لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة لتفادي التفاوض تحت النار

هل أوقف «حزب الله» حملات التهديد لعون بإيعاز من بري؟

دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة لتفادي التفاوض تحت النار

دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

عودة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ليل السبت إلى بيروت، تفتح الباب أمام اختبار مدى استعداد الإدارة الأميركية للتجاوب مع رغبة الرئيس اللبناني جوزيف عون بتمديد الهدنة، التي توصل إليها الرئيس دونالد ترمب، إفساحاً في المجال أمام تحصينها وتثبيتها، لئلا تبقى هشة في ضوء تبادل التهديدات بين إسرائيل و«حزب الله» الذي أعلن استعداده ميدانياً للرد على خروقها لوقف النار.

وهذا يفسر طلب نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي من النازحين الذين جابوا البلدات الجنوبية لتفقد منازلهم بـ«إخلائها فوراً والعودة إلى الأماكن التي نزحوا إليها».

قلق الجنوبيين

تبادل التهديدات بين إسرائيل و«حزب الله» يُقلق الجنوبيين وعون الذي لا يزال مطمئناً للأجواء الإيجابية التي سادت اتصاله بترمب، وهو يأمل التجاوب مع رغبته في تمديد الهدنة؛ استعداداً للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، على أن تستضيفها واشنطن، شرط أن تقطع الطريق، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، على إقحام الجنوب في دورة جديدة من المواجهة لا تخدم التحضيرات لإعداد الورقة اللبنانية التي على أساسها ستنطلق المفاوضات في أجواء هادئة، لئلا تُعقد تحت ضغط النار في حال تجددت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل.

وكشف المصدر الوزاري أن طلب لبنان تمديد الهدنة تحضيراً لبدء المفاوضات تصدّر اجتماع عون برئيس الحكومة نواف سلام، إذ سمع منه كلاماً يطمئنه لاتصاله بترمب الذي ضغط على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وانتزع منه موافقته على وقف النار لمدة 10 أيام من دون أن يعود إلى المجلس الوزاري المصغر (الكابينت).

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري (الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن عون وسلام توقفا أمام ردود الفعل على ما تضمنته كلمة عون في مخاطبته اللبنانيين مع بدء سريان الهدنة، واستغربا حملات التخوين والتهديد التي طاولته وانحصرت بقيادات «حزب الله». وقال المصدر: «إنهم أخطأوا بإصدارهم الأحكام المسبقة على النيات من دون أن يأخذوا في الاعتبار ما تضمّنته خريطة الطريق التي رسم عناوينها مع الاستعداد لبدء المفاوضات».

وأكد المصدر أن مصارحة عون للبنانيين باستعداده للذهاب إلى «حيثما كان لتحرير بلدهم وخلاص أهله» حضرت في لقاء الرئيسين، وتبين أن «حزب الله» استعجل في تصويبه على عون في حملات متسرعة من دون وقوفه على ما يقصده باستعداده لدق أبواب المجتمعَيْن العربي والدولي لتأكيد ثباتهما على موقفهما بدعم لبنان لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي بوصف ذلك شرطاً لبسط سيادته على أراضيه كافة.

لقاء عون - نتنياهو غير مطروح قريباً

وتبين، حسب المصدر، أن «حزب الله» لم يكن مضطراً لتفسير ما قصده عون، في هذا الخصوص، وكأنه ذاهب للقاء نتنياهو مع بدء المفاوضات، بخلاف مضيّه في استنفار أصدقاء لبنان لدعم موقفه، مؤكداً أن الاجتماع (بين عون ونتنياهو) ليس مطروحاً في المدى المنظور، وهذا ما تم التوافق عليه، وبالتالي لم يكن الحزب مضطراً لحرق المراحل بإصداره الأحكام، وكأن اللقاء حاصل بين ليلة وضحاها.

