زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

بعد حديث قبرص «الودي» بين السيسي والشرع

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

عُقدت مشاورات مصرية - سورية في القاهرة على مستوى وزيرَي الخارجية، تعدُّ الأولى رسمياً، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024. وجاءت تلك المشاورات بعد حديث قبل نحو أسبوع جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص، ووصفته وسائل إعلام بالبلدين بأنه «ودي».

الزيارة التي شملت محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني يُتوقَّع لها أن «تحمل مؤشرات تقارب حقيقية، تتجاوز الجمود نوعاً ما في العلاقات حالياً»، بحسب خبراء بالبلدين تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين أن يتسع التعاون من باب الاقتصاد، خصوصاً في ضوء حضور وزيرَي الصناعة بالبلدين مشاورات وزيرَي الخارجية.

محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

زيارة لافتة

وزيارة الشيباني تعدُّ الأولى الرسمية إلى مصر، في حين جرى أول اتصال رسمي بين وزير الخارجية أسعد الشيباني ونظيره المصري في 31 من ديسمبر 2024.

وتأتي الزيارة بعد أيام من لقاء الشرع والسيسي، على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية»، التي عُقدت في قبرص، أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي، في حين التقى الجانبان لأول مرة على هامش «القمة العربية الطارئة» في القاهرة في مارس 2025.

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرُّك نحو اتصالات ثنائية حذرة؛ بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يزول ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بجوار نظيره السوري أحمد الشرع خلال اجتماع قبرص... الجمعة الماضي (الرئاسة المصرية)

وسبق أن زار وفد تجاري مصري العاصمة دمشق مع بداية عام 2026، لأول مرة منذ 15 عاماً، وبحث التعاون مع نظيره السوري خلال «ملتقى اقتصادي» مشترك بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتَي تفاهم في مجال الطاقة؛ «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا؛ بهدف توليد الكهرباء».

وتعكس زيارة الشيباني بحسب تلفزيون سوريا (خاص) الأحد، «حراكاً دبلوماسياً لافتاً بين دمشق والقاهرة. وتعدُّ اختباراً جديداً لإمكانية إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين بعد فترة من الجمود والتعثر»، لافتاً إلى أنَّ «الدولتين تتجهان إلى الدفع بالعلاقة نحو مرحلة أكثر استقراراً، بعد تعثر سابق حال دون استكمال عودتها بشكل رسمي، لا سيما في ملف اعتماد الدبلوماسيين».

وبمناسبة الزيارة، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار المشارِك في الزيارة، قراراً، الأحد، يقضي بتشكيل مجلس الأعمال السوري - المصري، عن الجانب السوري، وكلف غسان كريم رئيساً للمجلس.

ويأتي تشكيل المجلس السوري - المصري، بناء على أحكام القرار الرئاسي رقم 9 بتاريخ 2025، وعلى النظام الأساسي لمجالس الأعمال السورية المشتركة مع دول العالم، حسب ما نشرته وزارة الاقتصاد والصناعة عبر معرفاتها الرسمية.

وأشارت الوزارة إلى أنَّ المجلس يعدّ هو الوحيد مع الجانب المصري المعتمد من قبل وزارة الاقتصاد والصناعة، لتنسيق وتنظيم وتطوير مجالس الأعمال المشتركة السورية مع دول العالم.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أنَّ زيارة وزير الخارجية السوري إلى القاهرة بعد أيام من الحديث الودي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع تُمثِّل «مؤشراً إيجابياً على تحرك تدريجي نحو كسر الجمود في العلاقات المصرية - السورية».

ويعتقد أنَّ خطوةً نحو رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي ستظلُّ مرهونةً بتقدُّم ملموس في الملفات الأمنية والمؤسسية داخل سوريا، وعلى رأسها ضمان استقرار الدولة الوطنية، وضبط البيئة الأمنية، وتكريس سيادة المؤسسات.

