تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

«الحرس الثوري» احتجز سفينتين وهاجم ثالثة... وباكستان تضغط لمنع انهيار الوساطة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

أطلقت إيران، الأربعاء، مرحلة جديدة من التصعيد في مضيق هرمز، بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى بانتظار «مقترح موحد» من طهران، في وقت تعثرت فيه محاولات استئناف المحادثات في إسلام آباد.

وبينما واصلت واشنطن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، ردّت طهران عملياً بتشديد قبضتها على الممر البحري الاستراتيجي، فتعرضت 3 سفن لإطلاق نار، واحتُجزت اثنتان منها، في تصعيد وضع الهدنة الممددة أمام اختبار مباشر بين ضغوط البحر وحسابات التفاوض.

وجاء هذا التصعيد بينما بقيت الخطوات التالية للمسار الدبلوماسي غير واضحة؛ فإعلان ترمب تمديد وقف إطلاق النار لم يقترن بتفاهم سياسي معلن مع إيران، كما أن طهران لم تقدم رداً موحداً ونهائياً على التمديد أو على المشاركة في جولة ثانية من المحادثات.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن «وقف إطلاق النار الكامل لا يكتسب معنى إذا جرى انتهاكه عبر الحصار البحري واحتجاز اقتصاد العالم، وإذا لم تتوقف الحرب التي يشعلها الإسرائيليون في مختلف الجبهات».

وأضاف أن «إعادة فتح مضيق هرمز غير ممكنة في ظل انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار»، لافتاً إلى أن «الخصوم لم يحققوا أهدافهم عبر العدوان العسكري، ولن يحققوها عبر سياسة الغطرسة»، وأن «الطريق الوحيد هو القبول بحقوق الشعب الإيراني».

وواصلت باكستان اتصالاتها، وخففت نسبياً إجراءاتها الأمنية في إسلام آباد، في محاولة لمنع انهيار الوساطة وفتح نافذة جديدة للتفاوض قبل عودة التصعيد إلى البر والبحر معاً.

ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين مطلعين أن وسطاء، بينهم تركيا وباكستان ومصر، كثّفوا الأربعاء تحركاتهم لإعادة المسار الدبلوماسي إلى سكته، بما في ذلك العمل على ترتيب اجتماع محتمل بين إيران والولايات المتحدة في أقرب وقت، ربما الجمعة، رغم استمرار تحذيرات متبادلة من الجانبين بالاستعداد لاستئناف القتال.

وأضافت الصحيفة أن واشنطن وطهران واصلتا تبادل الرسائل عبر أطراف ثالثة، لكن من دون تحقيق تقدم يذكر حتى الآن، في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط من الوسطاء لتقديم ردود أوضح على المقترحات الأخيرة، ومنها تعليق التخصيب لـ10 سنوات، ثم السماح لها بإنتاج كمية محدودة من اليورانيوم منخفض التخصيب لـ10 سنوات إضافية على الأقل. وبحسب المسؤولين أنفسهم، فإن طهران أبلغت الوسطاء أن وفدها لن يغادر إلى أي محادثات قبل رفع الحصار البحري.

تمديد الهدنة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار الذي كان من المقرر أن ينتهي خلال ساعات، مبرراً ذلك بما وصفه بانقسام الحكومة الإيرانية «بشكل خطير»، وبطلب من المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

وقال ترمب إن واشنطن طُلب منها وقف الهجوم على إيران إلى حين تمكن قادتها وممثليها من التوصل إلى «اقتراح موحد».

في الوقت نفسه، أكد أنه أصدر تعليماته إلى الجيش الأميركي بمواصلة الحصار البحري، والبقاء «على أهبة الاستعداد والقدرة» في كل الجوانب الأخرى، مشدداً على أنه سيمدد وقف إطلاق النار إلى أن يتم تقديم المقترح الإيراني وتختتم المناقشات «بطريقة أو بأخرى». وبذلك جمع بين تعليق الهجوم المباشر والإبقاء على أداة الضغط الأساسية، أي حصار الموانئ والتجارة البحرية الإيرانية.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام، في إشارة إلى أن تمديد وقف إطلاق النار الذي أعلنه لن يستمر إلى الأبد. وقال المسؤولون إن ترمب متردد في استئناف الهجمات على إيران، لكنه لا يزال منفتحاً على هذا الخيار، حتى إنه سأل مساعديه عن العمليات المستقبلية خلال اجتماعات الثلاثاء في البيت الأبيض.

وقال ترمب إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران خلال الأيام المقبلة، وذلك في تبادل رسائل نصية أجراه، الأربعاء، مع صحيفة «نيويورك بوست».

وكتب ترمب: «هذا ممكن »، رداً على سؤال لصحافية في الصحيفة عن احتمال عقد محادثات خلال «36 إلى 72 ساعة» المقبلة، أي حتى يوم الجمعة.

وكان موقع «أكسيوس» الأميركي، قد ذكر أن ترمب منح الفصائل المتناحرة داخل إيران مهلة قصيرة، تتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام، للتوحد خلف عرض مقابل متماسك، محذراً من أن المهلة «لن تكون مفتوحة». وجاء هذا التأجيل بعد أن اتفق ترمب وفريقه، الثلاثاء، على أن الحكومة الإيرانية تعاني من بعض الخلافات الداخلية حول مسار العمل المستقبلي، وتحتاج إلى مزيد من الوقت للتوصل إلى اقتراح يحظى بتوافق الآراء.

ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين أن مفاوضي ترمب ما زالوا يرون إمكانية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعالج ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، لكنهم قلقون من غياب جهة داخل طهران تملك صلاحية اتخاذ القرار النهائي.

وشدد ترمب في منشورات متلاحقة على أن الحصار البحري هو ورقته الأساسية. وقال إن إيران لا تريد إغلاق مضيق هرمز بل إبقاءه مفتوحاً لتحقيق عائدات يومية كبيرة، مضيفاً أنها تقول عكس ذلك فقط «لحفظ ماء الوجه». وأشار إلى أن الإيرانيين «ينهارون مالياً»، وأن عناصر الجيش والشرطة يشكون من عدم تلقي رواتبهم، معتبراً أن إبقاء المضيق مفتوحاً تحت الضغط الأميركي هو السبيل الوحيد لانتزاع اتفاق.

وذهب ترمب أبعد من ذلك، قائلاً إن رفع الحصار الآن يعني أنه «لن يكون هناك اتفاق مع إيران أبداً»، إلا إذا جرى «تدمير ما تبقى من بلدهم، بمن في ذلك قادتهم».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، إن الحصار المستمر على التجارة البحرية الإيرانية يضعف بشكل كبير القوة الاقتصادية لطهران.

وكتب بيسنت على منصة «إكس» أن مرافق التخزين في جزيرة خرج، وهي مركز رئيسي لتجارة النفط، «ستمتلئ وستغلق آبار النفط الإيرانية الهشة». وأضاف: «تقييد التجارة البحرية الإيرانية يستهدف بشكل مباشر مصادر الإيرادات الرئيسية للنظام».

تصعيد في المضيق

لم يمر تمديد الهدنة من دون تطورات ميدانية. فقد تعرضت، الأربعاء، ثلاث سفن في مضيق هرمز لهجمات متلاحقة نسبت وسائل إعلام إيرانية تنفيذها إلى «الحرس الثوري».

وقال مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني إن سفينة حاويات تعرضت في الحادث الأول لإطلاق نار من زورق حربي تابع لـ«الحرس»، من دون نداء تحذيري مسبق، ما أدى إلى أضرار جسيمة في جسر القيادة.

ووقع الحادث الأول على بعد نحو 15 ميلاً بحرياً شمال شرقي عمان، ولم ترد أنباء عن إصابات بين أفراد الطاقم. غير أن وكالة «نور نيوز» المنصة الإعلامية لمجلس الأمن القومي، قالت إن السفينة تجاهلت تحذيرات القوات المسلحة الإيرانية، وإن إطلاق النار جاء بعد الامتناع عن الامتثال للأوامر.

