دراسة: انقطاع النفس أثناء النوم قد يؤثر على العضلات بشكل غير متوقع

الدراسة أظهرت وجود ارتباط ملحوظ بين انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وارتفاع مؤشر كتلة العضلات (بكسلز)
الدراسة أظهرت وجود ارتباط ملحوظ بين انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وارتفاع مؤشر كتلة العضلات (بكسلز)
TT

دراسة: انقطاع النفس أثناء النوم قد يؤثر على العضلات بشكل غير متوقع

الدراسة أظهرت وجود ارتباط ملحوظ بين انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وارتفاع مؤشر كتلة العضلات (بكسلز)
الدراسة أظهرت وجود ارتباط ملحوظ بين انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وارتفاع مؤشر كتلة العضلات (بكسلز)

اكتشف باحثون اختلافاً في بنية العضلات لدى المصابين بانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم.

وحسب دراسة جديدة نُشرت في مجلة «Sleep and Breathing»، يميل المصابون بهذا الاضطراب إلى امتلاك مؤشر أعلى لكتلة العضلات، أي مساحة أكبر نسبةً إلى الطول، لكن بكثافة أقل.

ويعني ذلك أن هؤلاء قد يبدون وكأن لديهم كتلة عضلية أكبر، إلا أن هذه العضلات تكون أقل كثافة وربما أقل كفاءة من الناحية الوظيفية.

جمع الباحثون بيانات من 209 بالغين خضعوا لدراسة نوم ليلية، بالإضافة إلى تصوير مقطعي للصدر أو البطن، وفقاً لبيان صحافي.

وبالمقارنة مع مجموعة ضابطة، تبيّن أن المصابين بانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم كانوا أكبر سناً، وغالباً من الذكور، وأعلى وزناً في المتوسط. كما كانوا أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى انخفاض مستويات الأكسجين أثناء النوم.

أظهرت النتائج وجود ارتباط ملحوظ بين انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وارتفاع مؤشر كتلة العضلات. ومع ذلك، ارتبط انخفاض كثافة العضلات بشكل أوضح بالعمر والوزن أكثر من ارتباطه بالمرض نفسه.

كما ارتبطت زيادة شدة انقطاع النفس أثناء النوم بانخفاض كثافة العضلات الهيكلية وارتفاع مؤشرها، ما يشير إلى عضلات أكبر حجماً لكنها أقل كثافة.

وبيّنت النتائج أيضاً أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم يرتبط بشكل قوي بانخفاض كثافة العضلات وارتفاع مؤشرها، في حين يرتبط التقدم في العمر بشكل واضح بانخفاض كثافة العضلات.

وأظهرت الدراسة أن الأفراد الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً، وكذلك من لديهم مؤشر كتلة جسم يتجاوز 30، يرتبطون بشكل أقوى بانخفاض كثافة العضلات مقارنةً بتأثير انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم وحده.

وفي تعليق مبسّط على النتائج، قالت الأخصائية النفسية السريرية ويندي تروكسل إن «المصابين بانقطاع النفس أثناء النوم قد يبدون وكأن لديهم كتلة عضلية أكبر، لكن هذه العضلات قد تكون أقل صحة لأنها تحتوي على نسبة أعلى من الدهون، ما قد يضعف القوة ويؤثر في الوظائف الأيضية».

ولم تشارك تروكسل في إعداد الدراسة.

وأضافت: «يتقاطع هذا النمط مع الساركوبينيا، وهي حالة سريرية تصبح فيها العضلات أضعف وأقل كفاءة، حتى لو لم ينخفض حجمها بشكل كبير».

وأشارت تروكسل إلى وجود ارتباط «مهم» بين شدة انقطاع النفس أثناء النوم وجودة العضلات، لكنه كان «محدوداً مقارنة بعوامل الخطر المعروفة، بما في ذلك العمر وكتلة الجسم».

وأضافت: «يشير ذلك إلى أن انقطاع النفس أثناء النوم قد يكون مؤشراً ضمن ملف أوسع من المخاطر الأيضية».

وتابعت: «من الناحية السريرية، تبرز هذه النتائج أن انقطاع النفس أثناء النوم ليس مجرد اضطراب تنفسي ليلي، بل قد يكون دلالة على خلل أيضي كامن يؤثر في أنظمة متعددة، بما في ذلك صحة العضلات».

«الحصول على تشخيص أمر مهم»

في مقابلة مع «فوكس نيوز»، علّق المؤلف المشارك للدراسة أرييل تاراسيوك، على النتائج التي وصفها بـ«المفارِقة».

وقال: «بدا أن للعمر والسمنة تأثيراً أقوى على صحة العضلات من انقطاع النفس أثناء النوم نفسه»، مضيفاً: «يشير ذلك إلى أنه رغم احتمال وجود دور لانقطاع النفس أثناء النوم، فإنه من غير المرجح أن يكون العامل الأساسي وراء هذه التغيرات».

وأشار إلى أن المرضى يجب أن يدركوا أن انقطاع النفس أثناء النوم لا يقتصر على الشخير أو سوء النوم، بل قد يؤثر في الصحة العامة، بما في ذلك وظائف العضلات.

وأضاف: «الحصول على تشخيص وعلاج مناسبين أمر مهم»، لافتاً إلى أن «العلاج بجهاز الضغط الهوائي المستمر (CPAP) يمكن أن يُحدث فرقاً حقيقياً في تحسين التنفس وجودة النوم، لكنه ليس الحل الوحيد».

