لبنان يفرض نفسه على طاولة المفاوضات: كسر لـ«وحدة المسار»... وضربة لحسابات «حزب الله»

بعد رفض مسؤوليه أن تفاوض طهران باسمه

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
TT

لبنان يفرض نفسه على طاولة المفاوضات: كسر لـ«وحدة المسار»... وضربة لحسابات «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)

في خطوة غير مسبوقة، من المفترض أن يدخل لبنان مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل للمرة الأولى، بما يُشكِّل تطوراً يعكس تحولاً أساسياً في مقاربة الدولة لإدارة الصراع، ويؤكد تمسكها بقرار سيادي بعيداً عن أي وصاية خارجية.

وجاء هذا التحوُّل بعد محاولات إيرانية للإبقاء على ما تُعرف بـ«وحدة المسار والساحات»، ضمن المفاوضات التي ستعقد في باكستان، مقابل تأكيد لبناني عبر رئيسَي الجمهورية جوزيف عون، والحكومة نواف سلام أنَّ الدولة وحدها هي المخولة التفاوض باسم لبنان، وهو ما كرَّس واقعاً جديداً فرض نفسه على طاولة التفاوض.

وتكتسب هذه المفاوضات أهميةً إضافيةً كونها تأتي للمرة الأولى بعد سلسلة قرارات مفصلية اتخذتها الدولة اللبنانية، أبرزها حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»، إلى جانب قرار حصر السلاح في بيروت بالقوى الشرعية، وبعد قرارات عدة مرتبطة برفض تدخل إيران في لبنان، وكان آخرها طرد السفير الإيراني.

وتتقاطع هذه الإجراءات بشكل مباشر مع مطلب نزع سلاح «حزب الله» الذي سيكون في صلب المفاوضات المقبلة، خصوصاً في ظلِّ توجه إسرائيلي لربط أي انسحاب من جنوب لبنان بتقدُّم ملموس في هذا المسار.

سيدتان تقفان على نافذة مبنى متضرر جراء القصف الإسرائيلي وترفعان علامة النصر (رويترز)

وهذه الوقائع مجتمعة أثارت امتعاض «حزب الله»، وقد ارتفعت أصوات مسؤوليه ومناصريه المنتقدة لهذا المسار، حيث وصلت إلى حدِّ تخوين رئيس الحكومة نواف سلام، عادين أنَّ رفض إدراج لبنان ضمن التفاهمات التي تسعى إليها إيران أدى إلى استبعاده من الهدنة التي بدأت يوم الثلاثاء، ومن ثم تنفيذ الهجوم الإسرائيلي على بيروت، كما نفَّذ مناصرون لـ«حزب الله» تحركاً ضد سلام، يوم الخميس، إثر اتخاذ الحكومة قراراً لجعل «بيروت منزوعة السلاح».

تفاوض الدولة «ضربة» لرهانات «حزب الله»

وانطلاقاً من كل ما يجري، قال عضو حزب «القوات اللبنانية» النائب رازي الحاج: «من الواضح أن رهان حزب الله كان أن يشمل إعلان وقف إطلاق النار لبنان، ضمن الاتفاق بين أميركا وإيران؛ كي يعلن وفق حالة الإنكار التي يعيشها (الانتصار الوهمي)، وأن ينفِّذ في الداخل محاولات للضغط على الحكومة للعودة عن قراراتها، ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإعادة تجربة محاصرة السراي الحكومي لرئيس مجلس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة، أو أحداث 7 مايو (أيار) 2008 عند اجتياح بيروت».

وعدّ الحاج أن «الدولة جادة أكثر من أي وقت بالسير قدماً بملف حصر السلاح، والمفاوضات ليست إلا تعبيراً حقيقياً عن عدم تبني الدولة اللبنانية الرسمية سردية (حزب الله)».

من جهته، يرى المحلل السياسي علي الأمين أن «(حزب الله) دأب على استثمار مختلف المحطات السياسية والميدانية وتحويلها إلى ما يشبه (الانتصار)، حتى ولو كان انتصاراً وهمياً، مستفيداً من ماكينة دعائية منظمة، وقدرته على التأثير داخل بيئته الحاضنة». ويقول لـ «الشرق الأوسط»: «لو تَحقَّق وقف إطلاق النار في لبنان بالتوازي مع هدنة في إيران، لكان الحزب سارع إلى إعلان النصر الإلهي، وتنظيم احتفالات تعبِّر عن هذا الخطاب».