وبدورها، زعمت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن العملية «تطبيق قانوني» لسيطرة إيران على مضيق هرمز.

قوات أميركية تقوم بدورية في بحر العرب بالقرب من سفينة الشحن «توسكا» التي ترفع العلم الإيراني يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وفي الحادث الثاني، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية بأن سفينة تعرضت لإطلاق نار على بعد نحو ثمانية أميال بحرية غرب إيران، وتوقفت في المياه بعد الحادث، لكنه أشار إلى عدم تسجيل أضرار أو إصابات.

ولم يحدد المركز الجهة التي أطلقت النار، إلا أن الشبهات اتجهت فوراً إلى إيران، بالنظر إلى تزامن الواقعة مع الهجوم الأول واحتدام التوتر حول المضيق.

أما الحادث الثالث، فنقلت وكالات «نور نيوز» و«فارس» و«مهر» الحكومية أنه استهدف سفينة تدعى «يوفوريا»، وقالت إن السفينة «تقطعت بها السبل» على الساحل الإيراني من دون تقديم تفاصيل إضافية. وفي وقت لاحق، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس» أصبحتا في حوزة «الحرس الثوري» ويجري نقلهما إلى إيران.

وقال «الحرس الثوري»، في بيان، إن السفينتين كانتا تعملان من دون ترخيص، وانتهكتا اللوائح مراراً، وتلاعبتا بأنظمة المساعدة الملاحية، وسعتا إلى الخروج سراً من مضيق هرمز، بما يعرض الأمن البحري للخطر.

وجاءت هجمات الأربعاء بعد سلسلة من الحوادث البحرية المتصاعدة خلال الأيام الأخيرة؛ فقد أطلقت الولايات المتحدة النار على سفينة حاويات إيرانية واحتجزتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم صعدت، الثلاثاء، إلى متن ناقلة نفط مرتبطة بتجارة النفط الإيرانية في المحيط الهندي.

كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أنها ستواصل «جهود الإنفاذ البحري على مستوى العالم» لتعطيل الشبكات غير المشروعة واعتراض السفن التي تقدم دعماً مادياً لإيران.

وعدّت طهران الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية عملاً حربياً. وقالت إن استمرار هذا الحصار يعني أنها لن تفتح المضيق، وإن إغلاقه أو تعطيل المرور فيه سيستمر ما دام الحصار قائماً.

وأظهرت التطورات أن الهدنة، حتى بعد تمديدها، لم توقف الحرب في أعالي البحار. فبينما توقفت إلى حد بعيد الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية داخل إيران، ولم تعد الصواريخ الإيرانية تستهدف إسرائيل والمنطقة على نطاق واسع، بقي المضيق ساحة مفتوحة للضغط المتبادل، وبقيت السفن التجارية تدفع كلفة غياب اتفاق سياسي شامل.

موقف متباينة في طهران

وبدا الموقف الإيراني من تمديد الهدنة متبايناً وموزعاً بين القبول العملي، والإنكار الإعلامي، والشروط الرسمية؛ فقد أفادت تقارير إيرانية بأن طهران وافقت على تمديد الهدنة بعدما قبلت طلباً من ترمب نقل عبر باكستان، فيما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، تمديد الهدنة، من دون أن يتحدث عن المشاركة في جولة جديدة من المفاوضات في إسلام آباد.

لكن في وقت لاحق، ذكرت وكالتا «فارس» و«تسنيم» التابعتین لـ«الحرس الثوري»، عن مصادر، أن إيران «لم تعلن حتى الآن موقفاً رسمياً» بشأن تمديد وقف إطلاق النار، مشددة على أن ما نُسب إلى بقائي في بعض المواقع لم يكن دقيقاً، ولهذا جری حذفه لاحقاً.

وأضاف المصدر أن بقائي لم يقل شيئاً بشأن «موافقة إيران الرسمية» على التمديد، وأن طهران تدرس أبعاد ادعاء ترمب حول تمديد الهدنة.

ومع ذلك، أبقت طهران الباب موارباً من حيث المبدأ للعودة إلى المسار الدبلوماسي، لكنها ربطت أي تحرك بشروط لم تعلن طهران أنها باتت متحققة.

وعندما سُئل بقائي، الأربعاء، عن احتمال وتوقيت استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، قال للصحافيين إن طهران ستتحرك «كلما وصلنا إلى قناعة بأن الأرضية اللازمة والمنطقية مهيأة لاستخدام هذا المسار لتحقيق المصالح الوطنية، وتثبيت إنجازات الشعب الإيراني في إحباط أهداف الأعداء».

وفي السياق نفسه، قال وزير الخارجية عباس عراقجي خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني إن الوضع الحالي في مضيق هرمز هو «النتيجة المباشرة» لانتهاك الولايات المتحدة القانون الدولي وتصرفاتها الأحادية.

وأضاف أن إيران، بوصفها دولة مشاطئة للمضيق، اتخذت إجراءات وفق القانون الدولي لحماية أمنها القومي في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية، محمّلاً «الدول المعتدية» مسؤولية تداعيات الوضع على الاقتصاد العالمي، حسب ما جاء في بيان للخارجية.

صورة من مقطع فيديو يظهر صاروخاً إيرانياً على منصة إطلاق معروضاً خلال مسيرة مؤيدة للحكومة في مدينة أراك ليلة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وانتقد عراقجي صمت الدول الأوروبية إزاء الهجمات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، واعتبره غير مقبول، محذراً من أن المعايير المزدوجة تقوض القانون الدولي ونظام منع الانتشار النووي. وبذلك قدّم وزير الخارجية تفسيراً سياسياً وقانونياً متشدداً للوضع في المضيق، من دون أن يمنح إشارة واضحة إلى قرب استئناف التفاوض.

استعراض القوة

في الليلة السابقة للهجمات، نظم أنصار التيار المتشدد في مدن إيرانية مسيرات عرض فيها «الحرس الثوري» صواريخ ومنصات إطلاق للمرة الأولى منذ بدء وقف إطلاق النار.

واعتبرت هذه العروض عشية ذكرى تأسيس جهاز «الحرس الثوري»، رسالة تحدٍّ للولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين كرستا جزءاً كبيراً من حملتهما الجوية لتدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وعرضت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية صوراً ومقاطع من استعراضات في الأحواز وأراك وبندر عباس وبوشهر وكرمان وتبريز وطهران وقم وزنجان. وشملت الصواريخ المعروضة طرازات «باوه» و«خيبر شكن» و«خرمشهر - 4» و«قدر».

وأظهرت بعض اللقطات منصات إطلاق وسط الأحياء والساحات العامة، في دمج متعمد بين الرسالة العسكرية والحشد الشعبي.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلائي، إن إيران يجب أن تواصل في جميع الساحات، سواء في ميدان القتال أو في الدبلوماسية أو في الشارع، الضغط بقوة لإجبار العدو على «الاستسلام الكامل».

مهلة لترتيب الأوراق الداخلية

في غضون ذلك، نقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن ترمب يمنح إيران مهلة قصيرة لإنهاء الصراع الداخلي والعودة إلى محادثات السلام، وأن البيت الأبيض خلص إلى أن المشكلة الأساسية ليست فقط مضمون العرض الإيراني، بل غياب مركز قرار واضح داخل طهران.

وقال مسؤول أميركي إن هناك «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين، وإن أياً من الطرفين لا يستطيع الوصول إلى المرشد مجتبى خامنئي، الذي لا يستجيب.

وبحسب الرواية نفسها، بدأ الأميركيون رصد هذه الانقسامات بعد الجولة الأولى من محادثات إسلام آباد، عندما اتضح أن قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي ونوابه رفضوا كثيراً مما ناقشه المفاوضون الإيرانيون. وبرز هذا الانقسام علناً، وفق الموقع، عندما أعلن عراقجي إعادة فتح مضيق هرمز، لكن «الحرس الثوري» رفض التنفيذ وبدأ مهاجمته علناً.

