السعودية... إنفاق رأسمالي ضخم يواكب مرحلة الحسم لـ«رؤية 2030»

قفز 56 % خلال الربع الأول... والأعلى منذ 10 سنوات

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

السعودية... إنفاق رأسمالي ضخم يواكب مرحلة الحسم لـ«رؤية 2030»

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجل الإنفاق الرأسمالي في السعودية خلال الربع الأول من عام 2026 أعلى مستوياته منذ 10 سنوات، في مؤشر على إصرار الحكومة على مواصلة خطط تنويع الاقتصاد الوطني رغم التداعيات الجيوسياسية الإقليمية. ويأتي هذا الزخم المالي متسقاً مع إعلان الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، عن انطلاق المرحلة الثالثة والحاسمة من «رؤية 2030»، وتأكيده دخول المسيرة التنموية مرحلة «ذروة التنفيذ»؛ حيث وصلت أدوات التحول إلى أعلى معدلات الجاهزية رغم التقلبات العالمية، مدفوعة بسياسات مالية محكمة قائمة على المرونة والاستباقية في استشراف الفرص.

قراءة في دلالات قفزة الـ56 %

أظهر بيان الميزانية عن الربع الأول، الذي نشرته وزارة المالية السعودية، نمواً استثنائياً في بند الأصول غير المالية (الإنفاق الرأسمالي) بنسبة 56 في المائة على أساس سنوي. وتكمن أهمية هذا الرقم في دلالاته الثلاث:

* تسارع التدفقات: قفز الإنفاق الفعلي من 27.8 مليار ريال (7.4 مليار دولار) إلى 43.4 مليار ريال (11.6 مليار دولار)؛ مما يعكس وصول المشروعات العملاقة إلى مراحل التنفيذ الميداني المتقدمة التي تتطلب تدفقات سيادية ضخمة.

* كفاءة التمويل الاستثماري: رغم العجز المحقق البالغ 125.7 مليار ريال (33.5 مليار دولار)، فإن توجيهه بالكامل لتمويل الإنفاق الرأسمالي عبر إصدارات الدين يعكس استراتيجية مالية ذكية تستهدف تحويل الالتزامات المالية أصولاً منتجة تحمي الاقتصاد من التقلبات المستقبلية.

* كفاءة الإنفاق الرأسمالي: يؤكد «صندوق النقد الدولي» أن تحسين كفاءة الإنفاق الرأسمالي مفتاحٌ أساسي لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وفق تقديرات «الصندوق»، فإن تحويل ما يعادل واحداً في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يرفع الناتج بمعدل يصل إلى 3.5 في المائة بالاقتصادات النامية.

انطلاقاً من هذه الرؤية الدولية، وتبنياً لسياسات ماليّة محكمة تتسم بالمرونة والاستباقية، اختارت المملكة تعزيز الاستثمار في الأصول غير المالية بدلاً من التركيز على تحقيق فائض مالي قصير الأمد. ويهدف هذا التوجه الاستراتيجي إلى بناء قاعدة أصول وطنية متينة تضمن استدامة النمو عقوداً مقبلة، وتجعل الاقتصاد السعودي أوسع مرونة وأعلى قدرة على الصمود أمام التقلبات العالمية والاضطرابات الجيوسياسية.

من التأسيس إلى التمكين

مرّ الإنفاق الاستثماري في المملكة عبر الربع الأول من كل عام بمحطات مفصلية تعكس تطور الأولويات الوطنية:

* مرحلة التأسيس وضبط المسار (2017 - 2020): بدأت هذه المرحلة بإنفاق رأسمالي حذر بلغ 9.1 مليار ريال (2.42 مليار دولار) في 2017، ليرتفع تدريجياً ويستقر قرب حاجز بين 11 و12 مليار ريال (3.2 مليار دولار) حتى عام 2020. كانت هذه الفترة تركز على وضع حجر الأساس الهيكلي للمشروعات وبناء الأنظمة المالية اللازمة لإطلاق «رؤية 2030» رغم التحديات العالمية التي بدأت مع «الجائحة».

