أزمة أسمدة عالمية... كيف تهدد الحرب حصاد الحبوب في العام المقبل؟

وسط مخاوف من أن تكون أكثر حدة من صدمة 2022 مع استمرار تعثر حل النزاع

مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)
مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)
TT

أزمة أسمدة عالمية... كيف تهدد الحرب حصاد الحبوب في العام المقبل؟

مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)
مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)

يواجه المزارعون حول العالم ثاني ارتفاع في أسعار الأسمدة خلال 4 سنوات، بسبب الحرب الإيرانية. ولكن مع انخفاض أسعار الحبوب إلى مستويات لا تسمح بتخفيف أثر النقص الحاد في الإمدادات هذه المرة، يُعيد الكثيرون النظر في خطط الزراعة، مما يُعرّض الإنتاج الغذائي العالمي للخطر.

ويُعدّ الشرق الأوسط مركزاً رئيسياً لإنتاج الأسمدة، كما تمر نسبة كبيرة من التجارة العالمية للأسمدة عبر مضيق هرمز، الذي توقفت حركة الملاحة فيه بسبب النزاع، وفق «رويترز».

وقد تعطلت إمدادات اليوريا - أحد أهم الأسمدة النيتروجينية - من أكبر منشأة إنتاج بالعالم في قطر، كما تراجعت تدفقات الكبريت والأمونيا، وهما عنصران أساسيان في صناعة عدد واسع من الأسمدة.

قمح أخضر مكدّس في مزرعة خلال الإنتاج التقليدي للفريكة قرب مدينة جنين بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

مخاوف من سيناريو أشد

ومع استمرار غياب حل سياسي للنزاع، يستحضر المحللون والتجار ومنتجو الأسمدة والمهندسون الزراعيون أزمة 2022 الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، وسط مخاوف من أن تكون هذه الأزمة أكثر حدة.

وقال شون أريتا من مركز سياسات المخاطر الزراعية بجامعة ولاية داكوتا الشمالية: «في عام 2022، كانت كميات كبيرة من الأسمدة لا تزال تجد طريقها إلى الأسواق، لكننا اليوم أمام أزمة إمدادات أكثر حدة».

ويواجه المزارعون، الذين يعانون أصلاً من ضغوط مالية، ارتفاعاً كبيراً في التكاليف؛ فقد سجلت أسعار اليوريا أكبر قفزة منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير (شباط)، مع فقدان ما يقارب ثلث الإمدادات العالمية التي كانت تأتي عادة من منطقة الخليج.

وتحرك بعض الأسواق فعلياً لتعويض النقص، إذ سجلت الهند - أكبر منتج للأرز وثاني أكبر منتج للقمح في العالم - مشتريات قياسية من اليوريا في مناقصة استيراد واحدة، بأسعار تقارب ضعف مستوياتها قبل شهرين فقط.

لكن محللين يؤكدون أن هذه المستويات السعرية باتت مرتفعة للغاية بالنسبة لشريحة واسعة من المزارعين عالمياً.

وفي عام 2022، ساعد ارتفاع أسعار الحبوب، المزارعين، في امتصاص صدمة ارتفاع تكاليف الأسمدة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، إلا أن وفرة المحاصيل في السنوات الأخيرة ضغطت على الأسعار؛ فقد تراجعت أسعار القمح في شيكاغو إلى نحو نصف مستوياتها قبل 4 سنوات، بينما انخفضت أسعار فول الصويا بنحو 50 في المائة مقارنة بالفترة نفسها.

ونتيجة لذلك، يفتقر كثير من المزارعين اليوم، إلى الإيرادات الكافية لمواجهة ارتفاع تكاليف المدخلات.

وتُعدّ الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا، ضرورية في كل موسم زراعي لكثير من المحاصيل؛ إذ تؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية السنوية ومعايير الجودة، بما في ذلك محتوى البروتين في القمح.

