«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

رائعة مارتن سكورسيزي تعود بعد أكثر من 35 عاماً... وتستعيد تأثيرها لدى جيل جديد

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)
TT

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)

في وقتٍ تشهد فيه السينما السعودية تنوّعاً في العروض بين الجديد والكلاسيكي، يعود الفيلم الأيقوني «Goodfellas» («غودفيلاز» أو «الأصدقاء الطيبون») للمخرج مارتن سكورسيزي، الصادر عام 1990، إلى صالات العرض بوصفه واحداً من أكثر الأعمال رسوخاً في سينما العصابات. ويأتي عرضه اليوم، بتوزيع «سينيويفز»، بعد أكثر من 35 عاماً على طرحه الأول، ضمن حراك سينمائي أوسع يستعيد أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما، وامتدَّ تأثيرها عبر أجيال متعاقبة من المشاهدين.

ويستمد الفيلم قيمته من مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال تأثيراً في تناول عالم الجريمة المنظمة. وتأتي إعادة عرضه في صالات السينما السعودية ضمن توجه متزايد لإحياء أفلام بارزة أمام جمهور جديد، في تجربة تمنحها حياة إضافية خارج زمنها الأصلي. وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت دور العرض السعودية عدداً من العناوين التي عادت إلى الشاشة، مثل: «تايتانيك» (1997) و«إنترستلر» (2014)، إلى جانب روائع سينمائية أخرى.

قصة حقيقية... صعود داخل العصابات

رجال العصابة بالفيلم في محاكاة للقصة التي رواها هنري هيل للصحافة (imdb)

يستند «غودفيلاز» إلى قصة حقيقية جرت أحداثها بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، داخل عالم الجريمة المنظمة في نيويورك. ويروي الفيلم حكاية هنري هيل (راي ليوتا)، الشاب الذي نشأ في حيٍّ تحكمه العصابات، وانجذب منذ طفولته إلى ما تمثِّله من قوة ونفوذ، ليتسلل تدريجياً إلى هذا العالم. وتتحول حياته من مراقبة الحلم إلى عيشه، ثم إلى مواجهة ثمنه.

يستند السيناريو إلى كتاب للصحافي نيكولاس بيليجي، الذي وثّق تجربة هنري من الداخل، اعتماداً على شهادته الشخصية وما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وشخصيات حقيقية.

وخلال رحلته، يتعرَّف هنري إلى عدد من رجال العصابات، أبرزهم جيمي كونواي (روبرت دي نيرو)، الرجل الهادئ الذي تستند سلطته إلى الحضور والحسابات الدقيقة بعيداً عن الصخب، وتومي ديفيتو (جو بيشي)، بشخصيته الحادّة والمتقلّبة، القادر على تحويل المزاح إلى خطر في لحظة.

وفي خضمّ هذا العالم، يرتبط هنري بكارين هيل (لورين براكو)، فيتزوجها وينجب منها طفلتين. تدخل كارين هذه التجربة بدافع الإعجاب به، لكنها تجد نفسها تدريجياً داخل دوامة يصعب الخروج منها.

مشاهد أيقونية... راسخة في الذاكرة

والدة سكورسيزي الحقيقية تظهر في مشهد من الفيلم (imdb)

وقدم سكورسيزي في الفيلم أسلوباً بصرياً مختلفاً عن السائد آنذاك، جعل كثيراً من مشاهد «غودفيلاز» تُصنَّف بوصفها لقطات أيقونية تُدرَّس في بعض الجامعات. ومن أبرزها اللقطة الطويلة التي تتابع هنري وكارين في أثناء دخولهما المطعم من الباب الخلفي، متجاوزين انتظار الدور، في تجسيد واضح لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه، وحجم النفوذ الذي بلغه هنري، حيث يصبح الوصول امتيازاً، وتُزال الحواجز.

ومن المشاهد اللافتة أيضاً مشهد «هل أنا مضحك؟»، الذي يبدأ بأجواء مرحة داخل مطعم، حين يضحك هنري على تعليق لتومي ويصفه بأنه «مضحك»، قبل أن تنقلب النبرة فجأة، مع سؤال تومي الحاد: «هل أنا مضحك؟ هل تراني مهرجاً؟». سؤال يبدو عابراً، لكنه يتحوَّل إلى اختبار قوة صامت يكشف عن توتر كامن خلف المزاح. وتنبع قوة المشهد من أداء جو بيشي، الذي يتنقّل ببراعة بين الضحك والحدّة في لحظات خاطفة، مانحاً الشخصية طابعاً متقلّباً ومقلقاً، وهو ما أسهم في فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم.

روبرت دي نيرو... العقل الهادئ

روبرت دي نيرو في دور مجرم العصابات الحقيقي جيمي (imdb)

أما روبرت دي نيرو، فجسَّد شخصية جيمي كونواي، المستوحاة من المجرم الحقيقي جيمس بيرك، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بعالم السرقة المنظمة في نيويورك خلال السبعينات. وكان بيرك العقل المدبر لعملية سرقة «لوفتهانزا» الشهيرة عام 1978، وهي من كبرى عمليات السرقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث جرى الاستيلاء على ملايين الدولارات من مطار جون إف كينيدي.

