رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي

الجينات تؤدي إلى 30 % من أمراض تنكّس الشبكية فقط

رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي
TT

رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي

رؤى علمية رائدة لعلاج العمى الوراثي

لطالما اعتُبرت أمراض تنكّس الشبكية الوراثية، وهي مجموعة من أمراض العين الناتجة عن خلل جيني، من الأسباب الرئيسة لفقدان البصر الشديد لدى البالغين في سنّ العمل. وكان يُنظر إليها بوصفها مثالاً صارخاً على «حتمية الجينات»، إذ ساد الاعتقاد بأن حمل طفرة جينية معيّنة يعني بالضرورة فقدان البصر في مرحلة ما من الحياة. غير أن دراستين علميتين حديثتين تقلبان هذا التصور، وتؤكدان أن الجينات لا تعمل دائماً بهذه البساطة، وأن مصير الإنسان الصحي أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

الجينات «الممرِضة» لا تُسبب المرض

• احتمالية الإصابة. في دراسة رائدة نُشرت في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، حلّل باحثون من معهد علم جينوم العين في مستشفى ماساتشوستس للعيون والأذن وكلية الطب بجامعة هارفارد الولايات المتحدة بيانات جينية وسريرية لمئات الآلاف من الأشخاص. وخلصوا إلى أن الجينات التي كان يُعتقد سابقاً أنها تسبب العمى الوراثي بشكل شبه مؤكد لا تؤدي إلى المرض إلا في أقل من 30 في المائة من الحالات.

وتُعد هذه النتيجة مفاجِئة، خصوصاً أن أمراض تنكّس الشبكية تُصنَّف ضمن ما يُعرف بالاضطرابات «المندلية»، أي الأمراض الناتجة عن طفرة في جين واحد. ويقول الدكتور إريك بيرس، مدير المعهد وأحد كبار مؤلفي الدراسة، إن الاعتقاد السائد طوال أكثر من قرن كان أن طفرة واحدة كافية لإحداث المرض، لكن البيانات الجديدة تُظهر أن هذا النموذج يحتاج إلى مراجعة.

ويرجع سبب المبالغة السابقة في تقدير خطر هذه الأمراض إلى أن معظم الدراسات القديمة أُجريت على مرضى وعائلات مصابة بالفعل. هذا الأسلوب رغم أهميته قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ«انحياز الاختيار»، أي التركيز على الحالات الأشد تأثراً، وإهمال الصورة الكاملة لدى عامة السكان.

• متغيرات جينية. ولتجاوز هذا الانحياز استخدم الباحثون قواعد بيانات حيوية ضخمة، مثل برنامج All of Us الأميركي، وبنك المملكة المتحدة الحيوي. ودرسوا 167 متغيراً جينياً في 33 جيناً معروفاً بارتباطه بتنكس الشبكية. ومن بين نحو 318 ألف شخص وُجد 481 يحملون هذه الطفرات، لكن 9 في المائة فقط لديهم تشخيص واضح للمرض، وحتى مع توسيع معايير التشخيص لم تتجاوز النسبة 30 في المائة. وأكدت صور الشبكية من بيانات البنك الحيوي البريطاني هذه النتائج، كما لم تُظهر عوامل مثل العمر، أو الجنس، أو التدخين، أو الوضع الاجتماعي تأثيراً حاسماً. ويشير ذلك إلى أن عوامل أخرى -سواء كانت جينية إضافية، أو بيئية، أو آليات حماية داخل الجسم- تلعب دوراً مهماً في تحديد من يُصاب بالمرض، ومن لا يُصاب.

جينات جديدة وتصورات حديثة

• اكتشاف جينات جديدة لأمراض الشبكية. وفي سياق موازٍ كانت دراسة أخرى نُشرت في مجلة «JAMA Ophthalmology» في 26 سبتمبر (أيلول) 2024 أظهرت مدى اتساع الجوانب التي لا تزال مجهولة في هذا المجال. فقد اكتشف باحثون من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة بالتعاون مع فرق دولية جيناً جديداً يُدعى UBAP1L باعتباره سبباً لبعض أمراض تنكّس الشبكية.

