انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

وسط تساؤلات حول غياب «الحل الوطني» البديل

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
TT

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

تصاعدت موجة الانتقادات الليبية حيال الدور الأميركي في البلاد، وسط اتهامات لواشنطن بتبني نهج «براغماتي» يولي الأولوية لعقد «الصفقات التجارية وتأمين المصالح الاقتصادية»، على حساب الجهود الفعلية الرامية لحلحلة الانسداد السياسي المتأزم.

وكانت «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، قد عبّرت عن استهجانها لما سمّته «التحركات المشبوهة» لمستشار الشؤون الأفريقية الأميركي، مسعد بولس، وتدخلاته في ليبيا «من حيث مضمونها وسياقها»، فضلاً عن «تضارب المصالح وشبهات الفساد حولها».

ولفت بيان «كتلة التوافق» بالمجلس إلى مخاوف عديدة لدى شريحة واسعة من الليبيين، مفادها أن «التعاطي الخارجي مع الأزمة، وفي مقدمته الدور الأميركي، لم يعد يستهدف إيجاد حل مستدام للأزمة السياسية، بل تحول وانحرف إلى منطق الصفقات الاقتصادية، وتحديداً المرتبطة بقطاع النفط».

غير أن هذا الجدل فجّر تساؤلات جوهرية، أبرزها: هل تستطيع الأطراف الليبية في ظل انقسامها وتنازع حكومتين على السلطة إقناع واشنطن بتغيير سياساتها؟ والأهم من ذلك، هل تملك القدرة على طرح حلول وطنية بديلة تتصدى تدريجياً للتدخلات الخارجية؟

وعدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن بيان كتلته «عبّر عما يجول بعقول قطاع واسع من الليبيين حول إدارة بولس للملف بعقلية التاجر، الذي يركز على صفقات ثنائية بقطاع النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد التي تصب في مصلحة بلاده والقوى الفاعلة شرقاً وغرباً، دون التفات لمصالح الشعب».

وقال بن شرادة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد أي مستجد حقيقي بالمشهد السياسي، سوى ما يتداول عن سعي بولس لإيجاد حكومة موحدة، عبر التنسيق بين تلك القوى الفاعلة، أو إبقاء الوضع كما هو، مع الحيلولة دون نشوب أي نزاعات تعرقل تدفق النفط»، وأضاف متسائلاً: «ماذا أحرز بولس من تقدم في معالجة الأزمة السياسية، وتحديداً الانقسام السياسي والحكومي والتمهيد للانتخابات؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس بالغرب مقراً لها، وحكومة ثانية مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد.

ولعب بولس دوراً محورياً في إبرام اتفاقيات «شراكة ضخمة» بين مؤسسة النفط الليبية وشركات أميركية، أبرزها مع «كونوكو فيليبس» و«شيفرون» بقيمة 20 مليار دولار.

واستبعد بن شرادة أن تُقدم واشنطن على تغيير سياساتها في المرحلة المقبلة بشأن ليبيا، مؤكداً أن كتلته ستواصل «التنديد بهذه الصفقات وكشف تداعياتها، وفي مقدمتها ترسيخ نفوذ القوى الفاعلة، وهو ما يعني استمرار تأجيل الاستحقاق الانتخابي».

من جهته، أقر رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي، فيصل الفيتوري، بـ«وجود احتقان واسع من إدارة بولس للملف»، مرجعاً ذلك إلى «حصر تعاملاته مع القوى الفاعلة، وتهميش باقي المؤسسات، دون مراعاة الحساسية الشديدة لدى المجتمع الليبي لمثل هذا السلوك».

ورأى الفيتوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً من الانزعاج الليبي من بولس «يعود إلى تباين النظر إليه ما بين كونه دبلوماسياً ورجل أعمال»، داعياً إلى «التفريق بين الموقف منه والترحيب الليبي الدائم بالدور الأميركي، وثقله الدولي القادر على حلحلة أي جمود سياسي بأي ملف».

