برلين تحاول تخفيف تداعيات سحب 5 آلاف جندي أميركي

وسط دعوات لتقوية الدفاع الأوروبي وتجاوز «الابتزاز» الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)
TT

برلين تحاول تخفيف تداعيات سحب 5 آلاف جندي أميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض مطلع مارس الماضي (رويترز)

حاول وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، تهدئة التوتر مع الولايات المتحدة بعد إعلان وزير الحرب الأميركي بيث هيسغيث، عزم بلاده سحب 5 آلاف جندي أميركي من ألمانيا، ووصف بيستوريوس الخطوة بأنها «كانت متوقَّعة». ودعا في الوقت نفسه الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية «أكبر فيما يتعلق بأمنهم»، مُضيفاً أن ألمانيا «على الطريق الصحيح» لتحقيق ذلك، كاشفاً في الوقت نفسه عن تعاون أقرب ضمن ما تُعرف بـ«مجموعة الخمسة» التي تضم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا.

وتنشر الولايات المتحدة نحو 36 ألف جندي في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من أصل 78 ألفاً متمركزين في أوروبا. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدّد بسحب 25 ألف جندي أميركي من ألمانيا في عهده الأول، وكرر التهديدات لدى عودته إلى البيت الأبيض في عهده الثاني.

ورغم أن ترمب بدا راضياً في البداية عن زيادة ألمانيا إنفاقها العسكري، حسب توصيات حلف شمالي الأطلسي، فإن قراره سحب الجنود الأميركيين يبدو مرتبطاً بالانتقادات الأخيرة التي وجَّهها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى الولايات المتحدة حول إيران. وقال ميرتس قبل أيام في تصريحات ردَّ عليها ترمب بغضب، إن «أمة بأكملها يتم إذلالها من إيران» بسبب الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران. ورد ترمب عليه في اليوم التالي قائلاً إنه «لا يعرف ما الذي يقوله»، وإن «عليه أن يهتم بإصلاح بلاده».

قرار رمزي؟

رغم أن خبراء عسكريين في ألمانيا عدّوا قرار سحب 5 آلاف جندي أميركي من أصل أكثر من 36 ألفاً، «رمزياً»، فقد رأى آخرون أن قرار وقف نشر صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، التي كان من المفترض نشرها نهاية العام الجاري، قد يكون أخطر. وكان الهدف من نشر تلك الصواريخ زيادة الردع ضد روسيا.

ونقلت صحيفة «دي فيلت» عن الخبير العسكري كارلو ماسالا، أن عدم نشر تلك الصواريخ «أكثر أهمية» من قرار سحب الجنود. وأضاف: «هذا يخلق هوة كبيرة في مجال الردع ضد روسيا، ولا يمكن إغلاق هذه الهوة إلا من خلال أسلحة أوروبية ما زالت قيد التطوير».

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس متحدّثاً في برلين يوم 22 أبريل (أ.ف.ب)

وشدّد سياسيون آخرون من الحزب الحاكم الذي ينتمي إليه ميرتس، على أن الولايات المتحدة تستفيد من القواعد العسكرية في ألمانيا. وقال الخبير في السياسة الخارجية في الحزب، يورغن هاردت، لصحيفة «دي فيلت» إن القواعد الأميركية تلك «هي ما يمكّن الولايات المتحدة من التصرف بسرعة وفعالية في أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وقد شدد الكونغرس في الماضي على أهمية هذه القواعد». ودعا هاردت إلى «العمل على الحد من الأضرار، والبناء على تقوية التحالف القوي عبر الأطلسي».

وتَستخدم الولايات المتحدة القواعد الألمانية في عملياتها في الشرق الأوسط، واستخدمتها خلال الحرب في أفغانستان والعراق، ومؤخراً في إيران. وتستضيف ألمانيا مقر القيادة الأميركية المركزية لأفريقيا وأوروبا، كما لديها أكبر مستشفى عسكري أميركي خارج الولايات المتحدة.

