أغلى أطعمة في العالم... هل توازي قيمتُها الغذائية قيمتَها المادية؟

الكافيار والزعفران الإيرانيَّان في الصدارة ومعهما الكمأة البيضاء الإيطالية

الكافيار والكمأة والزعفران أغلى أطعمة في العالم لسنة 2026 (بكسلز)
الكافيار والكمأة والزعفران أغلى أطعمة في العالم لسنة 2026 (بكسلز)
TT

أغلى أطعمة في العالم... هل توازي قيمتُها الغذائية قيمتَها المادية؟

الكافيار والكمأة والزعفران أغلى أطعمة في العالم لسنة 2026 (بكسلز)
الكافيار والكمأة والزعفران أغلى أطعمة في العالم لسنة 2026 (بكسلز)

​يتصدّر الكافيار والزعفران الإيرانيان المنشأ قائمة الأطعمة الأغلى سعراً في العالم، ما يدفع المرء إلى التساؤل -وإن على سبيل النكتة- ما إذا كان دونالد ترمب قد خاض حربه على إيران بهدف وضع اليد على ثرواتها الغذائية؟

ولا مبالغة في استخدام كلمة «ثروة»، فالزعفران ملقّب بـ«الذهب الأحمر» أما الكافيار الإيراني فيُطلَق عليه «ألماس» ويُقدّر ثمن كيلوغرام واحد منه بـ25 ألف دولار.

الثمن بالدولار لكل كيلوغرام من أغلى أطعمة في العالم (المصدر: Worldostats)

كافيار «ألماس»

قبل أسابيع، نشرت منصة «وورلدوستاتس» (Worldostats) المتخصصة في الإحصائيات، قائمة عام 2026 لأغلى أطعمة في العالم. جاء كافيار «ألماس» في الطليعة، وهو اسم على مسمّى؛ إذ يتراوح سعر الكيلوغرام ما بين 25 و35 ألف دولار. وكان هذا الكافيار، الموجود حصراً في أعماق جنوبي بحر قزوين ضمن المياه الإقليمية الإيرانية، قد سبق أن دخل موسوعة «غينيس» بصفتِه أغلى طعام على الإطلاق.

تتحكّم في هذا السعر الخيالي عوامل عدة، على رأسها نُدرة وجوده ومحدوديّة إنتاجه. يُستَخرج كافيار «ألماس» من بيض سمك الحفش الأبيض حصراً، وهو صنفٌ نادر جداً. إضافة إلى ذلك، يُحصَر استخراجه بالأسماك التي تتراوح أعمارها ما بين 60 و100 عام، ما يُضاعف من خصائصه الفريدة. كما تخضع عملية الإنتاج لشروط صارمة تضمن الجودة والأصالة.

يتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من كافيار ألماس ما بين 25 و35 ألف دولار (فيسبوك)

في الشكل، يشبه كافيار «ألماس» حُبيبات اللؤلؤ؛ إذ تتدرّج ألوانه من الذهبي الفاتح إلى الأبيض. ولا يتجاوز حجم حبّة واحدة منه 4 ملّيمترات. أما المذاق فدقيق، وغالباً ما يوصف بأنه قريب من الجوز والبندق، مع بعض الملوحة.

توازي القيمة الغذائية لكافيار «ألماس» قيمته المادية، فهو غني بالدهون الصحية، وأوميغا 3، وفيتامين بـ12، والبروتين. أما فوائده فتطول صحة القلب والدماغ، وهو معروف بقدرته على الحدّ من الالتهابات، وتقوية المناعة، ومكافحة شيخوخة البشرة.

سمك الحفش الأبيض الذي يُستخرج منه كافيار ألماس (رويترز)

كافيار «بيلوغا»

يحتلّ المرتبة الثانية كافيار من فصيلة مختلفة، مستخرَج هو أيضاً من أعماق بحر قزوين. يُدعى كافيار «بيلوغا» نسبة إلى حوت البيلوغا الذي يبيضه. ويتراوح كيلوغرام واحد منه ما بين 7 و20 ألف دولار.

هو باهظ الثمن نظراً إلى أنّ دورة النُّضج طويلة جداً لدى أنثى الحفش؛ إذ تستغرق 25 عاماً قبل أن تصبح جاهزة لوضع البيض. هذا يعني أن مُربّي الكافيار يجب أن يوظّف مالاً كثيراً ووقتاً طويلاً في تغذية أسماكه قبل استرداد استثماره. ويُضاعف من نُدرة هذا الصنف التغيّر المناخي، وفقدان الموائل، ومَنع الاستيراد.

