كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب وعقود الغاز المسال

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


مقالات ذات صلة

النفط يرتفع أكثر من 5 % وسط تصاعد التوترات بين أميركا وإيران

الاقتصاد وصول أسعار خام برنت إلى 95 دولاراً للبرميل (رويترز)

النفط يرتفع أكثر من 5 % وسط تصاعد التوترات بين أميركا وإيران

ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات جلسة يوم الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، بعد أن أعلنت إيران تعليق جميع عمليات تبادل الرسائل مع واشنطن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حفارات تعمل في حقل للنفط والغاز بكازاخستان (رويترز)

كازاخستان تعلن عودة إنتاج النفط إلى 2.17 مليون برميل يومياً

قال يرلان أكينجينوف، وزير الطاقة في كازاخستان، إن بلاده أعادت إنتاجها النفطي إلى 290 ألف طن يومياً بعد خسائر إنتاج في حقل «تنغيز»، الأكبر في البلاد.

«الشرق الأوسط» (باكو)
الاقتصاد سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

شركات شحن تدعو لقواعد واضحة قبل استئناف الملاحة في مضيق هرمز

قال مسؤولون تنفيذيون في قطاع الشحن البحري إن أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه بين أميركا وإيران يجب أن يتضمن قواعد واضحة تسمح للسفن باستئناف نشاطها عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مسافرون يمرون عبر نقاط التفتيش الأمني ​​في مطار واشنطن دالاس الدولي (أ.ف.ب)

«إياتا»: الحرب تهبط بالطلب العالمي على السفر الجوي 3.4 % في أبريل

أعلن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) أن تداعيات الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط ألقت بظلال قاتمة على حركة الطيران العالمي خلال شهر أبريل (نيسان) 2026.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الاقتصاد منصات نفط في بحر الشمال بالنرويج (رويترز)

نزاع الأجور يدفع عمال نفط بالنرويج للإضراب في 5 يونيو

أظهرت بيانات نقابية عمالية أن 8 في المائة من عمال النفط والغاز البحريين النرويجيين يعتزمون الإضراب ابتداءً من 5 يونيو (حزيران) في حال فشل الوساطة الحكومية بشأن

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

النفط يرتفع أكثر من 5 % وسط تصاعد التوترات بين أميركا وإيران

وصول أسعار خام برنت إلى 95 دولاراً للبرميل (رويترز)
وصول أسعار خام برنت إلى 95 دولاراً للبرميل (رويترز)
TT

النفط يرتفع أكثر من 5 % وسط تصاعد التوترات بين أميركا وإيران

وصول أسعار خام برنت إلى 95 دولاراً للبرميل (رويترز)
وصول أسعار خام برنت إلى 95 دولاراً للبرميل (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات جلسة يوم الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، بعد أن أعلنت إيران تعليق جميع عمليات تبادل الرسائل مع واشنطن، عقب أيام من المحادثات غير الحاسمة لإنهاء الحرب، وتبادلت الدولتان الضربات مجدداً.

وفي نحو الساعة 13:30 بتوقيت غرينتش، ارتفع سعر خام برنت تسليم أغسطس بنسبة 4.9 في المائة ليصل إلى 95.60 دولار للبرميل، بعد أن تجاوز لمدة وجيزة نسبة 5 في المائة. أما خام غرب تكساس الوسيط تسليم يوليو (تموز)، فقد ارتفع بنسبة 5.9 في المائة ليصل إلى 92.55 دولار.


تباطؤ نمو المصانع في اليابان مع ارتفاع ضغوط التكاليف

علم اليابان يرفرف أمام حاويات في ميناء العاصمة طوكيو (رويترز)
علم اليابان يرفرف أمام حاويات في ميناء العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

تباطؤ نمو المصانع في اليابان مع ارتفاع ضغوط التكاليف

علم اليابان يرفرف أمام حاويات في ميناء العاصمة طوكيو (رويترز)
علم اليابان يرفرف أمام حاويات في ميناء العاصمة طوكيو (رويترز)

أظهر مسح خاص نُشر، يوم الاثنين، أن قطاع التصنيع الياباني شهد تباطؤاً طفيفاً في مايو (أيار)، حيث قابلت الزيادة القياسية في طلبات التصدير ارتفاعاً حاداً في التكاليف نتيجةً لحرب الشرق الأوسط، وتضخم الإنتاج بسبب التخزين.

وبلغ مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الياباني النهائي الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» 54.5 نقطة في مايو، منخفضاً عن أعلى مستوى له في أكثر من أربع سنوات والذي سجله في أبريل (نيسان) عند 55.1 نقطة، وهو مستوى القراءة الأولية. ويشير مؤشر مديري المشتريات الذي يزيد على 50.0 نقطة إلى التوسع، بينما يشير ما دونه إلى الانكماش.