وشملت الدراسة ستة مرضى غير مرتبطين ظهرت لديهم أشكال مختلفة من ضمور الشبكية، منها ما يؤثر في الرؤية المركزية، أو رؤية الألوان، أو الرؤية الليلية. وبدأت الأعراض في مرحلة البلوغ المبكر، وتفاقمت تدريجياً. ويؤكد الباحثون أن تحديد هذا الجين يفتح الباب لفهم آليات المرض، والعمل على تطوير علاجات مستقبلية.

وينضم هذا الجين إلى قائمة تضم أكثر من 280 جيناً معروفاً حتى الآن بارتباطه بأمراض الشبكية الوراثية. كما تُبرز الدراسة أهمية تمثيل مناطق جغرافية مختلفة في الأبحاث الجينية، إذ جاءت معظم الحالات من جنوب وجنوب شرقي آسيا، وبولينيزيا.

• نحو فهم جديد للإرشاد والعلاج الجيني. وتشير الدراستان معاً إلى تحوّل مهم في فهم العمى الوراثي. فبينما يوسّع اكتشاف جينات جديدة فرص التشخيص الدقيق، يُظهر انخفاض احتمال الإصابة رغم وجود الطفرة أن نتائج الفحوصات الجينية يجب تفسيرها بحذر. وبالنسبة للمرضى فقد يعني ذلك تقليل الخوف المرتبط بحمل طفرات جينية، إذ لم يعد فقدان البصر مصيراً حتمياً. أما للباحثين فهذا الفهم يفتح باباً جديداً للأمل في الوقاية، والعلاج.

ويختم الدكتور بيرس بالقول إن الجينات مهمة، لكنها ليست القصة كاملة، ومع هذا التحوّل في الفهم، قد يصبح العمى الوراثي يوماً ما مرضاً يمكن تجنبه، أو علاجه بدل اعتباره قَدَراً لا مفرّ منه.


مقالات ذات صلة

فرنسا: تحور سلالة فيروس «هانتا» على السفينة الموبوءة غير مؤكد

أوروبا  وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست (أ.ب) p-circle

فرنسا: تحور سلالة فيروس «هانتا» على السفينة الموبوءة غير مؤكد

كشفت وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست أنه ليس من ​المؤكد ما إذا كانت سلالة فيروس «هانتا» المرتبطة بتفشي المرض على متن سفينة الرحلات البحرية «هونديوس» تحورت.

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم رسم كاريكاتيري يظهر تفاعلا بين تلميذ وروبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي _جامعة ديوك_

مخاطر نفسية وإدراكية للاعتماد المفرط على روبوتات الدردشة

يشهد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي انتشاراً متسارعاً بين مختلف الفئات العمرية، ولا سيما المراهقون والشباب،

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم شكل تصويري لخلايا الدم البيضاء تهاجم ورما سرطانيا

اختراقان علميان يرسمان ملامح جديدة لعلاج السرطان

في تطورين علميين متزامنين يبدو أن الطب يقترب من تحول جذري في مواجهة أخطر تحديات علاج السرطان ممثلة في الأورام الصلبة التي لطالما قاومت أبرز العلاجات المناعية ال

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم من العرق إلى الخوارزمية: رحلة الجسد من البساطة إلى التعقيد

حين يتحدّث العَرق... جسدك يكشف عن مرضك قبل أن تشعر به

لوقتٍ طويل، لم يكن التعرّق أكثر من استجابة طبيعية للحرارة أو الجهد... قطرات تظهر على الجلد ثم تختفي، دون أن نمنحها اهتماماً يُذكر.

