مكيافيللي ولابويسييه.. كتاب للأمير وكتاب للشعب

جدل يترك بصمات قوية على مجمل الفكر السياسي الحديث

كتاب «الأمير» لمكيافيللي
كتاب «الأمير» لمكيافيللي
TT

مكيافيللي ولابويسييه.. كتاب للأمير وكتاب للشعب

كتاب «الأمير» لمكيافيللي
كتاب «الأمير» لمكيافيللي

يتضمن تاريخ الفلسفة السياسية، تراثا مؤسسا أثر في مسار تفكيرنا في السياسية كممارسة أو السياسة كمفهوم. ومن بين الأعمال المؤسسة في مجال السياسة والسلطة السياسية، نجد عملا عميقا سوف يغير الفكر السياسي برمته، وهو كتاب «الأمير» لمكيافيللي، الذي قدم فيه خلاصات تفكيره في السياسة، لمن يرغب في إحكام قبضته على الدولة وتوحيدها، خاصة أن مكيافيللي كان جد متأثر بالهشاشة التي تعانيها السلطة في إيطاليا، ما يجعلها عرضة للهزات والتدخلات من طرف العائلات والدوقات النبيلة. ورغبة منه في رؤية إيطاليا موحدة، بنى مكيافيللي تفكيره للسياسة والسلطة السياسية بشكل محكم، بلغة الواقع وليس بلغة التنظير. لكن البعض اعتبر هذا التنظير عائقا أمام الحرية، وطريقا ملكيا نحو الاستبداد والتسلط على الشعوب، ما سوف يدفع بفيلسوف إيطالي آخر، هو إيتيان دو لابويسييه، إلى وضع كتاب نقيض لـ«الأمير»، يعطي فيه العدة للشعب كي يدافع عن حريته، باعتبارها مطلبا أساسيا لا يمكن التخلي عنه تحت أي ذريعة كانت. وهكذا أصبحنا أمام كتاب للأمير وضعه مكيافيللي لتقوية سلطة الأمير كطاغية مستبد، وكتاب للشعب مع لابويسييه لتقوية مقاومة الشعب ونضاله، ودفاعا عن الحرية ضد الطغاة.
هو الفيلسوف نيكولا دي برناردو دي مكيافيللي، 1469 – 1527، واحد من رواد عصر النهضة الأكثر تأثيرا في العالم الجديد، الناهض من رحم العصور الوسطى. الفيلسوف الذي سوف يضع بصمته القوية على الفكر السياسي بصفة خاصة، حين يقوم بتدوين أفكاره وتجاربه في كتاب سوف يسميه «الأمير»، عله يفيد في تحقيق هدفه المنشود، وهو خلق الأمير القادر على الحكم، ويعمل على توجيهه إلى أمير حديث تولى ولاية موروثة عن آبائه، وهو الأمير لورنزو من عائلة آل ميديتشي، مجيبا فيه عن الأسئلة التالية:
من هو الأمير؟ وكيف ينبغي له أن يكون؟ كيف يكون بإمكانه الحفاظ على ملكه وبسط سيادته على شعبه؟ كيف يصبح الرجل الأقوى الذي يهابه الجميع وتكون له القدرة على دحر الخصوم؟
انطلاقا من تحليلات واستنتاجات عميقة للطبيعة البشرية والتاريخ والتجربة، سيصوغ مكيافيللي كل الوسائل والتوجيهات الأساسية، التي يكون بإمكانها خلق أمير طاغية يستطيع، بسهولة، الحفاظ على ملكه، أمير تكون له القدرة على ممارسة الاستبداد، والاتصاف بكل الصفات، ما دامت الغاية التي هي الحفاظ على الملك، تبرر الوسائل التي عليه استعمالها كافة، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، خاصة أن مكيافيللي، هذا الناصح الأمين، لم يخجل من ذكر نصائحه صراحة ومن دون مواربة، أو محاولة لتغطية ما فيها من معاني الخسة والانتهازية وعدم احترام حقوق الآخرين. فالناس في نظره