انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

وسط تساؤلات حول غياب «الحل الوطني» البديل

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
TT

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

تصاعدت موجة الانتقادات الليبية حيال الدور الأميركي في البلاد، وسط اتهامات لواشنطن بتبني نهج «براغماتي» يولي الأولوية لعقد «الصفقات التجارية وتأمين المصالح الاقتصادية»، على حساب الجهود الفعلية الرامية لحلحلة الانسداد السياسي المتأزم.

وكانت «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، قد عبّرت عن استهجانها لما سمّته «التحركات المشبوهة» لمستشار الشؤون الأفريقية الأميركي، مسعد بولس، وتدخلاته في ليبيا «من حيث مضمونها وسياقها»، فضلاً عن «تضارب المصالح وشبهات الفساد حولها».

ولفت بيان «كتلة التوافق» بالمجلس إلى مخاوف عديدة لدى شريحة واسعة من الليبيين، مفادها أن «التعاطي الخارجي مع الأزمة، وفي مقدمته الدور الأميركي، لم يعد يستهدف إيجاد حل مستدام للأزمة السياسية، بل تحول وانحرف إلى منطق الصفقات الاقتصادية، وتحديداً المرتبطة بقطاع النفط».

غير أن هذا الجدل فجّر تساؤلات جوهرية، أبرزها: هل تستطيع الأطراف الليبية في ظل انقسامها وتنازع حكومتين على السلطة إقناع واشنطن بتغيير سياساتها؟ والأهم من ذلك، هل تملك القدرة على طرح حلول وطنية بديلة تتصدى تدريجياً للتدخلات الخارجية؟

وعدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن بيان كتلته «عبّر عما يجول بعقول قطاع واسع من الليبيين حول إدارة بولس للملف بعقلية التاجر، الذي يركز على صفقات ثنائية بقطاع النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد التي تصب في مصلحة بلاده والقوى الفاعلة شرقاً وغرباً، دون التفات لمصالح الشعب».

وقال بن شرادة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد أي مستجد حقيقي بالمشهد السياسي، سوى ما يتداول عن سعي بولس لإيجاد حكومة موحدة، عبر التنسيق بين تلك القوى الفاعلة، أو إبقاء الوضع كما هو، مع الحيلولة دون نشوب أي نزاعات تعرقل تدفق النفط»، وأضاف متسائلاً: «ماذا أحرز بولس من تقدم في معالجة الأزمة السياسية، وتحديداً الانقسام السياسي والحكومي والتمهيد للانتخابات؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس بالغرب مقراً لها، وحكومة ثانية مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد.

ولعب بولس دوراً محورياً في إبرام اتفاقيات «شراكة ضخمة» بين مؤسسة النفط الليبية وشركات أميركية، أبرزها مع «كونوكو فيليبس» و«شيفرون» بقيمة 20 مليار دولار.

واستبعد بن شرادة أن تُقدم واشنطن على تغيير سياساتها في المرحلة المقبلة بشأن ليبيا، مؤكداً أن كتلته ستواصل «التنديد بهذه الصفقات وكشف تداعياتها، وفي مقدمتها ترسيخ نفوذ القوى الفاعلة، وهو ما يعني استمرار تأجيل الاستحقاق الانتخابي».

من جهته، أقر رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي، فيصل الفيتوري، بـ«وجود احتقان واسع من إدارة بولس للملف»، مرجعاً ذلك إلى «حصر تعاملاته مع القوى الفاعلة، وتهميش باقي المؤسسات، دون مراعاة الحساسية الشديدة لدى المجتمع الليبي لمثل هذا السلوك».

ورأى الفيتوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً من الانزعاج الليبي من بولس «يعود إلى تباين النظر إليه ما بين كونه دبلوماسياً ورجل أعمال»، داعياً إلى «التفريق بين الموقف منه والترحيب الليبي الدائم بالدور الأميركي، وثقله الدولي القادر على حلحلة أي جمود سياسي بأي ملف».

وأشار الفيتوري إلى أن اجتماعات بولس المتكررة مع صدام حفتر، نائب رئيس القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بغرب البلاد، «جاءت في إطار إدراكه أنهما الأكثر فاعلية بمناطق نفوذهما في شرق ليبيا وغربها، وقناعته بأنه يستطيع بناء جسر من التفاهم بينهما». مشيراً إلى أن تلك الاجتماعات «أظهرت أن واشنطن تريد معالجة الملف الليبي بشكل منفرد، بعيداً عن البعثة الأممية وخريطتها الرامية إلى تهيئة المناخ للانتخابات، ما أضعف دور الأخيرة، خصوصاً مع إخفاقها المستمر بحل الأزمة لأكثر من عقد».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة الليبي، إبراهيم هيبة، أن «الأزمة لا تنحصر فقط في تصاعد التدخلات الخارجية لواشنطن، وإنما في غياب الحل الليبي - الليبي»، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية «اتخذت منذ البداية طابعاً براغماتياً ذا طابع اقتصادي بحت؛ وأيضاً إيجاد قدر من الاستقرار الأمني، يضمن مصالح شركاتها وأمن خبرائها العاملين داخل ليبيا، دون التفات يذكر لقضية الانتخابات وتطلعات أبناء البلاد».


