الجبهة الأمامية في أوكرانيا... مسرح اختبار لابتكار الطائرات المسيَّرة

جندي أوكراني من اللواء 127 يطلق مسيَّرة للبحث عن مسيَّرات هجومية روسية في الجبهة الأمامية بمنطقة خاركيف 13 مارس 2026 (أ.ب)
جندي أوكراني من اللواء 127 يطلق مسيَّرة للبحث عن مسيَّرات هجومية روسية في الجبهة الأمامية بمنطقة خاركيف 13 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الجبهة الأمامية في أوكرانيا... مسرح اختبار لابتكار الطائرات المسيَّرة

جندي أوكراني من اللواء 127 يطلق مسيَّرة للبحث عن مسيَّرات هجومية روسية في الجبهة الأمامية بمنطقة خاركيف 13 مارس 2026 (أ.ب)
جندي أوكراني من اللواء 127 يطلق مسيَّرة للبحث عن مسيَّرات هجومية روسية في الجبهة الأمامية بمنطقة خاركيف 13 مارس 2026 (أ.ب)

الهواء نقي ومنعش ليلاً في شرق أوكرانيا، وتتناثر آلاف النجوم فوق مجموعة صغيرة من الجنود الذين يترقبون طائرات «شاهد» المسيَّرة، ذات التصميم الإيراني، والتي تطلقها روسيا في شكل موجات.

وتنتشر مثل هذه الفرق في أنحاء أوكرانيا ضمن جهود مستمرة ومتطورة لمواجهة تلك الذخائر الجوالة ذات التكلفة المنخفضة، والتي صارت سلاحاً فتاكاً في الحروب الحديثة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، على ما يرد في تحقيق لوكالة «أسوشييتد برس» نشرته «وكالة الأنباء الألمانية». وخلال الترقب، يقوم طاقم من اللواء 127 باختبار وضبط طائراتهم الاعتراضية المحلية؛ بحثاً عن عيوب قد تؤثر على أدائها عند ظهور تهديد.

وعندما ظهرت مسيَّرات «شاهد» لأول مرة في خريف 2022، لم يكن لدى أوكرانيا سوى وسائل محدودة للتصدي لها. أما اليوم، فإن فرق الطائرات المسيَّرة تتمكن من اعتراضها في الجو باستخدام تقنيات تتطور بشكل مستمر.

الدفاعات الجوية الأوكرانية تتصدى لمسيَّرات روسية فوق مدينة كييف فجراً (أرشيفية - أ.ف.ب)

وخلال السنوات الأخيرة، ازدهرت سوق الطائرات الاعتراضية المحلية في أوكرانيا، مع ظهور شركات رائدة تروّج لمنتجاتها في معارض السلاح الدولية.

ولكن الجبهة الأمامية هي المكان الذي تحولت فيه فرق صغيرة مختبراتٍ للابتكار العسكري السريع وتطوير تكنولوجيا أفرزتها ضرورات ساحة المعركة، وهي الآن تستقطب اهتماماً دولياً متزايداً.

وقال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن حلفاء أميركا في الشرق الأوسط تواصلوا مع أوكرانيا طلباً للمساعدة في التصدي للطائرات الإيرانية، وهي النوع نفسه الذي أطلقت منه روسيا عشرات الآلاف خلال حرب أوكرانيا، المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.

كما استخدمت إيران هذه المسيَّرات للرد على الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على أراضيها، وفي بعض الأحيان تمكنت من إرباك أنظمة الدفاع الجوي الغربية الأكثر تطوراً؛ ما أبرز الحاجة إلى وسائل مواجهة أقل تكلفة وأكثر مرونة.

وقال أحد طياري اللواء 127، وقد جلس أمام شاشته بعد إتمام فحص ما قبل الإقلاع: «لم نجلس يوماً ونقرر القتال بالطائرات المسيَّرة، بل فعلنا ذلك لأننا لم يكن لدينا خيار آخر».