وقال: «الحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني أمران مهمان بالقدر نفسه لصحة العضلات ولتقليل شدة انقطاع النفس أثناء النوم»، وأضاف: «باختصار، علاج انقطاع النفس أثناء النوم يتعلق بحماية الصحة على المدى الطويل، وليس فقط بالحصول على نوم أفضل».

وأشار تاراسيوك إلى أن زيادة حجم العضلات لا تعني بالضرورة أنها أكثر صحة، إذ قد تتخلل بعض العضلات دهون تقلل من قوتها وأدائها.

وقال: «هذا يسلّط الضوء على أهمية عدم الاكتفاء بحجم العضلات وحده»، مضيفاً: «يمكن للفحوصات الروتينية، مثل التصوير المقطعي المحوسب الذي يُجرى لأسباب أخرى، أن توفّر أحياناً مؤشرات إضافية حول جودة العضلات».

وتابع: «بشكل عام، تشير النتائج إلى ضرورة اعتماد نهج أكثر شمولاً: معالجة مجرى التنفس، مع التركيز أيضاً على الوزن والنشاط البدني والصحة الأيضية».

ولفت تاراسيوك إلى أن نتائج الدراسة قد لا تنطبق على جميع الفئات، نظراً لإجرائها في مركز واحد.

كما لم تتوفر للباحثين بيانات حول عوامل نمط الحياة مثل النشاط البدني والنظام الغذائي والتدخين أو استهلاك الكحول، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في صحة العضلات.

وأضاف: «في المستقبل، ستساعد دراسات أكبر تشمل مراكز متعددة في تأكيد هذه النتائج وتقديم صورة أوسع».

وتابع: «كما ستركز الأبحاث المقبلة بشكل أكبر على النتائج ذات الأهمية في الحياة اليومية، مثل استجابة المرضى للعلاجات مثل جهاز CPAP، وعلى فهم كيفية تطور التغيرات في العضلات مع مرور الوقت لدى المصابين بانقطاع النفس أثناء النوم».


مقالات ذات صلة

4 مشروبات قد تساعدك على النوم بشكل أفضل

صحتك يمكن لبعض المشروبات البسيطة أن تساعد الجسم على النوم (بيكسلز)

4 مشروبات قد تساعدك على النوم بشكل أفضل

يمكن لبعض المشروبات البسيطة أن تكون خيارات مناسبة ضمن روتين هادئ يساعد الجسم والعقل على الاستعداد للنوم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك التعرض حتى لقدر ضئيل من الضوء خلال النوم قد يؤدي إلى تغيرات في شكل عضلة القلب (بيكسلز)

النوم في ضوء خافت... خطر خفي قد يهدد صحة قلبك

دراسة جديدة تشير إلى أن القدر الضئيل من الإضاءة قد لا يكون بريئاً تماماً؛ إذ يمكن أن يؤثر التعرض للضوء خلال النوم في شكل عضلة القلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قلة النوم تؤثر على جميع جوانب صحتك تقريباً (بيكساباي)

ما الذي يتغير في نومك بعد سن الخمسين؟

يختلف النوم بعد سن الخمسين عما كان عليه في العشرينات، أو الثلاثينات، وعليك فهم ما هو طبيعي، والانتباه لما هو غير طبيعي، وبناء عادات تدعم النوم الذي يحتاجه جسمك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك انقطاع النفس النومي قد يُشعرك بالإرهاق خلال النهار ويُؤثر على صحتك العامة (بيكسباي)

الشخير المتواصل... متى يكون علامة على انقطاع النفس أثناء النوم؟

انقطاع النفس النومي حالة شائعة لكنها غالباً ما تُهمل وتتسبب في توقف التنفس ثم استئنافه أثناء النوم. مما يُؤثر سلباً على النوم ويُقلل من مستويات الأكسجين بالجسم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك ماذا يحدث لجسمك خلال أسبوع من التوقف عن تناول القهوة؟

ماذا يحدث لجسمك خلال أسبوع من التوقف عن تناول القهوة؟

قد يؤدي التوقف المفاجئ عن تناول القهوة إلى أعراض الانسحاب مثل الصداع والتغيرات المزاجية ولكن مع انتهاء الأسبوع الأول يتولى الجسم زمام الأمور ويعود إلى طبيعته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة
TT

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

لم تختفِ السالمونيلا من المشهد الصحي العالمي؛ ففي عام 2026 وحده، تعقبت الجهات الصحية والرقابية في الولايات المتحدة وأوروبا فاشيات امتدت عبر دول وولايات عديدة، وارتبطت بمصادر مختلفة من البيض والدواجن إلى براعم البرسيم و«المورينغا» و«النودلز»، بل وحتى الحيوانات المنزلية.

وتكشف هذه الفاشيات أن عدوى السالمونيلا، رغم كونها معروفة منذ زمن طويل ورغم التقدم الكبير في أنظمة سلامة الغذاء، لا تزال قادرة على العودة إلى الواجهة من وقت إلى آخر. وتُعدّ «منظمة الصحة العالمية» السالمونيلا أحد أربعة أسباب عالمية رئيسية لأمراض الإسهال.