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
علوم حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم

العين «مرآة الدماغ الصامتة» تكشف عن الأمراض مبكراً

أصبحت مصدراً غنياً بالبيانات قد يكشف المستقبل الصحي للإنسان

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

أسلحة الليزر... سباق عالمي محموم لتطويرها

نُظم الليزر تزداد تطوراً
نُظم الليزر تزداد تطوراً
TT

أسلحة الليزر... سباق عالمي محموم لتطويرها

نُظم الليزر تزداد تطوراً
نُظم الليزر تزداد تطوراً

في سبتمبر (أيلول) الماضي، كنت كتبتُ أن العالم يقترب من نقطة تحوّل في مجال أسلحة الليزر. جاء هذا التحليل عقب أسبوع كشفت فيه الصين عن سلاحها الليزري البحري «إل واي-1» (LY-1) خلال عرض عسكري في بكين، وسلَّمت الولايات المتحدة أولى مركباتها القتالية المجهزة بالليزر للجيش الأميركي، وطلبت فرنسا نموذجاً تجريبياً جديداً مضاداً للطائرات المُسيرة يعمل بالليزر، واختبرت الهند نظامها المتكامل للدفاع الجوي المزوَّد بمكون طاقة موجَّهة، كما كتب جاريد كيلر(*). وخلصتُ إلى استنتاجٍ مُحايد: إن الفائز في سباق التسلح العالمي بأسلحة الليزر «لن يتحدد بمسألةِ مَن يمتلك التفوق التكنولوجي، بل بمسألةِ مَن يملك الإرادة السياسية لتحويل طموحاته في مجال الطاقة الموجهة إلى واقع».

نظام لسلاح بالليزر على متن سفينة عسكرية

نظم ليزر عسكرية

وتتوارد تقارير عديدة عن توظيف نظم عسكرية ليزرية عديدة في المجالات العسكرية منها سلاح الجيش الإسرائيلي الليزريّ عالي الطاقة «الشعاع الحديدي» بقدرة 100 كيلوواط. وأفاد موقع «ديفنس بلوغ» عن رصد سلاح ليزري صيني الصنع مُثبّت على مركبة لاستخدامه للدفاع عن المطارات الذي حُددت هويته مبدئياً على أنه مطابق لنظام «غوانغجيان-21إيه» الذي عُرض لأول مرة في معرض تشوهاي الجوي عام 2022.

وتسوق الولايات المتحدة أنظمة مضادة للطائرات المسيَّرة، وهي أنظمة ثابتة الموقع، منخفضة السرعة، وصغيرة الحجم، تُعرَف باسم «أنظمة التدمير المتكاملة للطائرات المسيَّرة» (FS-LIDS)، من وزارة الدفاع الأميركية. وهكذا هي حال سباق أسلحة الليزر العالمي، اليوم: سوق تنافسية متنامية، حيث تتعايش أنظمة القوى المتنافسة، بشكل متزايد، في المخزون نفسه، بل حتى في مسارح العمليات نفسها.

وتيرة تطوير متسارعة

في غضون أربعة أسابيع تقريباً، خلال شهريْ أبريل (نيسان) ومايو (أيار) الأخيرين، بلغ معدل تطوير أسلحة الليزر عالمياً وتيرة لم أشهدها منذ تحليل نقطة التحول تلك، بل قد تكون الوتيرة أسرع الآن.

ألمانيا وأستراليا

* تطويرات ألمانية. في العاشر من أبريل الماضي، نشر الجيش الألماني «البوندسفير» تقريراً عن اختبارات أسلحة الليزر في ميدان التدريب WTD 91 بمدينة ميبن، مُفصِّلاً أربعة أنظمة مختلفة بمستويات جاهزية متفاوتة، بما في ذلك نظام جوبيتر الألماني الهولندي المشترك المُدمج في مركبة بوكسر القتالية، ونموذج بحري تجريبي اختُبر على متن الفرقاطة «ساكسن» المُقرر نشرها عملياتياً بحلول عام 2029.