قبل لحظات، أنزل الطيار طائرته الاعتراضية بحذر لتجنب تعرضها لأي ضرر، وتحدث، شريطة عدم الإفصاح عن هويته، بسبب القيود العسكرية. ورغم أن هذه الطائرات صُممت للاستخدام مرة واحدة، فإن الموارد المحدودة تدفع الفرق الأوكرانية إلى الحفاظ على كل أداة لديهم، وغالباً ما يعيدون استخدام الطائرات لدراسة نقاط ضعفها وتحسينها. وقال الطيار: «تخيل فحسب: صاروخ باتريوت يكلف نحو مليوني دولار، بينما هذه الطائرة الصغيرة لا تتجاوز قيمتها 2200 دولار. وإذا لم تصب الهدف، يمكنني إنزالها وإصلاحها قليلاً، وإعادتها إلى الجو. الفارق هائل. أما التأثير؟ فليس أقل من ذلك».

جنديان أوكرانيان من اللواء 127 يطلقان مسيَّرة للبحث عن مسيَّرات هجومية روسية في الجبهة الأمامية بمنطقة خاركيف 13 مارس 2026 (أ.ب)

كيف بدأت حرب المسيَّرات

يعمل اللواء 127 في إنشاء وحدة دفاع جوي تعتمد على فرق الطائرات الاعتراضية، وهو نموذج يتوسع اعتماده داخل الجيش الأوكراني.

ويقود هذه الجهود نقيب يبلغ من العمر 27 عاماً، سبق له الخدمة ضمن تشكيل آخر وقد أسهم في وضع نظام مماثل. وتحدث أيضاً، شرط عدم الإفصاح عن هويته.

ويتذكر النقيب بوضوح اللحظة التي تغير فيها كل شيء قبل نحو عامين، عندما جرى تكليفه قيادة مجموعة لاعتراض طائرات استطلاع روسية، باستخدام صواريخ دفاع جوي محمولة على الكتف.

وأوضح أنه سرعان ما أثبت هذا الأسلوب عدم فاعليته؛ إذ تمكنت الطائرات المسيَّرة الرشيقة، والمزودة بكاميرات، من المناورة بسهولة بعيداً عن هذه الأسلحة، الأبطأ والأقل مرونة.

وعزم الضابط الشاب على إيجاد حل أفضل، وبدأ البحث عن بدائل، واستشار زملاءه والمتطوعين الداعمين للجبهة. فكان الحل بسيطاً: طائرة مسيَّرة أخرى.

ويتذكر النقيب اليوم الذي كانت فيه طائرة استطلاع روسية طراز «أورلان» تحلّق فوق موقع أوكراني، وترسل إحداثيات لتوجيه المدفعية الروسية. وتمكن أحد طياري وحدته من إسقاطها باستخدام مسيَّرة أخرى. وقال: «عندها أدركت: هذه حرب مسيَّرات. لقد بدأت... كنا نتجه نحو ذلك منذ فترة، لكن كانت هذه اللحظة التي رأيتها بعيني».

جندي أوكراني من اللواء 127 يعمل على تحضير مسيَّرة اعتراضية لمسيَّرات هجومية روسية في الجبهة الأمامية بمنطقة خاركيف 13 مارس 2026 (أ.ب)

إسقاط المسيَّرات «شاهد»

وسرعان ما برز تحدٍ جديد: كيفية اعتراض مئات الطائرات طراز «شاهد» السريعة والقوية التي تحلّق بعيداً عن خطوط المواجهة.

وقاد البحث النقيب الشاب إلى اللواء 127 في خاركيف، وإلى التعاون مع شركة دفاع محلية. وقد أسفرت الجهود المشتركة عن تطوير طائرات اعتراضية شبيهة بالطائرات التقليدية، وقادرة على مجاراة سرعة «شاهد».

وخاركيف ليست فقط موقع عملهم، بل أيضاً موطن عائلاتهم، وهي مدينة تتعرض بانتظام لهجمات باستخدام هذه الطائرات.

ويتيح التعاون مع الشركة للجنود اختبار الطائرات الاعتراضية في ظروف حقيقية، وتحسين التكنولوجيا بسرعة من خلال التغذية الراجعة المباشرة.