كما يعود ارتفاع سعر الكافيار عموماً إلى أنه يُعتبر سلعة فاخرة ترمز إلى الثراء، فأوّل مَن روّجوا له عبر التاريخ كانوا قياصرة روسيا في القرن الـ12.

يتراوح سعر كافيار بيلوغا ما بين 7 و20 ألف دولار (بيكساباي)

تتدرّج ألوان كافيار بيلوغا من الرمادي الفاتح إلى الأسود، وهو غالباً ما يؤكل مباشرة من الملعقة من دون أي مكوّن إضافي. كما يوضع أحياناً على نوع من الخبز الصغير الروسي المعروف بـ«بليني». لهذا الصنف من الكافيار منافع صحية كذلك على القلب والدماغ وجهاز المناعة وشباب البشرة.

كافيار بيلوغا برفقة خبز بليني الروسي (بكسلز)

الكمأة البيضاء

من المعروف عن الكمأة، وهي نوع من الفطر البرّي الموسمي، أنها باهظة الثمن. ولكن فصيلة محدّدة منها هي الأغلى سعراً على الإطلاق؛ إنها الكمأة البيضاء الإيطالية التي تصل كلفة كيلوغرام واحد منها إلى 5 آلاف دولار.

لا تنمو الكمأة البيضاء سوى في بيئاتٍ برية ورطبة وصعبة الوصول، تحديداً في منطقة ألبا بإيطاليا. يصعب العثور عليها نظراً للخنادق المعتمة وجذوع الأشجار النادرة حيث تظهر، لذلك يُستعان بكلابٍ مدرّبة في عملية التنقيب عنها في باطن الأرض. وما يجعلها سلعة ثمينة كذلك أن موسمها محدود (من أواخر سبتمبر «أيلول» إلى ديسمبر «كانون الأول»)، وهي تبدأ في فقدان رائحتها ووزنها -نحو 5 في المائة فور قطفها- ما يتطلب نقلها بسرعة وبتكلفة باهظة إلى الأسواق.

يبلغ ثمن الكيلوغرام الواحد من الكمأة البيضاء 5 آلاف دولار (رويترز)

رائحة الكمأة البيضاء ونكهتها الفريدتان تجعلان منها مادة مطلوبة جداً من قِبَل المطاعم العالمية، بكمياتٍ تفوق الإنتاج الطبيعي المحدود. وهي غالباً ما تُقدّم نيئة ومقطّعة إلى شرائح رقيقة فوق أطباق ساخنة وبسيطة تتيح إطلاق رائحتها القوية. في طليعة تلك الأطباق: الباستا، والريزوتو، والبيض المخفوق أو المقلي.

للكمأة البيضاء فوائد صحية، كحماية الخلايا من التلف والشيخوخة، بسبب المواد المضادة للأكسدة التي تحتويها. كما أنها تجنّب الالتهابات، وتدعم الجهاز المناعي بسبب غناها بفيتامين سي والسيلينيوم.

شرائح الكمأة البيضاء فوق طبق من الباستا (بكسلز)

الزعفران

يُلقّب الزعفران الإيراني بالذهَب الأحمر، ويُباع الكيلوغرام منه بـ5 آلاف دولار. وهو نوع من أنواع التوابل المُستخرج من إحدى الأزهار البنفسجيّة النادرة.

في كل زهرة من تلك الأزهار، ذات الاسم العلمي «كروكوس ساتيفوس»، 3 مياسم حمراء فقط، وهي الأعناق الرفيعة التي يُستخرج منها الزعفران. مع العلم بأن استخراج نصف كيلوغرام منه، يستلزم 83 ألف زهرة. أما عملية الحصاد فدقيقة جداً؛ إذ تُنزَع المياسم يدوياً، ويستغرق إنتاج كيلوغرام واحد من الزعفران المجفّف 400 ساعة من العمل.

الزهرة ذات المياسم الحمراء التي يُستخرج منها الزعفران (بكسلز)

لا تنمو تلك الزهرة سوى في مناخٍ محدّد، شتاؤه قارس وصيفه حارّ، وتنحصر فترة الحصاد بـ6 أسابيع. ومع إنتاج أكثر من 90 في المائة من الإمدادات العالمية للزعفران في إيران، يؤدّي الطلب المرتفع عليه للاستخدامات الغذائية والتجميلية والطبية، إلى ارتفاع التكلفة.

في الطعام، يُستخدم الزعفران لإضفاء لونٍ ذهبي ونكهة خاصة على أطباق الأرزّ، والمأكولات البَحريّة، والحلوى. أما طبياً، فهو متمم غذائي يساعد في حالات الاكتئاب والقلق، كما يخفّف من عوارض ألزهايمر.