ورأى المصدر أن هذا اللقاء ليس مطروحاً، وأن ترمب أبدى تفهماً لوجهة نظر عون، وقال إن حصوله يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق لا غبار عليه، بالمفهوم السياسي للكلمة، وأنه لا مانع من أن يرعاه ترمب شخصياً بصفته الضامن بإصرار عون على الثوابت اللبنانية التي لن يحيد عنها كون ذلك أساساً للتوصل إلى اتفاق بكفالة أميركية.

سيارات تعبر جسر القاسمية في رحلة العودة من مواقع النزوح إلى جنوب لبنان (رويترز)

وسأل المصدر الحزب ما إذا كان يعترض على الثوابت التي ركّز عليها عون في مخاطبته اللبنانيين؟ وهل لديه من بديل عن المفاوضات بعد أن جرب الحل العسكري الذي ترتب عليه إلحاق الويلات بالبلد على المستويين البشري والمادي؟ وبالتالي على أي أساس وافق الحزب على وقف النار؟ وهل يأتي في سياق استعداده في الميدان ظناً منه بأن كلمة الفصل تبقى له، مع أن إسناده لغزة وإيران أقحم البلد في مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج، وهذا ما يستدعي من لبنان تكثيف اتصالاته لمنع تجدد الحرب؟

لا تفريط بالثوابت الوطنية

ومع أن المصدر لم يستبعد احتمال تجدد اللقاء بين سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، تحضيراً لبدء المفاوضات التي يبقى مصيرها معلقاً على ضوء أخضر أميركي يعود لترمب تحديده أو من ينتدبه لتمثيله في الجلسة الافتتاحية، أكد في المقابل أنه لا تفريط بالثوابت اللبنانية. وسأل ما المانع من إعطاء لبنان فرصة لعله يسترد حقوقه بدلاً من إقحامه في مغامرة عسكرية غير محسوبة؟

وأكد أن حملات التخوين والتهديد لعون التي يتزعمها عدد من مسؤولي «حزب الله» المصنفين على خانة «الصقور»، جاءت لعدم شكره إيران على جهودها لوقف النار. وقال إنهم أرادوا تسديد فاتورة سياسية من الجيب اللبناني للقيادة الإيرانية، بذريعة أنها كانت وراء التوصل للهدنة بربطها وقف النار بالتزامن على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.

وكشف أن مسؤولي الحزب ممن استهدفوا عون لم يكونوا مرتاحين لمخاطبته اللبنانيين بقوله: «نحن من يفاوض عن أنفسنا ونقرر عن أنفسنا ماذا نريد، ولا مكان بعد الآن لحروب الآخرين على أرضنا»، وكانت هذه التصريحات وراء تصاعد وتيرة التهديد والتخوين بذريعة أن الوسيط الباكستاني كان أبلغ الوفد الأميركي المفاوض برفض الحكومة اللبنانية وحدة المسار والمصير مع إيران. وهذا ما دفع بقيادة «الحرس الثوري»، بعد أن أحيطت علماً بالتوجه اللبناني، إلى تنظيم حملة إعلامية وسياسية تولاها الحزب، وشارك فيها «جيشه الإلكتروني» عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

بري يعارض المفاوضات المباشرة

وتطرق المصدر إلى معارضة رئيس المجلس النيابي نبيه بري للمفاوضات المباشرة وتحفّظه على بدئها، وقال إن موقفه في هذا الخصوص ليس بجديد، لكنه لم يؤد لانقطاعه عن التواصل مع عون من موقع الاختلاف حيال المفاوضات، بخلاف الحزب الغائب عن أي تواصل مع الرئاسة الأولى التي أبدت في حينها انزعاجها من تفلُّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهّده بعدم تدخله إسناداً لإيران.

نازح إلى مدينة صيدا في جنوب لبنان يعانق صديقاً له بعد العودة إلى مدينة النبطية (رويترز)

ولفت إلى أن معارضة بري للمفاوضات تبقى جائزة ولها أسبابها ودوافعها، من وجهة نظر مصدر نيابي بارز كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، لكنه ليس طرفاً في السجال الناري الدائر بين الحزب وعون في ضوء تهديده، على لسان مسؤول الموارد في الحزب، قبل أن يدلو قماطي بدلوه في هذا الخصوص.