وتختلف طائرة «سكاي سترايكر» التي تنتجها الشركة عن الأنظمة الاعتراضية المعروفة مثل «ستينغ» أو «بي -1صن» التي تعتمد على مسيرات «إف بي في» المعدلة؛ إذ تشبه طائرة صغيرة مزودة بأجنحة؛ ما يسمح لها بالبقاء في الجو لفترة أطول.

وقال مدير الشركة، الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته، لدواعٍ أمنية: «نعم، هذا جهد مشترك». وأضاف: «لا يكفي مجرد تصنيعها، بل يجب أن تعمل، وأن تعمل بشكل سليم، وأن تؤدي مهام قتالية حقيقية. لذلك؛ فإن التواصل مع الجيش أمر بالغ الأهمية، فهم يزودوننا بالملاحظات ويساعدوننا على تحسينها في كل مرة».

جندي أوكراني من اللواء 127 يستعد لإطلاق مسيَّرة للبحث عن مسيَّرات هجومية روسية في الجبهة الأمامية بمنطقة خاركيف 13 مارس 2026 (أ.ب)

دور المنظمات غير الربحية والمتطوعين

في أوكرانيا، غالباً ما يتجاوز التعاون حدود الجيش والمنتجين، حيث يلعب المتطوعون دور الوسيط بين الطرفين، ويساعدون أحياناً في ربطهم ببعضهم بعضاً.

وأطلقت مؤسسة «العودة إلى الحياة»، وهي مركز أبحاث خيري غير ربحي يجمع التبرعات لتجهيز القوات الأوكرانية، مشروعاً يحمل عنوان «درونوباد» (إسقاط الطائرات المسيَّرة) في صيف 2024.

وجاءت الفكرة من تقارير ميدانية أفادت بأن طياري مسيَّرات «إب بي في» يتمكنون أحياناً من تتبع أهداف جوية واعتراضها، وهي حالات مبكرة ساعدت في تشكيل جهود التصدي لطائرات «شاهد».

وقال تاراس تيموتشكو، الذي يقود المشروع: «لم يكن من الواضح آنذاك ما إذا كان هذا حلاً قابلاً للتوسع أم مجرد حالات فردية. هدفنا كان تحويله نظاماً لمساعدة الوحدات التي حققت نجاحات أولية على تطوير قدراتها وتوسيع نطاق ما أنجزته».

وعملت المؤسسة مع منتجي الطائرات لفهم احتياجات الجنود بشكل أفضل، ومع تطور المشروع تطورت قدرات الطائرات الاعتراضية.

أضاف تيموتشكو: «في مرحلة ما، تمكنت هذه الطائرات من أن تصل لسرعات تربو على 200 كيلومتر في الساعة؛ ما جعل اعتراض أهداف مثل (شاهد) في الجو ممكناً».

وراقب الفريق من كثب سوق المسيَّرات، التي تنمو بوتيرة سريعة، مشيراً إلى أن العامل الحاسم هو ضمان التعاون الوثيق بين المنتجين والجيش؛ حتى يتمكن المهندسون من تلقي التعقيبات بسرعة من اختبارات الميدان.

وأوضح تيموتشكو «إنها دائماً عملية فعل ورد فعل»، وقال إن كلا الجانبين يطور وسائل لمواجهة طائرات العدو وتحسين تقنياته لمواجهة ردود الطرف الآخر، مضيفاً: «هذه الدورة هي ما يدفع تطور حرب الطائرات المسيَّرة». ورأى أنه ليس من الصعب نقل التكنولوجيا نفسها، لكن القيمة الحقيقية تكمن في طريقة استخدامها، وفي خبرة الطيارين الذين تعلموا تشغيلها بفاعلية.

وقال عن الأيام الأولى للطائرات الاعتراضية: «كان الناس متشككين جداً في هذه التكنولوجيا. اعتقد البعض أنها لن تنجح، وأن الروس سيطورّون إجراءات مضادة خلال شهر واحد، لتصبح هذه الطائرات عديمة الفائدة».