* خطط أسترالية. في الحادي والعشرين من أبريل الماضي، أعلنت الحكومة الأسترالية خططاً لمضاعفة استثماراتها في قدرات مكافحة الطائرات المُسيَّرة إلى 7 مليارات دولار على مدى العقد المقبل، مع عقد مبدئي بقيمة 21.3 مليون دولار لشركة «AIM Defence» لمواصلة تطوير نظامها المحمول عالي الطاقة «Fractl. وبعد أسبوع، صرَّح وزير الصناعات الدفاعية بات كونروي بأن الجيش الأسترالي يُخطط لتركيب أسلحة ليزر على الدفعة التالية من مركبات بوشماستر، البالغ عددها 300 مركبة.

الصين وكوريا الجنوبية

* أسلحة صينية. في 22 أبريل الماضي، أفاد موقع «آرمي ريكوغنيشن» بأن شركة «نوفاسكي تكنولوجي» الصينية عرضت سلاحها الليزري «NI-L3K» بقدرة 3 كيلوواط، والمثبت على شاحنة، في معرض «خدمات الدفاع آسيا 2026» للأسلحة في ماليزيا. وصرحت الشركة بأن هذا السلاح، المصمم كخط دفاع أخير ضد الطائرات المسيّرة، مصمم خصوصاً للتصدير، وهو ثاني نظام من نوعه يظهر في غضون أسابيع قليلة، وسط ازدياد انخراط بكين في تجارة أسلحة الطاقة الموجهة العالمية.

* مخططات كوريا الجنوبية. وفي 24 أبريل، ذكرت صحيفة «سيول إيكونوميك ديلي»، نقلاً عن مصادر، أن كوريا الجنوبية تخطط لنشر سلاح ليزري ثانٍ من طراز «تشيونغوانغ» بقدرة 20 كيلوواط، بالقرب من سيول؛ بهدف إسقاط أي طائرة مُسيّرة كورية شمالية، مع تسريع الجدول الزمني لتوسيع نطاق التغطية ليشمل البنية التحتية الحيوية، مثل محطات الطاقة النووية والمطارات والموانئ البحرية، بحلول عام 2027.

روسيا وتركيا

* نظم حماية جوية روسية. في 1 مايو، أفادت وكالة «تاس» الروسية الرسمية بأن الحكومة الروسية أصدرت مرسوماً رسمياً يُدرِج أسلحة الليزر المضادة للطائرات المُسيَّرة ضِمن الأنظمة العاملة لحماية حدود المجال الجوي للبلاد. وبينما وُجدت أسلحة الليزر الروسية في منطقة رمادية بين القدرة المؤكدة والدعاية، يُعدّ هذا المرسوم مؤشراً قوياً على أن أنظمة موسكو قد تكون انتقلت إلى الفئة الأولى.

أسلحة ليزر تركية. في 5 مايو، استعرضت تركيا عدة أسلحة ليزرية جديدة، وهي: «غوكبيرك 10» من إنتاج شركة «أسيلسان» بقدرة 10 كيلوواط، و«واي جي إل إس» من إنتاج شركة «توبيتاك» بقدرة 20 كيلوواط (يُزعم أنها قابلة للتطوير إلى 80 كيلوواط)، وذلك في معرض «ساها 2026» في إسطنبول. ويُسهم كلا النظامين في مفهوم «القبة الفولاذية» للبلاد، والذي يتصور بنية قيادة وسيطرة موحدة تُدمج الصواريخ والرادار والحرب الإلكترونية والطاقة الموجهة في شبكة دفاع جوي وطنية واحدة.

قبة ليزر أميركية

في 6 مايو، أعلنت الولايات المتحدة أن فرقة العمل المشتركة بين الوكالات 401، التابعة لوزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، اختارت خمس منشآت عسكرية للمشاركة في برنامج تجريبي لمكافحة الطائرات المُسيَّرة باستخدام الطاقة الموجهة، وهي خطوة مهمة نحو صياغة «قبة ليزر» محلية لحماية الأصول الاستراتيجية والبنية التحتية الحيوية. ومن المتوقع أن تبدأ العمليات في وقت لاحق من هذا العام، بعد فترة 180 يوماً لوضع اللمسات الأخيرة على خطط النشر مع قادة المنشآت.