بسطاء جدا، لا داعي لأن يجهد الأمير نفسه في محبتهم. فهم يتقبلون الولاء، ويغريهم الطمع، ويطمحون إلى ما ليس في أيديهم. وبالتالي فإن تعويل الأمير على محبتهم، هو طريق غير مضمون. أما التخويف، فهو طريقة لا تفشل أبدا، كما أن من الأفضل له أن يكون شحيحا، على أن يكون كريما. مهابا أفضل له من أن يكون محبوبا. لأن العامة - في نظره - ينكرون المعروف، ويحبون المراوغة في الحديث، حيث يقول عنهم: و«إنهم يفدونك بأموالهم ودمائهم حين لا يكون هناك داعٍ، لكن إذا اقتربت الأخطار انقلبوا عليك..» ويضيف، بأن أعظم الأمراء إنجازا هم أولئك الذين لم يصونوا العهد إلا قليلاً ممن تمكنوا من اللعب بالعقول.
سيذهب مكيافيللي بعيدا في توجيهاته للأمير. فيعتبر أن قتل الأبرياء شيء طبيعي، ومن الممكن فعله من أجل الحفاظ على الملك. كما ينصحه علانية، بأن يجمع كل الصفات الحميدة التي يفتخر بها الرجال، ويلتزم بها أمام الناس، ويبذل كل ما في وسعه كي يشتهر بها. لكنه يشدد على أن يستخدم الأمير عكس كل هذه الصفات عند الحاجة من دون خجل من ذلك. ولعل استحضاره لقصة أجاثوكل الصقلي، الذي انتزع السلطان بدهائه وحيلته، ودافع عن حكمه بالحديد والنار، وأراق دماء كثيرة، لدلالة كبيرة على ما يجب أن يكون الأمير عليه، كما يرى مكيافيللي. بل سيقدم للأمير حتى كيفية ارتكابه لجرائمه. فهي، في نظره، يجب أن ترتكب مرة واحدة، وأن تكون الأخطاء كذلك دفعة واحدة، حتى تكون أقل تأثيرا من واقعات متعددة تبقى آثارها. وكذا ضرورة التوفر على القوانين الجيدة، والأسلحة الجيدة، وأن تكون غايته الأساسية هي الحرب التي يجب أن تبقى دائما نصب عينيه.
هكذا يكون مكيافيللي قد أنهى حزمة توجيهاته نحو ميلاد أمير طاغية، وحاكم مستبد، لا يتخذ إلا الدهاء والحرب والقتل سبيلا. ففي نظره، هذا هو الأمير الأصلح والأجدر بالملك، أمير يهابه الجميع، الأصدقاء والخصوم، يستعمل الوسائل كافة من أجل الوصول إلى غاياته، ولو على حساب دماء الآخرين وجثثهم. لكن هذا الكلام لم يبق هو الرؤية الوحيدة السائدة والنهائية في عصر النهضة. فليس بعيدا عن مكيافيللي، نجد في إيطاليا نفسها، فيلسوفا آخر معاصر له، هو إيتيان دو لابويسييه، 1530 – 1563، سيعتبر الأمير وبهذه المواصفات، لا يمكن له أن يكون كذلك، إلا في اللحظة التي يرضى فيها الشعب بأن يكون عبدا ذليلا، ويبحث فيبحث هذا الأخير، في مسألة هامة جدا، وهي هذا الخضوع، وهذا الخنوع الذي يجعل الحاكم مستبدا أسدا. وإذا كان الحاكم لا يمكن أن يكون إلا إذا وجد شعب يرضى بعبودبته، فلنبحث في هذه العبودية. وإذا كان مكيافيللي يقدم للأمير كل السبل، ليجعل شعبه بأكمله عبدا، فلابويسييه، في كتابه مقال العبودية الطوعية، سوف يقدم كل الوسائل للشعب لكي يكون سيدا، لا مجرد عبد. فينتصب في هذا الكتاب وكأنه يرد على كلام مكيافيللي حرفا حرفا، حيث سيعيد طرح أسئلة مكيافيللي بشكل مقلوب، فيقول: كيف يتخلى شعب بأكمله عن كرامته، ويستغني عن ذكائه، ويصبح عبدا مطيعا لحاكم هو الأقل ذكاء والأكثر جبنا؟ عبد الرجل لم يسبق له أن استنشق رائحة البارود أو غبار المعارك، ولا يقدر على تلبية حتى مطالب أضعف امرأة؟