يستغرق إنتاج الكيلوغرام الواحد من الزعفران 400 ساعة عمل (بكسلز)

جبنة غزال الموظ

مزرعة واحدة في العالم تصنع هذا الصنف من الجبنة المستخرجة من غزال الموظ. وفي تلك المزرعة السويديّة وحدها 3 غزالات تنتج الحليب اللازم لصناعة الجبن؛ هذا ما يجعله نادراً.

يبلغ ثمن الكيلوغرام من جبنة الموظ 2200 دولار، وتُضاعف من خصوصيته الظروف المحيطة بإنتاجه، كأن تستغرق عملية حَلب كل غزال من الغزالات الثلاث ساعتَين من الوقت، على أن تجري وسط صمت كامل لتجنّب إجهاد الحيوانات ما يتسبب في جفاف حليبها. مع العلم بأنّ كل غزالة تُنتج 5 ليترات من الحليب يومياً، وذلك حصراً ما بين مايو (أيار) وسبتمبر.

غزال الموظ الذي يُستخرج منه أغلى جبن في العالم (بكسلز)

غالباً ما يُباع جبن الموظ لمطاعم السويد الفاخرة، وهو يُقدّم إلى جانب الخبز والبسكويت، أو ضمن سلطات تُبرز نكهته الكريميّة والحامضة قليلاً.

لهذا النوع من الجبن فوائد صحية، بما أنه يحتوي نسبة عالية من أوميغا 3، والزنك، والحديد، والسيلينيوم. بالتالي، يُعرف عنه أنه يلعب دوراً في تخفيض الالتهابات وخطر الإصابة بأمراض القلب والسمنة.

جبن غزال الموظ (المزرعة السويدية المصنّعة)

تُستَكمل لائحة أغلى الأطعمة بفطر «ماتسوتاكي» الياباني، الذي يبلغ ثمن الكيلوغرام منه ألفَي دولار. يليه لحم «إيبيريكو» الإسباني، وقهوة «كوبي لوواك» الإندونيسية، ولحم «كوبي»، وتونة «أوتورو» الزرقاء من اليابان.


مقالات ذات صلة

تشعر بالجوع بعد الأكل مباشرة؟ 5 أسباب قد تكون وراء ذلك

صحتك هناك بعض الأسباب وراء الشعور بالجوع بعد تناول الطعام (رويترز)

تشعر بالجوع بعد الأكل مباشرة؟ 5 أسباب قد تكون وراء ذلك

قد يعتقد البعض أن الشعور بالجوع بعد وقت قصير من تناول وجبة مشبعة يعني أن الجسم يحتاج إلى المزيد من الطعام، لكن خبراء التغذية ينفون هذا الأمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الحليب والزبادي مصران غنيان بالكالسيوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

4 أطعمة ومشروبات تحتوي على كالسيوم أكثر من الزبادي

يحتوي الزبادي على كمية كبيرة من الكالسيوم. لكن هناك أطعمة عدة غنية بالكالسيوم أكثر من الزبادي. تعرف عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك طفل باكستاني يصب الماء فوق رأسه وسط موجة حارة في كراتشي (إ.ب.أ)

ماذا تأكل خلال موجات الحر؟

لا تقل نوعية الطعام أهمية عن السوائل في مساعدة الجسم على مواجهة الطقس الحار والحفاظ على النشاط والتركيز وتجنب الجفاف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك لا يُنصح بالإكثار من العصائر المحلاة (أرشيفية - رويترز)

8 أطعمة فائقة المعالجة... احذرها!

إليك أبرز المكونات الشائعة التي ينصح الخبراء باستبعادها من نظامنا الغذائي من الأطعمة فائقة المعالجة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق رواج عالمي غير مسبوق للتمر تحت أشكاله المختلفة (بكسلز)

العالم يكتشف التمر... فوائد صحية كثيرة وابتكارات جذّابة تضاعف المبيعات

إحدى أقدم الثمار في التاريخ تُذهل القارتَين الأميركية والأوروبية، وتشهدُ صعوداً مطرداً في المبيعات والابتكارات نظراً لفوائدها الصحية.