وفي المقابل، يمكن تقليص استخدام بعض العناصر الأخرى مثل الفوسفات والبوتاس، دون تأثير فوري على المحاصيل، لكن هذا الخيار قد يتعرض للاختبار في حال استمرار الضغوط على أسواق الفوسفات، خصوصاً مع القيود الصينية على الصادرات واضطرابات إمدادات الكبريت والأمونيا.

عمال زراعيون يحمّلون جراراً بالأسمدة قبل نثرها في حقل قمح شتوي في منطقة دنيبروبتروفسك بأوكرانيا (رويترز)

تراجع الإنتاج وتقلص الإمدادات العالمية

حذّر آندي جونغ من مجموعة «موزاييك للأسمدة»، من أن بعض المزارعين قد يضطرون إلى خفض معدلات استخدام الأسمدة، ما يهدد الإنتاج الزراعي.

وبحسب سارة مارلو من شركة «أرغوس» لبيانات السلع، فقد فُقد ما لا يقل عن مليوني طن متري من إنتاج اليوريا - أي نحو 3 في المائة من التجارة البحرية السنوية - منذ بدء النزاع، نتيجة إغلاق المصانع في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الاضطرابات في الهند وبنغلاديش وروسيا.

وفي الوقت ذاته، لا يزال نحو مليون طن من الشحنات محمّلاً على السفن، عالقاً في الخليج.

ويرى خبراء أن العودة إلى الوضع الطبيعي ستستغرق وقتاً حتى في حال انتهاء النزاع وفتح المضيق، بسبب الحاجة إلى معالجة اختناقات الإنتاج والأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد.

وقال مارك ميلام من شركة «آي سي إس»: «حتى في حال إعادة فتح المضيق قريباً، فإن إزالة الاضطرابات ستستغرق أسابيع».

كما أشار ستيفن نيكلسون من بنك «رابوبنك»، إلى أن استعادة التوازن في الأسواق قد تستغرق أشهراً.

وأضاف: «سيستغرق الأمر وقتاً للعودة إلى الوضع الطبيعي».

مزارع يحصد حقلاً من العدس في بولمان بواشنطن (رويترز)

إنتاج الغذاء العالمي تحت الضغط

ورغم أن كثيراً من المزارعين لا يزالون يمتلكون مخزونات من الأسمدة، إضافة إلى وفرة نسبية في الحبوب العالمية، فإن التأثير الفوري على الإمدادات الغذائية قد يظل محدوداً.

إلا أن مؤسسات دولية؛ بينها المجلس الدولي للحبوب، بدأت بالفعل في خفض توقعاتها للمحاصيل المقبلة، بينما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر متزايدة على الأمن الغذائي في الدول النامية نتيجة اضطرابات إمدادات الأسمدة.

وفي أزمة 2022، أسهم ارتفاع تكاليف الأسمدة في تفاقم انعدام الأمن الغذائي في الدول المستوردة، ويشير محللون إلى أن مناطق مثل شرق أفريقيا، لا تزال عرضة لتكرار السيناريو.

مؤشرات مبكرة من أسواق الإنتاج العالمية

وقد تقدم أستراليا مؤشراً مبكراً على اتجاهات الإنتاج العالمي؛ إذ تتوقع مجموعات زراعية في ولاية غرب أستراليا، انخفاض مساحة زراعة القمح بنسبة 14 في المائة، مع توجه المزارعين إلى محاصيل أقل تكلفة.

وقال ماثيو بيغين، كبير محللي السلع في «بي إم آي»: «إذا بدأنا نرى انخفاضاً في استخدام الأسمدة بأستراليا وتراجعاً في الإنتاج، فقد يكون ذلك مؤشراً مبكراً لما قد يحدث عالمياً».

وفي البرازيل، أكبر مصدر لفول الصويا في العالم، يتوقع أيضاً تراجع استخدام الأسمدة أو التحول إلى بدائل أقل كفاءة.

كما يُتوقع انخفاض إنتاج زيت النخيل في جنوب شرقي آسيا، في وقت تعاني فيه الأسواق أصلاً من نقص الإمدادات، مع تحذيرات من آثار طويلة الأمد على الأشجار الصغيرة.

