لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

وزير الخارجية يستغرب موقف القوى الشيعية من واشنطن

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

يتابع كثير من العراقيين باهتمام وقلق واضحين ارتدادات الحرب الإقليمية المستعرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على البلاد، وهي ارتدادات، حسب مراقبين، لم تكن لتقع إلا بحدها الأدنى لولا انخراط الفصائل المسلحة الموالية لإيران في تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل واسع على أهداف مدنية وعسكرية ودبلوماسية واقتصادية في الداخل العراقي، من دون أي تحرك جدّي من حكومة بغداد حيال تلك الهجمات التي تجاوز سقفها نحو 500 هجمة، واكتفت الحكومة خلالها بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، من دون أن تتمكن من إلقاء القبض على عنصر واحد من الجماعات المنفذة لتلك الهجمات.

ويوماً بعد آخر، تنخرط البلاد في الحرب الإقليمية من دون أن يكون للحكومة أو القوى السياسية أي قرار أو تدبير لمواجهة ذلك، نتيجة سطوة الفصائل المسلحة وقرارها المنفرد بدخول الحرب. ويثير هذا الواقع كثيراً من علامات الاستفهام والتعجب في الأوساط الشعبية، وكذلك لدى بعض الشخصيات السياسية، حول حدود دور الحكومة ووظيفتها في مقابل نفوذ الفصائل وسلطتها.

وقد عبّر وزير الخارجية، فؤاد حسين (كردي)، السبت، عن استغرابه مما وصفه بـ«السياسة الشيعية» في إدارة البلاد، المتأرجحة بين التحالف مع الولايات المتحدة والاستجابة لمطالبها من جهة، ومواجهتها من جهة أخرى.

وقال في مقابلة تلفزيونية، إن «ساسة الشيعة ذبحونا بهذه السياسة»، وأضاف: «إنهم ينقدون أميركا من جهة، لكنهم يستجيبون لتغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، في إشارة إلى التغريدة التي رفض فيها ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

وذكر حسين، أنه «لا أحد يعرف الفرق بين الحشد والفصائل، وبعضهم يستخدم عجلات وهويات الحشد، والفرق بين الحشد الذي هو مؤسسة أمنية والفصائل غير الشرعية، وهذه صورة صعبة يتم نقلها إلى الخارج، والأميركان يعلمون أن قسماً من هذه الفصائل لديهم أقسام منهم في الحشد».

ارتباط عقائدي بإيران

بدوره، يشير الأكاديمي ورئيس «مركز التفكير السياسي»، إحسان الشمري، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي تتسبب في عجز الحكومة العراقية عن مواجهة هجمات الفصائل، ومن ضمن هذه العوامل «الارتباط العقائدي لتلك الفصائل، وتحالفها العسكري مع إيران، ما وفر لها قوة كبيرة في الداخل، لا سيما على المستوى السياسي. وبات يُنظر إلى أي استهداف لها على أنه، عملياً، استهداف لإيران ومحاولة لإضعاف نفوذها».

ويضيف الشمري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الفصائل المسلحة بعد عام 2018 أصبحت أكثر تمكيناً في الدولة العراقية، من خلال دخول أجنحتها السياسية في مؤسسات الدولة، وقد وفّر لها حصانة سياسية حالت دون بروز أي مساءلة حول ما تقوم به، وصار معروفاً اليوم أن لدى الفصائل نحو 100 نائب في البرلمان».

وإلى جانب «القدم الراسخة» للفصائل في معظم مفاصل الدولة، يقول الشمري، إن «حكومة تصريف الأعمال الحالية التي تشكّلت عن طريق المحاصصة كان للفصائل الدور الأساسي فيها، وفي هذه الحالة يصعب الذهاب نحو فرضية قيام الحكومة بمواجهة الفصائل سياسياً وأمنياً».