ويضيف الأمين: «إلا أنَّ مسار الأحداث الأخيرة جاء مغايراً لما سعى له (حزب الله)، وضربة له ومن خلفه إيران، إذ تزامن استمرار الضربات الإسرائيلية مع تحرك رسمي لبناني واضح، ما أضعف قدرة الحزب على توظيف التطورات لصالحه»، مشيراً إلى «مبادرة رئيس الحكومة نواف سلام، وجهود رئيس الجمهورية جوزيف عون، في تكريس معادلة أن الدولة اللبنانية هي الجهة التي تفاوض باسم لبنان، وهو ما أثار انزعاج (حزب الله)».

«حزب الله» لا يرفض التفاوض... بل خروجه منه

من هنا، يرى الأمين أن «المشكلة الأساسية لدى (حزب الله) لا تكمن في مبدأ التفاوض، إذ لطالما شارك فيه عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري في محطات سابقة، أو خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، إنما الإشكالية اليوم تتمثَّل بالنسبة له في أنَّه لم يعد الطرف الذي يقود هذا المسار أو يحتكره، ولا حتى إيران من خلفه».

ويلفت إلى أنَّ «إعلان رئيس الحكومة بشكل صريح أنَّ لبنان يفاوض عن نفسه، ثم تأكيد رئيس الجمهورية هذا التوجه، شكَّلا نقطة تحوُّل، قابلها الحزب بحملة سياسية وصلت إلى حد اتهام سلام بـ(الصهيونية)، ومن ثم فإنَّ إعلان إسرائيل استعدادها للتفاوض زاد من وقع الصدمة، ليس بسبب التفاوض بحد ذاته، بل بسبب خروج زمام المبادرة من يدِّ الحزب».

ويشير الأمين إلى عامل إضافي وهو «التبدل في المقاربة الأميركية، إذ لم تُفتح هذه المرة قنوات خلفية مع (حزب الله)، بل كان هناك دعم واضح للحكومة اللبنانية لتكون الطرف الوحيد في التفاوض، ما يعكس تحولاً في موازين التأثير السياسي».

رهان على الدولة واستعادة السيادة

وبانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، يؤكد الأمين أن «المرحلة المقبلة تحمل رهانًا كبيراً على الدولة اللبنانية، وتحديداً رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزيف عون؛ لاتخاذ خطوات عملية تُعزِّز موقع الدولة. وأبرز هذه الخطوات تنفيذ قرار جعل بيروت مدينةً منزوعة السلاح، بما يُشكِّل مدخلاً أساسياً لإعادة الاعتبار لسيادة الدولة ومؤسساتها»، مشدداً: «نجاح هذه الخطوة قد يُشكِّل مدخلاً واسعاً لإعادة الاعتبار للدولة، لكنه يحتاج إلى حاضنة عربية ودولية جدية لضمان تنفيذه».

عناصر في الدفاع المدني يقومون بعمليات البحث عن ضحايا في موقع تعرَّض للقصف في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

من جهته، يؤكد الحاج أن «المفاوضات اليوم هي خطوة إلى الأمام، وستتركز على نقطة أساسية، وهي قدرة الدولة على إعطاء ضمانات حول حصرية السلاح، وهو الأمر العالق منذ انتخاب الرئيس عون وتشكيل الحكومة».

وذكَّر بأنَّ وزراء «القوات» تقدَّموا بمذكرة لمجلس الوزراء وضعوا خلالها «المسار القانوني والسياسي الواضح لخطوات عملية للخروج من المستنقع الحالي، ومحاسبة المسؤولين، ومقاضاة إيران أمام المحافل الدولية للخسائر التي تسببت بها للبنان جراء إقحام (حزب الله) في الحرب».


مقالات ذات صلة

وزيرا الخارجية والجيوش الفرنسيان في لبنان السبت

المشرق العربي وزيرة الجيوش أليس روفو (إ.ب.أ)

وزيرا الخارجية والجيوش الفرنسيان في لبنان السبت

يزور وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ووزيرة الجيوش أليس روفو لبنان، السبت والأحد، لبحث «آليات الوجود الدولي» هناك بعد انتهاء ولاية قوة «اليونيفيل».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي دراجات نارية أمام مبنى شركة الأدوية خلال مداهمة القوى الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)

مسلحون من «حزب الله» يحاولون منع الأمن اللبناني من مداهمة مستودع أدوية

أعلنت قوى الأمن الداخلي في لبنان أنها داهمت مستودعاً للأدوية في ضاحية بيروت الجنوبية وختمته بالشمع الأحمر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)

قطر تطرح مشروعاً متكاملاً لحل أزمة الكهرباء في لبنان

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام اقتراب التوصل إلى اتفاق مع قطر لإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية

4 سوريين ولبناني شاركوا بالقبض على «جزّار بانياس» في لبنان

انشغلت الأجهزة القضائية والأمنية في لبنان بحادثة اعتقال الضابط في النظام السوري السابق علي كيالي، المعروف بـ«معراج أورال»، من منطقة المنصورية في جبل لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

اتصالات دولية مكثفة لتحييد لبنان عن أي تصعيد إقليمي

تكثّفت الاتصالات الدبلوماسية خلال الأيام الماضية بين لبنان والدول الصديقة، لضمان تحييد البلاد عن تداعيات أي تصعيد عسكري يمكن أن تشهده المنطقة.

