«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

علماء نجحوا في هندسة خلايا مناعية داخلية مقاومة للأورام الخبيثة مباشرة

صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
TT

«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان
صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان

فنجح باحثون في تحقيق اختراق علمي لافت، حيث تمكنوا من هندسة خلايا مناعية مقاومة للسرطان مباشرة داخل أجسام فئران حية، ما يمهد الطريق لعلاج بسيط قد يُعطى عبر حقنة واحدة، ويغني عن الحاجة إلى العلاج الكيميائي السام.

تقنية «كريسبر» المتقدمة

وفي تفاصيل هذا الإنجاز استخدم العلماء تقنية «كريسبر» المتقدمة (الخاصة بالتحرير، والقصّ الجيني) لتحويل حقنة تقليدية إلى أداة علاجية متطورة قادرة على إعادة برمجة الجهاز المناعي داخل الجسم نفسه. ووفقاً لدراسة نُشرت في 18 مارس (آذار) 2026 في دورية «نتشر» Nature فإن هذه الطريقة قد تتجاوز التحديات الحالية المرتبطة بالعلاجات المناعية، مثل التكلفة العالية، وتعقيد الإجراءات، وطول مدة العلاج.

شكل تصويري لخلايا مناعية (باللون الأخضر) تحيط بورم سرطاني (الأزرق)

علاج مناعي مختبري معروف للسرطان

وتركز الدراسة على فئة ناشئة من علاجات السرطان تعرف باسم «علاجات الخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية» (CAR T - cell). ويعتبر هذا العلاج حالياً إنجازاً طبياً مذهلاً، لكنه يواجه عقبة لوجيستية كبيرة. فآلية عمله تعتمد على استخلاص الخلايا المناعية للمريض (الخلايا التائية)، ثم هندستها وراثياً في مختبر متخصص لتصبح قادرة على قتل الخلايا السرطانية، وأخيراً إعادة حقنها في جسم المريض.

ورغم أن هذه العملية حققت النجاح بحدوث تراجع ملحوظ في الأورام لبعض المرضى المصابين بسرطانات الدم، مثل اللوكيميا، واللمفوما، فإنها تحمل عيوباً كبيرة، إذ تتجاوز تكلفة العلاج مئات الآلاف من الدولارات، وتتطلب أسابيع من الانتظار، وتجبر المرضى على الخضوع لعلاج كيميائي سام مسبقاً للقضاء على جهازهم المناعي الحالي، لإفساح المجال للخلايا الهندسية الجديدة.

هندسة حيوية داخل الجسم

وبهدف بناء جيش داخل الجسم بطريقة أكثر أماناً، طالما حلم العلماء بتبسيط هذه العملية عن طريق هندسة الخلايا التائية مباشرة داخل المريض، وهو مفهوم يعرف باسم الهندسة الحيوية داخل الجسم In vivo engineering -، وهي تقنية علمية تعني تعديل الخلايا أو الجينات مباشرة داخل جسم الكائن الحي بدلاً من إخراج الخلايا، وتعديلها في المختبر، ثم إعادتها.

حقنة تتحول إلى مصنع إنتاج خلايا مناعية

وإذا نجح هذا النهج، فقد تحول حقنة بسيطة نظرياً جسم المريض نفسه إلى مصنع لإنتاج خلايا مقاومة للسرطان، مما يلغي الحاجة إلى العمل المختبري المكلف، والعلاجات المسبقة القاسية.

لكن هذا الحلم كان يحمل في طياته كابوساً محتملاً: إذ ماذا لو قامت أدوات التعديل الجيني بتغيير خلايا خاطئة عن طريق الخطأ؟ أو أدخلت الجين المقاوم للسرطان في مكان خاطئ داخل الجينوم مما قد يؤدي إلى ظهور أورام جديدة؟

انطلق الدكتور جاستن إيكيم، عالم المناعة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو الولايات المتحدة الأميركية، والمؤلف الرئيس للدراسة، لحل هذه المعضلة الأمنية. فقد بنى فريقه نظاماً يحمل «طبقات متعددة من الأمان» multiple layers of safety لضمان تحول الخلايا التائية فقط، ووضع التعديل الجيني في مكان آمن ومضبوط داخل جينوم الخلية.