مجمع ليزر أوكراني

في 7 مايو، أعلنت شركة سيليبرا تك الأوكرانية أن مجمع الليزر «تريزوب»، الذي ذكره لأول مرة علناً قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية في 2024 وعُرض في 2025، دُمج في منصة متنقلة محمولة على مقطورة، وجرى الاستعداد لعرضه للجمهور بعد الاختبارات النهائية. ويزعم النظام، الآن، أن مداه الفعال يبلغ 1500 متر (0.9 ميل) ضد طائرات الاستطلاع دون طيار، ومن 800 إلى 900 متر (0.5 ميل) ضد طائرات «FPV» دون طيار. ووفقاً للشركة، يتمتع بقدرة عملية ضد الطائرات دون طيار من نوع «شاهد» على مسافات تصل إلى 5 كيلومترات (3.1 ميل)، مع إضافة الاستهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي وتكامل الرادار، خلال أحدث مراحل التطوير.

* باختصار، مجلة «فاست كومباني».

Your Premium trial has ended


هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي
TT

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

الدكتور كايل ستالر طبيب مختص في أمراض الجهاز الهضمي، لذا؛ فقد يكون من المفاجئ ألا يشكو كثير من مرضاه الذين يراجعونه من مشكلات في المعدة فقط، بل من مشكلات في الدماغ أيضاً!

القولون العصبي وتشوش الذهن

قد تترافق «متلازمة القولون العصبي» وغيرها من اضطرابات الجهاز الهضمي، مع تشوش ذهني. فعلى سبيل المثال، قد يصف الأشخاص الذين يعانون الإمساك والانتفاخ «شعوراً بالثقل أو التعب الجسدي والنفسي»، كما يقول ستالر، الذي يعمل في «مستشفى ماساتشوستس العام» في بوسطن. ويضيف: «يتحدث كثير من مرضاي عن مشكلات مثل التعب، والتشوش الذهني، والشعور بالخمول».

«محور الأمعاء - الدماغ»

يحرز العلماء تقدماً في فهم كيفية تأثير المسار العصبي بين الدماغ والجهاز الهضمي على صحتنا العامة... يطلَق عليه اسم «محور الأمعاء - الدماغ (gut - brain axis)»، وقد ثبت أنه يلعب دوراً مهماً في دعم جهاز المناعة، والحد من القلق والاكتئاب، وتحسين عملية التمثيل الغذائي، والوقاية من الأمراض. كما أنه يؤثر على صفاء الذهن.

وقد سألنا العلماء والأطباء عن أهم ما تجب معرفته بشأن تأثير الأمعاء على صفاء الذهن:

* كيف يعمل «محور الأمعاء - الدماغ»؟

- توجد آلاف الألياف العصبية الممتدة من الدماغ إلى البطن، والمعروفة باسم «العصب المبهم»، وهو القناة الرئيسية لـ«محور الأمعاء - الدماغ». وبوصفه العصب الرئيسي في «الجهاز العصبي اللاودي»، فإنه يساعد الجسم على الراحة والهضم ومنع الالتهابات.

تنتقل الإشارات أيضاً بين الأمعاء والدماغ عبر هرمونات التوتر وخلايا المناعة. ومن الأهمية بمكان أن بكتيريا الأمعاء تُنتج نواقل كيميائية (تُسمى «النواقل العصبية») مثل السيروتونين والدوبامين و«حمض غاما - أمينوبيوتيريك (GABA)»، التي تؤثر على الجهاز العصبي. فعندما تدخل هذه النواقل مجرى الدم أو تُحفز «العصب المبهم»، فإنها تُساعد على تحسين المزاج، وزيادة الحافز، وتهدئة الجهاز العصبي.. ويحافظ هذا التواصل المستمر على توازن أجهزة الجسم.

مشكلات الجهاز الهضمي وتشوش الذهن

* كيف ترتبط مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن؟

- يُعزى تشوش الذهن إلى «خلل في التواصل» بين الأمعاء والدماغ، كما أوضح جيرارد كلارك، أستاذ علم الأعصاب السلوكي في جامعة «كوليدج كورك» بآيرلندا، الذي يدرس تأثير بكتيريا الأمعاء على الدماغ والسلوك.