كريستين حبيب (بيروت)

علامتان قد تظنهما ضعفاً... لكنهما مؤشر على الذكاء العالي

علامتان قد تبدوان سلبيتين للوهلة الأولى لكن الدراسات تشير إلى أنهما ترتبطان بالذكاء العالي (بكسلز)
علامتان قد تبدوان سلبيتين للوهلة الأولى لكن الدراسات تشير إلى أنهما ترتبطان بالذكاء العالي (بكسلز)
TT

علامتان قد تظنهما ضعفاً... لكنهما مؤشر على الذكاء العالي

علامتان قد تبدوان سلبيتين للوهلة الأولى لكن الدراسات تشير إلى أنهما ترتبطان بالذكاء العالي (بكسلز)
علامتان قد تبدوان سلبيتين للوهلة الأولى لكن الدراسات تشير إلى أنهما ترتبطان بالذكاء العالي (بكسلز)

هناك صورة نمطية للذكاء يسهل على معظم الناس التعرف إليها: شخص حاسم، متزن، ونادراً ما يضطرب بسبب أمور خارجة عن سيطرته. يتخذ قراراته من دون تردد ظاهر، ويتعامل مع المواقف الصعبة بهدوء متوازن.

هذه الصورة تبدو بديهية، لكنها في الواقع ليست دقيقة إلى حد كبير.

فقد رسمت الأبحاث المتعلقة بالقدرات المعرفية العالية صورة أكثر تعقيداً، تُظهر أن بعض السلوكيات الأكثر ارتباطاً بالذكاء قد تبدو، للوهلة الأولى، نقيضاً له. ويبرز من بينها نمطان يثيران كثيراً من سوء الفهم والاحتكاك الاجتماعي، رغم أن ما يحدث في العمق أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به الانطباعات السريعة.

ويذكر تقرير نشره موقع «سيكولوجي توداي»، علامتين قد تبدوان سلبيتين للوهلة الأولى، لكن الدراسات تشير إلى أنهما ترتبطان بالذكاء العالي وكيفية عمل العقل التحليلي.

1- الأذكياء يجدون صعوبة في تجاوز الأمور قبل أن «تفهم» بالكامل

في هذا الإطار، قال مارك ترافرز، الحاصل على درجة الدكتوراه في علم النفس: «في عملي أسمع باستمرار شكوى تتكرر بصيغ مختلفة. ينتهي نقاش، أو يُتخذ قرار، ثم يمضي معظم الحاضرين إلى أعمالهم. لكن شخصاً واحداً يظل يعود إلى الحديث نفسه؛ إلى تفسير لم يكن مقنعاً تماماً، أو جدال انتهى قبل أن يُحسم فعلياً، أو تعليق بدا غريباً، رغم أن أحداً غيره لم يلتفت إليه».

وأضاف: «بالنسبة لمن حوله، يبدو الأمر وكأنه عجز عن تجاوز الماضي. أما بالنسبة إليه، فقد يشعر بالفعل بأنه غير قادر على ترك الموضوع».

وأوضح أن ما يحدث يحمل اسماً معروفاً في الأدبيات النفسية، وهو «الحاجة إلى التفكير (Need for Cognition).».

ويصف هذا المفهوم الميل الشخصي إلى البحث عن التفكير العميق والانخراط فيه والاستمتاع به، مع الشعور بانزعاج حقيقي عندما يبقى الفهم ناقصاً أو غير مكتمل.

وقد صاغ عالم النفس آرثر كوهين وزملاؤه هذا المفهوم، وعرّفوه بأنه «الحاجة إلى تنظيم المواقف ذات الصلة في صورة ذات معنى ومتكاملة»، ووجدوا أن إحباط هذه الحاجة يولد «مشاعر من التوتر والحرمان» تدفع الشخص إلى مواصلة البحث حتى يصل إلى فهم كامل.

العلاقة بين الذكاء والحاجة إلى الفهم

وبعبارة أخرى، فإن ارتفاع القدرة المعرفية غالباً ما يترافق مع الرغبة في مواصلة التفكير حتى تتضح الأمور بالكامل.

والنتيجة العملية لذلك هي أن العقل الذي يسعى فعلاً إلى الفهم يقاوم الوصول إلى نهاية يشعر بأنها سابقة لأوانها.

فعندما ينتهي نقاش من دون إجابة حقيقية، أو يجري تقديم تفسير سطحي بدلاً من تفسير مقنع، فإن الانزعاج الذي يشعر به الشخص ليس مبالغة أو حساسية زائدة، بل يعكس ببساطة نظاماً معرفياً يحاول إكمال المهمة التي صُمم لأجلها لكنه مُنع من ذلك.

2- الأذكياء قد يتجمدون أمام أبسط القرارات

النمط الثاني أقل ارتباطاً بالمشاعر، لكنه قد يكون أكثر إحراجاً من الناحية الاجتماعية.

إنه ذلك الموقف الذي يقضي فيه الشخص وقتاً طويلاً بشكل غير منطقي لاتخاذ قرار يبدو بسيطاً للغاية، مثل:

أي مسلسل سيشاهده.