وفي أوروبا، بدأت قرارات الزراعة الربيعية تتجه نحو تقليص زراعة محاصيل كثيفة الاستخدام للأسمدة؛ مثل الذرة، بينما قد يؤدي انخفاض استخدام النيتروجين إلى تراجع محتوى البروتين في القمح هذا الصيف.

لكن الخطر الأكبر، بحسب محللين، يكمن في موسم الزراعة الخريفي، حيث قد يضطر المزارعون إلى تقليص المساحات المزروعة بالحبوب بسبب الضغوط المالية.

وقال بينوا فايود من شركة «إكسبانا»: «هذا ما يجعلنا نشعر بقلق متزايد تجاه موسم 2027».


مقالات ذات صلة

عراقجي: إنهاء الحرب على كل الجبهات بما فيها لبنان هو «القضية الأهم» في الاتفاق

شؤون إقليمية وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

عراقجي: إنهاء الحرب على كل الجبهات بما فيها لبنان هو «القضية الأهم» في الاتفاق

قال وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي، اليوم، إن إيران والولايات المتحدة ستبدآن جولة جديدة من المفاوضات ‌يوم ‌الجمعة ​في ‌سويسرا ⁠للتوصل ​إلى اتفاق نهائي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: الاستخبارات الأميركية تشكك في استعداد إيران لتنازلات نووية

أبلغ مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف الرئيس دونالد ترمب بأن معلومات استخباراتية تثير شكوكاً بشأن استعداد إيران لتقديم لتنازلات نووية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)

«غولدمان ساكس» يخفّض توقعاته لـ«برنت» إلى 80 دولاراً بعد اتفاق «هرمز»

خفّض بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار خام برنت القياسي للربع الرابع من العام الجاري إلى 80 دولاراً للبرميل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

اختلال الاقتصاد الصيني يتعمّق… تراجع استهلاك غير مسبوق منذ 3 سنوات

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة الثلاثاء أن الاقتصاد الصيني يعاني من اختلال متزايد في التوازن بين القطاعات، مع تراجع ملحوظ في الاستهلاك والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مارة أمام مبنى المقر الرئيسي لبنك اليابان في طوكيو (أ.ف.ب)

بنك اليابان يرفع الفائدة إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً

رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ 31 عاماً، في خطوة تاريخية جديدة ضمن مسار تطبيع السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

السندات الأوروبية تتماسك قرب أدنى مستوى في أسبوعين مع تراجع رهانات رفع الفائدة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

السندات الأوروبية تتماسك قرب أدنى مستوى في أسبوعين مع تراجع رهانات رفع الفائدة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

استقرت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو يوم الثلاثاء، بعد أن لامست في الجلسة السابقة أدنى مستوياتها في أكثر من أسبوعين، وذلك في أعقاب اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.

ويُتوقع أن يؤدي الاتفاق على إعادة فتح هذا الممر البحري الحيوي، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية قبل الحرب، إلى تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة، وهو ما انعكس في تراجع أسعار خام برنت إلى أدنى مستوى لها منذ 10 مارس (آذار)، وفق «رويترز».

وأسهم هذا الانخفاض في أسعار الطاقة في تهدئة المخاوف المتعلقة بارتفاع التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي، كما خفّف من توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها البنك المركزي الأوروبي.

وظل عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي في منطقة اليورو، مستقراً عند 2.954 في المائة. في المقابل، تراجع عائد السندات الألمانية لأجل عامين بمقدار 5 نقاط أساس يوم الاثنين إلى 2.9443 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ 29 مايو (أيار).

كما ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الذي يتأثر بشكل مباشر بتغير توقعات أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي، بمقدار 0.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.577 في المائة، بعد أن كان قد هبط في وقت سابق إلى أدنى مستوى له في أسبوعين عند 2.547 في المائة.

