«سفاري» في الشوارع: حيوانات تتسلّق الأشجار وتُفاجئ المارّة

فنّ تفاعلي يربط بين الخيال والواقع في مشهد يومي مفتوح

حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)
حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)
TT

«سفاري» في الشوارع: حيوانات تتسلّق الأشجار وتُفاجئ المارّة

حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)
حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)

قال النحّات البريطاني مالكولم كورلي إنّ متعة عمله تكمن في عدم معرفته بما سيصنعه في الأسبوع التالي، في إشارة إلى طبيعته الإبداعية المتجدّدة.

وبدأت قصته بصنع عدد محدود من المجسَّمات الحيوانية لتزيين حدائق جيرانه في منطقة بريدجتاون بمدينة توتنِس، قبل أن تتحوّل الفكرة إلى ظاهرة فنّية امتدَّت في أنحاء جنوب ديفون وخارجها.

ووفق «بي بي سي»، يُقدّر كورلي أنه أنجز ووضع نحو 300 مجسم لحيوانات غريبة وشخصيات من كتب الأطفال، في مواقع متنوّعة، تتراوح بين المكتبات والمدارس، وصولاً إلى مجسمات عائمة على الأنهر.

وسرعان ما انتشر الطلب على المشاركة في «سفاري بريدجتاون»، حيث باتت مواقف الحافلات المحلّية تشير إلى مواقع يمكن للأطفال فيها رصد هذه الحيوانات، سواء أعلى الأشجار أو مختبئة بين الشجيرات أو متدلّية من حواف النوافذ.

ورغم بلوغه الـ87 عاماً، يواصل كورلي نشاطه الفني بعد تقاعده منذ سنوات طويلة من عمله في مجال تصنيع المعادن بمدينة بريستول. وبعد 4 عقود من العمل اليدوي، سعى إلى مواصلة الإبداع عقب انتقاله إلى توتنِس إثر خضوعه لجراحة في القلب.

ويُبدي كورلي شغفاً بالحيوانات المفترسة الكبيرة، ورغم أنه لم يشارك يوماً في رحلة سفاري، فإن أول عمل صنعه لنفسه كان مجسَّماً لفهد يستلقي على شجرة تطلّ على حديقته. وتعتمد معظم أعماله على مواد مُعاد تدويرها.

وبعدما عثر على لوح بلاستيكي في حاوية نفايات أحد جيرانه، عرض استبداله بمنحوتة، ومن هنا وُلدت فكرة «سفاري بريدجتاون».

وقال: «صنعت لهم مهراً، ثم حصلوا لاحقاً على حمار وحشي. وطلبت جارة أخرى زرافة تخليداً لذكرى زوجها الراحل. ومن هناك بدأت الفكرة تنتشر في الشارع».

وسرعان ما تحوَّلت توتنِس إلى ما يشبه «حديقة حيوان»، وامتدت شعبية هذه الأعمال إلى البلدات والقرى المجاورة، مع ازدياد الطلب على مخلوقات أكثر غرابة من سكان مناطق مثل سالكومب ودارتماوث وستوك غابرييل وتوركواي.

ولكل شخص حيوانه المفضّل، في حين وُضعت بعض أكثر الأعمال إبداعاً في أماكن غير تقليدية.

ويقول كورلي إنّ بعض المجسَّمات مرتفعة جداً، ممّا يجعل صيانتها أمراً صعباً، مشيراً إلى أنّ «من أفضلها مجموعة النمور في بيري بوميروي، لكنها بدأت تبدو باهتة الآن، ولا أستطيع الصعود إلى الشجرة لتجديد طلائها».

وقبل البدء بأي عمل، يوضح كورلي أنه يدرس أولاً موقع وضع المنحوتة، قائلاً: «أطلب من أصحاب المنازل صورة لواجهة منزلهم، ثم أستخدم برنامجاً للتصميم لإدراج صورة الحيوان المطلوب، كي أريهم كيف سيبدو الشكل النهائي».

وغالباً ما يضع كورلي المجسَّمات لتبدو كأنها تخرج من بين الشجيرات أو تتدلى من الأشجار، مضيفاً: «جزء من المتعة يكمن في محاولة العثور عليها».