وأشار الفيتوري إلى أن اجتماعات بولس المتكررة مع صدام حفتر، نائب رئيس القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بغرب البلاد، «جاءت في إطار إدراكه أنهما الأكثر فاعلية بمناطق نفوذهما في شرق ليبيا وغربها، وقناعته بأنه يستطيع بناء جسر من التفاهم بينهما». مشيراً إلى أن تلك الاجتماعات «أظهرت أن واشنطن تريد معالجة الملف الليبي بشكل منفرد، بعيداً عن البعثة الأممية وخريطتها الرامية إلى تهيئة المناخ للانتخابات، ما أضعف دور الأخيرة، خصوصاً مع إخفاقها المستمر بحل الأزمة لأكثر من عقد».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة الليبي، إبراهيم هيبة، أن «الأزمة لا تنحصر فقط في تصاعد التدخلات الخارجية لواشنطن، وإنما في غياب الحل الليبي - الليبي»، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية «اتخذت منذ البداية طابعاً براغماتياً ذا طابع اقتصادي بحت؛ وأيضاً إيجاد قدر من الاستقرار الأمني، يضمن مصالح شركاتها وأمن خبرائها العاملين داخل ليبيا، دون التفات يذكر لقضية الانتخابات وتطلعات أبناء البلاد».


مقالات ذات صلة

ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

شمال افريقيا موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)

ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

وسّعت السلطات القضائية الليبية ملاحقتها لشبكات تزوير وثائق الهوية والسجل المدني في حملة كشفت الثلاثاء عن حصول نحو 7 آلاف غير مستحق على معاشات ضمان

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة متداولة لموقع الانفجار في وسائل إعلام ليبية

اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا

نعت القوات المسلحة الليبية، اليوم (الثلاثاء)، مقتل رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني الليبي» بشرق البلاد إثر انفجار عبوة ناسفة في سيارته.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر رئيس المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان متحدثاً خلال لقاء مع صدام حفتر في سبها الأسبوع الماضي (إعلام المجلس)

«الجيش الوطني الليبي» يكثف تحركاته بين قبائل فزان لاحتواء «تمرد وردقو»

كثفت قيادات عسكرية في الجيش الوطني الليبي لقاءاتها مع قيادات اجتماعية وقبلية في الجنوب الليبي، بالتزامن مع استمرار عمليات خاطفة تشنها غرفة عمليات تحرير الجنوب.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مع مجموعة من الأطفال خلال افتتاح حديقة الحيوان بطرابلس في مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

نصفهم يعاني «فقراً غذائياً»... أطفال ليبيا يدفعون فاتورة الانقسام

لا تبدو أزمة الغذاء في ليبيا مجرد مشكلة مرتبطة بارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية؛ إذ شرعت آثارها تظهر في صحة الأطفال ونمط حياتهم اليومية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس أركان القوات التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» الفريق أول صلاح النمروش (رئاسة الأركان)

ليبيا تحيي الذكرى الـ86 لتأسيس جيشها وسط انقسامات

أحيت ليبيا، الأحد، الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس جيشها الوطني، في وقت لا يزال الانقسام السياسي والعسكري قائماً، وسط تباين في مواقف السلطات بين الشرق والغرب.

خالد محمود (القاهرة)

«الدعم السريع» تعلن السيطرة على مدينة قرب الحدود الإثيوبية

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«الدعم السريع» تعلن السيطرة على مدينة قرب الحدود الإثيوبية

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعلن تحالف «تأسيس» أنَّ قواته سيطرت على مدينة قيسان الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، الواقعة جنوب شرقي السودان وبالقرب من الحدود السودانية - الإثيوبية، وذلك بعد معارك ضارية مع الجيش، في تطور ميداني جديد على الجبهة التي تشهد قتالاً متصاعداً منذ أشهر، وذلك بعد أسابيع من تقدُّم القوات الحكومية جنوب الإقليم واستعادتها مدينة الكرمك، القريبة منها، ومواقع أخرى.

ويتكوَّن «تحالف السودان التأسيسي»، واختصاراً «تأسيس»، من كل من «قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال» بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركات دارفورية مسلحة أخرى، وقوى سياسية ومدنية.