إرسالية ذات مرحلتين

يشبه حل الفريق خدمة توصيل متطورة مزودة بنظام أمان مزدوج. إذ استخدم الباحثون نوعين مختلفين من الناقلات لحمل الشحنة الجينية. المجموعة الأولى حملت أدوات التعديل الجيني «كريسبر» التي تعمل كمقصات جزيئية، بينما حملت الأخرى المخطط الجيني للبروتين المقاوم للسرطان (CAR).

ولكي تتحول الخلية التائية إلى قاتلة للسرطان كان عليها تسلم كلتا هاتين الإرساليتين. ويقلل هذا النظام المزدوج بشكل كبير من خطر تعديل أنواع أخرى من الخلايا عن طريق الخطأ.

اختبارات ناجحة

وعندما اختبر الباحثون نظامهم على فئران تم زرع أورام سرطانية بشرية فيها كانت النتائج مذهلة. في الفئران المصابة باللوكيميا، والمايلوما المتعددة، أو الورم النخاعي المتعدد multiple myeloma (هو نوع من سرطان الدم يصيب خلايا البلازما) تم القضاء على السرطان تماماً. والأكثر إثارة للدهشة أن العلاج نجح في مكافحة الساركوما sarcoma (وهو ورم صلب ونادر من السرطان يتطور في الأنسجة الضامة، مثل العظام، والغضاريف، والدهون، والعضلات، والأوعية الدموية). وكانت علاجات الخلايا التائية قد عانت تاريخياً من صعوبة في علاج الأورام الصلبة، ما يجعل هذا الإنجاز واعداً بشكل خاص.

من الخيال العلمي إلى الأمل السريري

يتذكر الدكتور إيكيم أنه عندما تصور هذه الفكرة لأول مرة في عام 2017 «بدت وكأنها خيال علمي». والآن بعد ثماني سنوات فقط تتقدم التكنولوجيا بسرعة نحو التجارب على البشر. فقد شارك في تأسيس شركة تكنولوجيا حيوية لاختبار هذا النهج على القرود، مع آمال في إطلاق تجارب سريرية على البشر بحلول نهاية عام 2027.

وإذا نجحت هذه المساعي فستكون الآثار عميقة، إذ سيكون علاج الخلايا التائية داخل الجسم الحي أرخص بكثير في التصنيع، لأنه سيكون عبارة عن حقنة موحدة «جاهزة للاستخدام» بدلاً من منتج مخصص لكل مريض. والأهم من ذلك أنه سيجنب المرضى العلاج الكيميائي السام المطلوب حالياً، ما قد يجعل هذا العلاج المنقذ للحياة في متناول أولئك الذين هم في حالة صحية سيئة للغاية بحيث لا تسمح لهم بتحمل بروتوكولات العلاج الحالية.

أسئلة باقية دون إجابة

ورغم الحماسة التي أثارتها النتائج يدعو الخبراء إلى التفاؤل الحذر. فقد أشارت الدكتورة راشيل بيريت عالمة المناعة في معهد مالاغان للأبحاث الطبية في ويلينغتون نيوزيلندا غير المشاركة بالدراسة، إلى أنه رغم أن نتيجة الساركوما «واعدة بشكل خاص»، فإنه لا يزال من غير الواضح كم من الوقت تدوم تأثيرات العلاج. بالإضافة إلى ذلك وحتى مع وجود طبقات الأمان الإضافية، فإن هناك خطراً من أن كميات صغيرة من أدوات «كريسبر» قد تقوم عن غير قصد بتعديل خلايا في أعضاء أخرى مثل الكبد.

ومع ذلك تمثل هذه الدراسة نقلة نوعية في المفاهيم السائدة. فهي تثبت أن أعقد علاج خلوي في الطب الحديث قد يصبح يوماً ما بسيطاً كحقنة واحدة. فمن خلال تحويل جسم المريض نفسه إلى مختبر يقترب الباحثون خطوة من مستقبل قد تصبح فيه مكافحة السرطان بسيطة، مثل تلقي أي لقاح.