وأضاف «أكسيوس» أن الساعات الثماني والأربعين الأخيرة كانت محبطة للبيت الأبيض، وخصوصاً لنائب الرئيس جي دي فانس، الذي كان قد استعد للسفر إلى إسلام آباد لقيادة الجولة الثانية من المحادثات. وبدلاً من ذلك، وجد نفسه ينتظر موافقة قادة «الحرس الثوري» على سفر قاليباف وعراقجي إلى باكستان للقائه.

وقال الموقع إنه بدا، مساء الاثنين، أن إيران منحت الوسطاء الباكستانيين الضوء الأخضر للمحادثات، لكن هذا المؤشر اختفى صباح الثلاثاء، ليحل محله مطلب برفع الحصار البحري الأميركي. وظلت طائرة «إير فورس تو» لساعات على مدرج قاعدة أندروز، قبل أن يتضح أن الرحلة لن تتم، فيما عاد المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى واشنطن بدلاً من التوجه إلى إسلام آباد.

وأفاد الموقع بأن ترمب اجتمع بعد ظهر الثلاثاء مع فريقه للأمن القومي، وكان الخياران المطروحان بين توجيه ضربة واسعة للبنية التحتية للطاقة في إيران أو منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت، قبل أن يختار الخيار الثاني.

ونقل عن مصدر قريب من ترمب أن الرئيس «لا يريد استخدام القوة العسكرية مجدداً»، لكنه قد يعيد الخيار العسكري إلى الطاولة إذا فشل الوسطاء الباكستانيون في تأمين مشاركة إيران ضمن المهلة الجديدة.

تجاذبات داخلية

كشفت مواقف المسؤولين الإيرانيين عن تباينات واضحة في مقاربة تمديد الهدنة واستئناف التفاوض؛ ففي بيان أصدره بمناسبة ذكرى تأسيسه، قال «الحرس الثوري» إن وحداته، بما في ذلك ذراعه التعبوية «الباسيج»، جاهزة لتحقيق «إنجازات ومفاجآت تتجاوز حسابات العدو، باستخدام أوراق جديدة في ساحة المعركة».

واعتبر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، النائب فدا حسين مالكي أن تمديد وقف إطلاق النار يمثل «فخاً» من ترمب لشراء الوقت، بهدف إعادة بناء تحركاته العسكرية في المنطقة وتعزيز الاستطلاع على بعض المناطق الإيرانية. وقال إن أمن مضيق هرمز والتخصيب النووي يشكلان خطين أحمرين ثابتين وغير قابلين للتغيير.

وقال ممثل المرشد الإيراني في «الحرس الثوري»، عبد الله حاجي صادقي، إنه «لا توجد مفاوضات حالياً»، مضيفاً أن إيران لن تدخل في تفاوض إلا عندما يقبل العدو بالشروط الإيرانية.

أما النائب علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي، فاعتبر أن المشاركة في مفاوضات بلا جدول أعمال واضح ليست سوى أداة أميركية لإدارة سوق الطاقة.

وأضاف خضريان أن ترمب طلب في المفاوضات «كل شيء» من طهران، وأن الجمع بين إعلان وقف إطلاق النار واستمرار الحصار البحري يمثل تناقضاً غير مقبول.

وقال إن الساعة الثالثة فجراً كانت، من وجهة نظر إيران، نهاية الهدنة، وإن أي إجراء ضد إيران أو فصائل المقاومة سيواجه برد عسكري. كما شدد على أن أي إجراء ضد السفن الإيرانية بعد ذلك يُعد حرباً وسترد عليه طهران.

وفي المقابل، دعا إحسان صالحي، عضو مجلس الإعلام في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، إلى عدم ظلم البلاد والقيادة، منتقداً الخطاب الذي يوحي بأن جهات داخل الدولة تعمل خارج الإرادة العامة أو تفرض الهدنة والمفاوضات على القيادة. وقال إن هذا الخطاب يفرغ قلوب الناس من الأمل ويضر بالبلاد.

أما النائب الأول للرئيس عارف، فقال إن فريق التفاوض يدافع بشجاعة وتدبير عن المصالح الوطنية، داعياً كل الأطراف إلى دعمه، ومعتبراً أن الحضور في الشوارع إلى جانب المقاتلين يشكل دعماً قوياً للمفاوضات.

في الأثناء، قال إبراهیم رسولي، المستشار السياسي لرئيس البرلمان، إن الولايات المتحدة أبلغت الإيرانيين بأنها لن تفرض حصاراً بحرياً إذا عادوا إلى المفاوضات، مضيفاً أن طهران لم تقبل بذلك.

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

وأضاف: «قلنا لواشنطن ليس لدينا أسرار، أعلنوا رفع الحصار البحري لننظر في المشاركة في المفاوضات». وتابع: «نحن نرى ثلاثية الشارع، والميدان، والدبلوماسية معاً»، وهذه الثلاثية حاضرة اليوم في جميع قرارات مسؤولي الجمهورية الإسلامية». ونحن نتفاوض لكن لا ننخدع.

وقال: «ليس لدينا أسرار مع الشعب؛ نقول: إن كنت لا تفرض الحصار، فأعلن ذلك رسمياً، ثم سنفكر بشأن المفاوضات».

وفي موقف رسمي، قال بقائي إن الدبلوماسية أداة لتحقيق المصالح الوطنية والأمن القومي، وإن طهران ستلجأ إليها عندما ترى أن الأرضية اللازمة والمنطقية متوافرة.

وقال علاء الدين بروجردي إن ترمب لم يكن أمامه خيار سوى تمديد وقف إطلاق النار، فيما شدد رئيس السلطة القضائية محسني إجئي على أن «العدو ليس في موقع يسمح له بتحديد الوقت لإيران»، داعياً إلى اليقظة الكاملة، ومتوعداً المحتكرين والمغالين في الأسعار.

ومن جهته، قال قاسم روانبخش إن صمود إيران أجبر أميركا على التراجع، وإن واشنطن تحاول الآن بلوغ أهدافها عبر «الحرب الإعلامية».

وعكست الصحف الصادرة في طهران هذا الانقسام في المقاربة، مع ميل واضح إلى ربط الهدنة بملف هرمز والحصار البحري، فقد خصصت «همشهري»، التابعة لبلدية طهران، صفحة كاملة لشرح أسباب امتناع إيران عن المشاركة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وقالت إن هناك ثمانية أسباب رئيسية لذلك.

أما «كيهان»، المقربة من مكتب المرشد، فذهبت أبعد من ذلك؛ إذ دعت في عنوانها الرئيسي إلى إغلاق مضيق باب المندب، واعتبرت أن «الكشف عن مفاجأة باب المندب» مع نهاية المهلة المحددة بأسبوعين من شأنه فتح جبهة جديدة ضد ترمب وحلفائه، بحيث لا يبقى لهم أي موقع آمن في الشرايين الحيوية للمنطقة. وفي مقال منفصل، دعا محمد إيماني إلى رد عسكري على الولايات المتحدة بسبب إجراءاتها ضد السفن الإيرانية قرب مضيق هرمز، مطالباً بتنفيذ «عقاب رادع».

أما «اعتماد»، المؤيدة بشدة لحكومة مسعود بزشكيان، فسلطت الضوء على احتمال استمرار وقف إطلاق النار أو عودة المواجهات العسكرية.

الوساطة الباكستانية

واصلت باكستان، الأربعاء، تركيزها على إبقاء المحادثات قائمة. وقال مسؤولان باكستانيان لوكالة «أسوشييتد برس» إن القيادة السياسية والعسكرية عملت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية على منع انهيار المحادثات وإقناع الولايات المتحدة بتمديد وقف إطلاق النار. وأضافا أن السلطات ستبقي الترتيبات الأمنية سارية في إسلام آباد في حال وصول الوفدين الأميركي والإيراني.