نذير رضا (بيروت)

العراق إلى مراجعة الدستور الدائم


عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق إلى مراجعة الدستور الدائم


عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)

دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق إلى مراجعة أحكام الدستور «بما ينسجم مع القانون»، ما فسّره خبراء في القانون على أنه دعوة لتشكيل لجنة تأسيسية تقود إلى «عقد اجتماعي جديد للبلاد».

وقال القاضي فائق زيدان، في بيان صحافي، مساء الخميس، بمناسبة ذكرى الاستفتاء على الدستور عام 2005، إن البرلمان العراقي «أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة بما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب».

وذكر زيدان أن «التجربة السياسية كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)». وشدد على أن «احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة».


اتّصالات لتحييد لبنان عن التصعيد الإقليمي

آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

اتّصالات لتحييد لبنان عن التصعيد الإقليمي

آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وسط مخاوف لبنانية مما قد يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل انتخابات الكنيست في أواخر هذا الشهر، تكثّفت الاتصالات الدبلوماسية بين لبنان والدول الصديقة لضمان تحييد البلاد عن تداعيات أي تصعيد عسكري يمكن أن تشهده المنطقة.

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن الاتصالات تولاها الرئيس اللبناني جوزيف عون، ووُضع رئيس البرلمان نبيه بري في أجوائها كونه صلة الوصل بين الرئاسة اللبنانية و«حزب الله»، لافتةً إلى أن اتصالات رئيس الجمهورية الداخلية والدولية «تسعى لإبعاد لبنان عن أي تطورات أمنية في المنطقة». وقالت المصادر إن منع أي تدهور للوضع الأمني «متوقف على عدم انخراط (حزب الله) في أي تصعيد إقليمي يمكن أن يحدث في إيران»، مشيرة إلى مخاوف جدية من «ردة فعل إسرائيلية قوية في حال تدخل الحزب في أي حرب مقبلة».

وتحدّثت معلومات عن أن عون نقل هذه المخاوف إلى الجانب الأميركي خلال الاتصال مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن الموقف الأميركي يتلخّص بأن على لبنان تجنّب منح نتنياهو مبرراً لتوسيع ضرباته الحالية، وهو ما يعني لجم «حزب الله» عن الانخراط في أي مواجهة محتملة بين حلفائه الإيرانيين وإسرائيل.

يأتي ذلك وسط مراوحة في ملف توسعة المناطق التجريبية في الجنوب، ودعوة الولايات المتحدة إلى تنسيق مباشر بين الجيشَين اللبناني والإسرائيلي.


4 سوريين ولبناني وراء خطف «جزّار بانياس»

علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
TT

4 سوريين ولبناني وراء خطف «جزّار بانياس»

علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية

كشف مصدر قضائي لبناني لـ«الشرق الأوسط»، أمس، أن التحقيقات في ملابسات اعتقال الضابط في النظام السوري السابق علي كيالي، المعروف باسم «معراج أورال»، كشفت مشاركة 4 سوريين ولبناني في خطفه من شقته بمنطقة المنصورية في جبل لبنان، ونقله إلى سوريا، في عملية غامضة ومعقّدة.

وأعلنت دمشق، أول من أمس، أنها اعتقلت كيالي الذي يوصف بـ«جزّار بانياس» نتيجة اتّهامه بالمسؤولية عن مجازر وقعت في الساحل السوري عام 2013.

وأوضح المصدر اللبناني أن المعلومات الأولية تفيد بأن العملية «نفذها أربعة سوريين ولبناني واحد»، مؤكداً أنه «من خلال تتبع هواتف منفّذي العملية وتعقّب الخطوط التي استُخدمت في محيط منزل كيالي، تبيّن أنهم قبضوا عليه داخل منزله في منطقة المنصورية، وسلكوا الطريق الساحلي من جونية مروراً بطرابلس وصولاً إلى معبر العبودية الحدودي في عكّار».