ولكن بعد مرور عامين، تشير النتائج إلى نقيض ذلك. وأضاف: «وصفها كثيرون بأنها دفاع جوي للفقراء، لكن اتضح أن هذا النوع من الدفاع قد يكون أحياناً أكثر فاعلية من الدفاع الجوي المكلف».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يؤكد شن هجوم بمسيّرات على منشآت تكرير في روسيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أُصيبت إثر هجوم روسي على كييف الاثنين (أ.ف.ب)

زيلينسكي يؤكد شن هجوم بمسيّرات على منشآت تكرير في روسيا

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم (السبت) إن طائرات مسيّرة أوكرانية قصفت مصفاة نفط ​في منطقة تيومين الروسية في غرب سيبيريا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من اجتماع بالبرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (إ.ب.أ) p-circle

خلافات أوروبية حول التحدث مع موسكو... بولندا تطالب بمقعد على طاولة المفاوضات

خلافات أوروبية حول التحدث مع موسكو... بولندا تطالب بمقعد على طاولة المفاوضات، وقالت وارسو إنها تتحمل مخاطر حدودها مع أوكرانيا أكثر من غيرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أرشيفية لجندي بريطاني يمر أمام صاروخ «ستورم شادو» في معرض فارنبورو للطيران بلندن (أ.ف.ب)

بريطانيا تختبر أسلحة بعيدة المدى لإرسالها إلى أوكرانيا

اختبرت بريطانيا أسلحة هجومية جديدة بعيدة المدى تأمل الحكومة أن يتم تسليمها إلى أوكرانيا في غضون شهور في إطار الجهود المبذولة لإنتاج ذخائر أسرع وأرخص من غيرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز) p-circle

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي... ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً و«الاتحاد» يمدد عقوبات روسيا لمدة 12 شهراً بالإجماع منذ خسارة المجَري أوربان

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أثناء قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس الخميس (د.ب.أ)

زيلينسكي: أوكرانيا ستحتاج إلى وقود و300 صاروخ إذا استمرت الحرب للشتاء

قال الرئيس الأوكراني ​فولوديمير زيلينسكي عبر منصة «تيليغرام»، إن أوكرانيا تتطلع إلى ‌إنهاء الحرب ‌مع روسيا ​قبل ‌حلول ⁠فصل ​الشتاء من ⁠خلال…

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

تصاعد المعركة الكلامية بين ترمب وميلوني

ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو بفلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)
ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو بفلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)
TT

تصاعد المعركة الكلامية بين ترمب وميلوني

ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو بفلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)
ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو بفلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)

صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، سجالَه مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، متهماً إياها بأنَّها طلبت منه «مراراً وتكراراً» التقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة، ومنتقداً ما وصفه بعدم تعاون إيطاليا مع الولايات المتحدة خلال حرب إيران.

وتُعمّق تصريحات ترمب الخلافَ الذي بدأ هذا الأسبوع، بعد مقابلة أجراها الرئيس الجمهوري مع محطة تلفزيونية إيطالية، قال فيها إنَّ ميلوني «توسلت» إليه من أجل التقاط صورة خلال اجتماع مجموعة السبع في فرنسا، وهو ما وصفته رئيسة الوزراء الإيطالية بأنَّه «مختلق بالكامل».

وكتب ترمب على منصته للتواصل الاجتماعي: «رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني طلبت، مراراً وتكراراً، التقاط صورة معي خلال اجتماع مجموعة السبع في فرنسا»، وأضاف أنَّ ميلوني «لا تبلي بلاءً حسناً في إيطاليا من حيث شعبيتها». ولم تتأخر ميلوني في الرد، وقالت في بيان موجه إلى ترمب إنَّ «هذه الهجمات المستمرة وغير المبررة لا معنى لها».


زيلينسكي يؤكد شن هجوم بمسيّرات على منشآت تكرير في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أُصيبت إثر هجوم روسي على كييف الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أُصيبت إثر هجوم روسي على كييف الاثنين (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يؤكد شن هجوم بمسيّرات على منشآت تكرير في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أُصيبت إثر هجوم روسي على كييف الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أُصيبت إثر هجوم روسي على كييف الاثنين (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم (السبت) إن طائرات مسيّرة أوكرانية قصفت مصفاة نفط ​في منطقة تيومين الروسية في غرب سيبيريا على بعد أكثر من 2000 كيلومتر من أوكرانيا.