وأكد حجازي أنَّ الاقتصاد سيكون باباً لمزيد من التعاون أولاً، خصوصاً أنَّ هناك فرصاً حقيقية للتعاون، لا سيما في مجالات إعادة الإعمار، والطاقة، والتجارة، وبناء القدرات، وهذا الباب يمكن أن يشكِّل مدخلاً عملياً لتعزيز الثقة المتبادلة.

جلسة محادثات موسعة بين وفد الخارجية المصرية والوفد السوري (الخارجية المصرية)

ويرى المحلل السياسي السوري عبد الله الحمد، أنَّ زيارة الشيباني «طيٌّ لصفحة تخوفات مصرية من مرجعية النظام الجديد، وتحمل فرصاً لكسر الجمود والتقارب مع مصر؛ الدولة ذات الثقل وصنع القرار في المنطقة»، متوقعاً التوصُّل لمستوى من العلاقات الدافئة في ضوء أحاديث عن حدوث لقاءات أمنية سرية سبقت اللقاء لترتيب أجندة التعاون والتقارب خلال الفترة المقبلة.

ولفت إلى أنه سبق ذلك حدوث اللقاء الاقتصادي بين البلدين، واستقبل الرئيس الشرع الوفد المصري، ولذا سيكون الاقتصاد مساراً مهماً لتنامي العلاقات بشكل واسع، وسيكون البوابة الأمثل لتعزيز التعاون.

معالجة أي تخوفات مصرية

بالفعل، كشف بيان لوزارة الخارجية المصرية، عن أنَّ عبد العاطي والشيباني، عقدا جلسة مباحثات موسعة، بمشاركة المهندس خالد هاشم وزير الصناعة المصري، ومحمد نضال الشعار وزير الاقتصاد والصناعة السوري، تناولت سبل تعزيز مسار العلاقات الثنائية، وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية الراهنة.

وحملت كلمة الوزير المصري تأكيداً على دعم مصري متواصل لدمشق، وعمق الروابط التاريخية والشعبية والثقافية التي تجمع البلدين، مشيراً إلى أنَّ موقف القاهرة تجاه الأزمة السورية استند منذ اندلاعها إلى مبادئ واضحة تنطلق من الحرص الصادق على دعم الجهود الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة سوريا وتماسك نسيجها الوطني.

وشدَّد عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية، ورفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية، وتضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بصوره وأشكاله كافة، والتعامل مع ظاهرة المقاتلين الأجانب، وأن تكون سوريا مصدراً للاستقرار.

على الصعيد الإقليمي، أعرب عبد العاطي عن رفض مصر القاطع لانتهاكات إسرائيل السافرة للسيادة السورية، مجدِّداً إدانة مصر التامة لهذه الانتهاكات، ومشدداً على موقف مصر الثابت والداعم لضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.

وناقشت المباحثات التطورات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، والمساعي المبذولة لخفض التصعيد واحتواء حالة الاحتقان. كما تم تبادل الرؤى حول تطورات الأوضاع في لبنان.

وفي ضوء ذلك التعاون الاقتصادي والتشاور الإقليمي، يعتقد حجازي أنَّ التقارب ممكن، لكنه سيتقدمَّ وفق نهج تدريجي حذر يوازن بين الفرص والتحديات في ظلِّ تعقيدات الإقليم، ومستقبل الأوضاع في سوريا واستقرارها.

وشدَّد حجازي على أنه من الضروري أن نتذكر دوماً، أنَّ سوريا في الأساس هي في قلب وعقل الدبلوماسية المصرية، ويرتبط بها كل مصري بوشائج الود والترحيب، والأمل في استقرارها وعودتها رصيداً لأمتها العربية.

ويعتقد المحلل السياسي عبد الله الحمد، أنَّ ملفات اقتصادية وأمنية، وحزم تنسيق دبلوماسي في ظلِّ الخطر الإسرائيلي الذي يهدِّد المنطقة، ستكون في أولوية البلدين مع معالجة أي تخوفات مصرية بالتوازي، خصوصاً أن دمشق تمرُّ بمرحلة انتقالية من الثورة لبناء الدولة، وجاهزة لحل أي تحديات قد تواجه علاقات البلدين.