ماذا سيطلب من مطعم اعتاد زيارته.

هل يرد على رسالة الآن أم يؤجل الرد.

وغالباً ما يثير هذا السلوك استغراب المحيطين به، بل قد يشعر الشخص نفسه بالخجل، لأنه يبدو وكأنه عاجز عن اتخاذ قرار بسيط.

عندما يصبح البحث عن الخيار الأفضل عبئاً

يفسر علماء النفس هذه الظاهرة من خلال مفهوم يُعرف باسم «النزعة إلى تعظيم الخيارات» (Maximizing).

وقد ميّز الباحثون منذ سنوات بين نوعين من الأشخاص:

- من يبحثون دائماً عن أفضل خيار ممكن.

- من يكتفون بالخيار الذي يعد جيداً بما يكفي.

لكن الأبحاث خلال العقدين الماضيين كشفت أن كثيراً من التكاليف التي نُسبت إلى تعظيم الخيارات كانت في الحقيقة مرتبطة بسمة أخرى هي التردد.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن السعي إلى الخيار الأمثل ليس هو نفسه الوقوع في الشلل عند اتخاذ القرار، حتى لو بدا السلوكان متشابهين.

فالمشكلة ليست دائماً أنه عاجز عن تقييم البدائل، بل إنه غالباً قادر على تقييم عدد كبير جداً منها في الوقت نفسه.

الذكاء... ليس دائماً كما يبدو

العلاقة بين الذكاء وصعوبة اتخاذ القرار أكثر تعقيداً من الاعتقاد الشائع بأن «الأذكياء سيئون في الحسم».

فالذكاء التحليلي يعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على تصور سيناريوهات متعددة، ومقاومة التسرع في إغلاق باب الاحتمالات.

وهذه القدرات تمنح صاحبها مزايا كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تخلق عدداً أكبر من البدائل التي تحتاج إلى تقييم.

ولهذا، فإن من يسعون دائماً إلى الخيار الأفضل ليسوا بالضرورة ضعفاء في اتخاذ القرار، بل قد يكونون بارعين في نوع من التحليل لا يعرف دائماً متى يجب أن يتوقف.

وفي النهاية، يشترك هذان النمطان في سمة واحدة: عقل مهيأ للتعمق لا ينتقل بسهولة إلى التفكير السطحي عندما يكون الموقف بسيطاً.


عصر التجميل الصامت... انقضى زمن أرداف ساعة الرمل والشفاه المنتفخة

دخلت مواد وتقنيات جديدة على خط تعزيز شباب البشرة بعيداً عن المبالغة والتجميل الزائد (بكسلز)
دخلت مواد وتقنيات جديدة على خط تعزيز شباب البشرة بعيداً عن المبالغة والتجميل الزائد (بكسلز)
TT

عصر التجميل الصامت... انقضى زمن أرداف ساعة الرمل والشفاه المنتفخة

دخلت مواد وتقنيات جديدة على خط تعزيز شباب البشرة بعيداً عن المبالغة والتجميل الزائد (بكسلز)
دخلت مواد وتقنيات جديدة على خط تعزيز شباب البشرة بعيداً عن المبالغة والتجميل الزائد (بكسلز)

قبل سنواتٍ قليلة كانت الشريحة الكبرى من النساء تفاخر بأي إجراءٍ تجميليّ تخضع له، وتتباهى بحصولها على خصر كيم كارداشيان أو شِفاه كايلي جينر. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة وصار التجميل الصامت أو الخفيّ هو المرغوب والمطلوب. حتى إنه يُحكى أنّ كيم شخصياً أزالت جزءاً من أردافها الشهيرة.

من داخل عيادته في بيروت، يَصِف جرّاح التجميل الدكتور عزيز سالم ما نشهدُها حالياً بـ«مرحلة التحسين من دون تغيير»، مضيفاً أن العنوان العريض اليوم في عالم التجميل هو «البساطة... والاتّجاه إلى المظهر الطبيعي».

يبدو أن حتى كيم كارداشيان عمدت إلى تصغير أردافها مع تراجع المبالغة في التجميل (إنستغرام)

تشوّهات وندَم

لا يأتي هذا التحوّل من عدَم، بل هو ردّ فعلٍ على سنواتٍ طويلة حكمت فيها المبالغةُ مباضعَ وإبرَ عددٍ كبير من الأطبّاء، وبالتالي وجوهَ وأجساد عدد أكبر من النساء. وقد أدّت تلك المبالغة في بعض الأحيان إلى تشوّهاتٍ من المستحيل تصحيحها يرافقها ندمٌ وعذاب، ما خلقَ حالةَ وعي شبه جماعيّ، وأنتجَ تفكيراً معمّقاً قبل خوض تجربة تجميليّة.

