«داعش» يستخدم مجرمين سابقين لنشر الرعب في الغرب

جيل جديد من الإرهابيين يطمس الخط الفاصل بين الجريمة المنظمة والتطرف

عبد الحميد أباعود من زعيم عصابة سيئ السمعة إلى الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس الشهر الماضي (واشنطن بوست)
عبد الحميد أباعود من زعيم عصابة سيئ السمعة إلى الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس الشهر الماضي (واشنطن بوست)
TT

«داعش» يستخدم مجرمين سابقين لنشر الرعب في الغرب

عبد الحميد أباعود من زعيم عصابة سيئ السمعة إلى الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس الشهر الماضي (واشنطن بوست)
عبد الحميد أباعود من زعيم عصابة سيئ السمعة إلى الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس الشهر الماضي (واشنطن بوست)

سلطت الهجمات الإرهابية الأخيرة على باريس ضوءا قويا على صعود جيل جديد من المتشددين؛ جيل يطمس الخط الفاصل بين الجريمة المنظمة والتطرف، وذلك باستخدام المهارات المصقولة في خرق القوانين لخدمة الراديكالية العنيفة.
يبني تنظيم داعش جيشا من الموالين له من أوروبا، يتضمن عددا متزايدا من قساة الشوارع والمجرمين السابقين، في ظل تطور طبيعة الراديكالية في عصر الخلافة المزعومة. وبدلا من ترك حياة الجريمة وراءهم، يستخدم بعض الموالين مواهبهم غير المشروعة لتمويل عصابات التجنيد وحتى تحمل تكاليف السفر للمقاتلين الأجانب، لا سيما أن خلفياتهم تمنحهم سهولة الحصول على النقود والأسلحة، مما يفرض نوعا جديدا من التحدي على السلطات الأوروبية.
وقبل أن يصبح زعيم عصابة سيئ السمعة للهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس الشهر الماضي، على سبيل المثال، كان عبد الحميد أباعود (28 عاما) ذا صلة بوكر لصوص راديكاليين يقودهم رجل ملقب بـ«بابا نويل».
ونهبت العصابة – التي تضم شابا ربما ذهب للقتال في سوريا والعراق – السياح، وسرقت السلع من المتاجر، وبذلك توضع عملية الجريمة الصغيرة تحت خدمة تنظيم داعش، بحسب السلطات.
وتختلف الصورة الناشئة الآن عن مؤامرات «داعش»، عن تطور تنظيم القاعدة، الذي اعتمد اعتمادا كبيرا على مجنديه الأتقياء الظاهرين الذين انضموا له في سنواته الأولى وعلى الرعاة الأجانب الأثرياء. وفي المقابل، يستخدم بعض الموالين لـ«داعش» مواهبهم غير المشروعة لتمويل عصابات التجنيد وعمليات السفر إلى معاقل التنظيم، مما يفرض نوعا جديد من التحدي للسلطات.

معتاد الإجرام

كان أباعود، نجل مهاجرين مغاربيين إلى بلجيكا، شخصا معتاد الإجرام طُرد من منزله وهو في سن 16 عاما. أصبح متطرفا وغادر بلجيكا في عام 2013 للقتال في سوريا. لكن حتى خلال عودته الوجيزة إلى بلجيكا في وقت لاحق من ذلك العام، كان لا يزال يرتكب عمليات سرقة. واستخدم العائدات للمساعدة في تمويل رحلة أخرى إلى سوريا في يناير (كانون الثاني) 2014، لكن هذه المرة مع شقيقة يونس البالغ من العمر 13 عاما، وفقا لمسؤول استخباراتي كبير استجوب أحد أفراد العائلة. ومثل المقابلات التي أجريت مع مسؤولين آخرين، تحدث ذلك المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب أن ذلك الموضوع الإرهابي لا يزال قيد التحقيق.
وكان شبكة أباعود الإرهابية في باريس، بحسب المسؤولين، تختلف عن عصابة الجريمة الصغيرة في بروكسل، التي لم تنفذ هجمات في أوروبا، لكن بدلا من ذلك جندت مقاتلين ومولت مرورهم إلى منطقة الشرق الأوسط. لكن كثيرا من مهاجمي باريس لديهم ماض جنائي أيضا، حيث عمل اثنان منهم، (إبراهيم عبد السلام الذي فجر نفسه يوم 13 نوفمبر/ تشرين الثاني، وشقيقه صلاح عبد السلام الذي لا يزال هاربا) بمقهى في بروكسل أغلق مؤخرا في أغسطس (آب) الماضي بسبب النشاط المتعلق بالمخدرات.
وقال مسؤول فرنسي مطلع على التحقيق في هجمات باريس أيضا إن اختبارات الطب الشرعي كشفت عن آثار «كبتاغون»، وهو مزيج من المنشطات والثيوفيلين، في بقايا جثث عدة مهاجمين بالرصاص، رغم تحريم المسكرات في الإسلام.
وقال محمد محمود ولد محمدو، نائب مدير مركز جنيف للسياسات الأمنية: «لم يكن هذا الاتصال بالعالم الجنائي شيئا يمكن رؤيته مع أسامة بن لادن. كانت هناك أصولية معينة داخل الإرهاب».

