تدخل الحرب السودانية، الأربعاء، عامها الرابع بعد انقضاء ثلاث سنوات من الاقتتال المرير، رسمت ملامح واقع مُعقد عاش خلاله ملايين المواطنين تجارب قاسية لم تقتصر على أرقام ضحايا تُكتب في السجلات، بل انطوت على حكايات يومية من الصمود والمعاناة، وفقد الأحبَّة والبيوت والأحلام البسيطة بحياة آمنة مستقرة.
لم تكن الحرب التي اندلعت بين عشية وضحاها بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، وما زالت مشتعلة في أجزاء واسعة من البلاد، مجرد رصاص طائش أو قصف عشوائي أو طائرات مُسيرة تحمل الموت أو أصوات قذائف وانفجارات عابرة، بل كانت زلزالاً هزّ تفاصيل الحياة اليومية وترك خلفه قصصاً مثقلة بالخوف والفقدان والانكسار.
وتبدو معظم شوارع مدن الخرطوم للناظر كأنها خرجت لتوّها من كابوس طويل لم ينتهِ بعد؛ فالشوارع التي كانت تضج بالحياة صارت هادئة على نحو مقلق مخيف، وآثار الدمار تُرى في كل زاوية، فالمباني المحترقة والواجهات المتصدعة والسيارات المهجورة التي تحولت إلى هياكل صدئة، تزاحم الناس والمارة القلائل.
شلل شبه تام
في جولة بين أحياء العاصمة، يتكشف حجم الضرر الذي أصاب الحياة اليومية؛ فالأسواق التي كانت مركزاً للحركة والنشاط الاقتصادي تعاني حالياً شللاً شبه تام، مع تفشي الأوبئة والأمراض وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طوال، وارتفاع غير مسبوق للأسعار، أما من بقي من السكان في المدينة فيعيشون على الحد الأدنى الذي يتيح الحياة.

وتعكس حالة بعض الأحياء السكنية مأساة إنسانية عميقة، فكثير من المنازل لا تزال خاوية بعدما نزح أهلها، وتحول بعضها إلى أوكار مهجورة، ولم تسلم المدارس والمستشفيات من الأضرار، مما أسفر عن تدهور حاد في خدمات التعليم والرعاية الصحية.
ورغم هذا المشهد القاتم، لا يزال هناك أمل، إذ يُشاهَد بعض المتطوعين يعملون على تنظيف الشوارع، وإعادة فتح متاجر صغيرة، وتقديم الدعم للمحتاجين. ورغم محدودية هذه الجهود، فإنها تعكس رغبة قوية لدى السكان في استعادة مدينتهم.
حلم مؤجَّل
الطالب الجامعي علي الطيب يحلم بمستقبل له ملامح واضحة؛ فقد اختار دراسة الهندسة الكيميائية، لكن مع اندلاع الحرب تحولت خططه إلى واقع افتراضي مؤجل.

ويروي لـ«الشرق الأوسط» كيف عاش حالة من الهلع خلال الأشهر الأولى، مما اضطره وأسرته إلى النزوح من ولاية النيل الأبيض إلى مدينة «تلودي» بولاية جنوب كردفان.
يقول الطيب: «لم تكن المعاناة مجرد انتقال جغرافي، بل انهيار لمسار تعليمي كامل بسبب الظروف الاقتصادية القاسية». ويتابع: «الآن أنا أعمل بائعاً في متجر صغير بعد أن توقفت دراستي وأصبحت أعيش يوماً بيوم، على أمل أن أعود يوماً إلى مقاعد الجامعة».
أما عواطف عبد الرحمن، التي تبيع الشاي في الشوارع، فتحمل جرحاً أعمق لا يندمل، فقد فقدت في خضم الفوضى ابنها في ظروف غامضة... خرج لشراء الخبز ولم يعد.

ترتسم على وجهها ملامح حزن دفين وهي تتذكر مرارة تكاد تخنقها؛ فقد تم قصف منزلها في حي «ود نوباوي» بأم درمان، وأُجبرت على النزوح شمالاً إلى مدينة «الثورة».
وبعد شهور من الهدوء النسبي في منطقة سكنها، عادت فلم تجد سوى أنقاض، فقد تهدم منزلها ونُهبت كل محتوياته. وبصوت أثقلته آلام الأيام قالت: «كل ما أريده هو أن تنتهي الحرب، وأن يعود ابني سالماً».
صمود ورجاء
تقف الخرطوم اليوم عند مفترق طرق، بين ماضٍ شوهه الدمار، ومستقبل غير واضح المعالم؛ لكن ما هو مؤكد أن المدينة، رغم جراحها العميقة، لا تزال تنبض وتتحيَّن فرصة للنهوض من تحت الركام.
من بين سكانها سائق حافلة النقل العام مجدي خليفة الذي لم يفقد مصدر رزقه وحسب، بل فقد جزءاً ليس بالهين من عالمه حين توقفت حياته المهنية بالكامل، ومعها تراجعت قدرته على إعالة أسرته.

