التي تُروى بها. فالكاتب يعتمد أسلوب «الستوريتيلينغ» السياسي، حيث تتحول التفاصيل الحميمة موعد الإفطار، ترتيب الصحف، مزاج الصباح إلى مفاتيح لفهم السلطة نفسها. وكأن الإليزيه ليس مجرد مؤسسة حكم، بل بيتٌ يعيش داخله زوجان أنهكتهما السنوات، لكنهما ما زالا يتمسكان بطقوسهما الصغيرة في مواجهة عواصف السياسة.

«صفعة بريجيت»... اللحظة التي هزّت الإليزيه

غير أن اللحظة الأكثر حساسية في الكتاب تبقى تلك المتعلقة بـ«حادثة هانوي»، التي انفجرت إعلامياً في مايو (أيار) 2025، عندما التقطت كاميرات وكالة «أسوشييتد برس» مشهداً بدا فيه أن بريجيت ماكرون تدفع زوجها بعنف نسبي أثناء نزولهما من الطائرة الرسمية في فيتنام. خلال ساعات، اجتاحت اللقطات المنصات الرقمية، وبدأت ماكينة التأويل السياسي والنفسي والإعلامي بالعمل بأقصى طاقتها.

ماكرون يكشف عن حقيقة «صفعة بريجيت» خلال نزولهما من الطائرة في فيتنام (أسوشييتد برس)

من «الديب فايك» إلى الاعتراف... ارتباك الإليزيه الإعلامي

الإليزيه اختار آنذاك استراتيجية دفاع مرتبكة، في البداية جرى التشكيك في صحة الفيديو، مع تلميحات إلى احتمال التلاعب عبر الذكاء الاصطناعي وتقنيات «الديب فايك»، قبل أن يتراجع الخطاب الرسمي بعد تأكيد صحة الصور، ليتم تقديم الحادثة لاحقاً بوصفها «مشادة زوجية عابرة» أو «مزاحاً بين زوجين». لكن تارديف يرى أن الضرر الحقيقي لم يكن في المشهد نفسه، بل في طريقة إدارة الأزمة. فبين الإنكار ثم التراجع، ترسخت صورة سلطة مرتبكة تخشى الاعتراف بإنسانيتها أكثر مما تخشى الفضيحة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت (أ.ف.ب)

ومن هنا تكتسب المادة النقدية في الكتاب أهميتها؛ إذ لا يتعامل المؤلف مع القصة كفضول اجتماعي، بل كدراسة في هشاشة الاتصال السياسي الحديث. ففي زمن الفيديوهات الفيروسية والتدقيق الرقمي الفوري، لم تعد استراتيجيات النفي التقليدية فعالة. كل تأخير في الاعتراف، وكل رواية متناقضة، يتحولان وقوداً لنظريات المؤامرة والسخرية العابرة للحدود.

علاقة ماكرون وغلشيفته فراهاني... الشائعات التي أشعلت باريس

ويذهب تارديف أبعد من ذلك، حين يلمّح إلى أن المشادة ارتبطت باكتشاف رسائل متبادلة بين الرئيس والممثلة الفرنسية - الإيرانية غلشيفته فراهاني، المعروفة بحضورها القوي في السينما الفرنسية والعالمية، وبمواقفها السياسية والحقوقية الحادة منذ مغادرتها إيران قبل سنوات. ووفق ما تداوله الإعلام الفرنسي، فإن العلاقة لم تُقدَّم بوصفها «قصة عاطفية» بالمعنى التقليدي، بل كصلة فكرية وشخصية وُصفت أحياناً بـ«الأفلاطونية»، وهو توصيف غذّى الفضول أكثر مما بدده.

الممثلة الفرنسية الإيرانية غلشيفته فراهاني (إنستغرام)

فراهاني نفسها تعاملت مع الشائعات ببرود لافت، عادَّة في تصريحات صحافية أن الهوس بهذا النوع من القصص يعكس «نقصاً في الحب داخل المجتمع»، مذكّرة بأنها تعيش أصلاً علاقة مستقرة. لكن مجرد ورود اسم ممثلة ذات شهرة دولية في محيط رئيس الجمهورية كان كافياً لإشعال دوامة من التأويلات السياسية والإعلامية، خصوصاً في مناخ فرنسي باتت فيه الحياة الخاصة للرؤساء مادة استهلاك يومية.