لكن؛ لماذا تستمر هذه البكتيريا في إحداث الفاشيات؟ وكيف تنتقل إلى الإنسان؟ وهل تقتصر على الدجاج والبيض كما يعتقد كثيرون؟ ومتى تتحول العدوى من اضطراب معوي عابر إلى مرض قد يستدعي دخول المستشفى؟

فاشيات عابرة للحدود

> أميركا: شهد عام 2026 عدداً من فاشيات السالمونيلا اللافتة؛ ففي الولايات المتحدة سجلت السلطات الصحية ثماني فاشيات مرتبطة بالدواجن المنزلية، ووصل عدد المصابين، وفق تحديث رسمي في يوليو (تموز) الماضي، إلى 814 شخصاً في 44 ولاية وإقليماً أميركياً، دخل منهم 201 المستشفى، وسُجلت وفاة واحدة. وكان نحو ربع المصابين من الأطفال دون الخامسة، وفقاً للمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، في يوليو 2026.

كما شهدت الولايات المتحدة فاشية مرتبطة بالبيض أصابت أكثر من مائة شخص وأدت إلى سحب كميات كبيرة من الأسواق، إلى جانب فاشيات أخرى ارتبط بعضها بمنتجات من نبات المورينغا (البان الزيتي) وبراعم البرسيم.

> أوروبا: امتدت فاشية من نوع «Salmonella Bovismorbificans ST377» إلى 10 دول أوروبية إضافة إلى المملكة المتحدة، وسُجلت 109 إصابات و18 حالة دخول إلى المستشفى، مع تسجيل وفاة مؤكدة وأخرى محتملة في فنلندا. وقادت التحقيقات إلى براعم البرسيم، ثم إلى البذور المستخدمة في إنتاجها، وفقاً للمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC)، يونيو (حزيران) 2026. ولم تكن هذه الفاشية الوحيدة؛ فقد شهدت أوروبا أيضاً فاشية من «Salmonella Stanley ST2045» ارتبطت بمنتجات «نودلز» منكّهة، وسُجلت 106 حالات مؤكدة في 13 دولة أوروبية، إضافة إلى المملكة المتحدة، مع دخول 49 مصاباً على الأقل إلى المستشفى.

وتقدم هذه الأحداث رسالة واضحة: السالمونيلا ليست مشكلة مرتبطة بنوع واحد من الغذاء، ولا تتوقف بالضرورة عند حدود دولة واحدة.

> السعودية: الوقاية تبدأ قبل وصول الغذاء إلى المستهلك. وتخضع السالمونيلا للترصد والتبليغ ضمن الأمراض المنقولة بالغذاء أو الماء، وفق تصنيف وزارة الصحة. وحتى إعداد هذا الموضوع، لم يُعلن رسمياً عن فاشية واسعة مماثلة لما شهدته دول أخرى خلال عام 2026.

وفي المقابل، تكشف البيانات المنشورة عن إجراءات رقابية تستهدف منع الأغذية الملوثة قبل وصولها إلى المستهلك؛ فقد أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء في فبراير (شباط) 2026، أنها منعت خلال الربع الأخير من عام 2025، دخول نحو1671 طناً من المنتجات الغذائية الملوثة أو غير المطابقة، بعد أن كشفت التحاليل المخبرية عن تلوث منتجات بالليستيريا والسالمونيلا والإشريكية القولونية.

وفي تقرير لاحق عن أعمالها الرقابية خلال الربع الأول من 2026، أعلنت الهيئة تنفيذ 15230 زيارة تفتيشية، ومنع دخول 1057 طناً من المنتجات الغذائية غير المطابقة. وكان التلوث بميكروبات قد تؤدي إلى التسمم الغذائي، ومنها السالمونيلا والليستيريا والإشريكية القولونية، من بين أسباب المنع.

وتعكس هذه الإجراءات أهمية الرقابة والفحص المخبري ومنع المنتجات الملوثة قبل وصولها إلى الأسواق، إلى جانب متابعة سلامة الغذاء داخل المملكة، بوصفها خطوط دفاع وقائية تحدّ من وصول السالمونيلا، وغيرها من مسببات الأمراض المنقولة بالغذاء إلى المستهلك.

ما السالمونيلا؟

السالمونيلا جنس من البكتيريا يضم أنواعاً وسلالات متعددة. وعند الحديث عن الفاشيات الغذائية الشائعة، يكون المقصود غالباً السالمونيلا غير التيفية (Non-typhoidal Salmonella)، وهي تختلف عن السلالات المسببة لحمى التيفوئيد والباراتيفوئيد. وتوجد هذه البكتيريا على نطاق واسع في الحيوانات، ويمكن أن تحملها الدواجن والأبقار والخنازير والطيور، وكذلك بعض الحيوانات الأليفة والزواحف. والمشكلة أن الحيوان قد يحمل السالمونيلا من دون أن يبدو مريضاً.

وتحدث العدوى لدى الإنسان غالباً بعد تناول طعام ملوث بالبكتيريا، إلا أن انتقالها قد يحدث أيضاً عن طريق ملامسة الحيوانات أو بيئتها، أو من شخص إلى آخر عبر الطريق البرازي الفموي عند عدم الالتزام الجيد بنظافة اليدين.

• عدوى ليست مقصورة على الدجاج والبيض فقط:: يرتبط اسم السالمونيلا في أذهان كثيرين بالدجاج النيئ أو البيض، وهما بالفعل من المصادر المعروفة للعدوى، لكن القائمة أطول من ذلك؛ فاللحوم والحليب ومنتجاته غير المبسترة وبعض الخضراوات والفواكه قد تتلوث بالبكتيريا، كما أن البراعم النباتية تستحق اهتماماً خاصاً؛ إذ توفر البيئة الدافئة والرطبة اللازمة لإنبات البذور ظروفاً يمكن أن تساعد أيضاً في تكاثر البكتيريا.