وقال المسؤولان إن باكستان لا تزال تنتظر رداً من طهران بشأن موعد إرسال وفد للجولة الثانية. وفي إسلام آباد، بقيت الشرطة والقوات في حالة تأهب على طول الطرق الرئيسية، مع الإبقاء على نقاط التفتيش والقيود على الوصول إلى بعض أجزاء المدينة. وقال ضابط الشرطة محمد أسلم إنه لم ترد أي تعليمات بإزالة الحواجز.

تُظهر صورة جوية لإسلام آباد طريقاً يؤدي إلى «المنطقة الحمراء» حيث من المقرر عقد الجولة الثانية من المحادثات الإيرانية - الأميركية الأربعاء (إ.ب.أ)

وفي السياق نفسه، التقى وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بالمفوضة السامية البريطانية جين ماريوت في إسلام آباد، وبحثا الوضع الإقليمي المتطور.

وقالت الخارجية الباكستانية إن دار شدد على الجهود المستمرة التي تبذلها بلاده لتسهيل الانخراط الدبلوماسي، وأكد أهمية الحوار والدبلوماسية في حل النزاعات سلمياً. كما أعربت ماريوت عن تقديرها للدور التيسيري الذي تضطلع به باكستان في جمع الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات.

وقال المحلل المقيم في إسلام آباد سيد محمد علي لوكالة «أسوشييتد برس» إن ترمب يبدو أنه توصل إلى أن حصار الموانئ الإيرانية أكثر فاعلية وأقل كلفة من الاستمرار في استخدام القوة، مضيفاً أن احتمال عقد جولة ثانية من المحادثات لم يتلاش، وأن الحصول على تمديد غير محدد للهدنة يمثل إنجازاً لباكستان.


مقالات ذات صلة

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

شؤون إقليمية حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران، 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ) p-circle

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية «مقراً للحرب الاقتصادية» لتسريع معالجة تداعيات الحرب والعقوبات والحصار الأميركي، مع تصاعد الضغوط على صادرات النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

ورقة «هرمز» تتآكل مع اشتداد الخناق الأميركي على طهران

بعد ستة أشهر من صراع هز الأسواق ودفع الخليج إلى حافة حرب أوسع، ربما بدأ ميزان المواجهة يميل ضد إيران، مع شن واشنطن هجوماً اقتصادياً غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مقاتلة «إف-35 إيه» أميركية تحلق فوق مياه المنطقة خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران (سنتكوم) p-circle

قاليباف يتوعد أميركا بردود «أسرع وأشد»

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأحد، إن «قواعد اللعبة تغيرت» مع الولايات المتحدة، متوعداً بردود «أسرع وأشد وأكثر إيلاماً».

الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)

العراق يرفع طاقته التصديرية النفطية لأكثر من 3 ملايين برميل يومياً

رفع العراق طاقته التصديرية للنفط إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، وفق ما نقلت وسائل إعلام رسمية عن وزير النفط...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية مجتبى خامنئي خلال مشاركته في مراسم تكريم غلام علي حداد عادل والد زوجته ومستشار المرشد للشؤون الثقافية يوليو الماضي (إرنا)

عقارات مرتبطة بمجتبى خامنئي للبيع في لندن

كشفت صحيفة «صنداي تايمز» عن أن شقتين فاخرتين بلندن مرتبطتين بالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، عُرضتا للبيع بعد فرض عقوبات على مصرفي إيراني مدرج على قائمة العقوبات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران، 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران، 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران، 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران، 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية «مقراً للحرب الاقتصادية» لتسريع معالجة تداعيات الحرب والعقوبات والحصار الأميركي، مع تصاعد الضغوط على صادرات النفط والعملات الأجنبية والتجارة، وتزايد التحديات المرتبطة بالوقود والأسعار ومعيشة السكان.

وتأتي الخطوة بعد ستة أشهر من الحرب. وتصر إدارة الرئيس دونالد ترمب على تكثيف الضغط الاقتصادي بالتوازي مع الحصار البحري، في محاولة لتقليص عائدات طهران النفطية وقدرتها على الوصول إلى شبكات التمويل الدولية.

وقال مرتضى زمانيان، نائب وزير الاقتصاد الإيراني، إن «مقر الحرب الاقتصادية» أُنشئ لتنسيق معالجة المشكلات الاقتصادية الناجمة عن ظروف الحرب وتسريع حلها، بحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وأوضح أن المقر سيركز في المرحلة الأولى على الملفات الواقعة ضمن صلاحيات وزارة الاقتصاد، وسيتولى التنسيق مع المؤسسات الأخرى عندما يتطلب حل مشكلة ما مشاركة أكثر من جهة، لمنع بقائها عالقة في الإجراءات البيروقراطية.

وتزامن إنشاء المقر مع تجدد الضربات الأميركية والإيرانية بعد هدوء نسبي خلال معظم أغسطس (آب). وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، السبت، ضرب ثلاث ناقلات إيرانية رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه سفينتين حربيتين أميركيتين.

«الخزانة» تقود المواجهة

وصعّدت إدارة ترمب خطابها بشأن الحملة الاقتصادية على إيران. ونقلت شبكة «فوكس نيوز» عن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قوله إن واشنطن تفرض عقوبات «لم يسبق لها مثيل»، بهدف «خنق النظام». وشدد على إن حملة «عملية المنبوذ الاقتصادي» تستهدف فرض عزلة غير مسبوقة على طهران، مضيفاً: «سنخنق هذا النظام».

وأشار بيسنت إلى أن الصين لا تزال المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وقال إن الحصار البحري منع خروج شحنات جديدة، مقدراً أن ما تبقى من الخام الإيراني المتاح للبيع والذي لم تشتره بكين بعد يبلغ «نحو 30 مليون برميل فقط».

وأضاف أنه مع نفاد هذه الكمية «لن تبقى مسألة استمرار الصين في شراء النفط الإيراني قائمة، لأنه لن تكون هناك كميات متاحة للشراء».

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال اجتماعات مجموعة العشرين المالية في آشفيل بولاية نورث كارولاينا، 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ووصف بيسنت، في تصريحات أخرى، الاستراتيجية الأميركية بأنها «ضربة مزدوجة» تجمع بين الحصار و«أقسى العقوبات في التاريخ». وقال لشبكة «سي إن بي سي»: «ستنجح في إيران وسنسقط هذا النظام».

وتستهدف الحملة صادرات النفط الإيرانية وقنوات الوصول إلى العملات الأجنبية والشبكات المالية التي استخدمتها طهران للالتفاف على العقوبات، بالتوازي مع الحصار الأميركي المفروض على صادرات النفط منذ منتصف أبريل (نيسان).

وقال بيسنت هذا الأسبوع إن الخطة الأميركية ترمي إلى جعل مضيق هرمز خلال عامين «قطعة مياه عديمة القيمة»، في إشارة إلى استراتيجية واشنطن لتقليص أهمية الممر في إمدادات الطاقة.

وأبلغت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة «رويترز» أن الحملة الأميركية باتت أكثر صعوبة في تحملها، بعدما قيدت الإجراءات الأخيرة بشدة قدرة طهران على الحصول على العملات الأجنبية واستيراد السلع والوصول إلى شبكات التمويل الدولية.

وقالت المصادر إن الضغوط المالية بدأت أيضاً تعرقل آليات الالتفاف على العقوبات، مع تقلص السيولة اللازمة لدفع العلاوات المرتفعة لشركات الواجهة وناقلات «أسطول الظل» ومسارات التهريب.

الكلفة ليست استسلاماً

ووصل وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده إلى موسكو، الأحد، لإجراء محادثات مع مسؤولين روس حول التفاهمات السابقة وتوسيع العلاقات المالية، قائلاً إن «انفراجات جيدة في الطريق». ورفض أن تؤدي العقوبات إلى تغيير خيارات طهران، وقال إن الرد على الضغوط الأميركية سيكون عبر «المقاومة الاقتصادية والإصلاحات الاقتصادية». وقال: «يتحدثون عن الضغط الاقتصادي والعزلة، وعن قطع العلاقات المالية، ويعتقدون أن الضغط على اقتصاد بلد ما يمكن أن يغير قرارات شعبه».