وتراجعت توقعات رفع أسعار الفائدة من قِبل البنك المركزي الأوروبي؛ إذ كان البنك الأسبوع الماضي أول بنك مركزي رئيسي يتجه إلى تشديد السياسة النقدية منذ اندلاع الحرب، قبل أن يلحق به «بنك اليابان» الذي رفع أسعار الفائدة في وقت سابق من يوم الثلاثاء.

ومع ذلك، خفّض المستثمرون رهاناتهم على مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة بعد اتفاق السلام، رغم استمرار محدودية التفاصيل المتعلقة بالاتفاق. وتشير تسعيرات أسواق المال إلى تشديد تراكمي بنحو 32 نقطة أساس بحلول نهاية العام، مما يعادل رفعاً واحداً بمقدار ربع نقطة مئوية مع احتمال يقارب 30 في المائة لرفع إضافي.

وقال الخبير الاقتصادي موهيت كومار، من شركة «جيفريز»: «لا نزال نرى أن التوصل إلى اتفاق يعني أن البنك المركزي الأوروبي ينبغي أن ينهي دورة رفع أسعار الفائدة».

وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد قد رحبت يوم الاثنين باتفاق السلام، في حين حذّر صناع سياسات آخرون، من بينهم يواكيم ناغل، من أن أي انفراج فوري في التضخم غير مرجح، نظراً إلى أن عودة إمدادات النفط إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق عدة أشهر.

ومن المقرر أن يشارك كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، في فعالية «رويترز نيكست» في وقت لاحق من يوم الثلاثاء، حيث يُنتظر أن يقدم مزيداً من المؤشرات حول مسار السياسة النقدية المقبلة.


مكاسب محدودة للأسهم الأوروبية مع تقييم المستثمرين الاتفاق الأميركي - الإيراني

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

مكاسب محدودة للأسهم الأوروبية مع تقييم المستثمرين الاتفاق الأميركي - الإيراني

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

سجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعاً طفيفاً في بداية جلسة التداول يوم الثلاثاء، مواصلة مكاسبها في الجلسة السابقة، في وقت يقيّم فيه المستثمرون الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، ومدى انعكاسه على إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 636.01 نقطة بحلول الساعة 07:17 بتوقيت غرينتش، مدفوعاً بصعود قطاع السلع والخدمات الصناعية بنسبة 1.2 في المائة، الذي قاد المكاسب القطاعية، وفق «رويترز».

وكان المؤشر القياسي قد أنهى جلسة يوم الاثنين عند مستوى قياسي جديد، بعد إعلان اتفاق أولي بين واشنطن وطهران لإنهاء النزاع الذي استمر ثلاثة أشهر وإعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات النفط العالمية.

في المقابل، واصلت أسعار النفط تراجعها يوم الثلاثاء، حيث جرى تداول خام برنت قرب 82 دولاراً للبرميل، مما أسهم في تهدئة بعض المخاوف المتعلقة بالتضخم، التي كانت قد عززت توقعات تشديد السياسة النقدية في وقت سابق.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس الأسبوع الماضي لمواجهة ضغوط الأسعار، فيما تشير توقعات الأسواق، استناداً إلى بيانات مجموعة بورصة لندن، إلى احتمال تنفيذ زيادة إضافية قبل نهاية العام.

كما تواصل البنوك المركزية الأخرى تشديد سياساتها النقدية؛ إذ رفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً يوم الثلاثاء، في محاولة لكبح الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة. وتترقب الأسواق أيضاً قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي و«بنك إنجلترا» في وقت لاحق من الأسبوع.

وعلى صعيد القطاعات، تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي شهدت تقلبات ملحوظة في الجلسات الأخيرة، حيث انخفض مؤشر القطاع الأوسع بنسبة 0.2 في المائة.

كما هبط سهم شركة «ست میکروإلكترونيكس» بنسبة 2.5 في المائة بعد إعلانها خططاً لإصدار سندات قابلة للتحويل بقيمة 1.5 مليار دولار.