وهناك طريق آخر قد لا يخطر على البال: الحيوانات المنزلية؛ فالدجاج والبط والسلاحف والسحالي وغيرها من الحيوانات قد تحمل السالمونيلا من دون علامات ظاهرة، ثم تنتقل البكتيريا إلى الإنسان عبر اليدين أو الأسطح والأشياء الموجودة في بيئة الحيوان.

> متى تصبح العدوى شديدة؟: تظهر أعراض السالمونيلا عادة خلال ساعات إلى بضعة أيام من التعرض للبكتيريا، وأكثرها شيوعاً الإسهال والحمى وتقلصات أو آلام البطن، وقد يصاحبها الغثيان والقيء والصداع وفقدان الشهية. وتكون غالبية الإصابات محدودة ذاتياً، ويتعافى كثير من المرضى خلال عدة أيام من دون علاج نوعي. لكن العدوى قد تصبح أكثر خطورة إذا أدى الإسهال والقيء إلى الجفاف، أو إذا انتقلت البكتيريا من الأمعاء إلى مجرى الدم أو أعضاء أخرى. وقد تسبب في هذه الحالات مضاعفات خطيرة؛ مثل تجرثم الدم أو التهاب السحايا أو إصابات العظام والمفاصل. وقد يصاب بعض المرضى بعد انتهاء العدوى بما يعرف بـالتهاب المفاصل التفاعلي (Reactive Arthritis)، الذي يسبب آلاماً في المفاصل، وقد يستمر لدى بعض الأشخاص أشهراً أو سنوات.

> من الأكثر عرضة للمضاعفات؟: يمكن لأي شخص أن يصاب بالسالمونيلا، لكن احتمالات المرض الشديد ليست متساوية بين الجميع.

ويأتي الأطفال الصغار، لا سيما دون الخامسة، وكبار السن، والأشخاص ذوو المناعة الضعيفة ضمن الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات. ولذلك تكتسب الوقاية أهمية أكبر في المنازل التي تضم أحد هؤلاء.

> هل يحتاج المصاب إلى مضاد حيوي؟: ليس بالضرورة؛ فمعظم حالات السالمونيلا غير المعقدة تتحسن من دون مضادات حيوية، ويتركز العلاج أساساً على تعويض السوائل والشوارد الكهربائية ومنع الجفاف.

ولا توصَى المضادات الحيوية بصورة روتينية للحالات الخفيفة أو المتوسطة لدى الأشخاص الأصحاء؛ إذ لا يحتاج معظم المصابين إليها، كما أن استخدامها عندما لا تكون هناك حاجة إليها يمكن أن يسهم في مشكلة مقاومة المضادات الحيوية. لكن الطبيب قد يلجأ إليها في الحالات الشديدة، أو عند انتشار العدوى خارج الأمعاء، أو لدى بعض المرضى الأكثر عرضة للإصابة بالمرض الغازي. ومن هنا فإن الإصابة بالإسهال بعد تناول طعام مشتبه فيه لا تعني أن يبدأ المريض مضاداً حيوياً من تلقاء نفسه.

وقد يستمر طرح السالمونيلا في البراز بعد زوال الأعراض؛ لذلك تظل العناية بنظافة اليدين مهمة حتى بعد التعافي، ويوصي «CDC» بمزيد من الحرص على النظافة لمدة أسبوعين على الأقل بعد انتهاء الإسهال.

تظل العناية بنظافة اليدين مهمة حتى بعد التعافي من أعراض السالمونيلا

الاستشارة الطبية والوقاية

> متى نحتاج إلى الطبيب؟: ينبغي طلب المشورة الطبية عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة، خصوصاً إذا استمر الإسهال أو القيء أكثر من يومين، أو ظهر دم في البراز، أو ارتفعت الحرارة بصورة ملحوظة، أو ظهرت علامات الجفاف.

ومن العلامات التي تستدعي الانتباه: قلة التبول، والبول الداكن، والعطش الشديد، وجفاف الفم أو الحلق، والدوخة. ويحتاج الأطفال الصغار وكبار السن وذوو المناعة الضعيفة إلى قدر أكبر من الحذر؛ لأن حالتهم قد تتدهور بصورة أسرع.

> الوقاية تبدأ من المطبخ: يمكن الوقاية من نسبة كبيرة من العدوى عبر ممارسات بسيطة في التعامل مع الغذاء. ووفقاً للإرشادات الأميركية لسلامة الغذاء، يمكن تلخيص المبادئ الأساسية في 4 قواعد: نظّف، وافصل، واطهِ، وبرّد.

- نظّف (Clean): اغسل اليدين جيداً بالماء والصابون قبل إعداد الطعام وبعد التعامل مع اللحوم والدواجن النيئة، ونظّف الأسطح والأدوات وألواح التقطيع. ومن الأخطاء الشائعة غسل الدجاج النيئ قبل طهيه؛ إذ قد يؤدي تناثر الماء إلى نشر البكتيريا في الحوض والأسطح والأطعمة المجاورة.

- افصل (Separate): افصل اللحوم والدواجن النيئة عن الأطعمة الجاهزة للأكل، ولا تستخدم لوح التقطيع أو السكين نفسيهما للخضراوات بعد ملامستهما للدجاج النيئ من دون تنظيف مناسب.