وتَشكَّل «تأسيس» بعد أن وقَّعت أطرافه في العاصمة الكينية، نيروبي، في فبراير (شباط) 2025، ميثاقاً سياسياً، وأعلن لاحقاً تشكيل سلطة موازية تحت اسم «حكومة السلام والوحدة»، برئاسة حميدتي، بينما يتولى الحلو منصب نائب رئيس المجلس الرئاسي، وترفض الحكومة المتحالفة مع الجيش في بورتسودان الاعتراف بهذه السلطة.

بيان «تأسيس»

وقالت قوات تحالف «تأسيس»، في بيان رسمي اليوم (الثلاثاء)، إنها أحكمت «السيطرة التامة» على قيسان، التي تبعد نحو 170 كيلومتراً جنوب شرقي عاصمة إقليم النيل الأزرق، الدمازين، وإنها استولت على جميع المواقع العسكرية داخل المدينة، وكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، يجري حصرها.

وأضاف بيان التحالف، أن قواته طاردت وحدات الجيش المنسحبة، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، دون أن يقدِّم أرقاماً محدَّدة، ولم يصدر عن الجيش السوداني، حتى وقت إعداد الخبر، تعليق يؤكد أو ينفي فقدانه المدينة، كما لم تتوافر تقديرات مستقلة للخسائر الناجمة عن المعارك.

في حين قالت مصادر ميدانية، إن اشتباكات عنيفة لا تزال مستمرة، حتى لحظة كتابة هذا الخبر، في عدد من المناطق بمحلية قيسان، وإنَّ التطورات الميدانية في المنطقة تشهد تسارعاً مطرداً.

أهمية قيسان

وتكتسب قيسان أهميةً عسكريةً واستراتيجيةً، لموقعها في جنوب شرقي النيل الأزرق وقربها من الحدود الإثيوبية، فضلاً عن وقوعها ضمن منطقة ظلت خلال الأشهر الأخيرة، مسرحاً لعمليات عسكرية ومحاولات متبادلة للسيطرة على طرق الحركة والإمداد في جنوب الإقليم.

وظلت جبهة النيل الأزرق تشهد تصعيداً عسكرياً منذ أشهر، وذلك في أعقاب شنِّ التحالف بين «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» عمليات عسكرية مشتركة ضد الجيش في إقليم النيل الأزرق.

وتعرَّضت قيسان في 27 فبراير الماضي لأول هجوم كبير بالمسيّرات ضمن الحملة الجديدة. وشهدت المنطقة بين مارس (آذار) ويونيو (حزيران) محاولات متكرِّرة لقوات هذا التحالف التقدم نحوها، وقطع خطوط إمداد القوات الحكومية، من دون أن تتمكَّن من السيطرة عليها.

خريطة السيطرة

وتغيَّرت خريطة السيطرة في جنوب الإقليم أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، إذ سيطر خلالها تحالف «تأسيس» على مدينة الكرمك الحدودية في مارس الماضي، قبل أن يشنَّ الجيش في يوليو (تموز) من العام ذاته، عمليات مضادة استعاد بموجبها مدينة الكرمك ومواقع أخرى، ووسَّع نطاق سيطرته في المناطق القريبة من الحدود الإثيوبية.

جنود تابعون لـ«قوات الدعم السريع» (أ.ب)

ويأتي إعلان السيطرة على قيسان، في وقت كان فيه الجيش وحلفاؤه قد حقَّقوا مكاسب ميدانية في محور شمال كردفان الأسابيع الماضية، استعادوا خلالها مدينة بارا، وبلدات أم سيالة، وجبرة الشيخ، التي كانت تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، ما مكَّنه من فتح الطريق البري الرابط بين مدينة الأبيض وأم درمان، ويُعرَف بـ«طريق الصادرات».

ولقيسان تاريخ طويل من تبادل السيطرة بين الجيش، و«الحركة الشعبية» خلال الحرب الأهلية الثانية، فقد استولت عليها قوات الحركة للمرة الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، واستعادها الجيش أواخر ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه ومطلع يناير (كانون الثاني) 1988.