ومن بين المؤشرات الفرعية لمؤشر مديري المشتريات، ارتفع إنتاج المصانع للشهر الخامس على التوالي، على الرغم من تباطؤ وتيرة التوسع مقارنةً بشهر أبريل. وعزا بعض المشاركين في المسح مكاسب الإنتاج ليس فقط إلى زيادة المبيعات، بل أيضاً إلى الجهود المبذولة لزيادة مستويات المخزون. ومن بين المؤشرات الفرعية لمؤشر مديري المشتريات، ارتفع إنتاج المصانع للشهر الخامس على التوالي، على الرغم من تباطؤ وتيرة التوسع مقارنةً بشهر أبريل. وعزا بعض المشاركين مكاسب الإنتاج ليس فقط إلى زيادة المبيعات، بل أيضاً إلى الجهود المبذولة لزيادة مستويات المخزون.

وقالت أنابيل فيدز، المديرة المساعدة للشؤون الاقتصادية في «إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس» إن «فترة التوسع الحالية مدفوعة جزئياً بتكوين المخزونات لدى المصنّعين وعملائهم، حيث سعت الشركات إلى التحوّط من نقص المنتجات وتخفيف مخاطر تقلبات الأسعار الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط... كما شهدت الطلبات الجديدة نمواً أبطأ، إلا أن أعمال التصدير الجديدة نمت بأسرع وتيرة منذ مايو 2021، مع تحسّن الطلب العالمي، لا سيما في الولايات المتحدة وأجزاء أخرى من آسيا».

وقفزت تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة منذ سبتمبر (أيلول) 2022، مدفوعة بارتفاع أسعار المواد الخام وسط الحرب الإيرانية. كما سجلت أسعار البيع أعلى مستوياتها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022. وتحسنت ثقة قطاع الأعمال للعام المقبل مقارنةً بشهر أبريل، حين سجلت أدنى مستوياتها منذ فرض الرسوم الجمركية في أبريل 2025. وقالت فيدس: «على الرغم من أن المصنّعين يتوقعون عموماً تحقيق مزيد من المكاسب من النمو القوي في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات، فإن ارتفاع التكاليف وضعف الأوضاع الاقتصادية العالمية قد يشكلان عائقاً في الأشهر المقبلة».

• مكافحة الإغراق

وفي سياق منفصل، أعلنت وزارتا التجارة والمالية اليابانيتان، الاثنين، عن بدء تحقيق لمكافحة الإغراق بشأن لفائف وصفائح وشرائح الفولاذ المدلفن على البارد من كوريا الجنوبية والصين وتايوان. وذكرت الوزارتان أن هذا التحقيق يأتي في أعقاب طلبٍ قُدِّم في فبراير (شباط) الماضي لفرض رسوم مكافحة إغراق على هذه السلع، الذي قدمته كبرى شركات صناعة الصلب اليابانية، وهي: «نيبون ستيل»، و«جيه إف إي ستيل» التابعة لشركة «جيه إف إي هولدينغز»، و«كوبي ستيل».

ووفقاً للوزارتين، تتميز منتجات الفولاذ المدلفن على البارد بسطحها الأملس، وتُستخدم في تطبيقات تصنيعية متنوعة، مثل قطع غيار السيارات والأجهزة المنزلية وحافظات البطاريات. ومن حيث المبدأ، سينتهي التحقيق في غضون عام واحد، وسيساعد الحكومة اليابانية على اتخاذ قرار بشأن فرض رسوم مكافحة الإغراق على البضائع وفقاً للقواعد الدولية بموجب اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، فضلاً عن القوانين المحلية، حسبما أفادت الوزارات.

وصرّح ماسايوكي هيروسي، رئيس اتحاد الحديد والصلب الياباني: «سيتعاون قطاع صناعة الصلب الياباني تعاوناً كاملاً ومناسباً مع التحقيق». وأضاف في بيان نُشر على موقع الاتحاد الإلكتروني: «استجابةً للزيادة الحادة في صادرات الصلب من الصين، والناجمة عن فائض في الطاقة الإنتاجية، لجأ عدد كبير من الدول والمناطق إلى تطبيق تدابير تصحيحية تجارية... وقد باتت الحاجة إلى تدابير تصحيحية تجارية مناسبة ملحة بشكل كبير». وأطلقت اليابان العام الماضي تحقيقات في مكافحة الإغراق بشأن صفائح الفولاذ المقاوم للصدأ من الصين وتايوان، بالإضافة إلى الفولاذ المدلفن بالغمس الساخن من الصين وكوريا الجنوبية.


اتفاق غاز بين تركيا وأذربيجان... وممر كهربائي على غرار «تاناب»

الرئيس الأذربيجاني خلال افتتاحه «أسبوع باكو للطاقة» (إكس)
الرئيس الأذربيجاني خلال افتتاحه «أسبوع باكو للطاقة» (إكس)
TT

اتفاق غاز بين تركيا وأذربيجان... وممر كهربائي على غرار «تاناب»

الرئيس الأذربيجاني خلال افتتاحه «أسبوع باكو للطاقة» (إكس)
الرئيس الأذربيجاني خلال افتتاحه «أسبوع باكو للطاقة» (إكس)

وقّعت تركيا وأذربيجان، يوم الاثنين، اتفاقية استراتيجية طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي، بالتزامن مع إعلان البلدين خطة طموحة لإنشاء ممر إقليمي لنقل الكهرباء والطاقة النظيفة يحاكي نموذج خط أنابيب الغاز العابر للأناضول (تاناب)، في خطوة ترسخ طموح أنقرة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة وتعزيز أمن الإمدادات إلى أوروبا.