مقالات ذات صلة

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في اجتماع مع القادة العسكريين والأمنيين في الجنوب الليبي أبريل الماضي (رئاسة الأركان)

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شهد الجنوب الليبي تصعيداً ميدانياً جديداً، بعدما أطلق «الجيش الوطني» الليبي عملية عسكرية واسعة لتعقب مجموعات مسلحة متمردة يقودها محمد وردقو.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4 + 4» الليبية في تونس الثلاثاء (البعثة الأممية)

«ملفات معلقة» ترجئ اتفاقاً يمهد للانتخابات الليبية المرتقبة

أبقى تأجيل توقيع اتفاق نهائي بين الأفرقاء السياسيين الليبيين الباب مفتوحاً أمام جولة جديدة من التفاوض بعدما انتهى اجتماع رعته الأمم المتحدة في تونس الثلاثاء

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

صعّد عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني خلافه مع رئيس المجلس محمد المنفي بشأن إدارة جهاز المخابرات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى في لقاء مع اللجنة المالية بالبرلمان الليبي (صفحة المصرف المركزي)

ليبيا لمواجهة تهديدات سيبرانية تستهدف القطاع المصرفي

تحتاط ليبيا من تهديدات سيبرانية قد تستهدف قطاعها المصرفي بعد نحو شهر ونصف الشهر من تعرض منظومة مصرف ليبيا المركزي لاختراق إلكتروني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر خلال لقاء مع قادة عسكريين وأمنيين ليبيين في الجنوب الليبي الاثنين (الجيش الوطني الليبي)

هجوم «أرنديغا» يثير تساؤلات حول قدرات متمردي الجنوب الليبي

أعاد الهجوم الذي شنه متمردون على موقع تابع لـ«الجيش الوطني» في بوابة «أرنديغا» تساؤلات إلى واجهة المشهد الأمني في الجنوب الليبي بشأن الحجم الحقيقي لهذه المجموعة

علاء حموده (القاهرة)

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)

وصل رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، ليل الأربعاء، لمناسبة انعقاد اجتماع وزاري رفيع المستوى يهدف إلى تعزيز الشراكة بين البلدين، قبل زيارة مرتقبة للملك محمد السادس لباريس.

وجاء لوكورنو برفقة 12 وزيرا من بينهم وزير الخارجية جان نويل بارو، ووزير الداخلية لوران نونيز، واستقبلهم في مطار الرباط سلا رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش وعدد من أعضاء حكومته.

وسيجتمع الطرفان الخميس في إطار الدورة الخامسة عشرة للاجتماع بين حكومتي البلدين، وهو الأول من نوعه منذ العام 2019.

وأفاد بيان لرئاسة الوزراء المغربية الأربعاء بأن ذلك يأتي «تكريسا للشراكة الاستثنائية الوطيدة التي تجمع المغرب وفرنسا، بقيادة قائدي البلدين».

ويرتقب أن تتوج هذه القمة بتوقيع حوالى 15 اتفاق تعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والهجرة، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي.

وأشار المصدر إلى أن هذه الاتفاقات تتضمن مشاريع في قطاعات الطيران المدني والدفاع والنقل السككي والمياه والكهرباء والتعاون الثقافي.

وسجّلت العلاقات بين فرنسا والمغرب تحسنا ملحوظا، منذ اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها في صيف 2024.

وكان ماكرون استُقبل بحفاوة بالغة في الرباط خلال زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أنهت ثلاث سنوات من التوترات التي غذّتها خصوصا شبهات بالتجسس وأزمة تأشيرات. واختُتمت هذه الزيارة بتوقيع عدد كبير من الاتفاقات.

والثلاثاء جدد الملك محمد السادس في برقية تهنئة للرئيس إيمانويل ماكرون لمناسبة العيد الوطني لبلاده، تأكيد «حرص المملكة المغربية على مواصلة العمل مع فرنسا بنفس روح الصداقة والثقة والالتزام، والارتقاء بشراكتهما الاستثنائية المعززة إلى مرتبة مثالية».

ومنذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية أواخر العام 2020، راهن المغرب على انتزاع موقف مماثل من فرنسا حليفته التقليدية والعضو الدائم في مجلس الأمن، في مقابل تعزيز التعاون الاقتصادي معها.

ويرتقب أن يقوم العاهل المغربي بزيارة دولة لفرنسا من أجل توقيع «معاهدة مغربية فرنسية»، وفق ما أعلن وزيرا خارجية البلدين في مايو (أيار) في الرباط، من دون تحديد موعد هذه الزيارة.

وتراهن فرنسا على تقوية علاقاتها مع المغرب، لا سيما في ما يخص الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، بعدما تخلت عن سعيها للحفاظ على التوازن التقليدي في علاقتها المغاربية بين الرباط والجزائر.


50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
TT

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

انقلب قارب يحمل نحو 60 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال، وكان متجهاً إلى الشواطئ الأوروبية، قبالة سواحل شرق ليبيا في أحدث مأساة بحرية. وقالت السلطات إن ما لا يقل عن 50 شخصاً ماتوا أو فُقدوا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ووقع الحادث يوم الثلاثاء بالقرب من جزيرة البردعة قبالة مدينة طبرق الساحلية، وفقاً لسلطات خفر السواحل في شرق ليبيا، وتمكن 10 ناجين من السباحة إلى الجزيرة لإنقاذ أنفسهم. وقال خفر السواحل إن البحث عن آخرين مستمر.

وهذه أحدث مأساة تقع قبالة سواحل ليبيا، وهي إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والوصول إلى الشواطئ الأوروبية من أجل حياة أفضل هناك. وفي الشهر الماضي أدى غرق سفينة قبالة سواحل شرق ليبيا إلى مقتل أو فقدان 51 مهاجراً.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إنه تم تسجيل مقتل أو فقدان أكثر من 800 مهاجر في طريق وسط البحر المتوسط في الفترة من أول يناير (كانون الثاني) وحتى 16 مايو (أيار) من هذا العام. وأضافت أن العام الماضي شهد مقتل أو فقدان أكثر من 1300 مهاجر على هذا الطريق.


«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
TT

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية للنظر في طلب قدمه مكتب المدعي العام لسحب الاتهامات الموجهة إلى المواطن السوداني عبد الله بندة أبكر نورين، أحد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، في خطوة قد تنهي إحدى أقدم القضايا المنظورة أمام المحكمة.

وقالت المحكمة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الدائرة الابتدائية الرابعة ستعقد الجلسة عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت لاهاي، للاستماع إلى ملاحظات الادعاء والدفاع والمشاركين بشأن طلب سحب الاتهامات، على أن تُبث الجلسة عبر الموقع الإلكتروني للمحكمة.

وتتعلق القضية بالهجوم الذي وقع في 29 سبتمبر (أيلول) 2007 على موقع قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أميد) في بلدة حسكنيتة بولاية شمال دارفور، وأسفر عن مقتل 12 من أفراد القوة، وإصابة ثمانية آخرين بجروح خطيرة. وكان بندة قد مثل طوعاً أمام المحكمة في يونيو (حزيران) 2010، قبل أن تؤكد الدائرة التمهيدية الأولى التهم الموجهة إليه في 7 مارس (آذار) 2011 وتحيله إلى المحاكمة، ثم تغيب عن جلسات المحكمة، فأصدرت الدائرة الابتدائية الرابعة مذكرة توقيف بحقه في 11 سبتمبر 2014، وظلت القضية معلقة لعدم مثوله أمام المحكمة التي لا تجري محاكمة غيابية.

الادعاء يطلب إسقاط التهم

وأعلن مكتب المدعي العام، الثلاثاء، أنه طلب الإذن بسحب ثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب ضد عبد الله بندة، وأنه خلص إلى أن الأدلة لم تعد توفر «أسباباً جوهرية» للاعتقاد بمسؤوليته الجنائية عن الجرائم المنسوبة إليه. وقال مكتب المدعي العام إنه تقدم بطلب سحب الاتهامات في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وظل سرياً؛ تنفيذاً لأوامر الدائرة، قبل أن ترفع السرية عن الوثائق ويعلن عنه هذا الأسبوع.

أرجع قراره إلى التدهور الكبير الذي أصاب الأدلة بمرور الزمن، واستنفاد جميع مسارات التحقيق، وتعذر الوصول إلى عدد من الشهود أو امتناعهم عن التعاون، إلى جانب وجود مشكلات تتعلق بمصداقية بعض الشهود الرئيسيين، وظهور أدلة جديدة تصبّ في مصلحة المتهم. وأضاف: «مرور أكثر من عقد على تأكيد التهم، ووصول التحقيقات إلى مراحلها النهائية، يجعلان من غير المرجح أن تؤدي أي تحريات إضافية إلى تغيير هذا التقييم».