في المقابل، ارتفعت أسهم «يونيكريديت» بنسبة 2.8 في المائة بعد رفض ألمانيا عرض البنك الإيطالي للاستحواذ على «كومرتس بنك»، مشيرة إلى انخفاض سعر العرض ودعمها لاستقلالية البنك الألماني. كما صعد سهم «كومرتس بنك» بنسبة 1 في المائة.


الأسواق تترقب الاجتماع الأول لوارش وسط انقسام حول مسار الفائدة

كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم أداء اليمين الدستورية له في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)
كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم أداء اليمين الدستورية له في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)
TT

الأسواق تترقب الاجتماع الأول لوارش وسط انقسام حول مسار الفائدة

كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم أداء اليمين الدستورية له في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)
كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم أداء اليمين الدستورية له في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)

منذ أن رشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب كيفين وارش لقيادة «الاحتياطي الفيدرالي» أواخر يناير (كانون الثاني)، تتجه أنظار المستثمرين والأسواق العالمية إلى الرجل الذي سيتولى رسم ملامح السياسة النقدية الأميركية في مرحلة تتسم بارتفاع التضخم وتزايد الضبابية الاقتصادية. وبينما يترقب المتعاملون أول قراراته على رأس البنك المركزي، يظل السؤال الأبرز مطروحاً: هل سيعطي الأولوية لمكافحة التضخم عبر الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها، أم سيستجيب لضغوط ترمب المتكررة باتجاه خفض الفائدة لدعم النمو؟

وقد يحصل المستثمرون على أولى الإشارات بشأن توجهاته يوم الأربعاء، عندما يترأس وارش أول اجتماع للسياسة النقدية منذ توليه المنصب، ويعقد مؤتمراً صحافياً عقب الاجتماع. وستراقب أسواق السندات التي غالباً ما تتفاعل بقوة مع تصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، من كثب أي مؤشرات قد تكشف عن المسار الذي يفضّله في إدارة السياسة النقدية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وقال الاقتصادي لدى بنك الاستثمار «يو بي إس»، جوناثان بينغل، في مذكرة بحثية: «نتوقع أن يكون المؤتمر الصحافي بالغ الأهمية. فهذه ستكون أول إطلالة عامة لكيفين وارش بصفته رئيساً لـ(الاحتياطي الفيدرالي)... ولا نملك حتى الآن تصوراً واضحاً بشأن توجهاته في السياسة النقدية».

ويرى اقتصاديون أن وارش سيحرص على تبني موقف متوازن ومحايد في المرحلة الحالية، نظراً إلى أنه يتولى قيادة البنك المركزي في توقيت بالغ الحساسية. فارتفاع التضخم جعل من الصعب للغاية على «الاحتياطي الفيدرالي» التفكير في خفض أسعار الفائدة في المدى القريب، لأن مثل هذه الخطوة قد تعزز النشاط الاقتصادي وتفاقم الضغوط السعرية. كما أن التحسن الملحوظ في سوق العمل منذ بداية العام أضعف أحد أهم المبررات التي كانت تدعم خفض الفائدة.

وفي الوقت نفسه، ينقسم أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، البالغ عددهم أحد عشر عضواً إلى جانب وارش، بين من يرى ضرورة رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية، ومن يعتقد أن إبقاءها عند مستوياتها الحالية لا يزال الخيار الأنسب. ويشمل هذا الانقسام أيضاً سلفه الرئيس السابق جيروم باول.

دونالد ترمب يصافح كيفين وارش خلال مراسم أدائه اليمين في البيت الأبيض بواشنطن (أ ف ب)

التضخم المرتفع يضع «الفيدرالي» أمام معادلة معقدة

تراجعت أسعار النفط بشكل حاد بعد إعلان توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق أولي لإنهاء الحرب بينهما، وهو تطور قد يُسهم مستقبلاً في تخفيف الضغوط التضخمية. إلا أن الغموض لا يزال يكتنف فرص التوصل إلى اتفاق دائم وشامل.