يرتبط بعض أسباب مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن، بما في ذلك سوء التغذية، والتغيرات الهرمونية المصاحبة لانقطاع الطمث، والقلق، والعدوى.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يُسبب «خلل الجهاز العصبي اللاإرادي»، وهو مصطلح شامل لاضطرابات متنوعة تُصعّب على الجسم التحكم في معدل ضربات القلب وضغط الدم ودرجة الحرارة، مشكلات في الجهاز الهضمي وتشوش الذهن، كما ذكر ستالر.

لا يزال من غير الواضح تماماً كيف يؤدي خلل الجهاز الهضمي إلى تشوش الذهن. بالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين يعانون مشكلات في الجهاز الهضمي، مثل «متلازمة القولون العصبي»، تصبح الأعصاب في الأمعاء أعلى حساسية. ومع إرسال الأمعاء إشارات استغاثة إلى الدماغ، تتفاقم هذه الإشارات.

«ميكروفون قرب مكبر صوت»

يقول ستالر: «الأمر أشبه بميكروفون موضوع بالقرب من مكبر صوت... إذ تنعكس الإشارات الضعيفة، وتتضخم، وسرعان ما تصبح طاغية». ويضيف أن هذا قد يجعل مشكلات مثل الغازات أو الانتفاخ مؤلمة للغاية، ومشتتة للانتباه في نهاية المطاف، وربما تؤدي إلى تشوش ذهني.

وقد وجدت دراسة، نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن أكثر من نصف المشاركين المائة فيها عانوا من تشوش ذهني مصحوب بـ«متلازمة القولون العصبي (Irritable bowel syndrome)» أو «شلل المعدة (gastroparesis)»، وهي حالة مزمنة تواجه فيها المعدة صعوبة في إفراغ محتوياتها إلى الأمعاء الدقيقة.

دور الميكروبيوم

يتكون ميكروبيوم الأمعاء من تريليونات من البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تستوطن الجهاز الهضمي. ويساعد الميكروبيوم المتنوع على حمايتنا من الأمراض، وتقليل الالتهابات، وإنتاج وتنظيم النواقل العصبية التي تؤثر على مزاجنا ووظائف الدماغ.

وأوضح كلارك أن الإشارات الصادرة من ميكروباتنا قد تؤثر على كثير من مناطق الدماغ المرتبطة بالتشوش الذهني. وتشمل هذه المناطق «الحصين (hippocampus)»، المسؤول عن التعلم والذاكرة؛ وقشرة الفص الجبهي، المرتبطة باتخاذ القرارات ووضوح التفكير؛ واللوزة الدماغية، وهي المركز الرئيسي في الدماغ لمعالجة الخوف والقلق.

وأشار الخبراء إلى أن اختلال توازن الميكروبيوم قد يَحدث أحياناً نتيجة مشكلات تتعلق بالنظام الغذائي، أو التوتر، أو القلة في النوم وفي ممارسة الرياضة، أو الأدوية، أو انقطاع الطمث، أو العدوى، أو الالتهاب المزمن.

فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة

يُعدّ «فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO)» أحد أنواع اختلال التوازن في الميكروبات المعوية؛ مما قد يُسبب الانتفاخ والإسهال. وفي دراسة صغيرة أُجريت عام 2018 على نحو 40 شخصاً، وجد الباحثون صلة بين تشوش الذهن وفرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة لدى المرضى الذين كانوا يتناولون البروبيوتيك. وقد تحسّنت أعراض المرضى بعد تناولهم المضادات الحيوية وتوقفهم عن تناول البروبيوتيك.

وقد حدث أنه بدلاً من أن تستوطن البروبيوتيك القولون، تجمّعت في الأمعاء الدقيقة وأنتجت كمية زائدة من «حمض اللاكتيك (D-lactic acid)»، الذي يصعب على جسم الإنسان استقلابه، كما أوضح الدكتور ساتيش راو، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وأستاذ الطب في جامعة «أوغوستا» بولاية جورجيا الأميركية، والمؤلف الرئيسي للدراسة. وأضاف: «عندما يتراكم هذا الحمض، فإن المرء يُصاب بتشوش الذهن».