* مرحلة اختبار المرونة والجائحة (2020): مع اندلاع «جائحة كورونا (كوفيد19)»، شهد الربع الأول من 2020 تراجعاً طفيفاً في الإنفاق الرأسمالي ليصل إلى 11.1 مليار ريال (2.9 مليار دولار). ورغم الضغوط الصحية والاقتصادية العالمية، فإن المملكة حافظت على حد أدنى قوي من الإنفاق الاستثماري، مع تحويل جزء من الأولويات لدعم القطاع الصحي وتخفيف آثار الجائحة على القطاع الخاص.

* مرحلة التعافي والعودة للزخم (2021 - 2022): مع انحسار تداعيات الأزمة العالمية، بدأ الإنفاق الاستثماري الصعود متجاوزاً 13 مليار ريال (3.57 مليار دولار). تميزت هذه المرحلة بعودة الأنشطة الإنشائية إلى كامل طاقتها وتسارع وتيرة العقود والترسيات الحكومية للمشروعات المتوسطة والكبرى.

* مرحلة القفزات التحولية (2023 - 2024): شهدت هذه المحطة توسعاً كبيراً في الأرقام، حيث تضاعف الإنفاق الرأسمالي ليصل إلى 25.9 مليار ريال في 2023 (6.9 مليار دولار) ثم إلى 31.2 مليار ريال (8.32 مليار دولار) في 2024. هنا دخلت المشروعات الكبرى (مثل «نيوم» و«القدية») مراحل التنفيذ الفعلي الميداني؛ مما استوجب ضخ سيولة مهمة في الأصول غير المالية.

* مرحلة الكفاءة ثم «الذروة» (2025 - 2026): بعد فترة من مراجعة كفاءة الإنفاق في 2025 لاستدامة الجودة، جاء الربع الأول من عام 2026 ليسجل النقطة الأعلى في تاريخ الميزانية السعودية بإنفاق رأسمالي بلغ 43.4 مليار ريال (11.58 مليار دولار). هذه القفزة بنسبة 56 في المائة تمثل مرحلة «التمكين الكامل»، حيث باتت الميزانية المحرك الأول والأساسي لبناء اقتصاد ما بعد النفط.

أين تذهب الأموال؟

لم يتركز الإنفاق في جهة واحدة، بل استهدف القطاعات التي تمثل عصب الاقتصاد الجديد وفق بيانات الميزانية:

* قطاع الموارد الاقتصادية: تصدر المشهد بنمو 52 في المائة، ليصل المنصرف فيه إلى 28.02 مليار ريال (7.47 مليار دولار) لتعزيز الاستدامة الإنتاجية.

* التجهيزات الأساسية والنقل: شهد نمواً بـ26 في المائة، ليصل إلى 12.49 مليار ريال (3.33 مليار دولار) لتطوير الموانئ والمطارات والربط اللوجستي العالمي.

* البنود العامة: سجلت نمواً بنسبة 46 في المائة لتصل إلى 61.5 مليار ريال (16.4 مليار دولار)؛ مما يدعم المشروعات العرضية والتنموية الشاملة.

استثمار في «الإنسان» بصفته الأصل المستدام

لا يتوقف طموح الإنفاق الاستثماري عند حدود الحجر والآلات، بل يمتد ليشمل بناء القدرات البشرية وضمان جودة الحياة؛ حيث سجل قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية منصرفاً فعلياً بلغ 80.8 مليار ريال (21.5 مليار دولار) خلال الربع الأول من عام 2026، محققاً نمواً بنسبة 12 في المائة مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق.

ويعكس هذا النمو تكامل السياسة المالية للمملكة، حيث يندرج جزء حيوي من هذا الإنفاق تحت بند الأصول غير المالية من خلال تشييد المدن الطبية المتطورة وتجهيز المستشفيات؛ مما يحوّل المنظومة الصحية من قطاع خدمي إلى أصل وطني استثماري.

وفي الوقت ذاته، تواصل الميزانية التزامها البعد الاجتماعي عبر تخصيص الموارد اللازمة لتعويضات العاملين وتوفير الخدمات الدوائية والوقائية، لتؤكد أن القفزة الرأسمالية الكبرى تمضي جنباً إلى جنب مع رفاه المواطن وتطوير القطاعات الحيوية التي تمس حياته اليومية.