غياب الإرادة السياسية

ويضيف الشمري عوامل أخرى للإخفاق الحكومي بمواجهة الفصائل تتمثل في «غياب الإرادة السياسية لدى الفاعل الأكبر وهو الفاعل الشيعي على وجه التحديد».

ويرى أن الفاعل السياسي الشيعي ما زال يعتقد أنه «ليس من الصحيح الذهاب لتقويض عمل هذه الفصائل، خاصة وهي تتمتع بقوة لا يستهان بها داخل منظومة قوى (الإطار التنسيقي)؛ لذلك قد يصعب على (الإطار التنسيقي) عموماً أو على المعتدلين داخله أن يتخذوا موقفاً سياسياً داعماً لأي خطوة من شأنها تقويض أو مواجهة الفصائل».

ويذكر الشمري أسباباً أخرى، من بينها إخفاق معظم الحكومات المتعاقبة في مواجهة نفوذ الفصائل، رغم إصرارها على تضمين برامجها الحكومية مسألة حصر السلاح بيد الدولة. كما تبرز خشية من اندلاع صدام أو حرب أهلية في حال اتخاذ قرار حكومي بمواجهة هذه الفصائل.

«التنسيقي» شرعن للفصائل

ويعلل المحلل والدبلوماسي السابق الدكتور غازي فيصل، العجز عن مواجهة الفصائل بأسباب عدة، أبرزها «قيام قيادات وأحزاب في (الإطار التنسيقي) بتأسيس الفصائل المسلحة وشرعنة وجودها، سواء عبر إدماجها في الحشد الشعبي ومنحها صفة قانونية بقرار من البرلمان، أو من خلال الدفاع المستمر عنها وعدم السماح بمساءلتها».

ويضيف فيصل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود أكثر من 34 فصيلاً مسلحاً، من بينها 6 فصائل خاضعة للعقوبات الأميركية، تدين بولائها الكامل لولاية الفقيه في إيران، يمنحها حماية وفرصة كبيرة للإفلات من المساءلة داخل العراق، في ظل النفوذ الإيراني في البلاد».

ويعتقد أن «الفصائل المسلحة هي امتداد لقوى (الإطار التنسيقي) التي تُهيمن على الحكومة، وهي لذلك بمنأى عن المحاسبة، والمؤكد أنها غير معنية بتعليمات الحكومة وأوامرها، وكذلك غير معنية برؤية مرجعية النجف التي تميل للنأي بالبلاد عن الحرب، وهي تلتزم حصرياً بتعليمات ولاية الفقيه و(الحرس الثوري) الإيراني».

لهذه الأسباب وغيرها، يستبعد فيصل قدرة الحكومة على مواجهة الفصائل، على الرغم من معرفتها الأكيدة بكثير من عناصرها وقادتها، وكذلك عملها في معظم الهجمات التي نفذتها وتنفذها منذ أسابيع، وقد شاهدنا كيف أنها استهدفت مقر جهاز المخابرات العراقي ولم تتحرك ضدها، وقبلها قامت باستهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وأخيراً استهدافها منازل القيادات الكردية في أربيل ودهوك.


مقالات ذات صلة

تشديد قطري - عراقي على ضرورة تنفيذ «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية

الخليج من استقبال أمير دولة قطر لرئيس الوزراء العراقي والوفد المرافق في الدوحة (واع)

تشديد قطري - عراقي على ضرورة تنفيذ «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية

أكد الجانبان أهمية اعتماد الحوار والدبلوماسية في معالجة الأزمات، وضرورة تنفيذ ما تم التوافق عليه في إطار مذكرة التفاهم لترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي ترمب والزيدي (إعلام رئاسة الوزراء)

الزيدي يُشيد بنتائج زيارته لواشنطن... وسط تأييد شعبي وانقسام سياسي

نأت إيران بنفسها عن التصريحات التي أدلى بها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، ضد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، على خلفية زيارته إلى واشنطن.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد رئيس الوزراء العراقي يجري محادثات مع الرئيس التنفيذي لـ«إكسون موبيل» دارين وودز ومجلس إدارة شركة تكنولوجيا الطاقة بمقر الشركة في هيوستن بالولايات المتحدة (رويترز)