بيان قاسم

وفي هذا السياق، فوجئ المصدر الوزاري بالبيان الذي أصدره قاسم ودعا فيه إلى «أقصى التعاون بفتح صفحة جديدة مع السلطة مبنية على تحقيق سيادة وطننا». وسأله لماذا تأخر في إصداره؟ وهل كان مضطراً لتصويب الحملات على عون من قبل أبرز قيادييه؟ ألم يكن في غنى عنها بدعوته لفتح صفحة جديدة جاءت مباشرة بعد القصف السياسي لقماطي على عون، وتهديده بالرد على الخروق بالطلب من النازحين عدم العودة إلى قراهم والبقاء في أماكن نزوحهم؟

كما سأل عن الأسباب التي استدعت قاسم للتوجه للسلطة بموقف يدعو للتعاون، ألا يدل ذلك عن تعدد الآراء داخل الحزب نتيجة للإرباك السياسي الذي يتخبط فيه، وإلا لماذا حرص على طي صفحة التخوين والإدانة واستعاض عنها بالتعاون بعد انقطاع بينهما؟

وهل جاءت دعوته بتدخل من بري، وإن كان نواب كتلته يرفضون التعليق ويكتفون بالصمت، مع أنه، أي بري، هو في عداد الرافضين للمفاوضات المباشرة لكنه يحرص على تبديد أجواء الاحتقان لئلا تنعكس سلباً على الداخل اللبناني، وأن يبقى التباين نقطة خلافية يُترك للوقت قول كلمته فيها، لعل المفاوضات تؤدي، بضمانة أميركية، إلى ما يرضي اللبنانيين بتحرير أرضهم وانسحاب إسرائيل منها؟

فبري اكتفى بتسجيل موقف اعتراضي على المفاوضات دون تصويبه على عون الذي انسحب على نواب كتلته ومسؤولي «أمل» الذين نأوا بأنفسهم عن الانخراط في حملات التخوين والتهديد وأبقوا على الباب مفتوحاً للتشاور بين الرئيسين لعلهما يتوصلان إلى قواسم مشتركة، من موقع الاختلاف، من شأنها أن تؤدي لتبديد ما لديهم من مخاوف يشاركه فيها السواد الأعظم من الشيعة.

كلمة سلام للأوروبيين

وإلى أن يحين موعد بدء المفاوضات، فإن الحكومة لم تستبعد أن تكون طويلة المدى ما لم يتدخل الراعي الأميركي بالضغط على إسرائيل لإخراجها من التجاذبات بالتوصل لاتفاق يستعيد فيه لبنان سيطرته بالكامل حتى حدوده الدولية معها.

وهذا ما سيركز عليه رئيسها نواف سلام في الخطاب الذي سيلقيه في مؤتمر رؤساء الوزراء الأوروبيين، في لوكسمبورغ، مشدداً على أهمية الدعم الأوروبي للبنان بإصراره على حصرية السلاح بيد الدولة وموقفه بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، وتمسك لبنان ببقاء قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل» في جنوبه بمؤازرة الجيش اللبناني لتطبيق القرار «1701»، مستنكراً الاعتداء الذي أدى إلى مقتل جندي فرنسي وجرح 3 آخرين، خصوصاً أن الاتهامات تحمّل «حزب الله» مسؤولية مقتله ما يشكل إحراجاً له، إذ كيف يجمع بين مطالبته بانسحاب إسرائيل وتهديده لـ«اليونيفيل» وتحريضه على دورها؟


مقالات ذات صلة

ترحيب لبناني بإلغاء ترمب القيود على النقل الجوي مع بيروت

المشرق العربي إحدى طائرات «الميدل إيست» في مطار بيروت (شاترستوك)

ترحيب لبناني بإلغاء ترمب القيود على النقل الجوي مع بيروت

رحَّب لبنان بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب القاضي بإلغاء القرارات الرئاسية الأميركية التي تفرض قيوداً على النقل الجوي مع لبنان.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ب)

واشنطن تلاحق قنوات التمويل البديلة لـ«حزب الله»