وقال الاقتصادي في كلية الإدارة بجامعة «ييل»، كبير الاقتصاديين السابق لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، ويليام إنغليش: «النهج الأنسب في الوقت الراهن هو التريث ومراقبة التطورات».

وكانت البيانات الحكومية الأميركية قد أظهرت الأسبوع الماضي ارتفاع معدل التضخم إلى 4.2 في المائة، وهو أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الوقود.

وحتى ترمب خفّف نسبياً من حدة ضغوطه المتواصلة على «الاحتياطي الفيدرالي» لخفض أسعار الفائدة، وبدأ يركز بدلاً من ذلك على التأكيد أن رفع الفائدة -وهو الأداة التقليدية التي يستخدمها البنك المركزي لإبطاء الاقتصاد واحتواء التضخم- ليس ضرورياً في الظروف الحالية.

وقال ترمب، خلال مقابلة أجريت معه في وقت سابق من هذا الشهر ضمن برنامج «ميت ذا برس» على شبكة «إن بي سي»: «كيفين رائع، وأريده أن يفعل ما يراه مناسباً»، مضيفاً: «لكن لا يوجد أي مبرر لرفع أسعار الفائدة».

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الرئيسي عند نحو 3.6 في المائة خلال اجتماعه الأربعاء، وهو المستوى الذي استقر عنده منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وعادة ما ينعكس أي خفض في أسعار الفائدة بمرور الوقت على تكاليف الاقتراض الأخرى، بما في ذلك الرهون العقارية وقروض السيارات والقروض التجارية.

تعديلات متوقعة قد تُبدد آمال خفض الفائدة

ورغم أن الأسواق لا تتوقع خفضاً للفائدة في الوقت الحالي، فإنها تترقب تعديلات محتملة في صياغة بيان السياسة النقدية، وهي تغييرات قد تخيّب آمال أولئك الذين يراهنون على تراجع تكاليف الاقتراض قريباً.

فمن المرجح أن يتخلّى «الاحتياطي الفيدرالي» عن اللغة التي كانت توحي بأن الخطوة التالية قد تكون خفض أسعار الفائدة، وأن يعتمد بدلاً منها صياغة أكثر حيادية. ويأتي ذلك بعد أن أشار عدد من مسؤولي البنك المركزي خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن الاحتمال الأكبر قد يكون رفع الفائدة مستقبلاً، وليس خفضها.

كما سيصدر «الاحتياطي الفيدرالي» توقعاته الاقتصادية الفصلية التي تتضمّن تقديرات لمسار أسعار الفائدة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.

وفي مارس (آذار)، أشارت هذه التوقعات إلى إمكانية تنفيذ خفض واحد للفائدة خلال العام الجاري. إلا أن اقتصاديين يتوقعون أن تُظهر التقديرات الجديدة عدم إجراء أي خفض خلال عام 2026، مع احتمال تنفيذ خفض واحد أو خفضين فقط في العام التالي.

وكان وارش قد انتقد في السابق هذه التوقعات، لافتاً إلى أنها توفر قدراً مفرطاً من «التوجيه المستقبلي» للأسواق المالية، وتدفع مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» إلى التمسك بتوقعاتهم لفترات طويلة حتى بعد تغير المعطيات الاقتصادية.

ولهذا السبب، سيراقب المحللون من كثب ما إذا كان وارش سيشارك شخصياً في إعداد هذه التوقعات الفصلية. وإذا امتنع عن تقديم تقديراته الخاصة، فقد يُنظر إلى ذلك باعتباره مؤشراً على رغبته في إعادة النظر بهذه الآلية أو حتى التخلي عنها مستقبلاً.

وارش يعتزم إضفاء أسلوب مختلف على قيادة «الفيدرالي»

بعيداً عن قرارات السياسة النقدية، يتوقع مسؤولون وخبراء سبق أن عملوا مع وارش أن يتبنى أسلوباً مختلفاً عن ذلك الذي اتبعه جيروم باول.