مقالات ذات صلة

خريطة جينية لإدمان الكوكايين تكشف دوراً مفاجئاً للكبد

علوم الكبد لاعب رئيس في الإدمان

خريطة جينية لإدمان الكوكايين تكشف دوراً مفاجئاً للكبد

اختلافات في الجينات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعدل وسلوك تعاطي الكوكايين بصورة قهرية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

نظم تحلل البيانات، وتقرر النتائج في ثوانٍ... وتقنيات يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

رصدت 130 مليون متغير جيني

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم «الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

محاولات لتوليد تسلسلات جينية جديدة وصولاً إلى بناء كائنات حية حسب الطلب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة... حيث تتفاعل مسارات جينية متعددة لإحداث المرض

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

الذكاء الاصطناعي: برامج تعليمية لرصد كتاباته المقتبسة... ومنصات صحية وأخرى لمكافحة الهجمات الإلكترونية

الذكاء الاصطناعي: برامج تعليمية لرصد كتاباته المقتبسة... ومنصات صحية وأخرى لمكافحة الهجمات الإلكترونية
TT

الذكاء الاصطناعي: برامج تعليمية لرصد كتاباته المقتبسة... ومنصات صحية وأخرى لمكافحة الهجمات الإلكترونية

الذكاء الاصطناعي: برامج تعليمية لرصد كتاباته المقتبسة... ومنصات صحية وأخرى لمكافحة الهجمات الإلكترونية

مع أن ثورة الذكاء الاصطناعي تتجه نحو تطوير الأدوات الذكية، إلا أن هناك استخدامات كثيرة للتعلم الآلي والحوسبة التقليدية. وتتوجه بعض الشركات إلى مجال الرعاية الصحية، فيما تتوجه شركات أخرى إلى رصد وتحديد المحتوى المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وغيرها ، كما كتب مورغان كليندانيال.

لقطة من عرض برنامج «إيه آي لوجيك» لرصد الكتابات المقتبسة من الذكاء الاصطناعي

برنامج لرصد الكتابات المقتبسة من الذكاء الاصطناعي

قد يكون التكهن باستخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة أمراً مسلياً، لكنه قد يُشكل اتهاماً خطيراً بالنسبة لكثير من المهنيين وكذلك الطلاب الذين يقدمون أبحاثاً.

برنامج «إيه آي لوجيك» AI Logic، من شركة «كوبيليكس» Copyleaks مصمم لكشف الكتابة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويهدف إلى توضيح ما إذا كان النص مكتوباً بواسطته. والأهم من ذلك، شرح السبب ومستوى الثقة في ذلك. يحدد البرنامج العبارات الشائعة الاستخدام في الذكاء الاصطناعي، ويتحقق مما إذا كان أي جزء من النص مأخوذاً من مصادر أخرى معروفة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد تم دمجه الآن في كثير من الأنظمة التعليمية، ما يتيح للمعلمين طريقة سهلة لمراقبة عمل الطلاب، وتؤكد الشركة أنها تُجري 650000 فحص للذكاء الاصطناعي يومياً.

برنامج لتدوين الملاحظات العلاجية بالذكاء الاصطناعي

أطلقت «غرو » Grow، وهي منصة علاجية عبر الإنترنت من شركة «Grow Therapy» وتتجاوز إيراداتها مليار دولار، برنامجاً لتدوين الملاحظات يعمل بالذكاء الاصطناعي لتقليل الوقت الذي يقضيه المعالجون في حفظ السجلات، ما يسمح لهم بالتركيز على التواصل مع المرضى. يسجل البرنامج الجديد الزيارة، ما يُمكّن المعالجين من الموافقة على الملاحظات لاحقاً بدلاً من التركيز عليها أثناء الجلسة، وبالتالي تقليل الوقت الذي يقضيه المعالجون في التدوين والتوثيق بنسبة 70 في المائة.

تساعد خدمة الذكاء الاصطناعي المرضى أيضاً على تدوين يومياتهم بين الجلسات - وهو أمر يفعله أكثر من 35000 مريض في مركز «غرو» كجزء من علاجهم النفسي - ما يُتيح إنشاء ملخصات سريعة تُستخدم كأنها نقطة انطلاق للجلسة التالية.

برنامج لمحاربة الهجمات الإلكترونية

يُعدّ «دايجست» Digest من شركة «Darktrace» نموذجاً للذكاء الاصطناعي تم تدريبه على أكثر من مليون حادثة أمن سيبراني، ويُستخدم لمكافحة الهجمات الإلكترونية باستخدام ذكاء اصطناعي متخصص. وهو إحدى ميزات «دارك تريس سايبر إيه آي أناليست»، وهي خدمة للكشف عن الاختراقات بسرعة وإيقافها قبل أن تُسبب اضطراباً أو تؤدي إلى كشف بيانات حساسة.