لا يفسر لابويسييه استسلام مليون إنسان للإذلال على يد شخص واحد، إلا بجبن الناس ونذالة من يمهد له الطريق منهم، ما سيدفعه إلى القول بضرورة تفسير ذلك الجبن وتلك النذالة. ذلك أن الأمور تسير كأن أفراد الرعية يستمتعون بعبوديتهم ما داموا لا يقدمون على شيء لرفضها، وما داموا لم يرفضوها، فهم راغبون فيها. إن الشعب هو الذي يستسلم للاستعباد، وهو الذي يسلم عنقه للقطع، ولا يبذل جهدا ليعرف أن ذاك الذي يتحكم بهم ليس له سوى عينين اثنتين ويدين وجسد واحد. وليس له من شيء مغاير لما لدى أدنى رجل في ذلك العدد الكبير واللامتناهي من مدننا، سوى الميزة التي يمنحونها له كي يقوم بتدميرهم، والتي يجب أن يسلبوه إياها بوعيهم ونضالهم السياسي.
والطاغية الذي يؤسس له مكيافيللي، يظل في نظر لابويسييه، كالنار التي يشعلها هؤلاء الخاضعون بأيديهم، فتبدأ من شرارة صغيرة، تتأجج ويشتد سعيرها، فكلما وجدت حطبا أسرعت بالتهامه. لا داعي إلى رميها بالماء لإطفائها، حسبنا فقط أن نكف عن تزويدها بالحطب. وحين يكف الشعب عن إضرامها، فإنها تأكل بعضها وتغدو فارغة من كل قوة لتصير إلى العدم، فيتهاوى كتمثال عملاق نزعت قاعدته من تحته. كذلك هي حال الطغاة، فكلما نهبوا، وكلما ازداد الإغداق عليهم، تشتد سطوتهم، ويصبحون أكثر قوة على الدوام، وأكثر استعدادا لمحق كل شيء وتهديمه. وبدلا من أن يحكم يجعل نفسه سيدا. وبدلا من أن يؤدي واجبا، يمنح نفسه كل الحقوق، يظن نفسه مالكا لمملكته ورعاياه. يمارس الاحتجاز والنفي والخنق الإدانة، يضخم قوته بالوسائل الدنيئة. يحل الفساد في كل مكان، ويجرد البشر من إنسانيتهم. وينصب حتى شرك الدين، وهو الأسهل الذي يتعلق فيه الشعب بسهولة، ويصبح الأمير إلها.
يدمر لابويسييه طاغية مكيافيللي تدميرا، ويرسم للناس طرق الخلاص، فلا يبقى أمامهم إلا الاختيار والجرأة في الاختيار. فإما طريق العبودية الطوعية، أو الإيمان بالحرية والنضال من أجلها. فالطاغية لا يكون كذلك، إلا في الوقت الذي نحن نسمح له بذلك. هكذا يدعو لابويسييه الشعب إلى التخلص من غبائه والاستيقاظ من أجل نيل حريته. فالإنسان المستعبد في نظره لا تعود طبيعته طبيعة إنسان. وهذا انحراف أخلاقي وسقوط يشكل عارا على الإنسان، لأنه يعني انهيار القيم التي طمحت البشرية طموحا طبيعيا في سبيل إحيائها. فيقول عن أمير مكيافيللي: «يا له من رأس جميل تكفيه كلمة مني حتى يسقط أرضا». بالطبع كلمة لا بد أن يجرؤ هؤلاء الخاضعون الذين يرضون بعبوديتهم طوعا على قولها. ولعل هذا الجدال بين مكيافيللي ولابويسييه، هو الذي سوف يترك بصماته القوية على مجمل الفكر السياسي الحديث الذي لن يبقى إلا تحريرا للإنسان ضد كل أشكال العبودية، التي يمكن أن يزج بنفسه داخلها.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.