وأضاف أن أوكرانيا طورت طائرات مسيّرة جديدة بعيدة المدى قادرة على إصابة أهداف على بعد أكثر من 3000 كيلومتر.

وفي خطابه المسائي الذي ينقله التلفزيون، عبّر ‌زيلينسكي عن ‌شكره للعمليات الخاصة الأوكرانية التي ​قال ‌إنها «وصلت ⁠إلى ​منطقة تيومين في ⁠روسيا، بما في ذلك منشأة لتكرير النفط على بعد أكثر من 2000 كيلومتر من حدود دولتنا. هذا فعّال».

وبدأ الجيش الأوكراني قبل عدة أشهر حملة من الضربات متوسطة وبعيدة المدى على أهداف روسية، مع ⁠التركيز بشكل أساسي على قطاع ‌النفط بهدف عرقلة قدرة ‌موسكو على تمويل الحرب.

قالت السلطات الروسية إن أكثر من 200 مسيّرة أوكرانية هاجمت موسكو (إ.ب.أ)

وكان ألكسندر ​مور حاكم منطقة ‌تيومين قال في وقت سابق إن ‌الدفاعات الجوية الروسية صدت هجوماً بطائرات مسيّرة على مصفاة النفط. وأضاف أن التقارير الأولية تشير إلى عدم وقوع أضرار وإجلاء جميع العاملين.

وتبلغ الطاقة ‌الإنتاجية الاسمية لمصفاة تيومين، وهي واحدة من أحدث مصافي النفط وأكثرها تطوراً ⁠في ⁠البلاد، نحو ثمانية ملايين طن سنوياً. وتشير تقديرات في القطاع إلى أن المصفاة تكرر ما يقارب ستة ملايين طن من الخام سنوياً، وتنتج نحو 0.5 مليون طن من البنزين، و2.5 مليون طن من الديزل.

وقال زيلينسكي إن الطائرات المسيّرة الجديدة والمحدثة بعيدة المدى «حلّقت بنجاح». وأضاف: «بإمكانها الآن الوصول إلى أهداف على بعد 3000 كيلومتر... هذه ردود ​مبررة تماماً على ​الضربات الروسية ضد دولتنا. أوكرانيا تنفذ خطتها للعمليات بعيدة المدى».


خلافات أوروبية حول التحدث مع موسكو... بولندا تطالب بمقعد على طاولة المفاوضات

زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)
زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)
TT

خلافات أوروبية حول التحدث مع موسكو... بولندا تطالب بمقعد على طاولة المفاوضات

زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)
زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)

دافع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن مبادرته الدبلوماسية تجاه الكرملين، والتي أثارت انتقاد بعض دول التكتل، مشدداً على أهمية «الاستماع» إلى روسيا تمهيداً لمباحثات محتملة معها حول أوكرانيا.

وانتقدت وارسو الدور القيادي الذي تضطلع به ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في المحادثات المتعلقة بالحرب في أوكرانيا. وقال وزير الخارجية البولندي، رادوسواف سيكورسكي، في تصريحات لصحيفة «فرانكفورتر ألجماينه زونتاجس تسايتونج» الألمانية المقرر صدورها الأحد: «يعيش بين البحر الأسود وبحر البلطيق والبحر الأدرياتيكي 120 مليون شخص داخل الاتحاد الأوروبي، ومع الدول الاسكندنافية يصل العدد إلى 150 مليون شخص، وهم أكثر تعرضاً من ألمانيا لتهديد مباشر من العدوان الروسي».