وبالتعاون مع عملاء من الشركات والهيئات الحكومية، أجرى البرنامج، الذي يُحقق تلقائياً في التنبيهات لتمكين متخصصي الأمن من تحديد أولوياتهم، أكثر من 90 مليون تحقيق في الجرائم الإلكترونية عام 2024. وفي إحدى الشركات، وهي هيئة مياه في كاليفورنيا، أدى برنامج «دارك تريس» إلى تقليل وقت فرز كل تنبيه أمني من ثلاث ساعات إلى 20 دقيقة.

منصة ألعاب «مي آند ماين»

برنامج ألعاب لتقييم الصحة النفسية للأطفال

عندما يلعب الطلاب ألعاب «مي آند ماين» MeandMine من Gamified، قد يبدو الأمر ممتعاً، ولكنه في الواقع يساعدهم على بناء مهارات ضبط النفس، كما يمنح المعلمين نظرة ثاقبة على المؤشرات المبكرة لسلوكيات مُزعجة. تساعد المتابعة اليومية للعواطف والطاقة والتواصل الاجتماعي والصحة البدنية الشركة على رسم خريطة «طيف ضبط النفس» لدى الطفل، ثم يقوم محرك الذكاء الاصطناعي الخاص بالشركة بتحليل أكثر من 160 مؤشراً سلوكياً في أكثر من 200 لعبة متوفرة على المنصة.

يستخدم البرنامج في أكثر من 200 مدرسة ومركز صحي لخدمة أكثر من 40000 طالب. وتم الإبلاغ عن زيادة بنسبة 70 في المائة في الاستعداد للتعلم والتحسن بنسبة 40 في المائة في مؤشرات الصحة السلوكية.

منصة ذكاء صحي للتسجيل

عندما تكون مريضاً، فأنت تريد أن يركز طبيبك على مرضك، وليس على الأعمال الإدارية أو رموز الفواتير. «أمبيانس هيلث كير» Ambience Healthcare تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تستمع إلى محادثات المرضى، وتتولى تعبئة النماذج والفواتير، وغير ذلك من المهام الإدارية للأطباء بعد انتهاء الموعد، ما يتيح للطبيب التركيز على المريض.

أظهرت الاختبارات أن التقنية حققت انخفاضاً بنسبة 41 في المائة في وقت التوثيق الفعلي، وانخفاضاً بنسبة 39 في المائة في التوثيق المنجز خارج ساعات العمل لمستخدميها. وبفضل التدريب الذي يجعلها قابلة للتطبيق في أكثر من 200 تخصص طبي مختلف، تقدم الخدمة أيضاً ملخصات للسجلات الطبية، ما يوفر للأطباء ملخصات مفيدة لتاريخ المرضى الطبي قبل الزيارات. وبعد منافسة مع عدد من خدمات الرعاية الصحية الأخرى التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في كليفلاند كلينك، تم اختيار «أمبيانس هيلث كير» لشراكة مدتها خمس سنوات.

برنامج لقراءة الأشعة

سعى كثير من شركات الذكاء الاصطناعي إلى قراءة نتائج الأشعة بشكل أفضل من أخصائيي الأشعة. في المقابل، يسعى برنامج «بريسيجن بلاس في3» PrecisionPlus V3 إلى جعل النتائج أكثر سهولة في الفهم. فبعد إجراء التصوير بالرنين المغناطيسي، يُحسّن البرنامج التقرير تلقائياً برسوم توضيحية مفيدة، وصور مُعلّقة، وملخص مُوجز مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مكتوب بلغة بسيطة.

وهذا ما يجعل التقرير وثيقة مفيدة لكل من المريض الذي يفهم نتائجه بشكل أفضل، والطبيب المعالج الذي لا يحتاج إلى الاتصال بأخصائي الأشعة للحصول على معلومات إضافية. ويُستخدم البرنامج حالياً من قِبل إكسبيرت راديولوجي، وهي شبكة طب الأشعة عن بُعد تعمل في جميع الولايات الخمسين، وتغطي أكثر من 150000 حالة سنوياً.