- اطهِ (Cook): اطهِ الدواجن جيداً حتى تصل حرارتها الداخلية إلى نحو 74 درجة مئوية، واطهِ البيض جيداً، مع مزيد من الحذر تجاه الأطعمة التي تحتوي على البيض النيئ أو غير مكتمل النضج، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

- برّد (Chill): لا تترك الأطعمة القابلة للتلف وبقايا الطعام في درجة حرارة الغرفة أكثر من ساعتين، وتنخفض المدة إلى ساعة واحدة إذا تعرض الطعام لحرارة تتجاوز نحو 32 درجة مئوية؛ وهي قاعدة تكتسب أهمية خاصة في الأجواء الحارة والرحلات والتجمعات.

- التعامل مع الحيوانات. القاعدة التي ينبغي تذكرها بسيطة: الحيوان لا يحتاج إلى أن يبدو مريضاً حتى ينقل السالمونيلا.

ومن المهم غسل اليدين بالماء والصابون بعد لمس الدواجن المنزلية أو بيضها أو الأدوات الموجودة في محيطها، وعدم تقريب الكتاكيت والبط من الوجه أو تقبيلها.

ويحتاج الأطفال الصغار إلى حماية أكبر عند التعامل مع الدواجن المنزلية. وينطبق الحذر كذلك على الزواحف والبرمائيات، التي قد تحمل السالمونيلا وهي تبدو سليمة تماماً. وتؤكد فاشيات الدواجن المنزلية التي سجلها «CDC» خلال 2026، أهمية هذه الرسالة، لا سيما أن ربع المصابين فيها تقريباً كانوا دون الخامسة.

- خط الدفاع الأخير: سلوكنا اليومي. تكشف فاشيات 2026 أن السالمونيلا لم تصبح مرضاً من الماضي، وأن أنظمة إنتاج الغذاء وتوزيعه عالمياً يمكن أن تجعل منتجاً ملوثاً واحداً يتجاوز حدود مدينة أو دولة خلال فترة قصيرة.

وفي المقابل، تكشف وسائل الوقاية أن كثيراً من خطوط الدفاع ضد العدوى يبدأ بسلوكيات يومية بسيطة.

وتوفر الرقابة الصحية وسلامة الغذاء خطوط الدفاع الأولى على مستوى المجتمع، لكن خط الدفاع الأخير يبقى في المنزل وبين يدي المستهلك؛ فسلامة الطعام لا تتوقف عند وصوله إلى الأسواق، وإنما تستمر حتى لحظة إعداده وتقديمه على المائدة.

* استشاري طب المجتمع


علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»
TT

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من قسم علم النفس بجامعة كونكورديا Concordia University في كندا، ونُشرت في مجلة علم النفس the journal BMC Psychology في نهاية شهر يونيو (حزيران) من العام الحالي، أن المراهقين الذين يعانون سلوكيات مضطربة وسمات تتميز بالقسوة يحتاجون إلى مجموعة متنوعة من الطرق العلاجية، تشمل تقويم السلوك والدعم النفسي والقضاء على الأسباب الرئيسية لها.

خلل سلوكي

من المعروف أن الأطفال والمراهقين الذين يعانون خللاً سلوكياً، في الأغلب يتسببون في حدوث مصاعب كثيرة لهم وللأسر التي ينتمون إليها، وتكمن المشكلة الحقيقية في عدّ المشاكل التي تتعلق بالخلل السلوكي، مثل ممارسة العدوانية والتحدي وخرق القواعد بشكل خطير، مجرد مشاكل سلوكية فقط، ولكن في حقيقة الأمر هذه السلوكيات لها أسباب متعددة تحتاج إلى مجموعة من العلاجات.

وقد استشار الباحثون 86 خبيراً من مختلف المجالات للوقوف على أولويات العلاج، بحيث شملت قائمة الخبراء آباء وأطباء وباحثين اجتماعيين، وكانوا جميعاً في منتصف العمر تقريباً؛ لضمان مواكبة طرق التعامل مع المراهقين والأطفال.

وتناولت آراء الخبراء ومقترحات العلاج جميع جوانب مشاكل اضطرابات السلوك، فيما يتعلق بالدوافع الرئيسية والأسباب النفسية والعاطفية التي يمكن أن تؤثر على سلامة الإدراك، وتم أيضاً مناقشة أولويات العلاج لكل مرحلة عمرية.

أُجريت التقييمات بشكل منفصل للأطفال (من عمر الثالثة إلى عمر الثانية عشرة)، والمراهقين (من عمر 13 إلى 18 عاماً)، حيث ناقش الخبراء البيئة المحيطة بالأطفال والمراهقين بالتفصيل، وركّزوا بشكل خاص على البيئة الأساسية للطفل، وهي الجوانب الأسرية مثل طريقة المعاملة في المنزل، سواء من الآباء أو من الإخوة، وهل يتمتع المراهق والطفل بالدعم النفسي من أفراد أسرته من عدمه.

وتمت أيضاً مناقشة العوامل الداخلية والخارجية التي يمكن أن تدفع الطفل إلى ممارسة السلوكيات التخريبية، وشملت العوامل الداخلية المزاج العام للطفل وصحته النفسية وطبيعة تصرفاته، وهل تتسم بالتخريب في كل وقت وكل مكان، بمعنى: هل يمارس الطفل أو المراهق هذه السلوكيات في المدرسة فقط أو النادي فقط أو مع الأقران في الجوار فقط، أم يمارسها بشكل عام في كل المجتمعات التي يتردد عليها؟

اهتم الخبراء أيضاً بمعرفة تأثير عامل العمر والتغيرات النفسية والهرمونية على الأطفال؛ لأن هذه التغيرات يمكن أن تكون السبب الأساسي في هذه التصرفات. وعلى سبيل المثال، هناك بعض الأطفال لا يمارسون هذه التصرفات التخريبية إلا في مرحلة المراهقة فقط، في حين هناك البعض الآخر يبدأ في ممارسة هذا التصرفات عند بداية دخول المدرسة؛ لذلك من المهم وضع المرحلة العمرية في الحسبان عند تقييم الحالة والبحث عن علاج مناسب لكل مرحلة عمرية.