وأضاف: «مسؤولية إصلاح الاقتصاد الإيراني تقع على عاتق حكومته وشعبه، وليس على وزارة الخزانة الأميركية». وقال إن هناك «مسافة كبيرة جداً بين الكلفة الاقتصادية والاستسلام الاقتصادي»، مضيفاً أن الإيرانيين «دفعوا الكلفة، لكنهم لن يستسلموا أبداً». وتابع: «نحن ندير اقتصاد إيران من أجل حياة الناس، لا من أجل رضا واشنطن». وأضاف أن الولايات المتحدة إذا كانت تعتقد أنها تستطيع عبر العقوبات أن «تقرر للاقتصاد الإيراني»، فإن «اقتصاد إيران سيبنيه الإيرانيون، ومستقبل إيران سيحدده الإيرانيون بإرادتهم وبرامجهم ولمصالحهم».

من جانبه، قال المتحدث باسم اللجنة الاقتصادية في البرلمان فتح الله توسلي إن الولايات المتحدة وأوروبا «لا تستطيعان استخدام العقوبات والتهديد لإجبار إيران على التفاوض من موقع ضعف»، مضيفاً أن طهران لن تتراجع عن «مصالحها الوطنية».

من جانبه، قال المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي إن «أميركا إذا أرادت إلحاق ضرر اقتصادي بإيران بقيمة دولار واحد، فقد تتكبد هي عدة دولارات من الكلفة والخسائر».

وأضاف محبي لوكالة «مهر» أن تشديد الحصار الاقتصادي «لن يؤدي بالضرورة إلى انتصار الطرف الذي يفرض العقوبات»، محذراً من أنه قد يرتب تكاليف أكبر على الولايات المتحدة.

«المعركة الرئيسية»

وكان رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف قد وضع، الأحد، الإنتاج ومعيشة السكان في صدارة التحديات الداخلية، قائلاً إنهما أصبحا «المعركة الرئيسية» إلى جانب المواجهة العسكرية.

وأشار قاليباف إلى تقلبات العملة والتضخم والبطالة وإدارة الأسواق، وقال إن الإيرانيين يستطيعون تحمل الصعوبات، لكنهم «لن يتحملوا سوء الإدارة والتقصير».

وقال إن تشديد العقوبات يستهدف «شل دورة تأمين السلع وإدارة الطاقة»، داعياً إلى تحسين إدارة الواردات وتشجيع الإنتاج المحلي.

وترأس الرئيس مسعود بزشكيان، الأحد، اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود، بعد أسابيع من الجدل بشأن عجز البنزين وخيارات خفض الاستهلاك، في أحد الملفات الأكثر تأثراً بالحصار ونقص الموارد.

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود الأحد (الرئاسة الإيرانية)

وشدد بزشكيان على ضرورة أن تقترن جميع مراحل وضع سياسة استهلاك الوقود بخطة إعلامية «دقيقة وشفافة»، مشيراً إلى أن اجتماعات الحكومة تستهدف أيضاً مكافحة التهريب والفساد في القطاع.

وأعلن أنه سيجتمع شخصياً مع ممثلي اتحادات سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة ومنصات النقل عبر الإنترنت لمناقشة السياسات المقترحة والإجابة عن مخاوفهم.

وبحث الاجتماع حزمة إجراءات غير سعرية تشمل تنظيم بطاقات الوقود، ومراقبة المصافي الصغيرة، وتحسين النقل العام، وإغلاق مسارات التهريب، وربط الحصص بالاستهلاك الفعلي، والتعامل مع السيارات القديمة ومرتفعة الاستهلاك.

وقال بزشكيان إن نحو 37 في المائة من المركبات التي تستخدمها الحكومة أصبحت متهالكة، ودعا إلى حسم وضعها ضمن إجراءات خفض استهلاك الوقود.

وكان الرئيس الإيراني قد قال في أغسطس (آب) إن الحصار البحري أغلق طرقاً كانت تستخدم لإدخال السلع إلى البلاد وإن الحكومة لا تملك الموارد اللازمة لاستيراد البنزين.

وبحسب تقديرات حكومية سابقة، تراوح العجز في البنزين بين نحو 14 و20 مليون لتر يومياً. وعارض قاليباف الشهر الماضي زيادة الأسعار، داعياً إلى خفض الاستهلاك بأقل قدر ممكن من الاستياء لدى السكان.

نفي استقالة وزير النفط

وجاء اجتماع بزشكيان وسط تداول تقارير عن خلافات داخل الحكومة بشأن إدارة قطاع الطاقة واستقالة وزير النفط محسن باك نجاد تحت تأثير الضغوط والانتقادات، وهو ما نفته الوزارة الأحد.

وقال المتحدث باسم وزارة النفط سامان قدوسي إن باك نجاد يواصل عمله ومتابعة زيادة الإنتاج والمبيعات و«تحييد العقوبات» وإدارة اختلالات الطاقة.

وكانت قنوات إيرانية قد زعمت أن بزشكيان وافق على استقالة باك نجاد بعد مشادة في اجتماع للحكومة بشأن قرارات الوزارة، لكن المتحدث لم يتطرق إلى تفاصيل تلك المزاعم.

وفي مقابلة بثها التلفزيون الرسمي، الأحد، قال باك نجاد إن جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني الرئيسي، تعرضت لنحو 550 ضربة خلال الأشهر الماضية، مضيفاً أن العمل فيها لم يتوقف.

وكانت إيران تصدر نحو 90 في المائة من خامها عبر خرج قبل الحرب، قبل تعطل التدفقات مع بدء الحصار الأميركي على صادرات النفط في منتصف أبريل.

الريال يترنح

وأقرت الحكومة الإيرانية في الأيام الماضية، بتزايد وطأة الحرب والعقوبات على الاقتصاد. وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني الجمعة، إن السلطات «لا تنكر الضغوط الاقتصادية على الناس ولا حالات النقص». وأضافت أن العقوبات الأميركية أثرت في تأمين الموارد وتمويل مشروعات البنية التحتية وتنفيذها.

وتراجع الريال في السوق الحرة إلى نحو 2.2 مليون ريال للدولار، وهو أدنى مستوى مسجل، فيما تعهد محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بالتدخل «في الوقت المناسب وبقوة» لمواجهة ما سماه «التقلبات غير الطبيعية».

وقال همتي إن الحرب مع الولايات المتحدة تسببت في اضطرابات غير طبيعية في سوق الصرف، لكنه نفى وجود نقص حاد في العملات الأجنبية المخصصة للاستيراد.

وبحسب البيانات الرسمية، بلغ متوسط التضخم خلال الاثني عشر شهراً الماضية 69.9 في المائة، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بوتيرة تقارب مثلي هذا المعدل.

وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 في المائة في الربيع، وانخفض عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق.

وقال بزشكيان في وقت سابق إن إجمالي حجم التجارة الإيرانية تراجع بين 25 و35 في المائة، وإن الواردات تضررت بوتيرة أكبر من الصادرات.

وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن شحنات الخام الإيراني هبطت إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام، مع خروج كميات محدودة من الموانئ الإيرانية منذ فرض الحصار.

وقال أحد المصادر الإيرانية التي تحدثت إلى «رويترز» إن البلاد تملك مخزونات من البنزين تكفي لنحو شهرين إضافيين، فيما تضطر إيران إلى استيراد الوقود رغم إنتاجها الخام بسبب محدودية قدراتها التكريرية.

وتخشى القيادة الإيرانية،أن يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع التجارة والضغط على دخول الأسر إلى تجدد الاضطرابات الداخلية.