حظي الرئيس فولوديمير زيلينسكي بحفاوة بارزة من جانب الرئيس الفرنسي (وسطاً) الذي حرص على دعوته للقمة واجتماعه بالرئيس الأميركي (إ.ب.أ)

وأضاف سيكورسكي: «نحن جيران لكل من روسيا وأوكرانيا، أما أنتم في ألمانيا فلستم كذلك»، موضحاً أن بولندا تقع في الخطوط الأمامية، ومشيراً إلى مرور شحنات الأسلحة المرسلة إلى أوكرانيا عبر أراضيها، وأضاف أن بلاده تتحمل المخاطر المرتبطة بذلك، ولذلك تطالب بمقعد على طاولة المفاوضات.

وصرح رئيس المجلس الأوروبي الجمعة إثر قمة أوروبية في بروكسل بأنه من «المؤسف أن وقت التفاوض لم يحن بعد. ولكن، مهما يكن من أمر، علينا أن نجري فوراً هذا التواصل المباشر؛ لأن علينا الاستماع إليهم وتبادل الآراء معهم».

وأثارت هذه «الاتصالات الدبلوماسية» التي أجراها مقربون من أنطونيو كوستا مع موسكو وكُشف النقاب عنها الأربعاء، استياء بعض العواصم الأوروبية، بحسب دبلوماسيين في بروكسل.

وعلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الصحافيين بأنه «لا تكمن القضية اليوم في معرفة هوية الجهة التي عليها أن تتفاوض مع روسيا ومتى وكيف يتم ذلك»، معتبراً أن «على روسيا التي تلقت عروضاً عديدة في الأشهر الأخيرة، أن تقول متى تصبح مستعدة للتفاوض».

وثمة انقسام بين الدول الأوروبية حول من سيشارك في أي تفاوض محتمل؛ إذ تؤيد بعض الدول الأعضاء وجود البلدان الكبرى؛ أي فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في حين تفضل دول أخرى مشاركة مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (رويترز)

وقال ماكرون في هذا الشأن: «لقد أوضحنا موقفنا. ممثلو المؤسسات إضافة إلى الدول الأعضاء التي تؤدي دوراً رئيسياً بالنسبة إلى الضمانات الأمنية المستقبلية» سيكونون حول طاولة المفاوضات حين تلتئم.

بدوره، تحدث المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن وجود متزامن للمؤسسات وبعض دول التكتل، على غرار فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وقال في إشارة إلى هذه الدول: «إنها قوى أوروبية كبرى... تساهم بشكل ملحوظ في الدعم العسكري لأوكرانيا»، مضيفاً أنه عندما يحين وقت المفاوضات فإنه «من الطبيعي والواضح أن يضطلع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بدور مهم».

ويشدد القادة الأوروبيون أيضاً على تبني موقف موحد إزاء روسيا في الوقت الملائم، ما يجنبهم الوقوع في «فخ» من يتحدث باسمهم، على قول مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس.

ماكرون وزيلينسكي وستارمر وميرتس (أ.ب)

من جانبها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «على روسيا أن تجلس إلى طاولة المفاوضات عاجلاً أو آجلاً، وخصوصاً بضغط من عقوباتنا. وعندما يحصل ذلك، سنكون في حاجة إلى رسالة أوروبية موحدة نخاطب بها الرئيس (فلاديمير) بوتين».

واقترح وزير الخارجية البولندي «اتباع المسار عبر المؤسسات المنصوص عليها في معاهدات الاتحاد الأوروبي، مثل منصب رئيس المجلس الأوروبي»، مضيفاً أنه ينبغي العمل على تشكيل «ائتلاف الراغبين» لتمثيل القارة في المفاوضات.

ودعا ميرتس قادة دول وحكومات فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا إلى اجتماع بصيغة المجموعة الأوروبية الخماسية «إي 5» في برلين الأسبوع المقبل. ومن المقرر أن يتناول الاجتماع متابعة نتائج قمة «مجموعة السبع» وقمة الاتحاد الأوروبي اللتين عُقدتا هذا الأسبوع.

وكان رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك انتقد قبل نحو أسبوع ونصف الأسبوع استبعاد بلاده من المحادثات الخاصة بأوكرانيا ضمن صيغة المجموعة الأوروبية الثلاثية «إي 3»، والتي تضم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

وكان ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قد عقدوا اجتماعاً في لندن قبل ذلك.