وتُعد ترودي هيدفورد واحدة من جيران كورلي الذين يملكون أعمالاً عدّة له في حدائقهم؛ إذ صنع لها مجسَّماً لطاووس ليكون هدية لوالدتها. وقالت: «إنه أمر رائع، ففي فصل الصيف يأتي الأطفال ويقفون أمامه لالتقاط الصور».

كما أصبحت أعمال كورلي جزءاً من جولات الحافلات السياحية المكشوفة «راوند روبن».

وأضافت ترودي: «عندما تنزل الحافلة من التل، نسمع عبر مكبّر الصوت: على يمينكم باندا تأكل عشب البامباس، وهذا أمر طريف جداً».

وتابعت: «هناك جولة تمرّ بجميع الحيوانات هنا، وهو أمر ممتع، حتى أنهم يُدرجونها ضمن محطات الحافلات».

وتُعرض هذه المنحوتات مجاناً؛ إذ يتلقّى كورلي أحياناً تبرّعات من الطلاء والمواد، لكنه يطلب فقط أن يقدّم الأشخاص تبرّعات مباشرة إلى أي جهة خيرية يختارونها، وفق إمكاناتهم.

ولا يعرف كورلي حجم المبالغ التي جُمعت، لكن السكان المحلّيين يعتقدون أنها بلغت آلافاً على مرّ السنوات.

ويظلّ مرسمه في مرأب منزله ببريدجتاون خلية نحل من النشاط؛ إذ يعمل على مشاريع عدّة في وقت واحد. وتعود بعض المجسَّمات للصيانة، بينما تُنجز أعمال جديدة يومياً، ممّا يجعل مسار المنحوتات في حالة تطوّر مستمر.

ومن أحدث أعماله: طائر «أويستر كاتشر» كان متّجهاً إلى كندا، وشخصية «إيور» التي تحتاج إلى إصلاح بعد تعرضها لعاصفة، وفهد بالحجم الطبيعي، وكلب من فصيلة «جاك راسل»، وجميعها في مراحل مختلفة من الإنجاز.

أما مشروعه الكبير المقبل، فهو لمصلحة «دارتينغتون هول»، حيث طُلب منه تنفيذ 3 مجسَّمات لحيوانات، من بينها أيل أبيض.

ويختم كورلي: «الأمر كلّه يتعلق بمكان وضع المنحوتة، فهذا ما يجعل التجربة أكثر متعة».


مقالات ذات صلة

فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

يوميات الشرق لقطة من فيديو كاميرات المراقبة

فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

في واقعة غير مألوفة داخل أحد أشهر أحياء المجوهرات في لندن، كشفت كاميرات المراقبة محاولة سرقة غريبة لخاتم مرصّع بالألماس تبلغ قيمته 35 ألف جنيه إسترليني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق العسل... سيرةُ الأزهار بعد غيابها (جامعة ويسترن أونتاريو)

سرّ غير مُتوقَّع عن العسل متعدّد الأزهار

الدراسة مستمرّة للتحقُّق مما إذا كانت التغيرات الجينية المرصودة تنعكس أيضاً على مستوى البروتينات...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق روبوتات شبيهة بالبشر (إ.ب.أ)

روبوتان بشريان يحتفلان بـ«زفاف رمزي»... ويتعهدان بدعم بعضهما (فيديو)

روبوتان بشريان يحتفلان بزفاف رمزي في موسكو، ويتعهدان بدعم بعضهما «مع كل تحديث برمجي»، في فعالية تمزج بين التكنولوجيا والخيال، من دون أي صفة قانونية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
يوميات الشرق بعضُ الأرقام القياسية... رائحتها ثوم (بإذن من غراهام بارات)

بستاني بريطاني يدخل «غينيس» بأضخم رأس ثوم في العالم

سجَّل بستاني بريطاني رقماً قياسياً عالمياً بعد نجاحه في زراعة أكبر رأس ثوم في العالم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق كلُّ نقشٍ يجرّ خلفه قروناً من التأويل (رويترز)

النقوش على جدران عمرها قرون ليست «علامات الساحرات»

«لا يوجد أيّ دليل على الإطلاق» يربط هذه العلامات بالساحرات أو بأي «دلالات سحرية أو غامضة»...