مقالات ذات صلة

سوريا: مظاهرات طلابية كردية في الحسكة وأخرى مضادة تشعلان التوترات

المشرق العربي انتشار قوات من الأمن الداخلي في محيط محافظة الحسكة (قوى الأمن الداخلي)

سوريا: مظاهرات طلابية كردية في الحسكة وأخرى مضادة تشعلان التوترات

يقول سكان من الحسكة السورية إن هناك «أطرافاً مصرّة على رفض الاندماج، وتستغل أي فرصة لزعزعة الاستقرار وعرقلة جهود التهدئة»...

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي استقبل وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني في دمشق الاثنين وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري (الخارجية السورية)

عون: لبنان لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من النازحين السوريين

صحيح أن نحو 700 ألف نازح سوري عادوا إلى بلادهم عام 2024، إلا أن أكثر من 854 ألفاً مسجلون لدى مفوضية الأمم المتحدة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للبترول» يتفقد مصفاة حمص خلال سبتمبر الماضي (موقع المصفاة)

الاستخبارات السورية تتهم «حزب الله» بالوقوف وراء مخطط استهداف مصفاة حمص النفطية

كشفت الاستخبارات العامة السورية، الثلاثاء، أن خلية تابعة لـ«حزب الله» اللبناني تقف وراء المخطط التخريبي الذي أُحبط مؤخراً، وكان يستهدف مصفاة حمص النفطية...

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي مدخل «الشركة العامة لمصفاة حمص» (موقع المصفاة)

سوريا: توقيف شخصين مرتبطين بـ«حزب الله» بتهمة التخطيط لهجوم على مصفاة حمص

أعلنت السلطات السورية، اليوم، توقيف شخصين مرتبطين بـ«حزب الله» اللبناني بتهمة الضلوع في «مخطط إرهابي» كان يستهدف مصفاة حمص، مشيرة إلى إحباط العملية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لافتة في ريف القنيطرة السورية تحمل تحذيراً إسرائيلياً من مرور أكثر من ثلاث سيارات معاً (درعا24)

أهالي القنيطرة يمزقون لافتات تحذيرية إسرائيلية

تشهد مناطق عدة من ريف القنيطرة السورية تطوراً لافتاً في تصعيد جنود الاحتلال الإسرائيلي تجاه السكان المحليين، تمثلت في وضع لافتات على الطريق العام تحمل عبارات…

موفق محمد (دمشق)

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».


اتصالات مصرية متسارعة لتجنيب المنطقة موجة جديدة من المواجهات العسكرية

مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
TT

اتصالات مصرية متسارعة لتجنيب المنطقة موجة جديدة من المواجهات العسكرية

مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

اتصالات متسارعة أجرتها مصر خلال الساعات الماضية من أجل «تجنيب المنطقة موجة جديدة من المواجهات العسكرية». حيث هاتف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظراءه في الخليج، وإيران، وأميركا.

وجرى اتصال هاتفي بين عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تناول مستجدات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لمنع التصعيد، واحتواء التوترات الراهنة، ولمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية تلقي بظلالها على دول المنطقة، والعالم بأسره.

واتفق الوزيران -بحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية مساء الثلاثاء- على «ضرورة التحرك بشكل مكثف خلال الفترة الحالية مع مختلف الأطراف المعنية بالأزمة لحثها على إبداء المرونة اللازمة، ومنح الوقت الكافي لمسار المفاوضات، بما يجنب المنطقة مزيداً من التدهور في الأوضاع الأمنية».

وأكد الوزيران «أهمية مواصلة التنسيق والتشاور فيما بينهما ومع باقي الشركاء الإقليميين والدوليين للعمل على خفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار، والحكمة، والتحرك المشترك في اتجاه استعادة التهدئة، وخفض التصعيد».

كما بحث اتصال هاتفي بين وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره المصري مستجدات الأوضاع الإقليمية في ظل التصعيد المستمر، والأجواء المشحونة بالمنطقة. وتبادلا الرؤى إزاء التحركات والاتصالات التي يقوم بها كل طرف لمحاولة استعادة التهدئة، وتجنيب المنطقة موجة جديدة من المواجهات العسكرية، بما يزيد من التوتر، وعدم الاستقرار، ويقوض الأمن والسلام بها.