ثم استردتها «الحركة الشعبية» للمرة الثانية في يناير 1997، وظلت في قبضتها نحو 5 سنوات، إلى أنْ استعادها الجيش في 30 مايو (أيار) 2002.

وشهدت المنطقة معارك وحصاراً عقب تَجدُّد الحرب بين الجيش والحركة الشعبية - شمال في النيل الأزرق عام 2011، وأعلنت الحركة حينها السيطرة على منطقة قيسان الثالثة، بينما أعلن الجيش في 10 سبتمبر (أيلول) من العام ذاته فك الحصار عن المدينة، وسط روايات متضاربة بشأن السيطرة الميدانية عليها.

وظلت قيسان تحت سيطرة الجيش منذ اندلاع الحرب بينه وبين «قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، ولم تصل إليها المعارك البرية بصورة مباشرة خلال العامين الأولين من الحرب، قبل أن تتحوَّل المنطقة خلال العام الحالي إلى أحد محاور المواجهة بين الجيش من جهة، وتحالف «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» من جهة أخرى.

ويأتي هذا التطور الأخير عقب حالة من الهدوء النسبي في العمليات البرية على عدد من جبهات الحرب الأخرى، مقابل استمرار هجمات المسيّرات والغارات الجوية التي تستهدف مواقع وتجمعات الطرفين، خصوصاً في شمال كردفان ودارفور وجنوب كردفان.


ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
TT

ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)

وسّعت السلطات القضائية الليبية ملاحقتها لشبكات تزوير وثائق الهوية والسجل المدني، في حملة كشفت اليوم الثلاثاء عن حصول نحو 7 آلاف غير مستحق على معاشات ضمان اجتماعي خلال 5 سنوات، في بلد يواجه منذ سنوات انقساماً سياسياً وأمنياً، ألقى بظلاله على مؤسسات الدولة وقواعد بياناتها.

وأعادت القضية إلى الواجهة ملفاً مفتوحاً منذ نحو أربع سنوات، وذلك عندما أعلن النائب العام الصديق الصور رصد عشرات الآلاف من الأرقام الوطنية المشتبه في تزويرها، وتوالت بعدها عمليات ضبط آلاف المتورطين في جرائم تزوير.

وتزداد حساسية الملف في ليبيا بالنظر إلى اتساع نطاق المنافع المرتبطة بالرقم الوطني من الإعانات الحكومية، والخدمات المصرفية إلى تملك العقارات والشركات، والحصول على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي، ما يجعله أكثر من مجرد وسيلة لإثبات الهوية.

النائب العام الليبي الصديق الصور (الصفحة الرسمية لمكتبه)

وفي أحدث حلقات هذه الحملة، كشفت النيابة العامة، فجر الثلاثاء، عن نتائج مراجعة امتدت لخمس سنوات لبيانات عدد من المستفيدين من معاشات الضمان الاجتماعي. أسفرت عن وقف صرف 8400 معاش أساسي، تمهيداً لمطابقة بيانات أصحابها مع قاعدة البيانات الوطنية، والتحقق من مدى استحقاقهم.

وحسب مراقبين يبدو أن الحملة الأخيرة تستهدف تجفيف منابع تلك الشبكات الممتدة في شرق ليبيا وغربها، بعدما أظهرت عمليات الفحص استخدام 6954 رقماً وطنياً مزوراً في مستندات طلب الحصول على المنافع الاجتماعية، وهو ما ترتب عليه صرف نحو 304 ملايين خلال خمس سنوات، وفق بيان النيابة العامة.

كما كشفت التحقيقات القضائية أيضاً عن استمرار صرف 52 مليوناً و251 ألف دينار لـ1446 شخصاً، رغم ثبوت وفاتهم خلال الفترة نفسها، في واقعة تعكس حجم الثغرات، التي يمكن أن تنشأ عن ضعف الربط بين قواعد البيانات الحكومية، أو استغلالها بصورة غير مشروعة.

وتأتي هذه الأموال ضمن منظومة المساعدات الاجتماعية، التي تشمل منحة «أرباب الأسر»، المعروفة في ليبيا بمنحة الزوجة والأبناء، وهي من أبرز المزايا التي تجعل الحصول على الرقم الوطني هدفاً لشبكات التزوير. وتبلغ المنحة 100 دينار شهرياً للأبناء دون 18 عاماً، والمبلغ نفسه للبنات فوق 18 عاماً، بينما تحصل الزوجة غير العاملة على 150 ديناراً شهرياً.