«الشرق الأوسط» (لندن)

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
TT

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)

في إطار الاحتفالات بالعيد القومي الـ1057 لمحافظة القاهرة، شاركت وزارة الثقافة، ممثلةً في «أكاديمية الفنون» بتقديم برنامج فني متميِّز ضمن فعاليات «شارع الفن» بوسط المدينة، بحضور أكثر من 50 سفيراً ومبعوثاً دبلوماسياً.

​وقدَّمت أكاديمية الفنون خلال الاحتفالية «باقةً متنوعةً من العروض الإبداعية التي عكست ثراء وتنوع الهوية المصرية، حيث تضمَّنت الفعاليات مزيجاً فنياً راقياً جمع بين سحر التخت الشرقي والأغاني التراثية، وبين رقي الغناء الأوبرالي واللوحات الاستعراضية المبهرة»، وفق بيان للأكاديمية.

​وقالت رئيسة أكاديمية الفنون، الدكتورة نبيلة حسن: «إن وجود الأكاديمية شريكاً فاعلاً في هذه الاحتفالية الوطنية ترجمة لرسالتنا في مدِّ جسور التواصل بين الفن والمجتمع»، مؤكدة حرص الأكاديمية الدائم على دعم الفعاليات التي تثري الحياة الثقافية في العاصمة.

وشهد برنامج «شارع الفن»، الخميس، فعاليات متنوعة عكست ثراء وتنوع الإبداع المصري، حيث استمتع الضيوف بعروض الفنون الفلكلورية الشعبية، وفنون السمسمية، والغناء الأوبرالي، إلى جانب باقة من الأغنيات المصرية الأصيلة، في لوحة فنية جسَّدت أصالة التراث المصري وتنوعه.

ويُعدُّ مشروع «شارع الفن» إحدى أهم المبادرات الثقافية التي تتبناها أكاديمية الفنون، التابعة لوزارة الثقافة المصرية؛ لنشر الفنون في الفضاء العام، وتعزيز التواصل مع مختلف فئات المجتمع، وتقديم صورة حضارية تليق بمكانة مصر الثقافية، وفق رئيسة الأكاديمية، مشيرة إلى أنَّ استضافة هذا العدد الكبير من السفراء والدبلوماسيين تعكس نجاح المشروع في تقديم القوة الناعمة المصرية بصورة مشرفة أمام ضيوف مصر من مختلف دول العالم.

وبدأت عروض «شارع الفن» بالموسيقى والغناء بمشاركة المعهد العالي للموسيقى العربية، والمعهد العالى للكونسرفتوار، والفرقة القومية للموسيقى الشعبية، والفنانة ليديا سليمان، وتنوعت الفقرات بين الغناء الشرقي، والأوبرالي، والفلكلور الشعبي.

فعاليات شارع الفن تضم فقرات مختلفة (محافظة القاهرة)

كما اشتمل البرنامج على عروض فنون الأداء الاستعراضي، بمشاركة المعهد العالي للفنون الشعبية والمعهد العالي للباليه، وتضمنت استعراضات فلكلورية وإسبانية، إلى جانب أنشطة الفنون التفاعلية والبصرية، التي شملت ورشاً للرسم والتلوين، والرسم على الوجه، بمشاركة المكتبة المتنقلة لمكتبة مصر الجديدة، ومدرسة الفنون للتكنولوجيا التطبيقية.

واختُتمت الفعاليات بعروض فنون الأداء، والتي تضمَّنت عروض المطبخ الصيني، والسيرك القومي، و«شو ماريونت» الذي يقدمه مسرح القاهرة للعرائس.

وكان محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، استقبل في حديقة الأزهر نحو 50 سفيراً، ومبعوثاً دبلوماسياً، وعدداً من أعضاء السلك الدبلوماسي بالقاهرة، شاركوا في احتفالات محافظة القاهرة بعيدها القومي 1057.

واصطحبهم المحافظ في جولة حول سور القاهرة التاريخي داخل حديقة الأزهر، أعقبتها زيارة مسجد المارديني، والجامع الأزرق اللذين يعدان من أقدم المساجد التاريخية بمنطقة الدرب الأحمر، وانتهت الجولة بالتوجه لحضور احتفالية «شارع الفن» بمنطقة الشريفين بوسط المدينة.