وهنا تحديداً، ينجح الكتاب في التقاط التحول العميق الذي أصاب الحياة العامة الفرنسية: لم يعد الرئيس مجرد صانع قرار، بل أصبح «شخصية سردية» تُستهلك يومياً عبر الشاشات والمنصات، حيث تختلط السياسة بالعاطفة، والسلطة بالصورة، والحقيقة بالإشاعة في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود التقليدية بين الخاص والعام.

هل أخطأ ماكرون بتسييس حياته الزوجية؟

أسلوب تارديف يقوم على المزج بين التحقيق السياسي والسرد الصحافي القريب من«الستوريتيلينغ»، حيث تتحول كواليس الإليزيه مسرحاً للعلاقات الإنسانية بقدر ما هي مركز للسلطة. وهو بذلك يقترب من المدرسة الفرنسية التي ترى أن فهم السياسة يمر أحياناً عبر فهم العواطف والهشاشة والغيرة والتوترات الصامتة داخل دوائر الحكم.

لكن الكتاب يطرح أيضاً سؤالاً أعمق: هل أخطأ ماكرون منذ البداية حين جعل من حياته الزوجية جزءاً من خطابه السياسي؟ فالقصة التي منحته في بداياته صورة الرجل المختلف والجريء، أصبحت اليوم نقطة ضعف دائمة، تستغلها المعارضة، وتضخمها المنصات الرقمية، وتراقبها الصحافة العالمية بوصفها مؤشراً على تآكل السلطة نفسها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ينزلان من الطائرة لدى وصولهما إلى هانوي (أ.ف.ب)

في النهاية، لا يقدم الكتاب أسراراً صادمة بقدر ما يقدم تشريحاً هادئاً لعلاقة تعيش تحت ضغط الرئاسة والكاميرات والتوقعات العامة. إنه كتاب عن السلطة حين تدخل البيت، وعن الحب حين يصبح شأناً جمهورياً، وعن رئيس اكتشف متأخراً أن أخطر ما يواجه السياسي المعاصر ليس المعارضة فقط، بل الصورة أيضاً.

في هذا النوع من الكتب، لا يبحث القارئ فقط عن «الأسرار»، بل عن هشاشة القادة أيضاً. وهذا ما ينجح فيه الكاتب أن يُظهر الرئيس الفرنسي خارج الخطابات الرسمية، في تلك المسافة الرمادية بين السلطة والإنسان، حيث يبدو ماكرون أقل صلابة مما توحي به المنصات، وأكثر اعتماداً على شريكته مما تعترف به السياسة عادة.


مقالات ذات صلة

باريس ولندن تدفعان باتجاه تسريع إطلاق «مهمة هرمز»

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الكيني ويليام روتو يسيران معاً باتجاه مقر قمة «أفريقيا إلى الأمام» في نيروبي الاثنين (أ.ف.ب)

باريس ولندن تدفعان باتجاه تسريع إطلاق «مهمة هرمز»

باريس ولندن تدفعان باتجاه تسريع إطلاق «مهمة هرمز» واجتماع لندن الثلاثاء سيركز على تحديد مساهمات الأطراف الراغبة بالمشاركة.

ميشال أبونجم (باريس)
أفريقيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال كلمة في حفل افتتاح الحرم الجامعي الجديد لجامعة سنجور في برج العرب المصرية (أ.ف.ب)

ماكرون لعقد قمة مع قادة أفارقة... إعادة تموضع وسط انحسار النفوذ

تتجه الأنظار لأول قمة تجمع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع قارة أفريقيا منذ وصوله للحكم في 2017، وسط نفوذ متصاعد لموسكو، وتراجع لافت لباريس.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)

ماكرون يركض في شوارع الإسكندرية... رسائل ودّ خارج القاعات الرسمية

تلقى مصريون رسائل فرنسية بدت من منظورهم ودية، مع حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إضفاء طابع غير رسمي على زيارته إلى مصر، الأحد، عبر الركض في الشوارع.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية تتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمناسبة «قمة الطاقة النووية» في ضاحية بولوني القريبة من باريس 10 مارس 2026 (رويترز)

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين… والرئيس ماكرون والمستشار ميرتس أخفقا في بناء علاقة وثيقة تدفع أوروبا إلى الأمام

ميشال أبونجم (باريس)

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».