* مجلة «فاست كومباني»


لوحة طاقة شمسية صغيرة... قد تُغير أميركا

لوحة طاقة شمسية صغيرة... قد تُغير أميركا
TT

لوحة طاقة شمسية صغيرة... قد تُغير أميركا

لوحة طاقة شمسية صغيرة... قد تُغير أميركا

ليس من السهل استغلال الطاقة الشمسية في أميركا (بشكل رخيص)، لأن أصحاب المنازل يضطرون إلى الاستعانة بفنيين لتركيب ألواح الطاقة الشمسية على أسطح منازلهم. وقد يستغرق الأمر سنوات عديدة لاسترداد تكلفتها، كما كتب روبنسون ماير، محرر الرأي التكنولوجي(*).

«طاقة الشرفات والحدائق»

هذا الأمر قد يتغير قريباً في أكثر من نصف البلاد، بعد انتشار تقنية تُعرف باسم الطاقة الشمسية المنزلية أو «طاقة الشرفات أو طاقة الحدائق balcony or garden solar»، التي تحظى بشعبية كبيرة في ألمانيا، ويعود ذلك جزئياً إلى إمكانية شراء مجموعة تركيبها بأقل من 600 دولار بعد شرائها من متاجر «إيكيا».

وهي عبارة عن نظام ألواح شمسية صغير، يُنتج عادةً ما يصل إلى 1200 واط من الكهرباء، أي ما يزيد قليلاً على قدرة استهلاك الثلاجة، يمكن تثبيته على الحائط أو تعليقه على درابزين أو وضعه في الحديقة، ثم توصيله مباشرةً بمقبس الحائط. وبمساعدة جهاز صغير يُسمى المحول العاكس الصغير (micro inverter)، يُضخ هذا النظام الكهرباء إلى دوائر المنزل لتعويض استهلاك الطاقة.

وقد أقرّت ثلاثون ولاية على الأقل تشريعات تُجيز تركيب أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية، أو تدرس حالياً مشاريع قوانين مماثلة. وتحظى هذه الفكرة بقبول واسع، ففي العام الماضي، أصبحت ولاية يوتا، ذات الأغلبية الجمهورية، أول ولاية في البلاد تسمح ببيع أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية.

الولايات المتحدة ولّدت طاقة من الشمس أكثر من الفحم

هناك عدة أسباب وجيهة تدعو أميركا إلى تبني الطاقة الشمسية في الشرفات. أولاً، ستُوسّع هذه التقنية نطاق الوصول إلى مصدر طاقة نظيف يلعب دوراً متزايد الأهمية في منظومة الطاقة العالمية. فبعد عقد من الانخفاضات الهائلة في التكاليف، أصبحت الطاقة الشمسية قوةً مؤثرة: ففي الشهر الماضي، ولأول مرة في التاريخ، ولّدت الولايات المتحدة -رغم تدخل إدارة ترمب في مشاريع الطاقة المتجددة- كهرباء من الطاقة الشمسية أكثر مما ولّدته من الفحم.

وسيلة للحد من الاحتباس الحراري

كما يُمكن لتركيب نظام الطاقة الشمسية في الشرفة أو الفناء الخلفي أن يُشجع شريحة كبرى من الناس على الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، خصوصاً المستأجرين. تُعدّ الطاقة الشمسية في الشرفات وسيلةً بسيطةً تُمكّن سكان الشقق والوحدات السكنية في أميركا من التحكم في خياراتهم المتعلقة بالطاقة والحد من التلوث بشكل طفيف.

وتُعدّ تكاليف تركيب أنظمة الطاقة الشمسية على أسطح المنازل في الولايات المتحدة باهظةً للغاية مقارنةً ببقية دول العالم. وحسب مجموعة الأبحاث والدعوة «بيرميت باور»، فإن نظام الطاقة الشمسية القياسي على أسطح المنازل بقدرة 7 كيلوواط، الذي تبلغ تكلفة تركيبه 28000 دولار أميركي في الولايات المتحدة، لن تتجاوز تكلفته 4000 دولار أميركي في أستراليا أو 10000 دولار أميركي في ألمانيا.

وفي المستقبل، يُفترض أن تتمكن أنظمة الطاقة الشمسية في الشرفات من تجنب بعض التكاليف المتزايدة لأنظمة الطاقة الشمسية على أسطح المنازل: إذ ستُباع جاهزة كمنتج استهلاكي، ويمكن لأي شخص تقريباً تركيبها دون الحاجة إلى تدريب خاص؛ كما أنها لا تتطلب سوى الحد الأدنى من الموافقات.