وكان الحزب الاشتراكي الشريك في الحكومة الألمانية أكثر سلبية في تعليقه على القرار الأميركي، وقال الخبير في الدفاع لدى الحزب، سيامته مولر، إن الانسحاب الأميركي «من دون استراتيجية»، مضيفاً أن «الأمن الأوروبي واستقرار (الناتو) أصبحا للأسف وبشكل متزايد تحت رحمة الرئيس الأميركي، وهذا يعني بالنسبة إلينا نحن الأوروبيين الاستثمار بشكل أسرع وأكبر في سياستنا الأمنية».

كان نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل، الذي يرأس الحزب الاشتراكي، قد وجّه انتقادات لاذعة إلى ترمب بعد تهجم الأخير على ميرتس. وقال كلينغبايل مدافعاً عن المستشار: «نحن لسنا بحاجة إلى أي نصيحة من دونالد ترمب حالياً، عليه أن يرى الفوضى التي تسبب بها».

تعزيز قدرات برلين العسكرية

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي في «البنتاغون»، من دون أن تسميه، قوله إن «الخطاب الألماني مؤخراً غير مناسب وغير مفيد»، وأن الرئيس الأميركي «محقٌّ في رد فعله لتلك الملاحظات غير المجدية».

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية-أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل (إ.ب.أ)

ورغم أن أحزاب المعارضة في ألمانيا انتقدت تصريحات ميرتس، وقالت إنها لا تسهم في تصحيح العلاقة المتوترة مع واشنطن، فإنها انتقدت كذلك قرار «البنتاغون». ووصف يان نولته، المتحدث باسم السياسة الخارجية في حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وهو أكبر حزب معارض داخل البرلمان، القرار الأميركي بأنه «رمزي ولا تأثير له على قوة ردع الناتو في أوروبا»، وأضاف أن على أوروبا أن تكون قادرة على المدى البعيد على الدفاع عن نفسها.

بدورها، قالت أنييسكا بروغر، رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر المعارض، إن توتر العلاقات مع واشنطن أمر مقلق. وأضافت أن تصريحات ميرتس التي انتقد فيها الإدارة الأميركية بسبب الحرب في إيران كانت «من دون شك خاطئة»، ولكن مقاربة الرئيس الأميركي بـ«معاقبة أو ابتزاز الحلفاء» أمر تجب مواجهته. ودعت إلى ضرورة العمل مع الحلفاء لتقوية أمن أوروبا من دون «إضاعة مزيد من الوقت».

وتعتمد أوروبا وألمانيا بشكل خاص على الولايات المتحدة في أمنها. ورغم زيادة ألمانيا إنفاقها العسكري بشكل كبير في السنوات الماضية منذ الحرب في أوكرانيا، فإن جيشها ما زال غير مجهَّز للدفاع عن البلاد بعد عقود من إضعافه عن عمد. وأعلنت حكومة ميرتس العام الماضي حزمة إنفاق ضخمة على الدفاع والبنية التحتية لكي تكون قادرة على تحمل القوة العسكرية المتزايدة، ولكن الصناعات العسكرية الألمانية والأوروبية غير قادرة على إنتاج أسلحة بشكل سريع وكافٍ لمرافقة نهوضها العسكري. وتتخوف ألمانيا من أن تكون روسيا تُعد لعملية عسكرية ضد دولة تابعة للناتو خلال الأعوام القادمة، وقد تبنَّى جيشها عقيدة دفاعية سرِّية جديدة مؤخراً معدّاً لاحتمالات سيناريوهات التعرض لهجوم.


مقالات ذات صلة

«الناتو» يتأهب لردع تهديدات إيرانية

شؤون إقليمية ترمب يُوقّع على قطعة من الحجر في موقع بناء مهبط طائرات الهليكوبتر في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض أمس (أ.ف.ب)

«الناتو» يتأهب لردع تهديدات إيرانية

أعلن حلف شمال الأطلسي «الناتو»، أمس (الأربعاء)، أنه يستعد للتعامل مع أي تهديد إيراني محتمل والدفاع عن جميع دوله الأعضاء، بعدما ظهرت مؤشرات على أن طهران درست.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية طائرة أميركية من طراز «إي إيه-18 غراولر» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي-135 ستراتوتانكر» تابعة للقوات الجوية الأميركية خلال دورية فوق الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
p-circle