صراع «هرمز» يعيد رسم خريطة صادرات النفط العراقية

يجد العراق نفسه أمام اختبار مصيري لتأمين الشريان شبه الوحيد لاقتصاده بعد إغلاق مضيق هرمز؛ مما دفع به إلى إعادة رسم خريطة صادراته النفطية...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي اعتراض طائرة مسيَّرة في سماء أربيل بالعراق في 15 يوليو الحالي في لقطة مأخوذة من فيديو على وسائل التواصل (أرشيفية - رويترز)

إصابة 8 من البيشمركة بقصف إيراني استهدف شمال كردستان العراق

أصيب 8 من عناصر البيشمركة الكردية بهجوم إيراني في أربيل بشمال كردستان العراق، بينما سقطت مسيَّرة هجومية قرب القنصلية الأميركية في أربيل بالعراق.

«الشرق الأوسط» (أربيل (العراق))
المشرق العربي اعتراض طائرة مسيّرة في سماء أربيل بالعراق في 15 يوليو 2026 في لقطة مأخوذة من فيديو على وسائل التواصل (رويترز)

هجمات منسوبة لإيران توقف رحلات كردستان العراق

عاودت إيران وحلفاؤها من الفصائل المسلحة العراقية، بحسب مصادر كردية، قصف مناطق عديدة في إقليم كردستان بذريعة ضرب أهداف «معارضة».

فاضل النشمي (بغداد)

المحكمة الدستورية العليا تعقد اجتماعها الأول في دمشق

رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)
رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)
TT

المحكمة الدستورية العليا تعقد اجتماعها الأول في دمشق

رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)
رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)

عقدت المحكمة الدستورية العليا، اليوم الأحد، اجتماعها الأول في مقرها بدمشق، برئاسة د. عصام الخليف، وحضور جميع الأعضاء المعينين بموجب المرسوم الرئاسي رقم 149 لعام 2026.

وخصّص الاجتماع لمناقشة مشروع قانون تنظيم عمل المحكمة وتحديد اختصاصاتها، تمهيداً لصياغته النهائية وإحالته إلى الجهات المعنية.

وكان الرئيس أحمد الشرع، أصدر في 7 يوليو (تموز) الجاري، المرسوم رقم 149 لعام 2026، القاضي بتعيين د. عصام خالد الخليف رئيساً للمحكمة الدستورية العليا.

نصّ المرسوم على تعيين القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، والقاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضي المستشار إيمان أنطوان نوري، ود. إسماعيل حمادي الخلفان، ود. ريعان حسن كحيلان، والمحامي عارف أحمد الشعال أعضاء في المحكمة.

المحكمة الدستورية العليا في دمشق (سانا)

وصرح رئيس المحكمة، د. الخليف، لوكالة «سانا»، بأن الجلسة تضمنت إعداد مشروع القانون الذي يهدف إلى ضمان تطبيق الإعلان الدستوري وتمكين المحكمة من القيام بدورها الفاعل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

عضو المحكمة، د. ريعان كحيلان، أوضحت أن تشكيل المحكمة يأتي استكمالاً لبناء المؤسسات الدستورية، مشيرة إلى أن المحكمة هيئة قضائية مستقلة تتولى الرقابة على دستورية القوانين، وإبداء الآراء الاستشارية، إضافة إلى اختصاصات أخرى جوهرية.

بدوره، شدد عضو المحكمة، عارف الشعال، على أن المحكمة ستضطلع بدور محوري في النظر بدستورية القوانين الصادرة عن مجلس الشعب وفي تفسير النصوص الدستورية بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب.

يُذكر أن رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضاءها أدوا اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري أمام الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق، إيذاناً ببدء مهامهم رسمياً.