لا يعني هذا أنَّ العيادات قد فرغت بل على العكس، لكنَّ التوقُّعات هي التي تبدَّلت.

ويشير د. سالم في حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أنَّ «مزيداً من النساء بتنَ يتجنَّبن الغرق في المبالغة، وما عدنَ يرغبن في تقليد ما يرونه على السوشيال ميديا».

ويلحظ الطبيب أنَّ شابات الجيل الصاعد على وجه الخصوص هنّ مَن «يتّجهن إلى البساطة في التجميل، وإلى اختيار ما يليق بهنّ لا ما يرونه حولهنّ».

يقود الجيل الجديد موجة التجميل الخفي وغير المبالغ فيه (بكسلز)

تذويب وسحب وتصغير

في عصر التجميل الصامت، يُلاحَظ ارتفاع عدد السيدات اللواتي يطلبن إزالة موادّ كانت قد امتلأت بها شفاههنّ ووجوههنّ. «كثيرات يقصدن العيادة من أجل تذويب الفيلر. ثمة أيضاً طلبات لتصغير الثدي والأرداف بعد عملياتٍ سابقة هدفت لزيادة حجمهما»، يقول د. سالم.

ما عادت الموضة للأرداف الشبيهة بالجرّة أو بساعة الرمل، ولا للشفاه المنتفخة. وتؤكّد أرقام منصة «تيك توك» ذلك، حيث يرتفع عدد المُشاهدة على «هاشتاغ» «تذويب الشفتين» إلى أكثر من 130 مليوناً، أما موضوع تصغير الثدي فيجمع ملياراً و500 مليون مشاهدة.

ويؤكّد د. سالم في هذا السياق أنَّ سحب حشوات الفيلر ممكن، لكنه يصبح أكثر دقةً وصعوبةً في حالتين: إذا لم تكن المادة المحقونة من الصنف الجيد والأصلي المصنوع أصلاً ليذوب مع مرور الوقت، وإذا كانت كميات الفيلر مكدّسة في الوجه بسبب تكرار الحَقن في المكان ذاته، «وهذا يؤدّي إلى التليّف وإلى تضاؤل حمض الهيالورونيك المكوّن للفيلر».

طلبات تذويب الفيلر وتصغير الثدي والأرداف إلى ازدياد (بكسلز)

موضة الـ«boosters» لشباب البشرة

ليس تراجع المبالغة في التجميل مجرّد موجة اجتماعية رائجة أو ردّ فعل نفسي، بل ثمة مجموعة وسائل وتقنيات طبية متطورة مهَّدت الطريق لحقبة التجميل الصامت ولجمالٍ أكثر بساطةً.

في طليعة تلك الأساليب، الـ«boosters»، أو معزّزات البشرة التي تُحقن تحت الجلد؛ بهدف تحفيز مادة الكولاجين ومنح الوجه رونقاً ووهجاً مع مفعول قد يمتدّ إلى سنة.

يتحدَّث د. سالم باستفاضةٍ عن فوائد تلك المعزّزات، لكنه يلفت إلى أنها ليست بديلاً عن الفيلر لأنها لا تملأ فراغات معينة في الوجه ولا تُحدث تغييراً في الملامح، كما أنها لا تعود بالفائدة على البشرة المترهّلة.

ويعدِّد الطبيب من بين الحقن المعززة لشباب البشرة ومظهرها الصحي، الـ«Polynucleotides»، التي تقوم على ضخّ جزيئات نقية من الحمض النووي للأسماك تحت الجلد، لتحفيز خلايا البشرة على إنتاج الكولاجين والإيلاستين الطبيعيين.

يُضاف إلى ذلك الـ«Profhilo»، الذي يعتمد على حقن حمض الهيالورونيك من دون أي إضافات كيميائية؛ ما يمنح البشرة اشتداداً ونضارة طبيعيَّين، وهو يختلف عن الفيلر بكونه يذوب بالتساوي لتحسين مرونة الوجه كاملاً.

تشهد معززات البشرة حالياً رواجاً أكبر من الفيلر (بكسلز)

هذه الحقَن المعزّزة هي الحل المثالي للنساء الباحثات عن إشراقة طبيعية في الوجه من دون إضافاتٍ قد تبدِّل الملامح. وهي تشمل كذلك علاجات بديلة مثل الـ«Microneedling»، أي الوخز بالإبر الدقيقة مع ضخّ الفيتامينات المغذّية للبشرة، والـ«PRP»، أي الحَقن بالبلازما الغنية بالصفائح الدموية، إضافةً إلى العلاجات بالليزر.