وناقش الخبراء أيضاً، اختلاف السلوكيات التخريبية بين الذكور والإناث، سواء قبل البلوغ أو بعده، من حيث اختلاف شكل السلوكيات التخريبية وممارسة العدوانية ومدى شدة الإيذاء والاستجابة للتدخلات العلاجية من عدمه.

أهداف علاجية

حدَّد الخبراء 26 هدفاً علاجياً لهم أولوية عالية بالنسبة للأطفال و30 هدفاً للمراهقين، حيث تركزت أهم الأولويات العلاجية بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عاماً، على البيئة المنزلية بشكل أساسي. لأنها البيئة الأكثر تأثيراً في سلوك الطفل سلباً وإيجاباً في هذه المرحلة العمرية، وتُعدّ المحرك الرئيسي للأفعال التخريبية وممارسة العدوانية تجاه الآخرين.

شملت العوامل التي يجب تعديلها في البيئة المنزلية، المعاملة السيئة للطفل من قِبل الوالدين واستخدام العنف في التعامل معه، سواء العنف الجسدي أو العنف اللفظي، إهمال الطفل وعدم الاهتمام به وعدم التفاعل مع المشكلات التي يقابلها وإرشاده إلى الطريقة السليمة لحلها، ضعف المشاركة بين الوالدين والتنصل من رعاية الطفل من أحد الطرفين، والمعتقدات السلبية المسبقة للوالدين تجاه الطفل وتوقعهم لحدوث أفعال سيئة باستمرار.

على الرغم من أن عامل التمتع بالمهارات العاطفية للطفل مثل التعاطف مع الآخرين والقدرة على تنظيم المشاعر، لم يكن بالقدر نفسه من الأهمية مثل البيئة المنزلية في هذه المرحلة العمرية، فإنه لعب دوراً كبيراً أيضاً في حدوث السلوكيات التخريبية، وقال الخبراء إن تعديل هذا العامل بالإيجاب يمكن أن يساعد في العلاج لأن تنمية التعاطف مع الآخر والتفاعل مع حزنه تمنع بالضرورة وجود أي سلوكيات تؤدي إلى إيذاء الآخرين.

في المقابل، لعبت العوامل المدرسية والبيئة المحيطة بالأطفال، دوراً أقل أهمية من المنزل والمهارات العاطفية في هذه الفئة العمرية. فبالنسبة للمراهقين، على الرغم من أن العوامل الأسرية والتربوية ظلت مهمة، لكن قائمة أولويات العلاج والتعديل اتسعت، حيث قام الخبراء بتحديد أهداف تتعلق بضرورة التركيز على تعديل العوامل العاطفية بشكل أساسي، بما في ذلك صعوبات التعاطف وعدم القدرة على تنظيم المشاعر، والغضب العارم وممارسة العدوانية بمختلف الأشكال سواء على الآخرين أو على الممتلكات، والرغبة في فرض السيطرة على الأقران.

أوصت لجنة الخبراء بضرورة إعطاء الأولوية لزيادة الوعي بين الأطفال والمراهقين، مثل تصحيح القيم المنحرفة والمفاهيم الخاطئة التي تمجّد العنف والعدوانية. وأكدت اللجنة على ضرورة تكاتف الجميع سواء أطباء أو آباء للقضاء على هذه المشكلة التي تهدد المجتمع، والتعامل مع السلوكيات التخريبية بالقدر الكافي من الاهتمام وعدم الاستهانة بها حتى في الفئات العمرية الصغيرة.

* استشاري طب الأطفال


متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر
TT

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

في ظل تزايد الاهتمام عالمياً بالحالات غير المشخصة، وارتفاع معدلات الشكوى من الألم المزمن غير المفسر، يتنامى تساؤل جوهري في الأوساط الطبية: كم من هذه الحالات قد يكون مرتبطاً باضطرابات كامنة في النسيج الضام لم يتم التعرف عليها بعد؟

ومع التقدم في فهم اضطرابات النسيج الضام وتأثيراتها متعددة الأجهزة، برزت الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على الأنماط الأكثر شيوعاً والأقل تشخيصاً. وفي هذا السياق، يتقاطع هذا الطرح مع ما يُعرف في الأدبيات الطبية بـ«رحلة التشخيص الضائع Diagnostic Odyssey»، التي يمر بها المرضى قبل الوصول إلى تفسير دقيق لأعراضهم.

ومن بين أبرز النماذج التي تجسّد هذه الفجوة بين الانتشار الحقيقي والتشخيص السريري، تبرز متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة Hypermobile Ehlers–Danlos Syndrome (hEDS)، حالةً قد تبدو شائعة في ممارسات الطب اليومي، لكنها لا تزال غير مرئية بالشكل الكافي في الوعي الطبي والتشخيصي.

اضطراب في النسيج الضام

تُصنَّف متلازمة إهلرز– دانلوس (EDS) ضمن اضطرابات النسيج الضام (Connective Tissue)، وهو النسيج الذي يمنح الجسم تماسكه ومرونته، ويشمل الجلد والأربطة والأوتار وجدران الأوعية الدموية. ويكمن الخلل في هذه المتلازمة في بنية أو وظيفة الكولاجين، وهو البروتين الأساسي المسؤول عن قوة الأنسجة ومرونتها.