مساهمة متواضعة

ولا تزال هناك بعض المسائل التقنية التي تحتاج إلى حل حول كيفية عمل أنظمة الطاقة الشمسية في الشرفات في الولايات المتحدة، ويعود ذلك جزئياً إلى اختلاف شبكات الكهرباء لدينا عن نظيرتها في أوروبا.

لديّ قلق واحد بشأن أنظمة الطاقة الشمسية في الشرفات، وهو أن يُبالغ المستخدمون في تقدير مساهمتها في المستقبل. تتمتع الألواح الصغيرة بسحر خاص، إذ توحي بإمكانية توليد الكهرباء بأنفسنا، كما كان أسلافنا يخبزون خبزهم أو يخيطون ملابسهم. لكنها أصغر من أن تحل محل شبكة الكهرباء.

لكن، في أبرد صباحات السنة وأحرّ أمسياتها، وفي أيام أخرى كثيرة، سيظل نظام توليد وتوزيع الكهرباء الضخم والقوي ضرورياً.

طاقة نظيفة

وتُجسّد الطاقة الشمسية الموصولة بالكهرباء أحد نماذج التغييرات المقبلة: فبفضل صغر حجمها، تُتيح الأجهزة إنتاج الطاقة في الشرفات والحدائق الخلفية. لكنها ليست سوى بشارة واحدة من بين بشائر كثيرة من ذلك العالم الجديد. فمع استمرار تطور البطاريات، سيتم تخزين كميات أكبر فأكبر من الطاقة بأحجام ومقاييس أصغر، مما سيمكّن من ابتكارات وتقنيات لا نتخيلها بعد -تقنيات ستغير عالمنا كما فعلت الدراجة والمحرك النفاث.

بعض تقنيات الطاقة الجديدة الخالية من الكربون على وشك الانتشار الواسع أو على الأقل الجدوى التقنية: الطاقة الحرارية الأرضية المحسّنة، والطاقة الشمسية الفضائية، والهيدروجين المستخرج من المناجم، وأنواع جديدة من الانشطار النووي، وحتى الاندماج النووي. وستلعب الطاقة الشمسية المنزلية دوراً صغيراً في هذا التطور، فهي رخيصة وسهلة التركيب، وتُعد إضافةً قيّمة لنظام الطاقة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


خريطة جينية لإدمان الكوكايين تكشف دوراً مفاجئاً للكبد

الكبد لاعب رئيس في الإدمان
الكبد لاعب رئيس في الإدمان
TT

خريطة جينية لإدمان الكوكايين تكشف دوراً مفاجئاً للكبد

الكبد لاعب رئيس في الإدمان
الكبد لاعب رئيس في الإدمان

كشف علماء أميركيون عن أدلة جينية جديدة تسلط الضوء على آليات إدمان الكوكايين، حيث حددوا مساراً بيولوجياً يمتد إلى ما هو أبعد من الدماغ ليشمل الكبد أيضاً. وقد يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام جيل جديد من العلاجات التي تستهدف تقليل خطر الإدمان من خلال التأثير في كيفية معالجة الجسم لهذا المخدر.

وأجرى باحثون بقيادة أوليفييه جورج من قسم الطب النفسي جامعة كاليفورنيا-الولايات المتحدة الأميركية الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 11 يونيو (حزيران) 2026، وهي واحدة من كبرى الدراسات الجينية حول إدمان الكوكايين حتى الآن، مستخدمين نحو 900 جرذ تتمتع بتنوع جيني واسع لدراسة أسباب قابلية بعض الأفراد للإدمان القهري مقارنة بغيرهم.

البحث عن الجينات المسؤولة عن الإدمان

لطالما عرف العلماء أن للعوامل الوراثية دوراً مهماً في تحديد مدى قابلية الشخص للإصابة باضطرابات تعاطي المواد المخدرة، إلا أن تحديد الجينات المسؤولة عن ذلك ظل تحدياً كبيراً.

وقد توصلت الدراسة الجديدة إلى مجموعة من الجينات تُعرف باسم Ces1، وهي مسؤولة عن إنتاج إنزيمات تعمل على تكسير الكوكايين داخل الجسم. وأظهرت النتائج أن الاختلافات في هذه الجينات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعدل وسلوك تعاطي الكوكايين بصورة قهرية لدى الحيوانات.