التعب من الفيلر

أحد أسباب ازدهار الـ«booster» هو التعب من ثقافة البوتوكس والفيلر التي أُسيء استخدامها في معظم الأحيان خلال العقد الماضي؛ ما أدّى إلى انتشار ظاهرة الخدود والشفاه المنتفخة. من هنا بات تذويب الفيلر والتخفّف منه مسعى لدى عدد كبير من النساء، بهدف العودة إلى مظهر أكثر نعومةً وطبيعيةً.

المبالغة في استخدام الفيلر أدّت إلى انتشار ظاهرة الشفاه المنتفخة (بكسلز)

لا يعني هذا الواقع المستجدّ أنَّ الاستعانة بالفيلر ذهبت إلى غير رجعة، إلا أنَّ الفارق حالياً هو في الكمية التي تطلبها السيدات، إذ إنهن يتّجهن إلى إضافة كميات ضئيلة من حمض الهيالورونيك في الأماكن التي تحتاج فعلاً إلى ذلك وليس بهدف زيادة الحجم.

الدكتور سالم هو من مناصري نظريّة البساطة. لا يفرض رأيه على مَن يقصدن عيادته لكنه في الوقت عينه لا يقوم بما يناقض قناعاته. «خلال السنوات القليلة الماضية صار من الأسهل إقناع السيدات بأنَّ ليس كل ما يطلبنه يمكن تطبيقه أو يليق بهنّ. اتسعت مساحة النقاش أكثر مع الطبيب بعدما شهدن على تجارب فاشلة ومؤلمة حولهنّ»، يقول الطبيب.

شدّ الوجه بالتقسيط

لكن ماذا عن جراحات التجميل؟ هل أفل نجمها هي الأخرى وسط هذا التوجّه إلى عدم المبالغة في التعديلات بالوجه؟

ما زالت جراحات التجميل تشهد رواجاً لا سيّما شدّ الوجه الجزئي (بكسلز)

يؤكد د. سالم أنَّ جراحات التجميل ما زالت مطلوبة بكثافة، لكنها خضعت هي الأخرى لقواعد البساطة بعيداً عن المبالغة. «في طليعة ما هو رائج على صعيد الجراحات، شدّ جزء محدّد من الوجه، أي القسم العلوي، أو الوسطي، أو السفلي حسب الحاجة».

فبالنسبة لكثيرٍ من النساء، هذه الجراحات بديلٌ ذكيّ عن الفيلر بغاية شدّ الوجه، لأنّ مفعولها طويل المدى. كما أنّ تسديد ثمنها مرةً واحدة أقلّ تكلفةً من الفيلر الذي يجب إعادة تعبئته بشكل متكرر.


نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)
نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)
TT

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)
نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)

في أساطير الأدب تتربع الأخوات برونتي كحالات متميزة من العبقرية الفذة التي تركت لنا مجموعة من أشهر الروايات، رغم أن حياتهن لم تكن سهلة أو سعيدة، ولكن المجد الأدبي كان هو الجزاء الذي نالته الأخوات بعد مرور أكثر من 179 عاماً من نشر باكورة إنتاجهن الأدبي.

يذكر التاريخ أن إميلي برونتي اضطرت لدفع مبلغ 50 جنيهاً استرلينياً للناشر توماس كوتلي نيوبي لتضمن نشر روايتها «مرتفعات وذرنغ». ونشرت الرواية إلى جانب رواية «أغنس غراي» لشقيقتها آن برونتي في عام 1847، وكان الاتفاق مع الناشر أن يرد المبلغ الذي دفعته إميلي من أرباح بيع الرواية، ولكن المنية أدركت إميلي قبل أن تستعيد نقودها. وبحسب موقع متحف برونتي، دفع الناشر مبلغ 30 جنيهاً للشقيقة الثالثة تشارلوت في عام 1854 لتغطية مستحقات شقيقتها الراحلة.

رسم لإميلي برونتي يعتقد أنه بريشة شقيقها باتريك برانويل برونتي (غيتي)

ويبدو أن الأقدار أرادت ردّ الاعتبار لإميلي برونتي، إذ بيعت نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» و«أغنس غراي» في مزاد لدار كريستيز بلندن بمبلغ تجاوز مليون جنيه استرليني (£1,206,500) مسجلةً بذلك رقماً قياسياً عالمياً جديداً في المزادات لأعمال إميلي برونتي. ويُعد هذا السعر الأعلى على الإطلاق الذي يُحقق في مزاد لكتاب مطبوع لكاتبة، كما يمثل أعلى سعر لأي عمل أدبي يعود إلى القرن التاسع عشر.