البروبيوتيك... لا أدلة علمية لاستخدامه

يعتقد البعض أن تناول البروبيوتيك يُفيد في عملية الهضم، خصوصاً بعد تناول المضادات الحيوية. وبينما أظهرت الدراسات أن البروبيوتيك يُساعد في بعض الحالات، فإنه لا توجد حالياً أدلة علمية كافية تدعم استخدامه على نطاق واسع، وفقاً للخبراء.

تحسين صحة الأمعاء

* هل يُسهم تحسين صحة الأمعاء في تقليل التشوش الذهني؟

- ربما. لم يكتشف العلماء بعدُ طريقةً مُحددةً لعلاج التشوش الذهني عبر الأمعاء، ولكن العمل على الحفاظ على صحة الأمعاء يُمكن أن يُساعد على صفاء الذهن.

ولتحقيق ذلك، ينصح كلارك بتناول الأطعمة الصحية التي تُعزز صحة ميكروبات الأمعاء. وتعتمد هذه الميكروبات على الألياف مصدراً مهماً للعناصر الغذائية، لذا؛ يُنصح بتناول الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الخضراوات والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة. كما تفيد إضافةُ مزيد من الأطعمة المُخمرة إلى نظامك الغذائي، مثل الزبادي والكفير والملفوف المخلل والكيمتشي.

وتقترح ميغان ريهل، عالمة النفس بجامعة ميشيغان والمختصة في اضطرابات الجهاز الهضمي وغيرها من مشكلات الهضم، الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، وممارسة التمارين الرياضية المعتدلة، وتجربة «نظام غذائي صحي تدريجي»، على سبيل المثال، الحد من استهلاك الكافيين والكحول والأطعمة قليلة الألياف والمعالَجة.

كما أيد ستالر التغذية الجيدة قائلاً: «من المرجح أن تستمر الأنظمة الغذائية الصحية والنباتية في إظهار فوائدها وأن تصمد أمام اختبار الزمن على حساب الموضات التي تأتي وتذهب».

* خدمة «نيويورك تايمز»


استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري
TT

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

بينما يحذر منتقدو الذكاء الاصطناعي من أن آثاره طويلة المدى على الدماغ البشري لا تزال غير معروفة، كونه تقنية حديثة نسبياً، فإن دراسة جديدة تُظهر أن الذكاء الاصطناعي قد يكون خطيراً حتى على المدى القصير، حيث إن عشر دقائق فقط من استخدامه تؤدي إلى ضعف أداء الدماغ، كما كتب جود كريمر(*).

دراسة من 4 جامعات

أجرى باحثون من جامعة كارنيغي ميلون، وجامعة أكسفورد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، دراسةً تحدّت المشاركين في حلّ مجموعة من مسائل الرياضيات القائمة على الكسور. وفيما طُلب من نصف المجموعة حلّ المسائل بأنفسهم، مُنح النصف الآخر إمكانية الوصول إلى مساعد ذكاء اصطناعي يعمل بنموذج «جي بي تي-5». إلا أن هذا المساعد أُوقف فجأةً ودون سابق إنذار في أثناء حلّ المسائل الثلاث الأخيرة من الاختبار.

نسبة حلول أعلى بدعم الذكاء الاصطناعي

على الرغم من أن نسبة حلّ الأسئلة لدى المشاركين الذين خضعوا للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي كانت أعلى من المجموعة الضابطة خلال معظم فترة التجربة، فإن هذه النسبة انخفضت بشكل حاد بمجرد إزالة الذكاء الاصطناعي.

وقف مساعد الذكاء الاصطناعي

لكن, وعندما عملت المجموعتان بشكل مستقل، انخفضت نسبة حلّ الأسئلة لدى المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمجموعة الضابطة.

