في حين باشرت مصالح الأمن الجزائرية، المختصة بمكافحة الفساد، تحقيقاتٍ موسعةً بشأن شبهات «سوء تسيير» طالت قطاع الموارد المائية إبان فترة الوزير المُقال طه دربال، يترقب وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني السابق، علي عون، النطق بالحكم في حقّه منتصف أبريل (نيسان) الحالي؛ وذلك بعد التماسات ثقيلة من النيابة العامة بسجنه 12 عاماً نافذة، على خلفية تورطه في قضايا فساد.

أعلنت الرئاسة، مساء الأربعاء، في بيان، أن الرئيس عبد المجيد تبون «أنهى اليوم (الأربعاء) مهام وزير الريّ السيد طه دربال، وكلّف الأمين العام للوزارة السيد عمر بوقروة بتسيير القطاع مؤقتاً»، من دون ذكر أسباب عزله من الحكومة، فيما أفادت مصادر صحافية بأن إقالته تعود إلى شبهات «سوء تسيير وممارسات فساد»، تتعلق بمشروعات في قطاع الري، وبرنامج الحكومة تزويد السكان بمياه الشرب، عبر محطات لتحلية مياه البحر، تم إنجازها في السنوات الأخيرة.
والتحق دربال بالحكومة في تعديل وزاري أجرته الرئاسة يوم 16 مارس (آذار) 2023، وشغل من قبل منصب المدير العام لـ«الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات».
وكان الوزير دربال، الثلاثاء، في زيارة إلى مدينة سطيف (300 كيلومتر شرق العاصمة)، حيث «وقف ميدانياً على واقع قطاع الري بالولاية، واستشراف آفاق تطويره، من خلال معاينة المشروعات الجارية، والاطلاع على مدى تقدمها، فضلاً عن تقييم الجهود المبذولة لتحسين خدمة التزويد بالمياه الصالحة للشرب وتعزيز البنية التحتية للقطاع»، وفق ما ذكرته الوزارة عبر حسابها في الإعلام الاجتماعي.
«أزمة عطش»
على الرغم من أن الرئاسة لم تفصّل أسباب قرار عزل دربال، فإن اللافت أن قطاع المياه يعيش في هذه الفترات على وقع اختلالات كبيرة، لا سيما على مستوى محطات تحلية مياه البحر، التي أصبحت ركيزة استراتيجية لتزويد الجزائر بمياه الشرب.

وقد أدت الأعطال المتكررة في هذه المحطات بولايات عدة إلى اضطرابات كبيرة في التوزيع، وصلت إلى حدّ حدوث انقطاعات مطولة أياماً عدة. وهو وضع حرج للغاية مع اقتراب فصل الصيف. كما أن هذه الفترة تشهد عادة ارتفاعاً في الطلب، وضغوطاً متصاعدة على الموارد المائية. وعدم تلبية الطلب المتنامي قد يكون أحد أسباب إبعاد طه دربال، وفق متابعين.
وأثارت هذه الإخفاقات الفنية، التي لم توضَّح أسبابُها دائماً بشكل جلي، موجة من الاستياء لدى المواطنين. كما أنها أعادت طرح تساؤلات بشأن تسيير وصيانة البنى التحتية لتحلية مياه البحر، التي غالباً ما تُقدَّم بوصفها حلاً مستداماً لمواجهة حالة الإجهاد المائي، التي تمر بها البلاد.
ويَظهر إنهاء مهام الوزير، وفق مراقبين، بوصفه إجراءً سياسياً وعملياتياً في آن معاً؛ إذ قد يعكس رغبة السلطات العليا في استعادة السيطرة على هذا القطاع الحساس، وإرسال إشارة قوية بشأن ضرورة تحقيق نتائج ملموسة، خصوصاً بشأن ضمان استمرارية الخدمة العمومية.
وعلق موقع «توالى» على الحدث، منتقداً طريقة إنهاء مهام دربال بالقول: «لا يشذُّ رحيل وزير الموارد المائية، طه دربال، عن القاعدة المعمول بها؛ إذ لم يتم تقديم أي مسوغات لهذا القرار. ولا يبدو هذا التجاهل مجرد سقطة عفوية، بل هو نهج في الحكم؛ حيث تتخذ السلطة قراراتها دون تقديم إيضاحات، فهي تكتفي بإعلان النتائج، وتتحفظ دوماً على الأسباب».
يذكر أن محكمة الاستئناف بالعاصمة قضت في عام 2023 بسجن وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي، 10 سنوات وسداد غرامة قدرها 7 آلاف دولار بعد إدانته بتهم ذات صلة بالفساد، تعود إلى فترة إشرافه على «الوكالة الوطنية للسدود».
وشغل براقي منصب وزير الموارد المائية في الحكومة الأولى للرئيس عبد المجيد تبون، من 4 يناير (كانون الثاني) عام 2020 إلى 21 فبراير (شباط) 2021.
فساد في قطاع الحديد
في سياق متصل، التمس ممثل النيابة في «محكمة سيدي امحمد» بالعاصمة، أمس، عقوبة السجن لمدة 12 سنة وغرامة مالية قدرها مليون دينار (نحو 5 آلاف دولار)، بحق وزير الصناعة السابق، علي عون، بتهمة «الفساد» بمجمع الحديد العمومي «إيميتال».