وفي النمط مفرط الحركة من هذه المتلازمة (hEDS)، لا يكون الخلل مرتبطاً بطفرة جينية محددة يمكن رصدها مخبرياً كما في الأنماط الأخرى؛ وهو ما يجعل هذا النوع تحديداً أكثر تعقيداً من حيث التشخيص، رغم إدراجه ضمن التصنيفات الحديثة لاضطرابات النسيج الضام (Malfait et al., 2017).

• أنماط المتلازمة. لا تقتصر متلازمة إهلرز– دانلوس (EDS) على نمط واحد، بل تضم مجموعة من الأنماط السريرية التي تختلف في شدتها وخصائصها الجينية والعضوية. ووفق التصنيف الدولي الحديث، تُقسَّم المتلازمة إلى 13 نمطاً رئيسياً، من أبرزها:

- النمط الكلاسيكي (Classical EDS – cEDS)، ويتميّز بفرط مرونة الجلد مع قابلية عالية للتمدد، ووجود ندبات مميزة وضعف في التئام الجروح.

- النمط الوعائي (Vascular EDS – vEDS)، وهو الأكثر خطورة نظراً لارتباطه بهشاشة الأوعية الدموية واحتمالية حدوث تمزقات مفاجئة في الشرايين أو الأعضاء الداخلية.

- النمط المرتبط بالحداب (Kyphoscoliotic EDS – kEDS)، ويظهر عادة منذ الطفولة بانحناء العمود الفقري (حداب وجنف) مع ضعف في العضلات والمفاصل.

- النمط مفرط الحركة (Hypermobile EDS – hEDS)، الذي يُعدّ الأكثر شيوعاً والأقل تشخيصاً، ويتميّز بفرط حركة المفاصل وآلام مزمنة دون وجود اختبار جيني محدد.

وتتميّز معظم هذه الأنماط بإمكانية تحديد الطفرة الجينية المسببة لها؛ ما يسهم في تسهيل التشخيص، باستثناء النمط مفرط الحركة، الذي لا يزال يفتقر إلى اختبار جيني محدد، ويعتمد تشخيصه بشكل أساسي على المعايير السريرية. ويعكس هذا التنوع في الأنماط اختلافاً واسعاً في المظاهر السريرية، يتراوح بين أعراض خفيفة تقتصر على المفاصل والجلد، وحالات أكثر تعقيداً قد تشمل مضاعفات جهازية خطيرة؛ ما يستدعي تقييماً دقيقاً لكل حالة على حدة.

ومن بين هذه الأنماط المتعددة، يبرز النمط مفرط الحركة بوصفه الأكثر شيوعاً، والأكثر إثارة للتساؤلات، ويستدعي اهتماماً خاصاً؛ نظراً لانتشاره الواسع مقابل محدودية أدوات تشخيصه. وسوف نسلط الضوء عليه في هذا المقال.

• متلازمة إهلرز– دانلوس «مفرطة الحركة». تشير الأدبيات العلمية ومنها (Castori et al., 2017) إلى أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة تمثل ما يقارب 80 إلى 90 في المائة من جميع حالات المتلازمة، غير أن نسبة كبيرة من المصابين بها لا يتم تشخيصهم، أو يتم إدراجهم تحت تشخيصات أخرى مثل الألم العضلي الليفي أو متلازمة التعب المزمن.

وتعكس هذه الفجوة واقعاً سريرياً معقداً، حيث تتداخل الأعراض، وتتفاوت شدتها، وتغيب المؤشرات المخبرية الحاسمة؛ ما يجعل التشخيص يعتمد على التقييم السريري الدقيق والمعايير الإكلينيكية.

الأعراض والتشخيص

> أعراض المتلازمة. غالباً ما تبدأ القصة بمرونة لافتة في المفاصل خلال الطفولة أو المراهقة، وهي سمة قد تُفسَّر في البداية على أنها طبيعية أو حتى إيجابية. إلا أن هذه المرونة قد تتحول مع مرور الوقت مصدراً للمعاناة، حيث يعاني الطفل المصاب:

- فرط حركة المفاصل وعدم استقرارها

- خلعاً أو شبه خلع متكرراً

- آلاماً مزمنة في المفاصل والعضلات

- إرهاقاً شديداً ومستمراً

ولا تقتصر الأعراض على الجهاز الحركي، بل تمتد لتشمل اضطرابات متعددة، منها:

- مشاكل الجهاز الهضمي مثل القولون العصبي

- اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي، مثل متلازمة تسارع القلب الوضعي (POTS)

- صداع مزمن واضطرابات النوم

- أعراض نفسية مثل القلق والاكتئاب

وقد أظهرت دراسات منها (Tinkle et al., 2017) أن هذا الطيف الواسع من الأعراض يعكس طبيعة شاملة للاضطراب، تتجاوز كونه مشكلة موضعية في المفاصل.

• التشخيص. كيف يتم تشخيص هذا النمط من المتلازمة؟ بعكس بعض الأنماط الأخرى من متلازمة إهلرز– دانلوس، لا يتوفر حتى الآن اختبار جيني محدد لتشخيص النمط مفرط الحركة؛ وهو ما يجعل التشخيص يعتمد على معايير سريرية تم اعتمادها حديثاً في عام 2017.

وتشمل هذه المعايير:

- تقييم فرط الحركة باستخدام مقياس Beighton

- وجود أعراض داعمة متعددة

- استبعاد اضطرابات أخرى مشابهة

ويستلزم ذلك مستوى عالياً من الوعي الطبي والخبرة السريرية، وهو ما قد لا يتوفر دائماً؛ ما يؤدي إلى تأخر التشخيص لسنوات.