واتفق الوزيران خلال الاتصال، مساء الثلاثاء، على «أهمية بذل كل جهد ممكن خلال المرحلة الدقيقة الراهنة للدفع نحو مسارات التفاوض، وإعلاء الحكمة، وتغليب الدبلوماسية، ولغة الحوار، والعمل على خفض التصعيد».

وجدد عبد العاطي «رفض مصر الكامل وإدانتها لأي تهديد لأمن المملكة العربية السعودية، ودول الخليج، باعتباره جزءاً من الأمن القومي العربي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

أيضاً، ناقش عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اتصال هاتفي، مساء الثلاثاء، التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، والمخاوف من أن تسفر عن عودة التصعيد، والأعمال العسكرية مجدداً.

كما تناولا الجهود المكثفة المبذولة من جانب الشركاء الإقليميين للعمل على خفض التصعيد، وإعلاء الحوار، والدبلوماسية، والعودة إلى مائدة التفاوض، والتوصل لصفقة متكاملة تستجيب لشواغل جميع الأطراف.

وشدد بدر عبد العاطي على «ضرورة تحلي جميع الأطراف بالمرونة اللازمة، والسعي بجدية نحو التمسك بإيجاد مخرج سياسي للأزمة يجنب المنطقة مخاطر كبيرة هي في غنى عنها».

وأكد أن «مصر تولي أمن دول الخليج أهمية وأولوية خاصة، وتعتبره امتداداً للأمن القومي المصري، والعربي». كما أشار إلى «ضرورة مواصلة ضبط النفس، وتكثيف الجهود والاتصالات للحيلولة دون حدوث التصعيد العسكري الذي حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي من مخاطره، وتبعاته السياسية، والاقتصادية، والأمنية، ليس فقط على الإقليم ودوله، بل وعلى العالم بأسره».

كما جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، للوقوف على آخر المستجدات الإقليمية، ومواصلة التشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وأكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي، الأربعاء، أن الوزير عبد العاطي تناول الجهود المكثفة التي تبذل لترجيح كفة التهدئة، مشيراً إلى «أهمية أن يبدي جميع الأطراف المرونة اللازمة لخفض التصعيد، وإفساح المجال أمام عودة المسار السياسي».

وتطرق الاتصال الهاتفي أيضاً إلى ضرورة استمرار الدعم الكامل لجهود توحيد الحكومة الليبية بما يحقق أهداف الأمن والاستقرار التي ينشدها الشعب الليبي الشقيق.

كما تناول عبد العاطي الأوضاع في السودان، وأهمية وقف الحرب الدائرة، وإطلاق عملية سياسية بملكية سودانية، مؤكداً «إدانة مصر لما يتعرض له السودان الشقيق من اعتداءات ضد المدنيين، والبنى التحتية، وأهمية تكثيف المساعدات الإنسانية في ظل المخاوف من تفاقم الأوضاع بسبب نقص المواد الغذائية في السودان».

ووفق متحدث الخارجية المصرية، أشاد عبد العاطي وبولس بأهمية الشراكة المصرية - الأميركية، وضرورة مواصلة التشاور حول مختلف القضايا الإقليمية التي تهم البلدين. وأكد بولس «تقدير بلاده للدور المهم الذي تقوم به مصر بغرض تعزيز العلاقات الثنائية، والتفاهم المشترك حول قضايا المنطقة».

في غضون ذلك، تناول اتصال هاتفي جمع عبد العاطي مع نظيره القبرصي كونستانتينوس كومبوس، مساء الأربعاء، الرؤى إزاء تطورات الأوضاع الإقليمية، وسبل خفض التصعيد في المنطقة، وأكد وزير الخارجية المصري «ضرورة تغليب الحلول السياسية، والدبلوماسية، وتجنب الانزلاق مجدداً لمواجهات عسكرية من شأنها توسيع دائرة الصراع، لما لذلك من تداعيات سلبية على أمن واستقرار المنطقة، وأمن الملاحة الدولية، وحركة التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد».