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، فعاليات «شارع الفن» في مايو (أيار) الماضي بوصفه برنامجاً يتضمَّن فعاليات فنية تعزِّز القوى الناعمة المصرية، وتثري السياحة التراثية في منطقة القاهرة الخديوية (وسط البلد)، خصوصاً مثلث البورصة وشارع الشريفين.

وسبق أن وقعت محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون المصرية بروتوكول «التعاون الفني المشترك ضمن استراتيجية جسور الإبداع لإتاحة الفنون واحتضان المواهب في ربوع القاهرة»، وتنفيذ عدد من المبادرات النوعية، من أبرزها مبادرة «شارع الفن»، التي تستهدف تحويل شوارع العاصمة إلى منصات مفتوحة للإبداع والفنون.


أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
TT

أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)

قال المخرج المكسيكي، أكسل بيرثا، إن فيلمه الروائي الطويل الأول «ضد الطبيعة» (Against Nature) انطلق من واقعة قتل حقيقية وقعت في شمال المكسيك، لكنه لم يكن معنياً بإعادة سرد تفاصيل الجريمة أو البحث في ملابساتها، بقدر ما رأى فيها مدخلاً للتأمل في أسئلة تتعلق بالعنف والطبيعة البشرية وعلاقة الإنسان بالعالم.

وأضاف بيرثا، في حديث مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن فكرة إخراج فيلمه الأول كانت تراوده منذ سنوات، إلا أنه لم يكن قد عثر على القصة التي يرغب في تقديمها، حتى صادف تقريراً صحافياً عن جريمة قتل، فشعر أن الواقعة تحمل ما هو أبعد من الحدث نفسه، وهو ما دفعه إلى قضاء فترة طويلة في المنطقة التي شهدت الحادثة، حيث ترك المكان وسكانه أثراً مباشراً في تطور السيناريو، حتى أصبح الفيلم عملاً مستقلاً يستلهم الواقع دون أن يعيد تقديمه.

ويُعرض فيلم «ضد الطبيعة» ضمن الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، وتدور أحداثه حول «جوناس» الذي يعود إلى بلدته ويعمل في نحت الحجارة، قبل أن يجد نفسه منجذباً إلى قوة خفية تتغلغل في المكان والناس والزمن، بينما ينزلق تدريجياً نحو مأساة تبدو وكأنها امتداد لصراع قديم بين الإنسان وطبيعته.

وأوضح المخرج المكسيكي أن اختياره الابتعاد عن معالجة الجريمة بوصفها حدثاً بوليسياً كان قراراً مقصوداً، إذ رأى أن الواقعة لم تكن سوى الشرارة التي أطلقت خياله، بينما تشكل الفيلم الحقيقي من خلال معايشة المكان والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية في تلك المنطقة، وهو ما جعله يبتعد تدريجياً عن الحادثة الأصلية ليقدم رؤية سينمائية تتناول الإنسان أكثر مما تتناول الجريمة.

وكشف بيرثا أن تصوير الفيلم كان من أصعب التجارب التي خاضها، موضحاً أنه «جرى في منطقة شبه صحراوية شمال المكسيك، حيث واجه فريق العمل ظروفاً مناخية قاسية، تراوحت بين البرودة الشديدة وحرارة الشمس والغبار المستمر، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مواقع التصوير، وهو ما فرض تحديات إنتاجية متواصلة طوال فترة التنفيذ».

بدأت فكرة الفيلم من حادثة حقيقية (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «التحديات لم تقتصر على طبيعة المكان، وإنما شملت أيضاً الاعتماد على ممثلين غير محترفين من أبناء المنطقة، إلى جانب التصوير وسط الحيوانات الطبيعية، ومواكبة تغير الفصول، فضلاً عن استخدام خام (35 ملم)، الأمر الذي فرض عدداً محدوداً للغاية من اللقطات، وجعل كل مشهد يحتاج إلى قدر كبير من الدقة قبل التصوير».