الكبد لاعب رئيس في مسار الإدمان

وتشير النتائج إلى أن الإدمان لا يعتمد فقط على التغيرات التي تحدث في الدماغ كما كان يُعتقد سابقاً، بل إن طريقة استقلاب الجسم للكوكايين قد تكون عاملاً حاسماً في تحديد مدى تطور السلوك الإدماني.

وقال البروفسور أوليفييه جورج إن اكتشاف إنزيم موجود في الكبد يؤثر في سلوك تعاطي الكوكايين كان بمثابة لحظة فارقة للباحثين. وأضاف أن الإدمان يجب أن يُنظر إليه على أنه اضطراب معقد تشارك فيه أجهزة متعددة في الجسم، وليس الدماغ وحده.

دراسة جينية واسعة النطاق

اعتمد الباحثون في دراستهم على جرذان ذات مخزون وراثي متنوع، وهو نموذج بحثي مصمم لمحاكاة التنوع الجيني الكبير الموجود لدى البشر. وقد سمح ذلك بمقارنة الأفراد الأكثر مقاومة للإدمان بطبيعتهم مع أولئك الذين يمتلكون استعداداً وراثياً أكبر لتطوير سلوكيات إدمانية.

ومن خلال تحليل ملايين العلامات الجينية في كل حيوان، تمكن الفريق من تحديد ست مناطق جينية رئيسة مرتبطة بسلوكيات شبيهة بالإدمان، بما في ذلك زيادة استهلاك المخدر تدريجياً، وتقارب الفترات الزمنية بين الجرعات.

تعديل الجينات هدف علاجي واعد

وكان من أبرز الاكتشافات تحديد الدور المحوري لعائلة جينات Ces1. ونظراً لأن هذه الجينات تتحكم في إنتاج الإنزيمات المسؤولة عن استقلاب الكوكايين، يعتقد الباحثون أن تعديل نشاطها قد يغير تأثير المخدر في الجسم، ويحد من قدرته على التسبب في الإدمان.

كما أكدت الدراسة وجود ارتباط بجين آخر يُعرف باسم Trak2 سبق أن رُبط بإدمان المخدرات لدى البشر. ويعزز هذا الاكتشاف الثقة في أن المسارات البيولوجية التي جرى تحديدها في النماذج الحيوانية قد تكون ذات أهمية مباشرة في فهم الإدمان لدى الإنسان.

وأوضحت الباحثة الرئيسة الدكتورة مونتانا كاي لارا من قسم الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا أن العلماء اشتبهوا منذ سنوات في أن الاختلافات في استقلاب الكوكايين قد تؤثر في خطر الإدمان، إلا أن الدراسة الحالية تقدم دليلاً قوياً يدعم هذه الفرضية.

نحو تشخيص مبكر وعلاجات أكثر فعالية

ينتقل الفريق البحثي حالياً إلى المرحلة التالية من المشروع، والتي تركز على فهم كيفية تأثير الطفرات الجينية المكتشفة في وظيفة الإنزيمات، وآليات استقلاب الكوكايين.

كما يخطط الباحثون لتحليل آلاف العينات البيولوجية التي جُمعت خلال الدراسة، بما في ذلك عينات الدم، والبول، والأنسجة المختلفة، بهدف البحث عن مؤشرات حيوية قد تساعد مستقبلاً في التنبؤ بخطر إصابة الأفراد باضطرابات تعاطي المواد المخدرة.

ويرى الخبراء أن مثل هذه المؤشرات قد تتيح الكشف المبكر عن الأشخاص الأكثر عرضة للإدمان، مما يسمح بالتدخل الوقائي قبل تطور السلوك القهري المرتبط بتعاطي المخدرات.

آفاق جديدة لمكافحة الإدمان

ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات متاحة للمرضى، فإن الاكتشاف يمثل تقدماً مهماً في فهم البيولوجيا المعقدة للإدمان.

ومن خلال الكشف عن الدور غير المتوقع للكبد في إدمان الكوكايين، تفتح الدراسة آفاقاً جديدة لتطوير علاجات تستهدف ليس فقط الدماغ، بل أيضاً قدرة الجسم على معالجة المواد المخدرة، والتعامل معها، وهو ما قد يسهم في الحد من تأثيرها الإدماني مستقبلاً.

عاجل مونديال 2026: ثنائية مبابي تقود فرنسا لبداية واعدة بفوز صريح على السنغال 3-1