تركّز الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الراهن على ملاحقة قنوات التمويل البديلة التي لجأ إليها «حزب الله» في أعقاب تشديد العقوبات المالية المفروضة عليه.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي مركبة تابعة للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

6 جرحى في هجوم إسرائيلي بشمال شرقي لبنان

أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن هجوماً إسرائيلياً وقع، الجمعة، في شمال شرقي البلاد، بالقرب من الحدود السورية، أسفر عن إصابة ستة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: «إننا نعمل على مسارات مترابطة» تتمثل في «استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

الجيش اللبناني يحبط محاولتي تهريب متفجرات من سوريا ومخدرات إليها

أحبط الجيش اللبناني عمليتين منفصلتين بين لبنان وسوريا لتهريب مخدرات وقذائف ومتفجرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأمن السوري يكثّف عملياته ضد «داعش» بالتوازي مع ملاحقة «الفلول»

جانب من الاعتقالات التي جرت في مصياف (مراسل الأمن في حماة)
جانب من الاعتقالات التي جرت في مصياف (مراسل الأمن في حماة)
TT

الأمن السوري يكثّف عملياته ضد «داعش» بالتوازي مع ملاحقة «الفلول»

جانب من الاعتقالات التي جرت في مصياف (مراسل الأمن في حماة)
جانب من الاعتقالات التي جرت في مصياف (مراسل الأمن في حماة)

كثفت السلطات الأمنية السورية عملياتها ضد خلايا تنظيم «داعش» الإرهابي، وذلك في إطار التحقيقات التي أعقبت الهجوم على حافلة تقل مدنيين على جسر مصياف وسط البلد في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وخلال أقل من أسبوع، أُعلن عن تفكيك خلية لـ«داعش» في ريف حمص، عقب توقيف المسؤول العسكري للتنظيم فيما يسمى «ولاية حمص»، وذلك بالتوازي مع مواصلة ملاحقة فلول النظام السابق ضمن سياق العدالة الانتقالية، وتوقيف سبعة من المتهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق المدنيين.

أدوات ومواد معدة للتفجير ضبطتها قوى الأمن مع أحد عناصر «داعش» في ريف حمص (صفحة مراسل الأمن في حمص)

وبعد حملة مداهمات في منطقة الحولة بريف حمص الشمالي «تمكنت قوى الأمن الداخلي، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، من تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم (داعش)، وإحباط مخططات إرهابية كانت تستهدف دور العبادة ودوريات لقوى الأمن الداخلي»، بحسب بيان نشرته قوى الأمن الداخلي عبر معرفاتها الرسمية.

وأسفرت العملية عن توقيف اثنين من أفراد الخلية، وضبط عبوتين ناسفتين كانتا معدّتين للاستخدام في تنفيذ أعمال إرهابية، وأشار البيان إلى أن التحقيقات الأولية أظهرت تولي الموقوفَين «مهام استلام ونقل العبوات المتفجرة لصالح التنظيم، إلى جانب مهام رصد دور العبادة ودوريات الأمن الداخلي، ضمن مخططات تخريبية تهدف إلى إثارة الفتن وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى «تورط أحد أفراد الخلية في محاولة تفخيخ سكة للقطار حيث أُلقي القبض عليه بالجرم المشهود في أثناء محاولته زرع العبوة».

وتواصل الجهات المختصة تحقيقاتها لكشف وملاحقة كامل أفراد الخلية، والوقوف على ارتباطاتها، وأبعاد نشاطها تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين، وفق البيان.

صورة نشرتها وزارة الداخلية السورية تظهر خالد رائد بيروني (أبو حسن دوشكا) القيادي في «داعش» (الداخلية السورية)

جاء ذلك بعد نحو ثلاثة أيام من إعلان وزارة الداخلية توقيف خالد رائد بيروني، الملقب بـ«أبو حسن دوشكا»، خلال عملية أمنية في بلدة حجيرة بريف دمشق. ووصفت الموقوف بأنه «الذراع التنفيذي في تنظيم (داعش) الإرهابي بحمص»، موضحة أن المعطيات الأمنية والتحقيقات الجارية أظهرت أنه شغل منصب القائد «العسكري العام للتنظيم في ولاية حمص».