بالإضافة إلى ذلك، لوحظ ارتفاع ملحوظ في نسبة تخطي الأسئلة لدى المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي بعد إزالة الذكاء الاصطناعي، حيث لجأت إلى التخلي عن المسائل... ضعف عدد مرات المجموعة الضابطة.

إعاقة الذكاء الاصطناعي للمهارات

هذا ولم يُتح للمشاركين الوصول إلى مساعديهم من الذكاء الاصطناعي إلا لمدة عشر دقائق تقريباً، مما يشير إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، حتى لفترة قصيرة كهذه، قد أعاق قدرة الأفراد على الاعتماد على مهاراتهم الذاتية في حل المشكلات.

كما أجرى الباحثون تجربة لاحقة بنفس الصيغة لاختبار مهارات فهم المقروء، بدلاً من المهارات الرياضية. وكانت النتائج متطابقة إلى حد كبير، باستثناء أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لم يمنح المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي أي أفضلية في الجزء الأول من الاختبار.

طريقة استخدامك الذكاء الاصطناعي مهمة

على الرغم من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ثم فقدانه أدى إلى انخفاض معدلات حل المشكلات بشكل عام، فإن هناك تبايناً بين المجموعات التجريبية في الدراسة، وذلك تبعاً لكيفية استخدامهم لمساعدي الذكاء الاصطناعي.

طلب الحلول مباشرةً... خفض مستوى المهارات

شهد أولئك الذين طلبوا من الذكاء الاصطناعي حلولاً مباشرة أكبر انخفاض في معدل الحل وأكبر زيادة في معدل التخطي (بعد وقف مساعد الذكاء الاصطناعي). وكانت غالبية المشاركين في الدراسة ضمن هذه المجموعة، حيث أفاد 61 في المائة منهم بأنهم طلبوا من الذكاء الاصطناعي إجابات مباشرة عن أسئلة الاختبار.

طلب تلميحات للحلول... لم يخفض المهارات

أما أولئك الذين طلبوا من الذكاء الاصطناعي تلميحات أو توضيحات فقط، فلم يشهدوا نفس الانخفاض في معدل الحل، بل ظلوا على قدم المساواة مع المجموعة الضابطة.

يشير هذا إلى أن ليس كل أشكال استخدام الذكاء الاصطناعي ضارة بالقدرات الإدراكية. بل إن الاعتماد الكامل على مساعدة الذكاء الاصطناعي هو ما يُضعف قدرة الإنسان على حل المشكلات.

دراسات سابقة حول التدهور المعرفي

تتوافق نتائج هذه الدراسة مع الأبحاث السابقة التي ربطت استخدام الذكاء الاصطناعي بالتدهور المعرفي.

كانت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) لقياس نشاط الدماغ في أثناء كتابة المقالات، قد أظهرت أن الكتّاب الذين يعملون بشكل مستقل يتمتعون بترابط دماغي أعلى بكثير من الكتّاب الذين يستخدمون نماذج لغوية ضخمة والذين كان أداؤهم أقل على الصعيد العصبي واللغوي والسلوكي خلال فترة التجربة التي استمرت أربعة أشهر.

كما أشارت دراسات أخرى أُجريت على عاملين في مجالات مثل العمل المعرفي والطب، إلى أن أولئك الذين اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام أصبحوا أقل قدرة على إنجازها بأنفسهم دون مساعدة الذكاء الاصطناعي.

في ختام دراستهم، كتب مؤلفو الدراسة أن نتائجهم «تثير تساؤلات ملحة حول الآثار التراكمية للاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي على مثابرة الإنسان وقدرته على التفكير المنطقي».

* مجلة «فاست كومباني»

وأضافوا: «نحذر من أنه إذا تراكمت هذه الآثار مع الاستخدام المستمر للذكاء الاصطناعي، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية - المصممة فقط لتقديم المساعدة على المدى القصير - تُهدد بتقويض القدرات البشرية التي صُممت لدعمها».

* مجلة «فاست كومباني».