«الشرق الأوسط» تتقصى خلفية تعيينات الشرع الأمنية الجديدة

الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)
الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)
TT

«الشرق الأوسط» تتقصى خلفية تعيينات الشرع الأمنية الجديدة

الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)
الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)

عدّ الباحثُ والخبير الأمني والاستراتيجي السوري، عصمت العبسي، حزمةَ التعيينات الجديدة التي أجراها الرئيس السوري، أحمد الشرع، الأحد، وشملت عدداً من المناصب الأمنية القيادية، إعادةَ مأسسة وهندسة جذرية للهيكل الأمني السوري، بدليل وجود وزيرَي؛ الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، والعدل مظهر لويس، ضمن «مكتب الأمن الوطني»، واستجابةً لضغوط داخلية (أمنية) وخارجية (سياسية واقتصادية) في وقت محوري.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أوضح العبسي أن حزمة التعيينات الجديدة تعكس توجهاً صريحاً نحو تمركز السلطة الأمنية بيد الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، من خلال دمج ملفَي «الأمن العام» (الشرطة والأمن الداخلي) و«الأمن الوطني» ووضعهما في يد شخص واحد.

وهذا يعني، وفق العبسي، إنهاء أي ازدواجية أو أي تنافس بين «الداخلية» و«الاستخبارات»، وجعل الوزير خطاب المحور الوحيد لصنع القرار الأمني الاستراتيجي والتنفيذي، «بينما يُحول حسين السلامة إلى دور تنفيذي مساعد تحت إمرته مباشرة في ملف (الأمن الوطني)، وتوضع الاستخبارات العامة تحت قيادة عبد القادر طحان الذي يعمل ضمن هذا الهيكل الموحد».

تأتي هذه التعينات في إطار إنهاء المرحلة الانتقالية المشوشة وبناء هيكل أمني مركزي موحد، بعد قلق سابق من تشتت الصلاحيات بين أجهزة متعددة ذات خلفيات مختلفة («هيئة تحرير الشام»، و«قوات سوريا الديمقراطية»... وغيرهما). ويوضح الباحث أنه «بتعيين خطاب على رأس (مكتب الأمن الوطني) والداخلية معاً، يتم خلق (أمانة عامة واحدة للأمن)، وهو نموذج يعزز السيطرة الرئاسية المباشرة ويقلل من هامش المناورة أمام القيادات العسكرية أو الأمنية الأخرى؛ مما يسهم في ترسيخ الشرعية المؤسسية للدولة الجديدة».

أفراد من الأمن السوري بالقرب من فندق «فور سيزونز» بعد انفجارين في دمشق يوم 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تفجيرات وثغرات حدود

العوامل الدافعة إلى هذه التعينات في هذا التوقيت، وفق العبسي، هي الضغط الأمني المباشر والمتوتر مؤخراً بعد التفجيرات التي وقعت في دمشق، واكتشاف وضبط عمليات تهريب أسلحة من العراق في طريقها إلى «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن عملية التفجيرات الأخيرة، وإحباط عمليات التهريب، كشفا عن ثغرات في التنسيق ومراقبة الحدود والمناطق الحضرية.

وأضاف أن «تعيين شخصية قوية مثل خطاب على رأس (مكتب الأمن الوطني) هدفه فرض رقابةٍ أشد وتنسيقٍ أسرع بين الأجهزة الميدانية (الداخلية) والاستخباراتية؛ لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة بشكل فعال».

الباحث والخبير الأمني والاستراتيجي السوري أشار إلى أن الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة و«الاتحاد الأوروبي»، يشترط لاستئناف المساعدات والدعم السياسي وجود أجهزة أمنية خاضعة للسيطرة المدنية والقانونية لا لفصائل مسلحة.

الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

كذلك، فإن جعل «مكتب الأمن الوطني» والداخلية تحت قيادة وزير مدني/ أمني واحد يعدّ «خطوة إيجابية في نظر الشركاء الدوليين نحو (تحديث) المؤسسة الأمنية وجعلها أعلى شفافية ومسؤولية؛ مما يفتح الباب أمام دعم سياسي واقتصادي أكبر».

وذكر العبسي أن «المستثمرين المحتملين يحتاجون إلى ضمان استقرار أمني حقيقي قابل للتنبؤ به، والفوضى الأمنية أو التنافس بين الأجهزة يخيف رؤوس الأموال. وبالتالي، فإن إرسالَ رسالة بأن هناك (قائد أمن واحداً) مسؤولاً عن كل شيء، هو طمأنة للسوق العالمية بأن الدولة السورية قادرة على حماية مصالحها ومصالح المستثمرين؛ مما يعد شرطاً أساسياً لبدء مشروعات إعادة الإعمار الكبرى».

ختم العبسي تصريحه بالقول إن «هذه التعيينات ليست مجرد تبديل أسماء، بل هي إعادةُ مأسسة جذرية للهيكل الأمني السوري؛ بدليل وجود وزيرَي؛ الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، والعدل مظهر لويس، ضمن (مكتب الأمن الوطني)، واستجابةٌ لضغوط داخلية (أمنية) وخارجية (سياسية واقتصادية) في وقت محوري حساس، بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق».

جانب من سوق قديمة قرب الجامع الأموي في دمشق يوم 9 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وتعدّ زيارة الرئيس الفرنسي التي أجراها في 6 يوليو (تموز) الحالي واستمرت يومين الأولى من نوعها من رئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024، وقد وقع خلالها تفجير عبوتين ناسفتين على بعد مئات الأمتار من فندق «فور سيزونز»؛ مقر إقامة ماكرون. وأعلنت السلطات الأمنية السورية القبض على الخلية المسؤولة عن التفجيرين، وأظهرت التحقيقات الأولية أنها تتبع تنظيم «داعش».

الرئيس الشرع يعقد اجتماعاً مع وزير الداخلية أنس خطاب ومعاونيه وقادة الأمن في المحافظات خلال نوفمبر 2025 (سانا)

الدكتور عبد الرحمن الحاج يقرأ المتغيرات الأمنية من وجهة نظر أكاديمي وباحث سياسي لديه كثير من المؤلفات عن الشأن السوري، ويرى فيها «خطوة رئيسية نحو بناء المؤسسة الأمنية وتعزيز قدراتها، فـ(مكتب الأمن الوطني) يعمل مركز تنسيق بين مصادر مختلفة للمعلومات، ويدمجها».

«حتى الفترة الماضية»، يلفت الحاج، «كان التنسيق يجري بشكل غير ممنهج، أما الآن فيمكن رؤية المشهد الأمني متكاملاً، وهذه الهيكلية الجديدة خطوة ضرورية لقيام (مجلس الأمن القومي) بعمله. بالتالي سوف نشهد، ربما، في الفترة المقبلة استراتيجية أمنية متكاملة وسياسات مصممة وفق منهجية مناسبة لتحقيق هذه الاستراتيجية. أعتقد أن هذا التطور مزيج بين الحاجة الداخلية لبناء مؤسسات الدولة والحاجة إلى مواجهة التحدي الأمني. يصعب الفصل بينهما في المرحلة الانتقالية لدولة خرجت للتو من الحرب وتعاني هشاشة أمنية كبيرة. كما يصعب فصل ذلك عن العلاقة مع (التحالف الدولي)، والتحدي الأمني الإقليمي المرتبط بالتحالف الدولي وتركيا على وجه الخصوص. بمعنى أنه لا يمكن فصل العوامل بعضها عن بعضها، لكن الخطوة الأولى تبدأ من السعي لاستكمال بناء الدولة ومؤسساتها، في حين تشكل العوامل الأخرى دافعاً للتسريع والتحسين».