ختاماً، فإن القفزة التي حققها الإنفاق الرأسمالي في الربع الأول من 2026 رسالةٌ واضحة للمستثمرين محلياً ودولياً... المملكة لا تبني مشروعات فقط، بل تبني اقتصاداً «مرناً» يعتمد على أصوله غير المالية ليكون محصناً ضد تقلبات أسواق الطاقة، ومحققاً مستهدفات جودة الحياة والازدهار الاقتصادي المستدام.


مقالات ذات صلة

«الوطنية للإسكان» السعودية... من «ذراع تنفيذية» إلى أكبر مطوّر عقاري في المنطقة

خاص وجهة «الفرسان» في الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)

«الوطنية للإسكان» السعودية... من «ذراع تنفيذية» إلى أكبر مطوّر عقاري في المنطقة

لم تكن رحلة «الشركة الوطنية للإسكان (إن إتش سي)» مجرد إضافة رقمية لقطاع المقاولات، بل كانت تحولاً جذرياً في فلسفة الإسكان في السعودية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص مركز بيانات سدايا «هيكساغون» الذي يعد الأكبر الحكومي في العالم (واس)

خاص «الفينتك» والخدمات السحابية تقودان طفرة أرباح قطاع التقنية السعودي

حققت شركات التطبيقات وخدمات التقنية المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) أداءً مالياً قوياً خلال الربع الأول، مدفوعاً باستمرار برامج التحول الرقمي.

محمد المطيري (الرياض)
خاص المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)

خاص «ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

تتقدَّم المرونة السيبرانية في السعودية من رصد التهديدات، إلى سرعة الاستجابة واتخاذ القرار داخل المؤسسات المالية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)

حصة «القابضة» والوليد بن طلال في «سبايس إكس» قد تتجاوز 10 مليارات دولار

كشفت شركة «المملكة القابضة» والمكتب الخاص للأمير الوليد بن طلال أن قيمة حصتهما المجمعة في شركة «سبايس إكس» تبدأ من 8.32 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص لقطة جوية توضح الطفرة العمرانية ومشاريع الضيافة الكبرى المحيطة بالمسجد الحرام في مكة المكرمة (واس)

خاص التشريعات العقارية السعودية تضع مكة والمدينة في قلب الطموحات الاستثمارية العالمية

تحوّلت البيئة التشريعية والتنظيمية في السعودية إلى المحرك الأساسي لإعادة صياغة المشهد الاستثماري في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.

محمد المطيري (الرياض)

سلطنة عمان تطرح حزمة من الفرص الاستثمارية المعززة بعقود مضمونة الشراء

المباني المحيطة بمسجد الخوير الجنوبي المركزي في مسقط (رويترز)
المباني المحيطة بمسجد الخوير الجنوبي المركزي في مسقط (رويترز)
TT

سلطنة عمان تطرح حزمة من الفرص الاستثمارية المعززة بعقود مضمونة الشراء

المباني المحيطة بمسجد الخوير الجنوبي المركزي في مسقط (رويترز)
المباني المحيطة بمسجد الخوير الجنوبي المركزي في مسقط (رويترز)

أعلنت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العمانية، السبت، عن طرح حزمة من الفرص الاستثمارية المعززة بعقود مضمونة الشراء بنسبة معينة للمستثمرين المحليين والدوليين.

تهدف هذه الخطوة، وفقاً لبيان صحافي، إلى تعزيز جاذبية المشروعات الاستثمارية وتقليل المخاطر التشغيلية على المستثمرين من خلال توفير طلب مؤكد على منتجات هذه المشروعات قبل بدء التشغيل الفعلي.

وتأتي هذه الفرص ضمن توجُّه سلطنة عمان نحو تطوير مشروعات استثمارية أكثر جاهزية وربطها مباشرة باحتياجات السوق وسلاسل الإمداد المحلية بما يسهم في رفع كفاءة المشروعات، وتسريع دورة العائد الاستثماري، وتعزيز فرص نموها واستدامتها. وفق لـ«وكالة الأنباء العمانية».

وأوضحت وزارة التجارة والصناعة، في البيان، أن آلية عقود الشراء المسبق، تعتمد على وجود جهات ملتزمة بشراء جزء من مخرجات المشروع أو كاملها وفق اتفاقيات محددة مسبقاً، الأمر الذي يمنح المستثمر وضوحاً أكبر حول التدفقات المالية المستقبلية، ويعزز قدرة المشروع على الحصول على التمويل واستقطاب الشراكات الاستراتيجية.