وأرجع مكتب المدعي العام قراره إلى ما أسماه «تقييم موضوعي للأدلة»، والتزاماً بعد المضي إلى المحاكمة إلا عندما تتوافر أدلة كافية، مشيراً إلى أن سحب التهم – حال موافقة المحكمة عليه - سينهي قضية بندة، من دون أن يمنع الادعاء من إعادة توجيه الاتهامات مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة.

وقالت نائبة المدعي العام، نزهة خان، إن مكتبها يدرك أثر القرار على الضحايا الذين انتظروا العدالة لسنوات، بيد أنه ملتزم بضمان عدم إحالة أي قضية للمحاكمة إلا إذا استند إلى أدلة كافية.

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة خان (أ.ف.ب)

وتابعت: «طلب سحب التهم يخص بندة وحده، ولا يؤثر على القضايا الأخرى المتعلقة بجرائم دارفور، أو على التحقيقات التي يجريها مكتب الادعاء بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية في السودان».

ويأتي طلب سحب التهم في حين لا يزال بندة حاضراً على الساحة العسكرية في السودان، فبعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، انضم إلى القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا، والمتحالفة حالياً مع الجيش. وذكرت صحيفة «سودان تربيون» أنه وصل إلى مدينة الفاشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على رأس قوة عسكرية، وأعلن انضمامه للقتال إلى جانب الجيش، قبل أن يشارك لاحقاً في العمليات العسكرية التي خاضتها القوة المشتركة في إقليم دارفور. وحسب الصحيفة، فإن بندة تعرض لإصابات بالغة خلال هجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة المالحة بشمال دارفور في مارس 2025، ونُقل إلى مصر لتلقي العلاج، ثم عاد بعدها إلى أم درمان.

ويجئ طلب سحب التهم في ظل التعقيدات التي واجهت أحد أقدم ملفات المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور، في وقت يواصل فيه مكتب المدعي العام تحقيقاته في الجرائم المرتكبة بإقليم دارفور، منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وأحال مجلس الأمن الدولي قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية في 2005، بموجب القرار 1593، لتصبح أول قضية تحال إلى المحكمة بقرار من المجلس. وتبعاً لذلك؛ أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السودانيين، بينهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، الذي صدرت بحقه مذكرتا توقيف، الأولى في 4 مارس 2009 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والأخرى في 12 يوليو 2010 بتهمة الإبادة الجماعية. وأصدرت المحكمة كذلك أوامر قبض بحق وزير الدولة بوزارة الداخلية أحمد محمد هارون وقتها في أبريل 2007، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين في الأول من مارس 2012، إضافة إلى عبد الله بندة.

ورفضت حكومة الرئيس عمر البشير طوال فترة حكمها الاعتراف باختصاص المحكمة أو تسليم أي من المطلوبين، رغم مطالبة مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية بذلك بصورة متكررة.

وبعد سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019، أعلنت الحكومة الانتقالية استعدادها للتعاون مع المحكمة، ونص اتفاق جوبا للسلام الموقّع في أكتوبر 2020 على التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما وافق مجلس الوزراء في أغسطس (آب) 2021 على مشروع قانون للانضمام إلى نظام روما الأساسي، وأعلن مسؤولون التزامهم بتسليم المطلوبين، لكن تلك التعهدات لم تنفذ حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021.

علي كوشيب خلال جلسة النطق بالحكم حيث أدين بجرائم حرب في دارفور 9 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولا يزال مصير تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم المطلوبين من الجنائية الدولية معلقاً، وتخفي السلطات مكان وجودهم، علماً أن البشير يقيم في مكان ما بشمال البلاد.

ويعد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أول وآخر متهم في قضية دارفور مثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد سلم الرجل نفسه للمحكمة في يونيو 2020، وأدانته الدائرة الابتدائية الأولى في 6 أكتوبر 2025 بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وحكمت عليه في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالسجن لمدة عشرين عاماً.

وتعدّ إدانة كوشيب أول إدانة تصدرها المحكمة في قضايا دارفور منذ إحالة الملف إليها قبل أكثر من عشرين عاماً، ويظل الحكم الصادر بحقه قابلاً للاستئناف. أما بحر إدريس أبو قردة، الذي شغل منصب وزير الصحة بعد توقيعه اتفاقية سلام مع حكومة البشير، فقد مثُل طوعاً أمام المحكمة عام 2009 في القضية نفسها المتعلقة بهجوم حسكنيتة، ورفضت الدائرة التمهيدية اعتماد التهم بحقه، لتنتهي الإجراءات القضائية في مواجهته دون إحالته إلى المحاكمة.