وكانت زيادة مفاجئة في أسعار البنزين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 قد فجرت احتجاجات واسعة، بينما شهدت إيران احتجاجات جديدة بسبب المصاعب الاقتصادية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل اندلاع الحرب.

وتدرس الحكومة حالياً بدائل لخفض استهلاك البنزين من دون زيادة مباشرة للأسعار، تشمل تعديل نظام الحصص وربطه بالاستهلاك الفعلي، بالتزامن مع إجراءات لمكافحة التهريب وتقليص استهلاك المركبات الحكومية والسيارات القديمة.


ورقة «هرمز» تتآكل مع اشتداد الخناق الأميركي على طهران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

ورقة «هرمز» تتآكل مع اشتداد الخناق الأميركي على طهران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

بعد ستة أشهر من صراع هز الأسواق ودفع المنطقة إلى حافة حرب أوسع، تتعرض ورقة «هرمز» التي راهنت عليها طهران لضغوط متزايدة، مع تشديد واشنطن الحصار والعقوبات في محاولة لتقليص قدرتها على استخدام المضيق ورقة ضغط.

وبعد سنوات من الصمود أمام العقوبات، تواجه طهران الآن واحداً من أشد الضغوط في تاريخ الجمهورية الإسلامية، مع تقليص الحصار البحري الأميركي وتشديد العقوبات على صادرات النفط، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وكشف ضغوط متزايدة على الاقتصاد، بحسب مصادر إيرانية مطلعة وأخرى إقليمية تحدثت إلى «رويترز».

ودفعت الحملة مسؤولين أميركيين وإقليميين إلى الرهان على أن تصاعد الضغط الاقتصادي يمكن أن يجبر طهران على السماح بحرية المرور عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

ويستند هذا الرهان إلى حساب مفاده أن إيران تتكبد أضراراً اقتصادية أكبر من تلك التي تلحقها بالآخرين. فقد قلصت محاولات خنق صادرات النفط إيرادات الدولة، فيما لم تحدث محاولات تعطيل الملاحة عبر هرمز الصدمة الاقتصادية العالمية التي كانت طهران تأمل أن تدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات. وتكيفت أسواق الطاقة، واستمرت الإمدادات البديلة في التدفق.

وقالت المصادر الإقليمية إن من غير الواضح ما إذا كانت الضغوط ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات. ولم تتمكن طهران من فرض الكلفة التي كانت تراهن على أن تكسر بها إرادة واشنطن، لكنها لم تظهر مؤشرات تذكر على التخلي عن مطالبها برفع العقوبات، والوصول إلى الأصول المجمدة، والاعتراف بدورها الأمني في مضيق هرمز.

وأضافت المصادر أن صيغة جديدة لحل المواجهة باتت موضع نقاش بين الوسطاء وإيران.

هل تستطيع طهران الصمود؟

وأقرت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة بأن حملة واشنطن تزداد صعوبة على التحمل، بعدما قيّدت الإجراءات الأخيرة بشدة قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية واستيراد السلع والاستفادة من شبكات التمويل العالمية التي ساعدت في إبقاء الاقتصاد واقفاً.

ويخشى القادة الإيرانيون أن يؤدي تدهور الوضع الاقتصادي، مع ارتفاع الأسعار وتراجع التجارة والضغط على دخول الأسر، إلى إشعال اضطرابات على مستوى البلاد مجدداً، بعدما شكلت موجات احتجاج سابقة تحدياً متكرراً للجمهورية الإسلامية.

وقال مسؤولون إن نقص الواردات الأساسية، بما فيها الوقود والقمح، أصبح مصدر قلق متزايد.

ووصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الاستراتيجية بأنها «ضربة مزدوجة» تجمع بين الحصار و«أشد العقوبات في التاريخ». وقال لشبكة «سي إن بي سي»: «ستنجح في إيران، وسنسقط هذا النظام».

لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل حاوية تموين الخميس (رويترز)

ويرى بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين والإقليميين أن تفاقم الضغوط الاقتصادية قد يقود في نهاية المطاف إلى تداعيات سياسية داخل إيران، عبر إشعال اضطرابات، وتوسيع الانقسامات داخل القيادة، وإضعاف قبضتها على السلطة.

لكن آخرين يشككون في أن يؤدي الإكراه الاقتصادي والعسكري إلى تصدع سياسي، مستندين إلى عقود من المحاولات الفاشلة لزعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية، واستعداد طهران لقمع المعارضة. ويرون أن حكام إيران قد يثبتون مجدداً أنهم أكثر قدرة على الصمود مما يتوقعه خصومهم.

تقديم تنازلات

وقال دينيس روس، المفاوض الأميركي السابق، إن واشنطن ربما تفسر الضائقة الاقتصادية الإيرانية على أنها دليل على نجاح استراتيجي، لكن الواقع أكثر تعقيداً. ولا تزال طهران مصممة على إظهار قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز، لكنها تبدو حريصة على ضبط استخدام القوة مع إبقاء مزيد من التصعيد في الاحتياط.

وقال روس إن «الحرس الثوري» ربما يعتقد أن إيران تستطيع تحمل الألم الاقتصادي والصمود أمام الضغوط بدلاً من تقديم تنازلات.

وأضاف: «لقد فاجأنا الإيرانيون باستمرار بقدرتهم على الصمود»، معرباً عن شكوكه في أن تكون الضغوط الاقتصادية والعسكرية وحدها كافية لإجبار إيران على التراجع. وقال إن المتشددين ربما يعتقدون أنهم قادرون على التحمل والحصول في النهاية على ما يريدون.

وقالت بورجو أوزجيليك، الباحثة البارزة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن قدرة طهران على الصمود قد تعتمد على مدى تحمل الرأي العام بقدر اعتمادها على قدرة الدولة على استيعاب المصاعب الاقتصادية.

سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في الشرق الأوسط (سنتكوم)

وقالت أوزجيليك: «بالطبع، يزيد الضغط الاقتصادي خطر الاضطرابات الشعبية، لكن في الوقت الراهن يبدو أن عقلية زمن الحرب تسيطر بدرجة كبيرة على السكان».

وأضافت: «التدخل العسكري الأجنبي، وسقوط ضحايا مدنيين، والتصور بوجود مواجهة حضارية أوسع مع نظام تقوده الولايات المتحدة، كلها عوامل تحافظ على قدر من التأييد الوطني القائم على مبدأ (إيران أولاً)، أو التسامح، أو ببساطة الصبر تجاه النظام».

والنتيجة هي مأزق أكثر استعصاء مما ربما توقعته واشنطن. فالضغط الاقتصادي يزيد المعاناة، لكن «الحرس الثوري» النافذ قد ينظر إلى الصمود، المدعوم بالتهديد بالتصعيد، باعتباره ورقة ضغط لا سبباً للتراجع.

وقالت المصادر الإقليمية إن السؤال الرئيسي ليس ما إذا كانت إيران تتضرر، بل ما إذا بلغ الضرر مستوى يكفي لدفعها إلى تقديم تنازلات قبل أن ينزلق أي من الطرفين نحو مواجهة جديدة.

وقال روس إن أوضح طريق إلى اتفاق قد يكمن في الخلاف بشأن رسوم عبور السفن عبر مضيق هرمز. ويمكن لإيران، حسب روس، التخلي عن المطالبة بفرض رسم عبور، مع الاحتفاظ بحقها في تحصيل رسوم مقابل خدمات مشروعة تتعلق بالملاحة أو الأمن أو البيئة.

ومن شأن ترتيب كهذا أن يتيح للطرفين إعلان الانتصار، ويسمح لطهران بالتراجع من دون أن تبدو وكأنها تستسلم. وقال روس: «إذا أمكن الإعلان عن إعادة فتح المضيق، فأعتقد أن ترمب سيبرم اتفاقاً».