وتناول الوزيران الملف الليبي، مع التركيز على الوضع بشرق المتوسط في ضوء المستجدات الأخيرة. واتفقا على «مواصلة التنسيق والتشاور في إطار العلاقات الاستراتيجية التي تربط البلدين، ودعم كافة الجهود الرامية لخفض التصعيد».

وبحسب بيان للخارجية المصرية، مساء الأربعاء، ثمن الوزيران خلال الاتصال الهاتفي عمق العلاقات التاريخية بين البلدين الصديقين، والتي توجت بترفيع العلاقات بين مصر وقبرص إلى الشراكة الاستراتيجية.

وأعرب عبد العاطي عن التطلع لاستمرار التنسيق على كافة المستويات بين البلدين، مؤكداً أهمية مواصلة تعزيز التعاون الاقتصادي، والتجاري، والاستثماري، وتنفيذ مذكرة التفاهم في مجال توظيف العمالة المصرية في قبرص. كما سلط الاتصال الهاتفي الضوء على «أهمية آلية التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان على مختلف المستويات بما يعزز من طبيعة الشراكة بين الدول الثلاث»، مستعرضاً التحضيرات الجارية لقمة آلية التعاون الثلاثي القادمة.


توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)
نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)
TT

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)
نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

لم يعد الحصول على وجبة طعام أمراً متاحاً للآلاف من النازحين في العاصمة السودانية الخرطوم، بعدما اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) إلى التَّوقُّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب قلة الموارد المالية، بينما تزداد أعداد المحتاجين، مقابل تراجع قدرة المبادرات الخيرية على الاستمرار.

يقول الصادق صديق، أحد المشرفين على إحدى التكايا في مدينة أم درمان: «نواجه صعوبات متزايدة بسبب شحِّ الدعم المالي من الخيِّرين والمتبرعين، وهو ما دفعنا إلى تقليص عدد الوجبات المقدَّمة للأسر»، مضيفاً أن «الأوضاع تمضي نحو الأسوأ مع تصاعد معدلات الجوع وسط الفقراء والمساكين»، ومؤكداً أن التزاحم على الطعام «بلغ مستويات مؤلمة، حيث يتشاجر بعض المواطنين بالأيدي للحصول على حصة من الفول أو العدس، التي يقدِّمها المطبخ الخيري. وهذه الأوضاع تدفع مزيداً من الأسر إلى مواجهة الجوع والعجز عن توفير الحدِّ الأدنى من الغذاء».

وجبة واحدة في اليوم

من جهته يقول عباس محجوب، الذي يعمل مشرفاً على مطبخ خيري بمنطقة شرق النيل، إن عدد الأسر، التي كانت تستفيد من المطبخ الخيري تجاوز 800 أسرة قبل توقفه، لافتاً إلى أن المواطنين باتوا يعتمدون على وجبة واحدة في اليوم، في ظلِّ العجز عن توفير احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

الصادق صديق وهو مشرف على مطبخ خيري يؤكد أن التزاحم على الطعام بلغ مستويات مؤلمة (الشرق الأوسط)

أما البخاري إسحق، الذي يشرف على مطبخ خيري في الجريف (شرق)، فيؤكد من جانبه أنه توقف عن العمل قبل أكثر من 8 أشهر، بعد تراجع الدعم الذي كان يتلقاه بصورة مباشرة من غرفة طوارئ شرق النيل، عبر المنح المخصصة للمطابخ الخيرية.

يقول البخاري لـ«الشرق الأوسط» إن شحَّ التبرعات، وتراجع مساهمات الجهات المانحة، من بينها برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أثَّرا بصورة كبيرة على استمرار نشاط المطبخ، مضيفاً أن المطبخ «كان يقدِّم وجبات يومية لنحو 400 أسرة، ما جعل توقفه يُفقِد مئات الأسر مصدراً أساسياً للحصول على الغذاء، في ظلِّ الظروف المعيشية الصعبة».