فهو يفضّل تقليص عدد الخطابات والتصريحات العلنية التي يدلي بها صناع السياسة النقدية، وتشجيع المزيد من النقاشات الداخلية بعيداً عن الأضواء. كما يُرجح أن يتجنّب التعليق المستمر على التقلبات اليومية للاقتصاد والأسواق.

وبينما اشتهر باول بأسلوبه المباشر والواضح في التواصل مع الأسواق، لمح وارش إلى أنه يستلهم نهجه من الرئيس الأسبق لـ«الاحتياطي الفيدرالي» آلان غرينسبان، الذي تولى المنصب بين عامَي 1987 و2005 واشتهر بأسلوبه الحذر والمقتضب.

وقال المستشار السابق للسياسات في «الاحتياطي الفيدرالي»، روبرت تيتلو: «سيتحدث أقل بكثير، لأنه لا يرى أن الإفراط في التصريحات يحقق فائدة تُذكر».

من جهته، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو، العضو السابق في مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، راندال كروزنر، إن وارش سيولي اهتماماً أكبر للقضايا الاستراتيجية بعيدة المدى، مثل تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والإنتاجية.

وأضاف أنه من المرجح أن يتجنّب الخوض في الملفات الأكثر حساسية وإثارة للجدل، مثل تأثير الرسوم الجمركية على التضخم، وهي قضايا كان باول مستعداً لمناقشتها علناً.

ويرى كروزنر أن الابتعاد عن هذه الملفات قد يساعد «الاحتياطي الفيدرالي» على تقليص حدة الانتقادات السياسية الصادرة عن البيت الأبيض.

وقال: «سيتجنّب تلك القضايا. وإذا أراد (الاحتياطي الفيدرالي) الحفاظ على استقلاليته، فعليه أن يحافظ على تركيزه على مهمته الأساسية».

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

دعوات إلى «تغيير النهج» داخل «الفيدرالي»

وخلال سعيه للحصول على ترشيح ترمب، دعا وارش إلى ما وصفه بـ«تغيير النهج» داخل «الاحتياطي الفيدرالي»، وانتقد البنك المركزي لفشله في احتواء موجة التضخم التي شهدتها الولايات المتحدة خلال عامَي 2021 و2022، عندما بلغت الزيادة السنوية في الأسعار 9.1 في المائة، وهو أعلى مستوى في أربعة عقود.

إلا أن كروزنر يعتقد أن وارش سيفضّل بناء توافق داخلي حول أي إصلاحات محتملة، بما في ذلك أساليب التواصل مع الأسواق، بدلاً من فرض تغييرات جذرية بشكل أحادي.

كما يشير مسؤولون سابقون في «الاحتياطي الفيدرالي» إلى أنه لم يُبدِ حتى الآن أي توجه لإجراء تغييرات واسعة في المناصب القيادية أو الاستغناء عن كبار الموظفين.

وقال كروزنر: «هو لم يأتِ لهدم المؤسسة أو قلبها رأساً على عقب».

وخلال جلسة تثبيته أمام مجلس الشيوخ في أبريل (نيسان)، أكد وارش أن أولويته الأساسية ستكون إعادة التضخم إلى مساره المستهدف.

وقال آنذاك: «التضخم خيار، وعلى (الاحتياطي الفيدرالي) أن يتحمل مسؤوليته كاملة».

وإذا ترجم وارش هذا الموقف إلى قرارات عملية عبر الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها، فقد يجد ترمب نفسه في مواجهة خيبة أمل جديدة مع رئيس «احتياطي فيدرالي» اختاره بنفسه.

فقد سبق للرئيس الأميركي أن هاجم جيروم باول مراراً، وهدد بإقالته، بسبب رفضه خفض أسعار الفائدة بالقدر الذي كان يطالب به.

وقال ويليام إنغليش: «هناك احتمال حقيقي بأن نجد أنفسنا بعد ستة أشهر أمام ترمب وهو يعبر عن استيائه، لأنه لم يحصل من وارش على ما كان يأمله، وربما يبدأ حينها بالحديث عن إقالته أيضاً».

Your Premium trial has ended