• تبعات المتلازمة... المآل المرضي. على الرغم من أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة لا تُعدّ من الحالات المهددة للحياة في معظم الأحيان، فإن تأثيرها على جودة الحياة قد يكون عميقاً ومتعدد الأبعاد. فالألم المزمن، الذي يتراوح بين الخفيف والمعيق، والإرهاق المستمر غير المتناسب مع الجهد المبذول، إلى جانب عدم استقرار المفاصل، تجعل الأنشطة اليومية البسيطة - مثل المشي، أو الجلوس لفترات طويلة، أو حتى أداء المهام الوظيفية - تحدياً مستمراً لكثير من المرضى.

ولا يقتصر التأثير على الجانب الجسدي، بل يمتد ليشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية، حيث يرتبط المرض بزيادة معدلات القلق والاكتئاب؛ نتيجة التعايش مع أعراض غير مرئية في كثير من الأحيان، وما يرافقها من سوء فهم أو تقليل من قبل المحيطين. كما قد يؤدي تذبذب الأعراض إلى صعوبة في الحفاظ على نمط حياة مستقر، سواء على المستوى المهني أو الدراسي.

ومن الناحية الوظيفية، تشير الملاحظات السريرية في الدراسات التي أجريت ومنها (Hakim et al., 2021) إلى أن نسبة من المرضى قد تعاني تراجعاً في القدرة على العمل أو الحاجة إلى تعديلات وظيفية خاصة، نتيجة الألم المزمن أو الإرهاق أو اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي، مثل متلازمة تسارع القلب الوضعي (POTS)، التي تسهم في زيادة الشعور بالدوخة وعدم التحمل الوقوفي.

ويُعدّ ما يُعرف بـ«رحلة التشخيص الضائع» من أبرز التحديات التي يواجهها المصابون، حيث قد يستغرق الوصول إلى التشخيص الصحيح سنوات طويلة، مع تعدد الزيارات الطبية واختلاف التفسيرات؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على ثقة المريض بالنظام الصحي، ويؤخر بدء التدخلات المناسبة.

ورغم هذه التحديات، فإن المآل المرضي (Prognosis) في معظم الحالات يمكن تحسينه بشكل ملحوظ عند التشخيص المبكر واتباع خطة علاجية متعددة التخصصات، ترتكز على التأهيل الحركي، وإدارة الألم، والتعامل مع الحالات المصاحبة. ويؤكد ذلك أن العبء الحقيقي للمتلازمة لا يكمن في خطورتها الحيوية، بقدر ما يتمثل في أثرها التراكمي على جودة الحياة، وهو أثر يمكن التخفيف منه بقدر كافٍ من الوعي والتشخيص الدقيق والتدخل المبكر.

« رحلة التشخيص الضائع» من أبرز التحديات التي يواجهها المصابون... مع تعدد الزيارات الطبية واختلاف التفسيرات

إدارة الحالة

حتى اليوم، لا يوجد علاج شافٍ لمتلازمة hEDS، غير أن التدخل المبكر يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في مسار المرض. ويُعد العلاج الطبيعي حجر الأساس في التعامل مع الحالة، حيث يركز على:

- تقوية العضلات المحيطة بالمفاصل

- تحسين الاستقرار الحركي

- تقليل خطر الإصابات

كما تشمل الخطة العلاجية:

- إدارة الألم بوسائل دوائية وغير دوائية: تعتمد على مزيج من المسكنات البسيطة عند الحاجة، إلى جانب تقنيات غير دوائية مثل العلاج الحراري، وتمارين التمدد، والعلاج السلوكي؛ بهدف تقليل شدة الألم وتحسين القدرة الوظيفية دون الاعتماد المفرط على الأدوية.

- تعديل نمط الحياة: يشمل تجنب الأنشطة التي تزيد من إجهاد المفاصل أو خطر الخلع، وتنظيم فترات الراحة والنشاط، مع تبني عادات يومية داعمة مثل النوم الكافي واستخدام وسائل مساعدة عند الحاجة، بما يسهم في تقليل الأعراض وتحسين الاستقرار الحركي.

- علاج الحالات المصاحبة: يتطلب التعرف على الاضطرابات المرتبطة، مثل اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي كـ(POTS) أو مشاكل الجهاز الهضمي أو المشاكل النفسية، والعمل على علاجها بشكل متكامل؛ لما لها من دور كبير في شدة الأعراض وتأثيرها على جودة الحياة.

ويؤكد المختصون على أهمية تبني نهج متعدد التخصصات لضمان أفضل النتائج.

وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن رعاية مرضى متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة تمثل مسؤولية مشتركة، تبدأ بالوعي ولا تنتهي عند التشخيص. وتبرز هذه المتلازمة كنموذج لحالة طبية شائعة، لكنها لا تزال غير مشخصة بالشكل الكافي في الممارسة السريرية.

وبين التقدم العلمي والتحديات الواقعية، تبقى الحاجة ملحّة إلى رفع مستوى الوعي، وتقليص فجوة التشخيص، وتعزيز الفهم الطبي لهذا الاضطراب. فليست كل مرونة دليل صحة، ولا كل ألم بلا تفسير... بل قد يكون وراءه اضطراب يحتاج إلى أن يُرى، ويُفهم، ويُتعامل معه بوعي علمي دقيق.

* استشاري طب المجتمع