وتعامل دي نيرو مع الدور ببحث دقيق؛ إذ تواصل مع هنري هيل الحقيقي للوقوف على تفاصيل شخصية بيرك، من طريقة التدخين وحمل السيجارة إلى الإيماءات الدقيقة وأسلوب التعامل مع المحيطين به. وانعكست هذه الملاحظات على أدائه، حيث جاء كثير من التفاصيل الجسدية، مثل حركة اليدين، وطريقة النظر، والهدوء المتعمّد قبل اتخاذ قرار عنيف، مبنية على وصف هنري هيل للشخصية الحقيقية.

ويُعد هذا الدور من أبرز تعاونات دي نيرو مع مارتن سكورسيزي، ويأتي ضمن سلسلة أدوار أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أهم من جسّدوا شخصيات الجريمة المنظمة في السينما الأميركية.

العنف بوصفه حياة يومية

لورين براكو تؤدي دور زوجة هنري هيل (imdb)

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية، مما يضفي على التجربة قسوة مضاعفة. وفي كثير من المشاهد، يظهر العنف بشكل مفاجئ، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، في تناقض حاد يترك أثراً عميقاً. ويتجلّى ذلك في مشهد العشاء داخل منزل والدة تومي، حيث تجتمع أجواء عائلية هادئة، وحديث بسيط وطعام منزلي، في وقت يدرك فيه المشاهد أن الحاضرين كانوا منخرطين في فعل عنيف قبل لحظات.

ويزداد المشهد تأثيراً بكون والدة تومي هي في الواقع والدة المخرج سكورسيزي، وقد جاء ظهورها بعفوية لافتة، إذ يبدو الحوار طبيعياً إلى حد مربك، كما لو أن الكاميرا التقطت لحظة من الحياة كما هي. هذا التداخل بين الألفة والخطر يمنح المشهد وزناً خاصاً، ويجعله عالقاً في الذاكرة.

الزمن في إيقاع الصوت

المخرج مارتن سكورسيزي يتوسط نجوم الفيلم (imdb)

يلعب الصوت في «غودفيلاز» دوراً محورياً في بناء التجربة، لا سيما من خلال التعليق الصوتي لهنري هيل (راي ليوتا)، الذي يرافق الأحداث ويكشف عن طبقات من وعي الشخصية، مقرّباً المتفرج من عالمها الداخلي بدل الاكتفاء بالمراقبة من الخارج. كما ترتبط الاختيارات الموسيقية بزمن الأحداث، مانحة الفيلم إحساساً دقيقاً بالحقبة، وتضع المشاهد داخل أجواء نيويورك في الستينات والسبعينات، حيث يتقاطع صعود العصابات مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل عالم يهيمن عليه الرجال، فإن شخصية كارين هيل (لورين براكو) تمنح الأحداث بعداً مختلفاً، إذ تكشف عن أثر هذا العالم على الحياة الخاصة. ومن خلال منظورها، يتجلّى التوتر بين الانجذاب إلى السلطة والخوف من تبعاتها، وكذلك بين البحث عن الأمان والانزلاق إلى الخطر. وفي علاقتها بهنري، تنكشف هشاشة الروابط حين تُبنى على الانبهار، ويظهر كيف يمكن للولاء أن يتحول إلى عبء، وللحب أن يصبح ساحة صراع.

اللحظات الأخيرة للفيلم حين تتصدع العلاقة بين هنري وجيمي (imdb)

يمكن القول إن عودة «غودفيلاز» إلى صالات السينما في السعودية أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك الجمهور انطباعاتهم حول التجربة، في حين توقّف آخرون عند مشاهد أعادوا اكتشافها، وتناولت بعض النقاشات أداء الممثلين أو أسلوب الإخراج، بينما انشغل آخرون بالتفاصيل الدقيقة التي تتجلّى بشكل أوضح على الشاشة الكبيرة.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم حقق نجاحاً تجارياً وجماهيرياً لافتاً في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات بلغت 46.8 مليون دولار، أي ما يقارب ضعف ميزانيته المقدّرة بـ25 مليون دولار. كما رُشّح لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وفاز بخمس جوائز من الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (البافتا)، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج.


مقالات ذات صلة

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

يوميات الشرق مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

في آخر أفلامها، تلعب بينيلوبي كروز دور زوجة تشعر بأن زوجها المهندس المعماري قد يتخلّى عن بعض مبادئه إذا ما قبل تكليفاً مغرياً من أحد كبار أثرياء العالم.

محمد رُضا (تورنتو)
يوميات الشرق شهد مهرجان «تورنتو السينمائي» العرض الأول للفيلم (الشركة المنتجة)

«أطفال لا أعرفهم»... طفولة تنجو من الحرب ولا تنجو من آثارها

الحيوية التي امتلكها هؤلاء الأطفال، رغم قسوة الحياة واضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم، أثارت اهتمام المخرجة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف...

فاطمة عبد الله (بيروت )
سينما أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته

محمد رُضا (لندن)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.