وتشمل الحزمة، وفقاً للبيان، عدداً من الفرص في قطاعات إنتاجية صناعية وصحية متنوعة، جرى إعدادها استناداً إلى دراسات فنية واقتصادية تراعي حجم الطلب المحلي وفرص التوسع في التصدير، وتوفير نماذج تشغيل واضحة وآليات تعاقد تدعم استقرار المشروع على المدى الطويل.

وتتضمن الحزمة عدداً من الفرص الاستثمارية الصناعية النوعية، من بينها مشروع مصنع لتصنيع الثلاجات على مساحة 10 آلاف متر مربع، وبقيمة استثمارية تبلغ 6.545 مليون ريال عماني، يركز على إنتاج الثلاجات المنزلية والتجارية والصناعية.

وتشمل الحزمة أيضاً مشروع مصنع للأقمشة والمنسوجات على مساحة 10 آلاف متر مربع، وبقيمة 4.608 مليون ريال عماني لتعزيز التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. كما تضم مشروع مصنع لأجهزة الكمبيوتر والملحقات بقيمة استثمارية تبلغ 6.152 مليون ريال عماني، وعلى مساحة 10 آلاف متر مربع، لدعم التحول الرقمي وتلبية الطلب المتزايد على التقنيات الحديثة، ومشروع مصنع للأدوات المكتبية والقرطاسية بقيمة 2.5 مليون ريال عماني، وعلى مساحة خمسة آلاف متر مربع لإنتاج مختلف المنتجات الورقية والمكتبية.

وتشمل الحزمة أيضاً مشروع مصنع للإطارات بقيمة استثمارية تبلغ 6.545 مليون ريال عماني، وعلى مساحة 10 آلاف متر مربع، يهدف إلى تصنيع إطارات المركبات بمختلف أنواعها إضافة إلى مشروع مصنع لإكسسوارات الزي العسكري بقيمة 6 ملايين ريال عماني، وعلى مساحة 10 آلاف متر مربع لتلبية احتياجات القطاع العسكري والأمني، ومشروع مصنع لأجهزة التكييف على مساحة 10 آلاف متر مربع، لإنتاج وحدات تكييف موفرة للطاقة تستهدف الأسواق المحلية والإقليمية.

وأوضح خالد بن حمد الخروصي مدير عام ترويج الاستثمار بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، أن هذه الفرص تمثل نموذجاً متقدماً في تطوير البيئة الاستثمارية من خلال الانتقال من طرح الفرص التقليدية إلى فرص مرتبطة بطلب حقيقي ومؤكد في السوق، الأمر الذي يرفع مستوى الثقة ويمنح المستثمرين قدرة أعلى على التخطيط والتوسُّع.


«الوطنية للإسكان» السعودية... من «ذراع تنفيذية» إلى أكبر مطوّر عقاري في المنطقة

وجهة «الفرسان» في الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)
وجهة «الفرسان» في الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)
TT

«الوطنية للإسكان» السعودية... من «ذراع تنفيذية» إلى أكبر مطوّر عقاري في المنطقة

وجهة «الفرسان» في الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)
وجهة «الفرسان» في الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)

لم تكن رحلة «الوطنية للإسكان (إن إتش سي)» (NHC) مجرد إضافة رقمية لقطاع المقاولات، بل كانت تحولاً جذرياً في فلسفة الإسكان في السعودية، بإدارتها أصولاً وضواحي سكنية تمثل 20 في المائة من إجمالي مبيعات المنتجات العقارية في المملكة، لتبرز اليوم بوصفها ذراعاً تنفيذية ضاربة تُترجم الحراك التنظيمي الشامل والقرارات التي قادها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لإعادة تنظيم السوق وتحقيق التوازن.

فمنذ انطلاقتها عام 2016، نجحت الشركة بوضع بصمتها كقائدة للسوق العقارية ومحركاً رئيسياً لمستهدفات «رؤية 2030».