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

أفادت مصادر مقرَّبة من دوائر صنع القرار في طهران بأن إيران تدرس مهاجمة أهداف عسكرية أميركية بأوروبا في حال قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصعيد الحرب ضدها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الحرس الوطني اللاتفي قبيل عملية بحث عن حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها فوق لاتفيا (رويترز)

لاتفيا: المسيّرة التي أسقطتها مقاتلات «الناتو» جاءت من بيلاروسيا

قال وزير الدفاع اللاتفي رايفيس ميلنيس إن طائرة مسيرة أسقطتها مقاتلات تابعة لـ«الناتو» فوق لاتفيا، الأسبوع الماضي، دخلت المجال الجوي اللاتفي قادمة من بيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (ريغا )
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

كشف تقرير صحافي أن روسيا أنشأت قواعد سرية قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة متطورة في عمق أراضي حلف شمال الأطلسي «الناتو».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)

إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

كشفت تركيا عن أن عضويتها بالاتحاد الأوروبي لم تعد ضمن أولوياتها وذلك بعدما فشلت مساع مكثفة على مدى العامين الماضيين لفتح فصول جديدة للمفاوضات

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

وقال سيرجي أكسيونوف، الحاكم المعين من قبل موسكو، عبر تطبيق تليغرام، إن شخصاً آخر أُصيب في مكان آخر بشبه الجزيرة. ولم يكشف عن المزيد من التفاصيل.

وكانت روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتستخدمها كقاعدة انطلاق ومركز للإمداد. ونتيجة لذلك، تشن كييف ضربات بانتظام على أهداف في شبه الجزيرة.

وتواصل أوكرانيا التصدي للغزو الروسي الشامل بدعم غربي منذ ما يقرب من أربعة أعوام ونصف العام.


قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.


الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو (حزيران) و15 أغسطس (آب) 2026، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا الرقم ضعف ذلك المُسجل خلال صيف عام 2003 الذي شهد موجة حر قاتلة في أوروبا (باستثناء تركيا)، وفق حسابات الوكالة المستندة إلى بيانات درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن «المرصد الأوروبي للجفاف» وبيانات السكان من «مركز البحوث المشترك».

كما يتجاوز رقم عام 2026 الأعداد المسجلة في الفترة نفسها خلال صيفي عامي 2022 و2025، حين تأثر ما بين 55 و60 مليون شخص بمثل هذه الدرجات من الحرارة.

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس وسط ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

وشهدت أوروبا الغربية أكثر بدايات الصيف حرارة على الإطلاق عام 2026، إذ بلغت درجات الحرارة في الفترة الممتدة بين يونيو ويوليو (تموز) مستويات غير مسبوقة، في ظل موجات حر متكررة، وجفاف واسع النطاق، وحرائق غابات مدمرة أججتها ظاهرة الاحترار المناخي.

منذ منتصف يونيو، طالت حرارة تجاوزت 40 درجة 30 مليون نسمة في فرنسا، ولا سيما في الغرب، و23 مليون نسمة في إسبانيا، و8 ملايين نسمة في كل من ألمانيا وإيطاليا.

وعلى نطاق أوسع، تجاوزت الحرارة 35 درجة في مناطق يقطنها 80 في المائة من سكان أوروبا، أي ما يعادل نحو 490 مليون نسمة، في حين لم تطل الموجة المناطق الجبلية ودول البلطيق وشمال أوروبا.

وأعلن معهد «كارلوس الثالث» الصحي في إسبانيا أن الحرارة تسببت في نحو 4500 وفاة إضافية بين الأول من يونيو و19 أغسطس.

وفي ألمانيا، تُقدّر السلطات الصحية عدد الوفيات بنحو 14 ألفاً حتى التاسع من أغسطس. أما في فرنسا، فقد أعلنت السلطات الصحية عن حصيلة أوّلية تتجاوز 7000 وفاة إضافية في الفترة ما بين منتصف يونيو و22 يوليو، قبل موجة الحر الثالثة التي شهدها العام واستمرت 23 يوماً على الأقل.