من جانب آخر، قال كيريلو بودانوف مدير مكتب الرئيس الأوكراني السبت إنه سيتنازل عن وسام منحته له بولندا بعد أن جرد رئيسها كارول نافروتسكي نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أعلى وسام شرف في بولندا بسبب خلاف تاريخي. وتهدد خطوة بودانوف بتفاقم خلاف دبلوماسي بين الشريكين الاستراتيجيين المقربين، في وقت تحشد فيه كييف حلفاءها للضغط على روسيا لإنهاء حربها على أوكرانيا.

وقال نافروتسكي الجمعة إنه سيجرد زيلينسكي من وسام «النسر الأبيض» بعد أن أعاد تسمية وحدة عسكرية باسم «جيش التمرد الأوكراني»، وهو تنظيم متهم بارتكاب مذابح ضد البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.

قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع قمة الاتحاد ببروكسل في 18 يونيو (أ.ب)

وأشار بودانوف إلى أنه سيتخلى عن وسام «الصليب الذهبي» من وسام استحقاق جمهورية بولندا، الذي حصل عليه العام الماضي، للاحتجاج على خطوة وصفها بأنها «هدية» لروسيا.

وكتب بودانوف على منصات التواصل الاجتماعي: «تربط بلدَينا علاقات راسخة، ولكل منهما صفحات مختلفة من التاريخ، بعضها بطولي والآخر مأساوي... ورغم ذلك، ينبغي أن تكون هذه مناسبة للتأمل العميق، لا للتكهنات السياسية السطحية».

وفي وقت سابق، وصف وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها قرار نافروتسكي بأنه «خطأ استراتيجي». ودعا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، وهو معارض لنافروتسكي، كلا الزعيمين للتحلي بالهدوء.

وكان «أبطال الجيش المتمرد الأوكراني» الجناح العسكري لحركة الاستقلال الأوكرانية التي حاربت الجيش الأحمر، لكنه اشتبك أيضاً مع المقاومة البولندية وقتل مدنيين بولنديين ويهوداً. كما تعاون مع النازيين في بعض الأحيان، وانقلب عليهم في أحيان أخرى.

وبولندا العضو في الاتحاد الأوروبي و«حلف شمال الأطلسي»، هي من الحلفاء الرئيسيين لأوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي قبل أكثر من أربع سنوات، واستقبلت مئات آلاف اللاجئين، وشكّلت مركزاً لوجيستياً للمساعدات الغربية لكييف، خصوصاً العسكرية منها.

واختبرت بريطانيا أسلحة هجومية جديدة بعيدة المدى تأمل الحكومة أن يتم تسليمها إلى أوكرانيا في غضون شهور في إطار الجهود المبذولة لإنتاج ذخائر أسرع وأرخص من غيرها مثل صواريخ «ستورم شادو». وتم إطلاق أنظمة جديدة قادرة على ضرب أهداف على بعد 500 كيلومتر على الأقل، وتحمل رأساً حربياً يبلغ وزنه 225 كيلوغراماً على الأقل، في ميدان تجارب في جزر هيبريدس، ومن المقرر إجراء المزيد من التجارب في المملكة المتحدة خلال الأشهر المقبلة.

واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا بنصب محطات لتقوية الإشارة للطائرات المسيّرة الروسية قرب الحدود مع أوكرانيا، وطالب رئيس بيلاروسيا، ألكسندر لوكاشينكو، بإزالتها خلال أسبوع.

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال زيارة قام بها الثاني لوارسو في ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس هندوراس، نصري عصفورة، الذي يزور أوكرانيا لأول مرة الجمعة: «إذا لم يفعل ذلك، فسنقوم نحن بتلك المهمة». وأوضح زيلينسكي أن محطات تقوية الإشارات الموجودة على أراضي بيلاروسيا تُستخدم لتوجيه هجمات ضد السكان الأوكرانيين. ولطالما أكد زيلينسكي منذ فترة طويلة أن روسيا تحاول جر بيلاروسيا إلى الحرب، وحذر مينسك من مغبة الانخراط المباشر في تلك الحرب.