بموجب الاتفاقية التي وُقّعت خلال فعاليات «أسبوع باكو للطاقة»، ستضخ شركة الطاقة الحكومية التركية «بوتاش» بالتعاون مع شركة النفط الوطنية الأذربيجانية «سوكار» إجمالي 33 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الأذربيجاني إلى تركيا على مدى 15 عاماً تبدأ من عام 2029.

وأفاد بيان صادر عن وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية بأن الاتفاق جرى بدعم واستثمارات إنتاجية جديدة في حقل «أبشيرون» للغاز في بحر قزوين، بمشاركة «توتال إنرجيز» وشركة أبوظبي الوطنية للنفط.

ويُعد حقل «أبشيرون» (الذي يقع على بُعد 100 كيلومتر جنوب شرقي باكو) أحد أكبر الاكتشافات البحرية لأذربيجان؛ إذ تُقدر احتياطياته بنحو 350 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي و45 مليون طن من المكثفات. ووصفت الوزارة التركية الاتفاق بأنه خطوة حيوية لدعم أمن الطاقة ليس لتركيا فحسب، بل للدول المجاورة والقارة الأوروبية بأكملها.

ممر الكهرباء

على صعيد متصل، كشف وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، أن الشراكة بين أنقرة وباكو تتوسع حالياً لتشمل ممرات الطاقة النظيفة. وأعلن أن تركيا وأذربيجان وجورجيا وبلغاريا ودول جنوب شرقي أوروبا تعمل معاً على تعزيز الربط الإقليمي.

وقال الوزير التركي في كلمته خلال المؤتمر: «سننشئ نسخة كهربائية من خط أنابيب الغاز العابر للأناضول (تاناب)».

ولاستيعاب هذا التحول وربط الشبكات الإقليمية لتبادل فائض الطاقة المتجددة والنووية، تخطط تركيا لتحديث نظام نقل وتوزيع الكهرباء لديها بالكامل، وضخ استثمارات ضخمة تُقدر بنحو 30 مليار دولار على مدى العقد المقبل، مع التركيز على تطوير خطوط النقل مع جارتيها الشرقيتين (جورجيا وأذربيجان) وجارتها الغربية (بلغاريا).

ترمب: تكامل الطاقة ركيزة لسلام المنطقة

وفي تحرك يعكس الأهمية الجيوسياسية البالغة للحدث، بعث الرئيس الأميركي دونالد ترمب برسالة تهنئة إلى نظيره الأذربيجاني إلهام علييف بمناسبة انطلاق «أسبوع باكو للطاقة». وقام بقراءة الرسالة كالب أور، مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الاقتصادية والطاقة والأعمال.

وأكد ترمب في رسالته على التاريخ الطويل من التعاون بين البلدين في قطاع الهيدروكربون، واصفاً الشراكة التأسيسية بين واشنطن وباكو بأنها «ستصبح أكثر أهمية في السنوات المقبلة لضمان أمن الطاقة العالمي». كما شدد على أن الاندماج الإقليمي لقطاع الطاقة يمثل ركيزة أساسية لمخرجات «قمة السلام التاريخية» التي عُقدت في الثامن من أغسطس (آب) وصنعت سلاماً دائماً بين أرمينيا وأذربيجان. من جانبه، أعرب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، خلال استقباله الوفد الأميركي، عن تقديره البالغ لرسالة الرئيس ترمب، مؤكداً أن هذا النهج والشراكة يحظيان بتقدير كبير من باكو.

طاقة «تاناب» غير المستغلة

في سياق تعزيز البنية التحتية القائمة، أشار بيرقدار إلى أن خط أنابيب «تاناب» لا يزال يمتلك سعة كبيرة غير مستغلة، مشدداً على ضرورة تحقيق الاستفادة القصوى من شبكات الأنابيب الحالية.

من جانبه، أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في رسالة وجهها إلى المؤتمر، عمق العلاقات الاستراتيجية، مستشهداً بمشاريع كبرى مثل خط أنابيب النفط «باكو-تبليسي-جيهان»، وخط غاز «باكو-تبليسي-أرزروم»، بالإضافة إلى التعاون في حقول «شاه دينيز» و«أذري-تشيراغ-غونشلي».

ولفت إردوغان إلى أن المرحلة المقبلة تحمل آفاقاً واعدة لنقل الغاز التركماني إلى الأسواق الدولية عبر أذربيجان وتركيا من خلال مشروع «خط أنابيب عبر القزوين» المقترح، قائلاً: «أمامنا فرص مهمة لتطوير تعاوننا في تصدير غاز تركمانستان»، وهو التوجه الذي أكد بيرقدار أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية باتت مستعدة لدعمه وتفعيله لتنويع مصادر الطاقة الأوروبية.