وكشفت قضية أخرى في مدينة سبها (جنوب) عن جانب إضافي من الخلل داخل منظومة الضمان الاجتماعي، حيث توصلت تحقيقات النيابة، الثلاثاء، إلى صرف معاشات في فرع صندوق التضامن الاجتماعي لـ1150 شخصاً، من دون مستندات تثبت استحقاقهم، إلى جانب صرف 2.46 مليون دينار من دون مستندات تبيّن سلامة التصرف فيها.

وتسلط التحقيقات الأخيرة كذلك الضوء عن وجود شبكات تتجاوز تزوير الوثيقة ذاتها إلى إعادة بناء هويات عائلية كاملة داخل السجل المدني.

ففي طرابلس، أمر مكتب النائب العام بحبس أجنبي (لم يتم تحديد جنسيته) احتياطياً على ذمة التحقيق، يوم الاثنين، بعدما تبين تورطه مع موظف في مكتب السجل المدني في استغلال قيد عائلي يعود إلى أسرة انقطع نسلها، وإنشاء بيانات مدنية جديدة، وترتيب أرقام وطنية عليها.

وحسب التحقيقات، فقد دفع المواطن الأجنبي 10 آلاف دينار للموظف مقابل تسليمه ورقة العائلة وتنسيق عملية التزوير، فيما حصلت أرملة صاحب القيد، وهي أجنبية أيضاً، على 20 ألف دينار بعد مغادرتها ليبيا.

واستخدم الأجنبي القيد المستولى عليه للحصول على هويات وطنية لتسعة من أقاربه في البيانات الجديدة، أتاحت لهم الاستفادة من حقوق مرتبطة بالمواطنة، فيما ساعدت البيانات المزورة أحد المستفيدين على تفادي تنفيذ حكم بالسجن المؤبد صادر بحقه في بلاده.

وأمرت النيابة بضبط موظف السجل المدني وبقية المتورطين في العملية، ووقف العمل بالمستخرجات الرسمية المستندة إلى البيانات المزورة، مع تتبع المنافع التي ترتبت عليها لحصر آثارها القانونية والمالية، وتحديد المسؤوليات الناجمة عنها.

ومن منظور أمني، يثير تزوير الأرقام الوطنية مخاوف أوسع تتجاوز الاحتيال المالي، مع احتمال استخدامها للحصول على جوازات سفر، أو الالتحاق بوظائف في أجهزة أمنية ومؤسسات حساسة، فضلاً عن توظيفها في أنشطة متطرفة أو إجرامية. كما يهدد تضخيم السجل المدني نزاهة أي استحقاقات انتخابية مقبلة.

وسبق أن أعلنت النيابة العامة قبل نحو 4 أعوام رصد 15 ألف بطاقة انتخابية مزورة خلال انتخابات المؤتمر الوطني العام في عام 2012، إضافة إلى ضبط 3829 بطاقة انتخابية مزورة، مرتبطة بالانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها عام 2021، لكن لم تجر بسبب «القوة القاهرة».

تضخيم السجل المدني يهدد نزاهة أي استحقاقات انتخابية مقبلة (مفوضية الانتخابات)

ومنذ مطلع العام الحالي، اتخذت النيابة العامة سلسلة إجراءات ضد شبكات تزوير في السجل المدني، امتدت إلى طرابلس وطبرق وأوباري وتيجي، وكشفت التحقيقات في عدد من هذه القضايا عن تورط موظفين حكوميين في تقاضي رشى، مقابل تغيير قيود عائلية، وإنشاء بيانات مدنية مخالفة للحقيقة.