والبيروني متهم بـ«التخطيط والإشراف على تنفيذ عدد من الأعمال الإرهابية» في مدينة حمص، شملت تجهيز واستخدام العبوات الناسفة، وتنفيذ «اعتداءات ذات طابع طائفي»، أبرزها تفجير مسجد للطائفة العلوية بحمص أودى بحياة 8 أشخاص أواخر عام 2025.

وشنت السلطات الأمنية حملة ملاحقة واعتقالات في إطار التحقيق في الهجوم الذي استهدف في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي حافلة نقل عمال قرب «جسر تحويلة مصياف» (على الطريق الواصل بين مصياف وحمص)، وأسفر عن مقتل 7 مدنيين.

ورغم اندحار تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، فإنه لم ينتهِ تماماً، وما تزال خلاياه الصغيرة تشكل تحدياً أمنياً بقدرتها على التنقل بين المناطق السورية، وتنفيذ عمليات محدودة، مستغلة الثغرات الميدانية والوضع الأمني الهش، وحالة الانفلات الأمني في المناطق البعيدة عن مراكز المدن.

وقدم التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تعهدات والتزامات مالية تتجاوز 75 مليون دولار لدعم سوريا في جهود مكافحة الإرهاب والتعامل مع مخلفات التنظيم، وخصص جزءاً منها لسد الثغرات الأمنية ومساندة العمليات الاستباقية لتفكيك خلايا التنظيم الكامنة.

وقالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية السبت، إن جندياً في الجيش العربي السوري تُوفي متأثراً بجراحه إثر تعرضه لإطلاق نار مساء الثلاثاء الماضي من قبل مجهولين في بلدة بقرص في ريف دير الزور الشرقي، وفق قناة «الإخبارية السورية» الرسمية.

عناصر أمنية خلال الحملة في مصياف (مراسل الأمن في حماة)

كما تعرضت إحدى دوريات الضابطة الجمركية لإطلاق نار من قبل مجهولين بالقرب من «جسر إزرع» في محافظة درعا أثناء مرافقتها قافلة ترانزيت، ما أسفر عن إصابة اثنين من عناصر الدورية، بحسب بيان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك فجر السبت.

وفي سياق أمني موازٍ، جرى خلال اليومين الماضيين توقيف سبعة من فلول النظام السابق في مصياف بريف حماة، من المتهمين بارتكاب جرائم ومجازر وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وجاء في بيان لقوى الأمن الداخلي أن «الموقوفَين نبيل عدنان إسماعيل وغازي محمد إسماعيل عملا كقادة مجموعات ضمن ميليشيات المخابرات الجوية السابقة، وهما متورطان بارتكاب جرائم خطف ونهب ومجازر مروعة بحق الأهالي، أبرزها المشاركة المباشرة في أحداث قرية عقرب، إضافة إلى تنفيذ عمليات خطف وابتزاز مالي طالت عدداً من المدنيين».

من الحملة الأمنية في مصياف (صفحة الأمن في حماة)

كما يواجه الشقيقان الموقوفان طاهر يوسف المحمد وطلال يوسف المحمد، اللذان خدما في إدارة المخابرات الجوية و«مركز الدراسات والبحوث العلمية»، اتهامات بـ«ارتكاب أعمال قمع واعتقال، واستغلال مواقعهما الوظيفية للوصول إلى ملفات المعتقلين وابتزاز ذويهم».

ومن الموقوفين أيضاً فيصل بدور، الملقب بـ«فرخ النمر» لشدة تنكيله بالمدنيين، وكان متطوعاً منذ 2012 في ميليشيات مسلحة شاركت في عمليات عسكرية لقوات النظام السابق في ريفَي حماة وحلب، بالإضافة إلى آصف سلامة، المتطوع بصفة «مساعد» في معامل الدفاع حتى عام 2018.