وتؤكد الشركة مكانتها كركيزة أساسية في «برنامج الإسكان» أحد أهم برامج الرؤية، والذي يستهدف رفع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 70 في المائة بحلول نهاية العقد الحالي.

في هذا السياق، أبدى الرئيس التنفيذي للشركة، محمد البطي، اعتزازه بالدور المحوري للشركة في إعادة هيكلة القطاع بالكامل لضمان استدامته بعيداً عن الاعتماد الكلي على التمويل الحكومي المباشر. وأشار البطي إلى نتائج التقرير السنوي لـ«رؤية 2030» لعام 2025، الذي أظهر قفزة تاريخية في نسبة تملك المواطنين للمساكن لتصل إلى 66.24 في المائة، متجاوزةً بذلك المستهدف المرحلي المحدد سلفاً لعام 2025 والبالغ 65 في المائة، مما يعكس تسارع وتيرة الإنجاز على الأرض.

محطات التحول

تعود جذور «الوطنية للإسكان» إلى عام 2016، حين اتخذت الدولة قراراً بإنشاء الشركة بموجب مرسوم ملكي، لتكون بمنزلة الذراع الاستثمارية والتنفيذية لوزارة الإسكان التي تسمى بوزارة البلديات والإسكان حالياً.

لم تكن الانطلاقة مجرد إضافة للقطاع، بل كانت بداية لمرحلة «المطور الوطني» الذي يتولى إدارة الأصول والمشاريع بمرونة وكفاءة.

وشهد عام 2020 المحطة الأبرز في مسيرة الشركة، بصدور أمر ملكي يقضي بنقل ملكيتها إلى الدولة، مما حوّلها من جهة مساندة إلى قائدة للسوق العقارية، برؤية مكّنتها من وضع حجر الأساس لأضخم الضواحي السكنية في المنطقة، لتنتقل من إدارة مجمعات محدودة، إلى تطوير مدن متكاملة تتجاوز مساحتها 160 مليون متر مربع.

خفض التكاليف التطويرية

وفي جانب السيطرة على التكاليف، نجحت الشركة عبر منصة «سبلاي برو» الرقمية في توفير أكثر من 1500 منتج من 129 مصنعاً، و45 مورّداً، وربطهم بالمطورين العقاريين مباشرةً، مما أدى إلى خفض التكاليف بنسبة 20 في المائة.

كان البطي قد كشف في كلمة له خلال «منتدى سلاسل الإمداد العقاري» عن أن الشركة رفعت نسبة المحتوى المحلي في مشاريعها من خلال اتفاقيات سلاسل الإمداد العقاري وتوطين الصناعات والتوريد بقيمة إجمالية تجاوزت 21 مليار ريال (5.6 مليار دولار)، وشملت الجهود توقيع اتفاقيات خدمات سلاسل الإمداد بـ8 مليارات ريال (2.1 مليار دولار)، واتفاقيات توطين صناعات بـ5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار)، و15 اتفاقية توريد تجاوزت قيمتها 8 مليارات ريال (2.1 مليار دولار).

من جانبه، أفاد المدير العام لسلاسل الإمداد ودعم الأعمال لـ«الشركة الوطنية للإسكان»، المهندس معن العثيمين، بأن منصة «سبلاي برو»، تمكّنت خلال العامين السابقين من الوصول بحجم التعاملات إلى ما يتخطى ملياري ريال (533 مليون دولار) لخدمة الشركاء والمقاولين، استحوذ المحتوى المحلي (المصانع والشركات الصغيرة والمتوسطة السعودية) على 95 في المائة منها.

الرئيس التنفيذي لـ«الشركة الوطنية للإسكان» محمد البطي خلال جلسة حوارية (موقع الشركة الإلكتروني)

وحدات سكنية متنوعة

تحوّلت «الوطنية للإسكان» إلى منصة لاحتضان الشركات السعودية، ونقلها من مطورين للمشاريع المحدودة إلى قادة للضواحي المليارية، بتوفيرها فرصاً استثمارية في التطوير العقاري التجاري والسكني، وتشغيل المرافق الصحية والتعليمية والترفيهية مثبتةً ثقتها بالمطورين العقاريين المحليين.