كما شملت الالتماسات عقوبة السجن لمدة 10 سنوات، مع غرامة مالية مماثلة، بحق مهدي عون، نجل الوزير السابق، وعدد من مسيّري القطاع، حيث واجه شرف الدين عمارة، «الرئيس المدير العام» السابق لـ«مجمع مدار»، المختص بقطاعات عدة، التماساً بعقوبة السجن 6 سنوات.
وورد اسم مهدي في الملف القضائي بوصفه وسيطاً بين رجال أعمال، حيث استغل منصب والده الوزير لتمكينهم من صفقات مربحة، وفق التحقيقات. كما التمس ممثل النيابة 10 سنوات سجناً لكل من كريم بولعيون، «الرئيس المدير العام» لـ«مجمع الحجار للحديد والصلب»، ونور الدين صالحي، المدير العام لـ«المؤسسة الحكومية للسباكة (فوندال)». كما واجه متهمون آخرون، من بينهم مستثمرون ومسؤولو شركات، التماسات بعقوبات تصل إلى 10 سنوات سجناً. أما بعض مسيّري الشركات الخاصة، من بينهم المدعو نونو مانيتا، فقد التُمس بحقهم السجن النافذ لمدة 5 سنوات، مع غرامات مالية قدرها مليون دينار. ووُضعت القضية في المداولة من طرف رئيس الجلسة، الذي أعلن أن النطق بالأحكام سيكون في 15 أبريل الحالي.

وتخص هذه القضية شبهات فساد تتعلق بتسيير المجمع العمومي «إيميتال»، حيث تشمل المتابعات تهماً تتعلق بـ«سوء التسيير، وإبرام صفقات مخالفة للتشريع والتنظيم المعمول بهما»، بالإضافة إلى «عمليات مشبوهة في بيع وشراء النفايات الحديدية وبقايا النحاس». كما تتضمن لائحة الاتهامات «تبديد أموال عمومية، والحصول على امتيازات غير مستحقة، وإساءة استغلال الوظيفة».
ومعروف أن عهدة الرئيس عبد المجيد تبون اتسمت بمنحى تصاعدي في تفعيل الآلة القضائية لمواجهة الفساد؛ حيث لم تعد الملاحقات مقتصرة على تصفية تركة الماضي، بل امتدت لتشمل أسماءً فاعلة في هرم السلطة الحالي؛ من وزراء وأطر سامية برئاسة الجمهورية. وقد دفع ثمن هذا النهج وزير المؤسسات المصغرة، نسيم ضيافات، الذي قضت محكمة بسجنه 5 سنوات مع التنفيذ عام 2024، ومدير البروتوكول بالرئاسة الذي حُكم عليه بالعقوبة نفسها في العام نفسه.