وسبق ذلك توقيف شاهين حمدان الشاهين أحد مؤسسي ميليشيا «فوج الشواهين» الذي عمل مع المخابرات الجوية، والمتهم بارتكاب مجازر بحق المدنيين، أبرزها في ريف حماة الشرقي وعلى طريق أثريا - الرقة خلال عام 2017. وارتكبت مجموعته، تحت قيادته، جرائم قتل واعتقال وتعذيب وتخريب في مدينة تدمر ومحافظة دير الزور حتى عام 2019.


غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)
خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)
TT

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)
خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

قُتل 7 فلسطينيين، السبت، بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر، الذي جرى توسيعه في الأيام الأخيرة على أطراف دير البلح وسط القطاع.

وأدت غارة جوية نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية، ظهر السبت، لمقتل 4 فلسطينيين، وإصابة 7 بعضهم بجروح وُصفت بالخطيرة بعد استهداف مجموعة من الشبان على مدخل منزل سكني في منطقة دوار حيدر عبد الشافي، غرب مدينة غزة، المكتظة بالنازحين.

فلسطينيون تجمعوا للحصول على مياه عذبة من صهريج في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (أ.ب)

وعُرف من بين بعض الضحايا نشطاء من حركة «حماس» نازحون من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ويقطنون في تلك المنطقة.

وسبق ذلك بدقائق معدودة، غارة أخرى استهدفت 3 فلسطينيين في أثناء سيرهم على الأقدام في شارع يافا شرق مدينة غزة؛ ما أدى لمقتل أحدهم، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة. بينما أصيب شاب وسيدة بجروح بالغة في غارة ثالثة استهدفتهما في شارع النفق شرق المدينة أيضاً.

بينما قُتلت في وقت مبكر من صباح السبت، الطفلة شهد النجار (7 أعوام)، إثر إطلاق نار من طائرة مسيّرة إسرائيلية «كواد كابتر» اتجاه خيام النازحين في منطقة الجوازات غرب مدينة غزة. بينما أعلن عن وفاة فلسطيني متأثراً بجروحه الخطيرة التي أصيب بها، مساء الجمعة، إثر غارة جوية استهدفت خيمة كان بداخلها في منطقة مواصي خان يونس، جنوب القطاع.

فلسطينية تحصل على وجبة طعام ساخنة في مطبخ خيري بخان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، فإن أكثر من 1486 فلسطينياً قُتلوا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بينما أصيب أكثر من 5200. بينما بلغت الحصيلة التراكمية منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر 2023، أكثر من 74370 قتيلاً، وأكثر من 175371 مصاباً.

وأصيب 3 فلسطينيين على الأقل، السبت، بجروح إثر إطلاق نار متفرق طال خياماً للنازحين في محيط الخط الأصفر بمدينتي غزة وخان يونس. بينما أصيبت سيدة رابعة في إطلاق نار تجاهها بقدميها داخل منطقة الخط الأصفر شرق خان يونس، حيث سمح بتنسيق طبي خاص لانتشالها ونقلها للعلاج في مستشفيات غزة، بينما أصيبت سيدة خامسة بإطلاق نار استهدفها في منطقة مماثلة ببلدة بيت لاهيا.

ولم تتوقف المدفعية الإسرائيلية عن استهداف مناطق حيي الزيتون والشجاعية؛ ما تَسَبَّبَ في تناثر شظاياها قرب خيام النازحين في تلك المناطق.

أفراد عائلة فلسطينية يتشاركون الطعام الذي حصلوا عليه من من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (أ.ف.ب)

وشهدت المناطق الشرقية لدير البلح في الأيام الأخيرة توسيعاً للخط الأصفر، وسط عمليات تجريف وتوغلات مستمرة من قبل القوات الإسرائيلية، بينما أجبرت عائلات كانت منازلها سليمة على مغادرة المنطقة بعدما اقتحمت عناصر من العصابات المسلحة منازلها، وطلبت منها الإخلاء بأوامر من الجيش الإسرائيلي.