فرق الإطفاء الليبية تكافح حريق مصفاة الزاوية بعد هجوم بمسيّرة

يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)
يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)
TT

فرق الإطفاء الليبية تكافح حريق مصفاة الزاوية بعد هجوم بمسيّرة

يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)
يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية، ليبيا (أ.ب)

ذكر مهندسان أن فرق الإطفاء الليبية تواصل جهود مكافحة حريق اندلع في مجمع مصفاة الزاوية، اليوم الثلاثاء، في حين قالت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا إنها قد تعلن حالة القوة القاهرة وتوقف العمل في مصفاة الزاوية بشكل كامل إذا استمرت الهجمات بالطائرات المسيرة على المنشآت النفطية في المدينة.

وقال المهندسان لـ«رويترز» إن الحريق، رغم شدته، لم يُلحق أضراراً بأكبر مصفاة عاملة في ليبيا. وصرح ثلاثة مسؤولين في شركة «البريقة لتسويق النفط»، المسؤولة عن إمدادات الوقود في البلاد، لـ«رويترز» بأن إمدادات الوقود والبنزين لم تتأثر.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا في وقت سابق أنه - في حال استمرار هذه الاعتداءات - ستضطر إلى إعلان حالة القوة القاهرة ووقف العمل كلياً في المصفاة، التي تزود معظم السوق المحلية، بعد الإبلاغ عن ثالث هجوم بطائرة مسيرة في هذا الأسبوع. ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجمات. ولم تذكر السلطات من تعتقد أنه يقف وراءها، إلا أن ليبيا تشهد انقساماً بين فصيلين متنافسين منذ الإطاحة بمعمر القذافي قبل 15 عاماً.

تصاعدت ألسنة اللهب والدخان الأسود الكثيف من خزان وقود في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية (أ.ب)

مسيرة ثالثة تستهدف مصنعاً لخلط وتعبئة الزيوت

ذكرت المؤسسة أن طائرة مسيرة ثالثة استهدفت، الاثنين، مصنعاً لخلط وتعبئة الزيوت تابعاً لشركة «الزاوية لتكرير النفط»، وسقطت بالقرب من خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب التي تستخدم في تصنيع الزيوت لصالح السوق المحلية، دون أن يسفر ذلك عن أي إصابات أو أضرار.

وقالت وزارة النفط الليبية، في وقت مبكر من اليوم الثلاثاء، إن هجوماً على مجمع الزاوية أدى إلى اشتعال وانهيار الخزان التابع لشركة «البريقة»، وكان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين.

وذكرت أن سلسلة هجمات بالطائرات المسيرة طالت المجمع النفطي ومصفاة الزاوية، بالإضافة إلى محطة لتحلية المياه. وقال مسؤول في «البريقة» لـ«رويترز» إن الخزانات المجاورة للخزان المستهدف في الزاوية فُرغت لمنع امتداد الحريق، وتتواصل عمليات تبريد الخزانات الأخرى.

يعمل رجال الإطفاء على احتواء حريق اندلع في مصفاة الزاوية النفطية عقب غارة جوية بطائرة مسيرة في الزاوية بليبيا (رويترز)

ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات من النفط في أفريقيا

وتعرض إنتاج النفط في ليبيا للتوقف بشكل متكرر نتيجة لسنوات من الاضطرابات، رغم امتلاك البلاد أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط في أفريقيا. وشهدت منطقة الزاوية اشتباكات مسلحة متكررة، مما أجبر المصفاة الواقعة فيها على الإغلاق في بعض الأحيان. وكان أحدث تلك الإغلاقات لعدة أيام في مايو (أيار).

حريق في خزان تخزين بمصفاة نفط في الزاوية بليبيا (رويترز)

وتبلغ الطاقة التكريرية لمصفاة الزاوية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً غربي طرابلس، 120 ألف برميل يومياً، وترتبط المصفاة بحقل الشرارة النفطي الذي يبلغ إنتاجه نحو 300 ألف برميل يومياً. وتوقفت مصفاة رأس لانوف النفطية عن العمل منذ 2013، وهي الأكبر في ليبيا.

وتنتج ليبيا، التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على النفط، كميات تقل عن مستويات ما قبل عام 2011 البالغة 1.6 مليون برميل يومياً. إلا أنها تمكنت في يونيو (حزيران) من الوصول إلى 1.44 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى لها منذ 2013.