هذا النموذج أثمر ضخ أكثر من 300 ألف وحدة سكنية متنوعة، حيث أسهم الأمان المالي الذي وفَّرته الشركة في تحويل شركات تطوير وطنية ناشئة إلى كيانات كبرى تدير حالياً مشاريع تتجاوز قيمتها الاستثمارية 263 مليار ريال (70 مليار دولار)، مما عزز تنافسية السوق العقارية السعودية وجعلها الأكثر جاذبية في المنطقة.

وتسعى الشركة لتحويل ضواحيها السكنية الحديثة إلى معرض دائم للمنتجات السعودية، عبر توقيعها مذكرة تعاون مع هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، مما يسهم في خلق آلاف الفرص الوظيفية للسعوديين في قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية.

جانب من وجهة «المشرقية» في شرق الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)

بنية تمويلية تدعم الطفرة العقارية

ولأن هذا التحول نحو المشاريع المليارية وضخ مئات آلاف الوحدات السكنية يتطلب غطاءً تمويلياً صلباً يضمن استدامته، أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد الحقيل، أن التمويل العقاري أصبح الركيزة الأساسية لنجاح واستدامة التطوير العقاري في المملكة، مشيراً إلى أن حجمه قفز تاريخياً من نحو 200 مليار ريال (53.3 مليار دولار) إلى أكثر من 900 مليار ريال (240 مليار دولار) بنهاية عام 2025، ليصبح يمثل اليوم 27 في المائة من إجمالي محافظ البنوك السعودية.

وفي سياق تعزيز هذه الملاءة المالية، أوضح الحقيل أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC)» طرحت إصدارات صكوك في سوق لندن المالية، في خطوة استراتيجية لدعم تكامل التمويل والسيولة بين الأسواق المحلية والدولية، وتأمين تدفقات نقدية مستدامة تخدم مستهدفات القطاع.

توازن السوق العقارية

وفي قراءة تحليلية لهذا التحول، قال الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوطنية للإسكان» تلعب دوراً تنفيذياً مهماً في سياسات الإسكان التي تستهدف تحقيق توازن صحي في السوق العقارية بتطويرها ضواحي سكنية متكاملة، وتوفير أعداد كبيرة من الوحدات السكنية في مواقع مخططة جيداً، مما يسهم في رفع المعروض السكني المنظم، وهو أحد أهم العوامل المؤثرة في استقرار الأسعار.

ويرى المبيض أن التحول الأبرز في مسيرة الشركة يكمن في انتقالها من دور المطور التقليدي إلى دور «الممكّن» والحاضن للمطورين؛ حيث طوّرت نموذج عمل فريداً يقوم على توفير الأراضي المطورة والبنى التحتية، مما أتاح للشركات الناشئة المشاركة في مشاريع مليارية واكتساب خبرات تشغيلية حولتها إلى كيانات كبرى، وهو ما أسهم في بناء صناعة عقارية أكثر احترافية ونضجاً.

وأكد أن دور الشركة يتجاوز البناء إلى ضبط إيقاع السوق؛ فمن خلال ضخ أعداد كبيرة من الوحدات المنظمة، تسهم الشركة بشكل مباشر في تحقيق توازن الأسعار وإراحة المواطنين عبر رفع المعروض السكني وخفض تكاليف التطوير بفضل الإنتاج الكمي.

مسجد الثريا في وجهة «سدايم» بمحافظة جدة (موقع الشركة الإلكتروني)

الاستدامة المالية

وشدد المبيض على أن نموذج «الاستدامة المالية» الذي تتبناه الشركة عبر الشراكة مع القطاع الخاص يقلل الاعتماد على الإنفاق الحكومي المباشر، ويفتح المجال لتدفق رؤوس الأموال الخاصة، مما يوزع المخاطر الاستثمارية، ويعزز كفاءة تنفيذ المشاريع.

ورأى أن توجه الشركة يسهم في بناء منظومة إسكان أكثر استدامة مالياً، فهذا النموذج يمكّن القطاع العقاري من النمو بالاعتماد على قوى السوق والشراكات الاستثمارية، مع استمرار الدور التنظيمي والتشريعي للحكومة لضمان استقرار السوق وحماية المستفيدين.