لم تكن الحرب بالنسبة له مجرد معاناة اقتصادية، بل مأساة إنسانية، إذ فقد أقارب وأصدقاء، بعضهم ماتوا تحت القصف، وآخرون بسبب غياب الرعاية الصحية وانهيار المنظومة الطبية.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إنها أيام لا تُنسى من القسوة، حفرت آثارها في كل تفاصيل حياتنا».
وفي زاوية أخرى من المشهد يقف محمد درويش، الذي يمتلك محل جزارة في السوق، متشبثاً بأمل بسيط عميق في الوقت ذاته بـ«ألا تعود الحرب».

يتحدث درويش لـ«الشرق الأوسط» عن خسارة مادية كبيرة اضطرته أن يبدأ من الصفر ويسير في طريق طويل من بدايته. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نعيش على الأمل، ونريد فقط حياة آمنة بلا خوف».
تتقاطع هذه الشهادات عند نقطة واحدة، وهي أن الحرب لا تسرق الأرواح فقط، بل تسرق الأحلام والاستقرار والإحساس بالأمان، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن قدرة الإنسان على الصمود وعلى التمسك بخيط رفيع من الرجاء.
معدلات الجوع والفقر
خلال سنوات الحرب الثلاث الماضية، تضاعفت معدلات الفقر، فأصبح 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، حسبما ذكر الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، لوكا ريندا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وقال ريندا: «بالنظر إلى الوضع قبل الحرب... نجد أن معدلات الفقر تضاعفت فعلياً. قبل الحرب، كان يعيش نحو 38 في المائة من السكان تحت خط الفقر، أما الآن فنُقدّر أن النسبة بلغت نحو 70 في المائة». وأضاف أن واحداً من كل أربعة سودانيين يعيش في فقر مدقع بأقل من دولارين في اليوم.
وأكد ريندا أن معدلات الفقر ترتفع إلى نحو 75 في المائة في مناطق تركُّز النزاع مثل إقليمي دارفور وكردفان.
وقبل أيام، وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، مشيراً إلى أن أكثر من 19 مليون شخص من أصل نحو 45 مليون نسمة يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع وتداعياته الاقتصادية والإنسانية.
وأفاد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صدر الثلاثاء، بتراجع متوسط الدخل في السودان إلى مستوى لم يسجَّل منذ عام 1992 «بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي».
وقال ريندا في التقرير: «بعد ثلاثة أعوام على هذا النزاع، لا نواجه أزمة فحسب، بل نشهد تآكلاً ممنهجاً لمستقبل بلد بكامله». وأضاف: «هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل تعكس أُسراً تمزّقت وأطفالاً خارج مقاعد الدراسة، وسبل عيش فُقدت، وجيلاً تتضاءل فرصه يوماً بعد يوم».
وأسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً على الأقل في أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم.
ويتعذر تحديد حصيلة دقيقة لضحايا الحرب بسبب انعدام المعلومات وانقطاع الاتصالات وصعوبة التنقل داخل السودان الذي دمرت الحرب الجزء الأكبر من بناه التحتية.
ملف المفقودين
وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الثلاثاء، أن 11 ألف شخص على الأقل فُقدوا في السودان منذ اندلاع، لافتة إلى «المعاناة النفسية العميقة والمستمرة» التي لحقت بالعائلات.
وقالت اللجنة في بيان: «تجاوز عدد ملفات المفقودين 11 ألف حالة، بزيادة تفوق 40 في المائة خلال العام الماضي وحده».
وقال نائب المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر، جيمس رينولدز، للصحافيين: «هذه الأرقام التي لا تمثل على الأرجح سوى جزء ضئيل من الأعداد الحقيقية، تُظهر التكلفة البشرية للنزاعات المطولة كهذا النزاع».
كما ذكرت اللجنة أن ما بين 70 و80 في المائة من البنى التحتية الصحية في مناطق النزاع إما معطلة وإما تعاني نقصاً حاداً في الموارد.
وتستضيف برلين، الأربعاء، مؤتمراً للمانحين يهدف إلى «تحقيق تقدم ملموس نحو إنهاء الحرب وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة» حسبما أوضحت بعثة ألمانيا في الأمم المتحدة عبر منصة «إكس». ويأتي المؤتمر بعدما استضافت لندن وباريس مؤتمرين مماثلين العامين الماضيين من دون تحقيق اختراق دبلوماسي يُذكر.