قاليباف: «قواعد اللعبة تغيرت» مع واشنطن

مقاتلة «إف-35 إيه» أميركية تحلق فوق مياه المنطقة خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران (سنتكوم)
مقاتلة «إف-35 إيه» أميركية تحلق فوق مياه المنطقة خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران (سنتكوم)
TT

قاليباف: «قواعد اللعبة تغيرت» مع واشنطن

مقاتلة «إف-35 إيه» أميركية تحلق فوق مياه المنطقة خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران (سنتكوم)
مقاتلة «إف-35 إيه» أميركية تحلق فوق مياه المنطقة خلال عمليات فرض الحصار البحري على إيران (سنتكوم)

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأحد، إن «قواعد اللعبة تغيرت» مع الولايات المتحدة، متوعداً بردود «أسرع وأشد وأكثر إيلاماً»، مع اتساع المواجهة البحرية واستهداف طهران سفناً وناقلات رداً على ضرب واشنطن ثلاث ناقلات إيرانية.

وأضاف قاليباف، خلال الجلسة الافتتاحية الأسبوعية للبرلمان، أن على الولايات المتحدة أن تدرك «قبل فوات الأوان» أن «قواعد اللعبة تغيرت»، حسبما أورد موقع البرلمان الإيراني.

وقال قاليباف: «لا بد أن الأميركيين فهموا أن عصر الردود المتناسبة قد انتهى»، مضيفاً أن على واشنطن أن تدرك «قبل فوات الأوان» أن «قواعد اللعبة تغيرت».

وتأتي تهديداته غداة جولة جديدة من الهجمات البحرية، أعلنت خلالها إيران استهداف ثلاث ناقلات نفط وثلاث سفن مرتبطة بالولايات المتحدة، رداً على ضرب الجيش الأميركي ثلاث ناقلات إيرانية، إحداها قبالة جزيرة خرج.

وقال «الحرس الثوري»، السبت، إن قواته استهدفت ثلاث ناقلات كانت تعبر ما وصفه بـ«المسار غير المصرح به» في مضيق هرمز، إضافة إلى ثلاث سفن مرتبطة بالولايات المتحدة في مناطق أخرى، رداً على ضرب ثلاث ناقلات إيرانية.

وأضاف أن قواته الجوية أطلقت صواريخ باليستية على حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين، مدعياً أن السفينتين تعرضتا لأضرار وغادرتا منطقة المواجهة. وحذر السفن الموجودة في الخليج العربي وقرب المضيق من استخدام ممرات لا توافق عليها طهران، مهدداً باستهدافها.

ولم يصدر تأكيد أميركي للرواية الإيرانية بشأن استهداف السفن الست.

وأفاد «الحرس الثوري»، الأحد، بأنه استهدف زورقاً عسكرياً أميركياً غير مأهول قال إنه حاول دخول «منطقة محمية» في مضيق هرمز، لكن القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» نفت الرواية الإيرانية.

وقال المتحدث باسم «سنتكوم» الكابتن تيم هوكينز: «التقرير صادر عن وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية، وهو كذبة كاملة».

«ناقلة مقابل ناقلة»

وكانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قد أعلنت، السبت، ضرب ثلاث ناقلات إيرانية للنفط الخام بعدما أطلق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات أميركية ومدمرة مزودة بصواريخ موجهة.

وقالت القيادة إن حاملة الطائرات والمدمرة تفادتا عدة هجمات إيرانية، من دون إصابة أي عسكري أميركي.

وعطلت القوات الأميركية بصورة دائمة ناقلة النفط «داوني» قبالة جزيرة خرج وناقلة «ستارك 1» قرب جاسك، فيما دمرت الناقلة الفارغة «كايلو»، المعروفة أيضاً باسم «نوكسن»، بالكامل في خليج عُمان بعد توجيه طاقمها إلى مغادرة السفينة.

فيديو بثه «الحرس الثوري» من سفينة هاجمها في الخليج (تسنيم)

ووصف قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر الضربات بأنها رسالة مباشرة إلى «الحرس الثوري»، قائلاً: «إذا أطلقتم النار على اثنتين من سفننا، فسوف نفرض عليكم كلفة اقتصادية أكبر، بإخراج ثلاث من سفنكم من الخدمة». وأضاف: «لن نتردد في الدفاع عن القوات الأميركية، وإذا لزم الأمر، سندمر أسطول النفط الإيراني المحدود والمكشوف».

وقالت «سنتكوم» إن الناقلات الثلاث جزء من «شبكة ظل» تقدر قيمتها بمليارات الدولارات تمول «الحرس الثوري» ووكلاءه الإقليميين، مضيفة أن إيران «لا تملك أي وسيلة للدفاع عنها».

وبثت القيادة تسجيلات مصورة قالت إنها تظهر الضربات على الناقلات الثلاث، مع تصاعد ألسنة النار وكرات اللهب بعد إصابتها بمقذوفات.

وردت القيادة العسكرية الإيرانية بالتهديد بتوسيع الهجمات على القطع البحرية الأميركية. وحذر المتحدث باسم مقر «خاتم الأنبياء» المركزي من أن استمرار الحصار البحري ومضايقة السفن الإيرانية سيقابل بضربات «أقوى من ذي قبل» على السفن العسكرية الأميركية، مع احتمال توسيع نطاقها.

ودانت وزارة الخارجية الإيرانية الهجمات على الناقلات، ووصفتها بأنها «غير قانونية وعدوانية»، معلنة أن طهران ستتخذ «إجراءات مقابلة» دفاعاً عن سيادتها ومصالحها، وحمّلت واشنطن وشركاءها مسؤولية تداعيات استمرار الهجمات على السفن التجارية والمصالح الإيرانية.

الردع والاقتصاد

استحضر قاليباف، في كلمته أمام البرلمان، أحداث 17 سبتمبر (أيلول) 1978 المعروفة في إيران باسم «الجمعة السوداء»، وقال إن «ميدان المواجهة اليوم هو الميدان نفسه».

وأضاف أن إيران تمضي في «مسار الجهاد والمقاومة»، وأن الولايات المتحدة سخرت جميع قدراتها للضغط على الإيرانيين.

وقال قاليباف إن مؤسسات الدولة و«صمود الشعب» سيقودان إلى إلحاق الهزيمة بما سماه «العدو» في «ميدان الحرب الاقتصادية»، كما في الميدانَين العسكري والدبلوماسي. ووصف الإنتاج ومعيشة الإيرانيين بأنهما «المعركة الرئيسية»، مشيراً إلى تقلبات أسعار الصرف والتضخم والبطالة وإدارة الأسواق.

قاليباف يبدأ جلسة أسبوعية يحضرها أغلبية أعضاء البرلمان عبر الإنترنت (موقع البرلمان الإيراني)

ودعا إلى الاعتماد على الإنتاج المحلي والقدرات التقنية للنخب الشابة، وقال إن تشديد العقوبات يستهدف «شل دورة تأمين السلع وإدارة الطاقة»، مطالباً بتحسين إدارة الواردات وتشجيع الإنتاج.

وأضاف أن الإيرانيين الذين «وقفوا حتى الموت في مواجهة العدو الأميركي» قادرون على تحمل الصعوبات، لكنهم «لن يتحملوا سوء الإدارة والتقصير».

وقال إن من حق الإيرانيين مطالبة المسؤولين بإدارة أسرع للملفات الاقتصادية، مع استمرار الضغوط المرتبطة بالأسعار والطاقة وسوق العمل.

وشدد قاليباف على أن الحفاظ على «التماسك الداخلي» و«قوة الردع الخارجية» يمثلان أداتين رئيسيتين في مواجهة الولايات المتحدة، محذراً من أي خطاب أو إجراء يمكن أن يضعف هذين العنصرين.

واستند إلى توجيهات المرشد الإيراني بشأن تجنب إظهار البلاد في موقع ضعف، قائلاً إن هذه التوجيهات تمثل «تعليمات استراتيجية» ينبغي مراعاتها في مختلف المجالات.