وأشار إلى أن فريق العمل لم يتجاوز 10 أشخاص، وهو ما وفّر قدراً من المرونة وساعد الجميع على التفرغ للحظة التصوير نفسها، موضحاً أن الفريق كان ينتظر أحياناً الوقت المناسب للحصول على الضوء الطبيعي المطلوب، بجانب مشاركة الجميع في أكثر من مهمة داخل موقع التصوير، ما خلق حالة من التفاهم والترابط بينهم طوال فترة العمل.

وأرجع بيرثا اختيار شخصية «جوناس» قليلة الكلام لاعتقاد البعض أن الإنسان عاش ملايين السنين قبل ظهور اللغة، واستطاع خلالها التكيف مع العالم وبناء حياته، بينما جاءت اللغة لاحقاً لتسرّع تطور الحضارة والفنون والثقافة، لكنها في الوقت نفسه خلقت مسافة بين الإنسان والواقع، لأن الكلمات لا تنقل الأشياء كما هي، بل تقدم لها صوراً ورموزاً ذهنية.

وأكد المخرج المكسيكي أن السينما تمنحه فرصة لاستعادة هذا الاتصال المباشر بالعالم، «لأنها قادرة على التعبير بالصورة والصوت والإيقاع والمونتاج، دون الحاجة إلى كثير من الحوار، وهو ما دفعني إلى تقليل الكلمات في الفيلم إلى الحد الأدنى، لإفساح المجال أمام المشاعر والإحساس بالمكان، بحيث يعيش المشاهد التجربة بدلاً من أن يتلقى شرحاً لها»، وفق تعبيره.

وتحدث بيرثا عن تجربته مع الممثلين غير المحترفين، مؤكداً أنه كان يبحث منذ البداية عن أشخاص ينتمون إلى البيئة التي تدور فيها الأحداث، حتى تبدو الشخصيات جزءاً طبيعياً من المكان، لأن هدفه لم يكن تدريبهم على الأداء التقليدي، وإنما منحهم الحرية الكاملة للتصرف بعفوية، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى تغير بعض المشاهد أثناء التصوير.

وأوضح أنه كان يراقب الطريقة الطبيعية التي يتعامل بها كل ممثل مع الموقف، محاولاً أن يفاجئه الأداء بدلاً من فرض تصور مسبق عليه، ما جعل كثيراً من اللحظات التي ظهرت في الفيلم تبدو كنتيجة لتفاعل الممثلين مع المشهد أكثر من التزامهم الحرفي بما كُتب في السيناريو.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في التشيك (الشركة المنتجة)

وأكد أن هذه العفوية كانت جزءاً أساسياً من رؤيته الإخراجية، لأنها سمحت للفيلم بالاقتراب أكثر من الواقع، ومنحت الشخصيات حضوراً إنسانياً يصعب الوصول إليه من خلال الأداء التقليدي.

وعدّ بيرثا أن «العنف يمثل أحد المحاور الرئيسية في الفيلم»، لكنه لا ينظر إليه باعتباره نتاجاً للظروف الاجتماعية وحدها، أو نتيجة لطبيعة الإنسان فقط، بل يراه سؤالاً مفتوحاً رافق البشرية عبر تاريخها، مشيراً إلى تأثره بأفكار الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، خصوصاً ما يتعلق بفكرة الانتقام والمعاملة بالمثل.

ولفت المخرج المكسيكي إلى أن التاريخ الإنساني يكشف عجز البشر عن التخلص من العنف، رغم التطور الحضاري الذي حققوه، مشيراً إلى أن امتلاك الإنسان في العصر الحديث وسائل قادرة على تدمير العالم، مثل السلاح النووي، يجعل التفكير في هذه القضية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل ما يشهده العالم من صراعات متزايدة تقوم على الهيمنة والعدوان.

وحول ترك كثير من مشاهد الفيلم مفتوحة أمام التأويل، أوضح بيرثا أنه لا يؤمن بالأفلام التي تقدم إجابات جاهزة، وإنما يفضل الأعمال التي تستمر في مرافقة المشاهد حتى بعد انتهاء العرض، مشيراً إلى أن الفيلم، بالنسبة له، «يبدأ فعلياً عندما يغادر الجمهور قاعة السينما، لأن لحظة التفكير والتأمل ومحاولة تفسير ما شاهده لا تقل أهمية عن المشاهدة نفسها»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أنه لم يتعمد الغموض من أجل إضفاء طابع فلسفي على العمل، وإنما سعى إلى تقديم تجربة تسمح لكل مشاهد بأن يبني قراءته الخاصة، لافتاً إلى أن أكثر الأفلام التي أثّرت فيه كانت تلك التي تركت لديه أسئلة أكثر مما قدمت له إجابات.


مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)

تجددت وقائع القبض على صناع محتوى بمصر بسبب ارتكاب مخالفات وصفتها بيانات وزارة الداخلية وخبراء بأنها مرتبطة بترويج أفكار «صادمة» تتنافى وقيم المجتمع، بغرض تحقيق أرباح مادية، مع ظهور قضايا في فترات سابقة تنوعت بين ترويج الأفكار التي «تنال من قيم المجتمع»، وفق التوصيف القانوني لها، ونشر صور وفيديوهات تتضمن مقاطع «خارجة»، وصدرت على بعض الحالات أحكام بالحبس.

ورصدت وزارة الداخلية المصرية قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالترويج لما أسمته «فوائد تعدد الأزواج والزوجات والإنجاب غير المُنسب بصورة تحريضية تتنافى مع الآداب العامة والقيم المجتمعية»، وفق بيان وزارة الداخلية.

وعقب تقنين الإجراءات، تم ضبط صانعة المحتوى المقيمة بدائرة قسم شرطة المطرية بالقاهرة وضبط بحوزتها هاتف محمول «بفحصه تبين احتواؤه على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامي»، وفق بيان الوزارة، وبمواجهتها اعترفت بارتكابها الواقعة على النحو المشار إليه ونشرها مقاطع الفيديو عبر صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.

ووصفت الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة «المحاميات المصريات لحقوق المرأة» الدعوات التي تروج لتعدد الأزواج أو غيرها من الأفكار التي تمس النظام العام والأسرة المصرية، بأنها «سلوك يتعارض مع القيم الدستورية والاجتماعية، حال ثبوت مخالفتها للقانون، وقد يرقى إلى صور من التحريض على الإفساد المجتمعي، بما يستوجب تطبيق القانون في إطارٍ من احترام ضمانات المحاكمة العادلة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «مواجهة الجرائم المرتكبة عبر منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على العقوبات التقليدية السالبة للحرية، وإنما تتطلب تطوير السياسة العقابية لتشمل تدابير تتناسب مع طبيعة الجريمة الرقمية، مثل تمكين القضاء من الأمر بحجب أو إغلاق الحسابات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، أو تقييد استخدامها لفترات محددة، وفرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الأجهزة الإلكترونية في الحالات التي يجيزها القانون».

وأكدت أن «المرحلة الحالية تستدعي أيضاً دراسة منح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات اختصاصات أوسع في مجال الضبطية القضائية، وفق ضوابط قانونية ورقابة قضائية تكفل تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات العامة، وإنفاذ القانون والتصدي للجرائم الإلكترونية والمحتوى الضار».

القبض على بلوغر لنشر فيديوهات بملابس خادشة للحياء في مصر (وزارة الداخلية)

وتنتشر هذه الظاهرة بشكل مطرد، أخيراً؛ إذ نشرت وزارة الداخلية المصرية على صفحاتها بوسائل التواصل نحو 5 حالات توقيف «بلوغرز» في مناطق مختلفة خلال 24 ساعة، لرصد ارتكابهن مخالفات خادشة للحياء، من بينها قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، أن «اقتصاد المنصات الرقمية القائم على المشاهدات والتفاعل قد يدفع بعض المؤثرين إلى تصعيد المحتوى المثير للجدل»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يبقى التحدي أمام الجهات التنظيمية هو تحقيق توازن بين حماية المجتمع، وصون حرية التعبير، وتطبيق القانون على الجميع وفقاً للضوابط والإجراءات القضائية».

وقال فتحي إنه «يجب على صناع المحتوى أن يكون لديهم الوعي والدراية الكافيَين لعدم التعرض لمحتوى جدلي أو خارج إطار القانون المحلي الذي يبث فيه المؤثر محتواه، فما يكون مسموحاً في مجتمع قد لا يكون مسموحاً في غيره».