وتصف الدار المجموعة بـ«النادرة»، وأنها واحدة من أرقى النسخ المتبقية التي لا تزال ضمن مقتنيات خاصة، وهي تحتفظ بغلافها القماشي الأصلي الذي أصدره الناشر عام 1847. ولم تظهر في المزادات - منذ عام 1908 - أي نسخة أخرى كاملة النص من رواية «مرتفعات وذرنغ» مجلدةً بذلك الغلاف القماشي الأصلي.

في وصفها لنسخة الرواية، تذكر الدار أنها تتميز بتجليد من قماش ذي لون أخضر مائل للرمادي ونقوش مضلعة مائلة. وقد زُيّن الغلاف بزخارف نباتية وأنماط «الأرابيسك»، بينما كُتب عنوان الكتاب بحروف مذهبة على الكعب (الجانب الخارجي للكتاب). ويُلاحظ غياب اسم المؤلفة؛ حيث نشرت الشقيقات الثلاث أعمالهن بأسماء مستعارة ذكورية لتجنب التحيزات القائمة على النوع الاجتماعي.

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (الدار)

وعلّق مارك ويلتشير، خبير الكتب والمخطوطات بـ«كريستيز»، قائلاً: «هذا بالضبط ما يحلم عشاق جمع الكتب به، ولكنهم نادراً ما يحققون حلمهم».

ويشار إلى أنه لم ينشر سوى نحو 250 نسخة من الطبعة الأولى، وقد ظلت هذه النسخة تحديداً ضمن مقتنيات مكتبة خاصة بعد فترة وجيزة من صدور الرواية عام 1847. وقال ويلتشير: «إن الغالبية العظمى من النسخ المتبقية أُعيد تجليدها لصالح هواة الجمع أو المكتبات، ما يجعل النسخ المحتفظة بغلافها القماشي الأصلي نادرة للغاية في الوقت الراهن». ومن بين هذه النسخ، تُعد تلك التي تحتفظ بتجليدها الأصلي الكامل من القماش نادرة للغاية؛ إذ لا يُعرف وجود سوى 5 نسخ أخرى فقط. توجد 3 نسخ منها في مكتبات جامعات ليدز وأكسفورد وبرينستون، والرابعة في المكتبة البريطانية في لندن، أما الخامسة - وهي نسخة شارلوت التي تحتوي على تعليقات بخط يدها، وتفتقر إلى بعض الصفحات - فقد بيعت في دار «كريستيز» للمزادات عام 2009.

تتميز النسخة بتجليد من قماش ذي لون أخضر مائل للرمادي ونقوش مضلعة مائلة (الدار)

ويشير ويلتشير إلى أن إميلي دفعت بالرواية للناشر بعد نجاح رواية «جين إير» لشقيقتها تشارلوت، وقد يكون التعجل في ذلك السبب في وجود أخطاء إملائية في النسخة الأولى، بحسب ما ذكرت وكالة أسوشييتد برس. والمعروف أن إميلي بدأت الكتابة بالتعاون مع شقيقتها آن وتشارلوت في سن مبكرة. تزامنت الروايات الأولى للشقيقات، فكتبت آن «أغنس غراي»، وتشارلوت «جين إير»، وخطت إميلي رائعتها «مرتفعات وذرنغ»، إلا أن «جين إير» حالفها الحظ بالنشر أولاً، ودفع النجاح الجماهيري الذي نالته الرواية الأخوات للإسراع بنشر «مرتفعات وذرنغ» و«أغنس غراي». وتوفيت إميلي بعد عام واحد فقط من نشر روايتها جراء إصابتها بمرض السل.

يذكر التاريخ أن الرواية صدمت القراء بجرأتها، ووصفها أحدهم في عام 1848 بأنها تحتوي على «انحطاط مبتذل وفظائع منافية للطبيعة». ومن جانبه، يرى ويلتشر في الرواية تلك الظاهرة التي رسخت مكانها في التاريخ الأدبي وأصبحت علامة ثقافية. وأضاف: «لا يزال هذا العمل يستقطب الفنانين مراراً وتكراراً بفضل قوته العاطفية وأجوائه وكثافته النفسية، ما يضمن له مكانةً راسخةً، ليس في التاريخ الأدبي فقط، بل في المخيلة الثقافية الأوسع أيضاً». ويكفي ملاحظة المعالجات الفنية للرواية، التي تنوعت ما بين الأفلام والدراما التليفزيونية والمسرح حتى الأغاني.