وأوضح أن الدعوة إلى عدم إظهار الضعف لا تعني تجاهل المشكلات أو الانتقادات الموجهة إلى أداء مؤسسات الدولة، بل إعطاء الأولوية لمعالجتها ووضع خطط عملية لها.

وأعرب عن أمله في أن يشعر الإيرانيون «بالنصر» في أقرب وقت.

وفي موقف موازٍ، قال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية وقائد مقر العمليات المشتركة، علي عبد اللهي، إن الولايات المتحدة دخلت المواجهة على أساس تقدير خاطئ بأن إيران ستستسلم تحت الضغط، مضيفاً أن هذا التصور «لن يتحقق أبداً».

وقال عبد اللهي إن الولايات المتحدة «لم تسمع جواباً سلبياً من أي دولة منذ أكثر من ثمانين عاماً»، وإنها دخلت المواجهة مع إيران على أساس تقدير خاطئ بأن طهران ستتراجع تحت الضغط.

وأضاف أن الولايات المتحدة تحاول تعويض «الإخفاقات الاستراتيجية» عبر «الحرب الناعمة والمعرفية والضغط الاقتصادي»، متوقعاً أن تفشل أيضاً في هذه المسارات.

وقال إن إيران قدمت «نموذجاً جديداً للمقاومة»، مضيفاً أن النظام الدولي المقبل سيكون مختلفاً عن السابق، وأن هذا التحول سيأتي «لمصلحة الشعب الإيراني» مع «تراجع حتمي» للقوة الأميركية.

معركة السيطرة على هرمز

وتتبع إدارة ترمب نهجاً مزدوجاً، يجمع بين الرد العسكري على هجمات المضيق واستهداف المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع الأموال الإيرانية.

أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن أربعة صواريخ أميركية أصابت ناقلة على بُعد نحو ستة أميال، أي نحو عشرة كيلومترات، من جزيرة خرج، من دون وقوع إصابات، فيما جرى إجلاء أفراد الطاقم.

ونقل التلفزيون الإيراني عن مراسل في جاسك أن ناقلتين أخريين تعرضتا لضربات قرب المدينة، إحداهما فارغة والأخرى محملة بالنفط، وأن طاقميهما نُقلا إلى اليابسة.

وكانت إيران تصدر نحو 90 في المائة من خامها عبر جزيرة خرج قبل الحرب، قبل تعطل التدفقات مع الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية.

وأصبحت حركة السفن عبر مضيق هرمز محوراً رئيسياً في المواجهة، مع تمسك طهران بفرض مسارات عبور تحددها قواتها، بينما ترافق البحرية الأميركية سفناً عبر الممر.

وقالت «سنتكوم» إن القوات الأميركية أعادت، حتى 6 سبتمبر، توجيه 92 سفينة تجارية في إطار فرض الحصار البحري على إيران، وعطلت ثلاث سفن وصعدت إلى اثنتين للتحقق من الالتزام بالحصار.

لقطة من فيديو نشرته «سنتكوم» تظهر استهداف ناقلات نفط إيرانية في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

وقال نائب الشؤون السياسية في القوة البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري»، علي محمدي، إن قواته استهدفت خلال الأيام العشرة المنتهية في 30 أغسطس (آب) ما بين سفينتين وخمس سفن «مخالفة» كل ليلة، مضيفاً أنها واصلت بعد ذلك اعتراض السفن كلما قررت ذلك.

ورفض محمدي في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» التابعة لـ«الحرس الثوري»، الرواية الأميركية بشأن السيطرة على المضيق، قائلاً إن واشنطن ادعت أن «سنتكوم» تدير الممر وأن السفن تستطيع استخدام «الممر الجنوبي غير القانوني»، لكنه رأى أن تدخل القوات الأميركية المباشر في المواجهة يناقض هذه الرواية.

وأضاف أن إيران ما زالت تملك «إشرافاً مستمراً وقدرة على فرض إرادتها» في نقاط مختلفة من الخليج ومضيق هرمز، وأن الضربات الأميركية لم تُحدث خللاً في الانتشار العسكري أو البنية الدفاعية البحرية الإيرانية أو قدرة «الحرس» على فرض قواعده في المنطقة.

وقال محسن إسماعيلي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية والبرلمانية، إن مضيق هرمز يمثل «رصيداً استراتيجياً» لإيران، وإن الإيرانيين يتمسكون بالحفاظ عليه رغم الضغوط الاقتصادية.

ممر مفتوح جزئياً

المواجهة حول مضيق هرمز أبقت الممر في حالة جمود خطرة، رغم عملية الحماية التي تنفذها القوات الأميركية منذ منتصف مايو (أيار) لمرافقة السفن واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قبل وصولها إلى الناقلات.

وقال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم «سنتكوم»، لصحيفة «نيويورك تايمز» إن العملية ساعدت نحو 1600 سفينة تجارية على عبور المضيق ونقلت نحو 800 مليون برميل من النفط منذ بدء مهمة الحماية.

وأضاف هوكينز: «تستمر حركة الملاحة التجارية عبر المضيق رغم العدوان الإيراني، ومن الواضح أن الزخم يتزايد»، لكنه امتنع عن التعليق على عدد الهجمات الإيرانية خلال يوليو (تموز) وأغسطس.وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن متوسط تدفقات النفط عبر مضيق هرمز يبلغ حالياً أكثر من تسعة ملايين برميل يومياً، مضيفاً أن احتساب خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق يرفع التدفقات إلى نحو ثلثي مستويات ما قبل الحرب أو أكثر.

وأضاف رايت لشبكة «سي إن إن»: «لا يزال الإيرانيون يثيرون المشكلات، لكن البحرية الأميركية تحقق النصر في هذه المعركة».

وحسب تحليل لـ«نيويورك تايمز» استناداً إلى سجلات الهجمات المعلنة، تعرضت 23 سفينة على الأقل لهجمات في المضيق خلال يوليو وأغسطس، بينها 12 سفينة في أغسطس مقابل 11 في يوليو. وقتل أربعة بحارة تجاريين خلال هجمات الشهرين.

ورغم استمرار العبور، بقيت تدفقات النفط أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب. وأظهرت بيانات شركة «تانكر تراكرز» أن متوسط ما عبر المضيق خلال الأيام السبعة المنتهية الخميس بلغ 6.7 مليون برميل يومياً، بانخفاض يقارب 60 في المائة عن الأشهر السابقة لاندلاع الحرب في أواخر فبراير (شباط).

وأشارت الصحيفة إلى أن الحماية الأميركية لم تدفع معظم شركات الشحن الخاصة إلى العودة، مع استمرار خطر إصابة السفن وارتفاع كلفة التأمين. وقال مسؤول في قطاع التأمين إن تغطية عبور ناقلة للمضيق خلال الأسبوعين الأخيرين أضافت ما بين 4 و7 في المائة من قيمة السفينة وحمولتها، وقد تتجاوز كلفة تأمين الحرب عشرة ملايين دولار للناقلة الواحدة.

سفن تعبر مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان يوم 6 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقال مسؤول في شركة شحن إن شركته أوقفت مؤقتاً إرسال السفن عبر الخليج مع ازدياد المخاطر، مشيراً إلى أن الهجمات الإيرانية تبدو موجهة إلى غرف المحركات، بما قد يترك الناقلات عالقة حتى إصلاحها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إن الولايات المتحدة «تسيطر بالكامل» على مضيق هرمز، وقلل من أهميته المستقبلية بالنسبة إلى إمدادات الطاقة، مشيراً إلى تطوير خطوط أنابيب ومسارات بديلة.

ولوّح ترمب أيضاً بضرب موقع «جبل الفأس» قرب منشأة نطنز النووية «قريباً جداً» إذا رصدت واشنطن تطورات تثير قلقها.

وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، اتصالين هاتفيين مع نظيريه السعودي والتركي لبحث التطورات في المنطقة والجهود الدبلوماسية، بالتزامن مع استمرار المواجهة البحرية والتحذيرات المتبادلة من توسيع نطاقها.