وأعلنت عائلتان فلسطينيتان في بيانين منفصلين، السبت والخميس، عن مقتل اثنين من أبنائهما بعد محاولتهما العودة من مناطق العصابات المسلحة، التي انضموا إليها مؤخراً في ظروف لم تتضح، إلى عوائلهما في خان يونس، وذلك بعد أن استهدفتهما طائرة مسيّرة إسرائيلية.

وقالت إحدى العائلات إن نجلها اختطف إلى جانب شبان آخرين، من قبل شخص ادعى أنه يريدهم للعمل في بركس بدير البلح، قبل أن يختطفهم لمناطق العصابات المسلحة، وفي أثناء محاولته الفرار مع شخص آخر تم قتلهما من قبل طائرة إسرائيلية.


هدوء سياسي نسبي لا يخفي ركود أسواق العراق

موظفون يسيرون خارج مقر البنك المركزي العراقي في بغداد (رويترز)
موظفون يسيرون خارج مقر البنك المركزي العراقي في بغداد (رويترز)
TT

هدوء سياسي نسبي لا يخفي ركود أسواق العراق

موظفون يسيرون خارج مقر البنك المركزي العراقي في بغداد (رويترز)
موظفون يسيرون خارج مقر البنك المركزي العراقي في بغداد (رويترز)

تواصل السلطات العراقية محاولاتها لاحتواء تداعيات خفض قيمة الدينار أمام الدولار، بما فيها ردود الفعل السياسية الغاضبة والتراجع الحاد في النشاط التجاري، فيما دعا فصيل مسلح المحكمة الاتحادية التدخل بنقض القرار.

ودعا مسؤولون، السبت، إلى دعم ما وصف بـ«الإصلاحات الاقتصادية» للحكومة. وقال رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، في بيان صحافي، إن قرار تغيير سعر الصرف «لا رجعة عنه».

وحاول مسؤولون في مكتب رئيس الحكومة، علي الزيدي، التخفيف من وطأة القرار. وقال مظهر محمد صالح وهو مستشار مالي لدى الحكومة، إن الحكومة تعمل على «ضبط الأسواق، والحد من ارتفاع الأسعار غير المبرر، ومواجهة الاحتكار والمضاربة واستغلال حاجة المواطنين إلى المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية»، وفق الوكالة الرسمية.

سياسياً، دعت كتلة «حقوق» الجناح النيابي لفصيل «كتائب حزب الله» في البرلمان، السبت، من أطلقت عليهم «المتضررين» من قرار تغيير سعر صرف الدولار إلى تقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية، ورفض قرار حكومة علي الزيدي رفع سعر العملة الأميركية مقابل الدينار.

وقال رئيس الكتلة، سعود الساعدي، خلال مؤتمر صحافي إن المشكلة تكمن في سوء الإدارة، وعدم وجود محاربة حقيقية للفساد، محمّلاً الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 مسؤولية ذلك.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال جلسة منح الثقة لحكومته في مايو 2026 (واع)

تكيّف الأسواق

مع ذلك، أفادت تقارير صحافية بأن الأسواق العراقية بدأت تتكيف جزئياً مع قرار خفض قيمة الدينار أمام الدولار الأميركي، إلا أن سعر الصرف في السوق الموازية لا يزال مرتفعاً، ما ينعكس سلباً على حركة التعاملات التجارية اليومية.

ورغم الإجراءات الحكومية الرامية إلى كبح ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية، لا يزال الدولار يُباع بنحو 1630 ديناراً، بفارق يتجاوز 100 دينار عن السعر الرسمي الذي حددته الحكومة عند 1520 ديناراً للدولار.

وأبلغ تجار في سوق الشورجة المركزي للجملة، وسط بغداد، «الشرق الأوسط» باستمرار الركود والاضطراب في حركة السوق، في ظل إحجام عن البيع والشراء، لكنهم أبدوا تفاؤلاً حذراً بإمكان تحسن الأوضاع إذا تمكن البنك المركزي من تمويل الحوالات التجارية بانتظام ومن دون عراقيل.