بدورها تقول التومة الجاك، التي تعول أسرة مكونة من 9 أفراد لـ«الشرق الأوسط»، إن أحفادها «تركوا مقاعد الدراسة بسبب العجز عن توفير وجبات الإفطار وأجرة المواصلات، فضلاً عن عدم قدرتها على شراء المستلزمات المدرسية، من ملابس وأحذية وكتب وكراسات».

وتضيف بنبرة حزينة: «أحياناً تمر أيام لا يجد فيها أطفالي ما يكفيهم من طعام».

وبحسب إفادة الجاك، فإن أسرتها كانت تعتمد على المطبخ الخيري لتوفير الطعام، ولذلك فإن توقف هذه المطابخ يعني بالنسبة إليهم «الموت البطيء»، خصوصاً في ظلِّ الغلاء، الذي جعل توفير الغذاء أمراً يفوق قدرة كثير من الأسر.

ولذلك عبَّرت عن أملها في أن تتوقَّف الحرب، ويعود السلام إلى البلاد، حتى يتمكَّن الناس من العيش بكرامة.

تفاقم الجوع

أما سلوى عبد الله آدم، التي توفي زوجها خلال الحرب إثر إصابته بقذيفة، فقد وجدت فجأة نفسها مسؤولة وحدها عن إعالة 7 أطفال، أصغرهم رضيع لا يتجاوز عمره 9 أشهر.

تقول سلوى التي تقف في طابور طويل أمام المطبخ الخيري لتحصل على وجبة بسيطة تسدُّ بها جوع أطفالها: «ظروف الحياة تزداد قسوة يوماً بعد آخر».

وتضيف أن أطفالها يذهبون إلى المدارس دون مصروف، ثم يعودون إلى المنزل لتناول ما يتوفَّر من عصيدة الذرة، بينما لا تستطيع الأسرة توفير احتياجاتهم اليومية.

طابور طويل في انتظار توزيع الوجبات الغذائية (الشرق الأوسط)

وبخصوص الرعاية الصحية، توضِّح سلوى أن بعض الأطباء الخيرين يساعدونها أحياناً في الحصول على أدوية لأطفالها من الصيدليات، لكن عندما يمرض الكبار لا يجدون أمامهم سوى الصبر، وتناول المسكنات.

وجبة «التكية»

لا تختلف معاناة علي عبد الله يوسف كثيراً عن بقية الأسر، التي تعتمد على «التكايا» في الحصول على وجبة واحدة في اليوم، ويقول: «الأوضاع في غاية الصعوبة، ولولا هذه (التكية) الخيرية لما تمكَّنا من الحصول على الطعام».

وأضاف أن توقف هذه المطابخ الخيرية يضع أسرته أمام مأزق حقيقي في ظلِّ غياب مصادر الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتجسِّد إفادات المستفيدين من هذه المطابخ الخيرية حجم المعاناة، التي خلَّفها توقفها، لا سيما بالنسبة للأسر التي فقدت مصادر دخلها، ولم يعد أمامها سوى انتظار الوجبات التي توفِّرها تلك المبادرات الخيرية.

وتأتي هذه المعاناة المتزايدة لتوفير لقمة العيش في وقت تزداد فيه التحذيرات الدولية من تفاقم أزمة الغذاء في السودان. ففي 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعربت عشرات الدول، من بينها الولايات المتحدة ودول أوروبية كبرى، عن قلقها إزاء التدهور المتواصل في الأمن الغذائي بالبلاد، ودعت طرفَي النزاع إلى إزالة جميع العوائق أمام وصول المساعدات الإنسانية.

علي عبد الله أكد أن توقف المبادرات الخيرية يضع أسرته أمام مأزق حقيقي (الشرق الأوسط)

وكانت مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد قالت، في يونيو (حزيران) الماضي، إن نحو 5.1 مليون شخص في السودان يواجهون جوعاً حاداً، في ظلِّ تداعيات الحرب المستمرة منذ عام 2023، وما ألحقته من أضرار بالقطاع الزراعي، وصعوبات واجهها المزارعون في حصاد محاصيلهم. إلى جانب موجة الجفاف التي شهدتها البلاد أخيراً.