إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

كتابه عن شعب «ضاقت به الأرض» بنسخة جديدة

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


مقالات ذات صلة

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

رتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جاك لندن

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية…

منى أبو النصر (القاهرة)

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».