لكن هناك توقعات بأن يتوقف سعر الصرف في السوق الموازية عند حاجز 1560 ديناراً للدولار، أي بفارق بسيط عن السعر الرسمي، في حال استمرت الحكومة في إجراءاتها الرامية إلى إعادة التوازن والاستقرار إلى الأسواق.

وفي تحرك لضبط أسعار الصرف المرتفعة، دعا البنك المركزي العراقي، السبت، الشركات والتجار الذين كانت حوالاتهم الخاصة بتمويل الاستيرادات مستحقة التنفيذ قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، إلى مراجعة مصارفهم والتأكد من تنفيذها.

وقال «المركزي» في بيان إنه «يتابع العمليات المصرفية المنفذة قبل تعديل سعر الصرف وبعده، ويتحقق من التزام المصارف بالتعليمات والضوابط النافذة، بما يضمن حماية حقوق التجار والزبائن»، مؤكداً «متابعة أي تأخير والتحقق من عدم تحميل التجار فروقات سعر الصرف عن الحوالات التي ثبت شراؤها وتغطيتها بالسعر السابق».

وكان رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، قد دافع عن قرار تغيير سعر صرف الدولار، قائلاً إن الحكومة اتخذته في ظل أزمة مالية تفاقمت بسبب انقطاع صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز، في حين أثار القرار انتقادات من نواب وخبراء اقتصاديين، وسط مخاوف من تأثيره على القدرة الشرائية للمواطنين.

صرَّاف عملات يعدّ رزماً من الدينار العراقي لأحد الزبائن على جانب الطريق في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 (أ.ب)

«موازنة رفاهية»

ويواصل مختصون في الشأن الاقتصادي انتقاداتهم للحكومة، لا سيما بشأن المبلغ الضخم الذي أوردته في مسودة مشروع الموازنة المالية لعام 2027. ووصف الخبير الاقتصادي، زياد الهاشمي، الموازنة بأنها «موازنة رفاهية» وليست تقشفية، مشيراً إلى أن الحكومة «توسعت في الإنفاق برقم تاريخي وصل إلى 217 تريليون دينار، دون تخفيض حقيقي لأبواب الصرف».

وقال الهاشمي لـ«الشرق الأوسط» إن «التوسع في الإنفاق في ظل تذبذب حجم الإيرادات العراقية قلّل الخيارات المتاحة أمام الحكومة للتعامل مع هذه الأزمة»، مبيناً أن «التوسع في الإنفاق يتطلب خلق موارد مالية جديدة لتمويله، لكن ذلك لم يحصل إلا من خلال تخفيض قيمة الدينار، وهي إحدى الأدوات التي تحقق منفعة مالية محدودة للحكومة وعلى المدى القصير، في حين تفرض ضغوطاً على الطبقة الفقيرة».

ورأى الهاشمي أنه «كان الأولى بالحكومة أن تتخذ حزمة من الإجراءات لضبط الإنفاق، من خلال تدابير مختلفة».

رقابة إعلامية

في المقابل، دخلت هيئة الإعلام والاتصالات المسؤولة عن تنظيم ورقابة الإعلام والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على خط أزمة الدينار، وسعي الحكومة إلى مواجهة تداعياتها؛ حيث أصدرت الهيئة تعميماً بشأن التغطية المسؤولة للمستجدات الاقتصادية وتعديل سعر الصرف، مشددة على «نقل الحقائق وتوعية المواطن بما يعينه على تجاوز هذه المرحلة، باعتماد الدقة في كل ما ينشر ويبث بشأن سعر الصرف والأسواق والرواتب، والتحقق منه من مصادره المختصة قبل النشر».

وشددت الهيئة على «تجنّب العناوين المثيرة والابتعاد عن التهويل والتهوين على حد سواء، لما قد يترتب عليهما من إضعاف ثقة الجمهور».

وتواجه الهيئة انتقادات من إعلاميين وناشطين، على خلفية تهم تتعلق بـ«التحيز السياسي ومحاولة قمع الحريات العامة، وتقييد الوصول إلى المعلومات»، وهو أمر لطالما نفته الهيئة.