وفي نهاية المطاف، أثبتت «الوطنية للإسكان» أن تفوقها لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج استراتيجية واضحة حوّلت التحديات التمويلية إلى فرص استثمارية مستدامة. ومع اقتراب المملكة من تحقيق كامل مستهدفات «رؤية 2030»، لا تقتصر أهمية الشركة على بناء الوحدات السكنية، بل صياغتها نموذجاً اقتصادياً مرناً يقود فيه القطاع الخاص والمحتوى المحلي قاطرة التنمية العقارية، ليتحول السكن من مجرد منتج للمواطن إلى ركيزة تدعم استقرار ونمو الاقتصاد الوطني ككل.


طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد التدفقات العالمية إلى صناديق الأسهم

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد التدفقات العالمية إلى صناديق الأسهم

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

عاد المستثمرون العالميون إلى صناديق الأسهم بعد أسبوع من التدفقات الخارجة، مدفوعين بانتعاش أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن الحذر بشأن مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران حدّ من وتيرة الشراء.

فقد أظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن المستثمرين ضخوا صافي 457.57 مليون دولار في صناديق الأسهم العالمية خلال الأسبوع المنتهي في 27 مايو (أيار)، مقارنةً بتدفقات خارجة بلغت 6.56 مليار دولار في الأسبوع السابق، وفق «رويترز».

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي إلى مستوى قياسي عند 1129.06 نقطة يوم الجمعة، مدعوماً بتفاؤل الأسواق عقب تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بانتظار الموافقات النهائية.

وأسهمت أسهم التكنولوجيا في تعزيز شهية المخاطرة، بعد أن أشارت شركة «إنفيديا» إلى استمرار الطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي.

على الصعيد الجغرافي، سجلت الصناديق الأميركية تدفقات داخلة بقيمة 1.97 مليار دولار، مقارنةً بتدفقات خارجة بلغت 12 مليار دولار في الأسبوع السابق.

وأسهمت نتائج شركة «إنفيديا» التي أبرزت استمرار الطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإقبال على صناديق قطاع التكنولوجيا، والتي سجلت تدفقات داخلة بقيمة 2.75 مليار دولار، لتواصل مكاسبها للأسبوع الثامن على التوالي. كما جذبت صناديق القطاعين المالي والصناعي تدفقات بلغت 987 مليون دولار و880 مليون دولار على التوالي.

وفي أسواق الدخل الثابت، واصلت صناديق السندات الأميركية جذب التدفقات للأسبوع السادس على التوالي، بصافي 10.62 مليار دولار، بدعم من الطلب على أدوات الدين قصيرة ومتوسطة الأجل، بما في ذلك السندات الحكومية وديون البلديات. وسجلت صناديق سوق المال الأميركية تدفقات داخلة للأسبوع الثاني على التوالي بقيمة 8.38 مليار دولار، في ظل استمرار توجه المستثمرين نحو أدوات أكثر أماناً وسط حالة عدم اليقين في الأسواق.

كما سجلت الصناديق الأوروبية بـ678 مليون دولار، في حين سجلت الصناديق الآسيوية تدفقات خارجة بلغت 3.92 مليار دولار.

وعلى مستوى القطاعات، جذبت الصناديق القطاعية صافي تدفقات بقيمة 5.14 مليار دولار، كان أبرزها قطاع التكنولوجيا بـ4.98 مليار دولار، والخدمات المالية بـ1.05 مليار دولار.

وفي أسواق السندات، واصلت الصناديق العالمية تحقيق مكاسب للأسبوع الثامن على التوالي بصافي تدفقات بلغ 18.15 مليار دولار، مع تركيز الطلب على السندات القصيرة الأجل وسندات اليورو وسندات الشركات.

في المقابل، سجلت صناديق سوق النقد تدفقات خارجة بقيمة 4.46 مليار دولار، بينما شهدت صناديق المعادن الثمينة، بما فيها الذهب، خروجاً صافياً قدره 584 مليون دولار، في رابع أسبوع من التراجع خلال خمسة أسابيع.

وفي الأسواق الناشئة، واصلت صناديق الأسهم تسجيل تدفقات خارجة للأسبوع الخامس على التوالي بقيمة 4.45 مليار دولار، إلى جانب خروج 1.08 مليار دولار من صناديق السندات، وفق بيانات شملت 28882 صندوقاً.