بيئة آمنة لجذب الاستثمارات

الدكتور فراس شعبو، الباحث والأكاديمي الاقتصادي، يعتقد أن أحد أهداف هذه التحركات هو «خلق بيئة آمنة ومستقرة؛ هذا شرط جوهري ومسبق لجذب الاستثمارات وطمأنة المستثمرين، حيث تهدف هذه التغيرات إلى توحيد القيادة الأمنية العليا؛ مما يسهم في الحد من حالة التشتت والتداخل بين الأجهزة الأمنية».

ويلفت شعبو إلى أن هذه التحركات الأمنية تأتي في توقيت يشهد فيه الاقتصاد السوري مؤشرات اقتصادية إيجابية على الصعيدين الداخلي والدولي؛ «لذا يمكن عدّ التعديلات جزءاً لا يتجزأ من الرؤية الاقتصادية. فـ(مكتب الأمن الوطني) يمتلك صلاحيات واسعة للإشراف على الأجهزة الأمنية كافة، وبالتالي قد يسهم في تثبيت دعائم الاستقرار لإزالة المعوقات من أمام خطط التنمية وإعادة الإعمار. كذلك، تهيئة بيئة وطنية آمنة تسمح بجذب الاستثمارات الخارجية وتنشيط الاقتصاد المحلي. أيضاً طمأنة المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين إلى قدرة الدولة على حماية استقرارها الداخلي».


روبيو يشيد بجهود الرئيس اللبناني لنزع سلاح «حزب الله»

 الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
TT

روبيو يشيد بجهود الرئيس اللبناني لنزع سلاح «حزب الله»

 الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

أشاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأحد، بعد لقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون بـ«المضي قدماً نحو السلام»، بعد الجولة الأخيرة من المحادثات مع إسرائيل في روما.

وأفادت وزارة الخارجية في بيان بأن روبيو «أشاد بشجاعة حكومة لبنان، بقيادة الرئيس عون، على جهودها الحازمة لاستعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح (حزب الله)، وتفكيك بنيته التحتية الإرهابية، والمضي قدماً نحو السلام».

وزيارة عون هي الأولى لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ استقبل الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما نظيره ميشال سليمان في البيت الأبيض عام 2009. وسبق للرئاسة اللبنانية أن أعلنت أن عون سيلتقي نظيره الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الثلاثاء. وقالت الرئاسة إن عون سيعقد «لقاءات ومشاورات مع عدد من المسؤولين الأميركيين تتناول الوضع في لبنان والسبل الآيلة إلى تثبيت وقف إطلاق النار»، إضافة إلى «انسحاب إسرائيل من المناطق اللبنانية التي تحتلها». بدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات برعاية أميركية في أبريل (نيسان) هي الأولى منذ عقود، بهدف وقف التوصل إلى اتفاق سلام وإنهاء حالة الحرب بينهما. وأبرما في 26 يونيو (حزيران) اتفاقاً إطارياً ينصّ خصوصاً على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب إسرائيل تدريجياً من جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من «منطقتين تجريبيتين». واتفق البلدان خلال جولة محادثات جديدة في روما، هذا الأسبوع، على استكمال هيكلية مناطق تجريبية والبدء بتنفيذها خلال أيام، تطبيقا للاتفاق بين الطرفين، وفق ما أعلنت واشنطن. ويرفض «حزب الله» تسليم سلاحه والتفاوض المباشر مع إسرائيل ومخرجاته، ويعوّل على داعمته إيران من أجل وقف الحرب مع الدولة العبرية. ولا يحدّد الاتفاق الإطاري جدولاً زمنياً للانسحاب، في حين تكرر إسرائيل على لسان مسؤولين فيها، أن قواتها لن تنسحب من «منطقة أمنية» بعمق عشرة كيلومترات عن حدودها، إلا بعد نزع سلاح «حزب الله»، في خطوة يشكك محللون بقدرة الدولة اللبنانية على إنجازها.