مرتع خصب

تعد السجون الأوروبية مرتعا خصبا للراديكاليين على مدى سنوات، لا سيما في بلجيكا وفرنسا. لكن في الآونة الأخيرة، أصبح الإجرام والتطرف أكثر تداخلا، مع استمرار السلوك غير الشرعي للمجندين حتى بعد خروجهم إلى «ضوء» الإسلام الراديكالي.
وقال بيتر نيومان، خبير الراديكالية في كلية «كينغز كوليج» في لندن: «يعيش كثير منهم حياة السفاحين، ويحتفلون بعيد الغطاس، وتحولوا إلى متدينين، لكن هذا الاتصال بالإجرام لا يختفي. وقد رأيت ذلك في أحد الجوانب التشغيلية لتنظيم داعش».
وفي مثال على الاتجاه الجديد، استمعت محكمة في كولونيا بألمانيا إلى قضية تورط فيها ثمانية رجال بسرقة كنائس ومدارس وشركات تجارية في الفترة ما بين أغسطس 2011 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2014 لدعم مقاتلي «داعش» في سوريا. وفي إحدى تلك الكنائس، سرقوا أشياء مقدسة تقدر قيمتها بـ10 آلاف يورو. ولم يتضح بعد الجماعة التي كانوا يدعمونها، لكن «كل الأدلة تشير إلى أنها (داعش)»، وفقا للمتحدث باسم المحكمة أكيم هينغستينبيرغ.
ورغم ذلك، فإن بعض القضايا تسلط ضوءا أفضل على الروابط الواضحة بين الإجرام والراديكالية في عصابة بروكسل التي يتزعمها خالد زركاني، 42 عاما، وهو مغربي ممتلئ الجسم وملتح يمتلك علاقات مزعومة مع «داعش».
وتقول السلطات إن زركاني – المعروف لأتباعه باسم «بابا نويل» أو «سانتا كلوز» – أنفق أموالا وقدم هدايا للشباب الضالين الذين جندهم كلصوص ومقاتلين محتملين. ويقوم هؤلاء الأشخاص باستهداف محطات القطار والسياح، ويسرقون الأمتعة، وحتى ينهبون المتاجر، لخدمة قضيتهم. وذهبت الأرباح – وفقا للمسؤولين – للمساعدة في تغطية تكاليف إرسال المجندين من أوروبا إلى ساحات المعركة في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن الإسلام يحرم السرقة، فإن أتباع «داعش» يبررون مثل هذه الأنشطة بالقول إنهم يستهدفون «الكفار»، أو أن تلك الجرائم تنفذ لأغراض تكتيكية.
ويرى المسؤولون أن شبكة زركاني المزعومة تقدم لمحة عن تجنيد وتمويل التكتيكات التي يستخدمها مقاتلو «داعش» المولودون في أوروبا. ويضيفون أن زركاني مرتبط بما لا يقل عن 30 أو 40 شخصا غادروا بلجيكا وذهبوا إلى سوريا والعراق.
وأخبر أحد المجندين ويدعى يوسف بوعمار (21 عاما)، السلطات أن زركاني شجعه على سرقة الأمتعة في محطات القطار لتمويل «قضية المتطرفين».
يبدو أن زركاني يستهدف هؤلاء الذين لديهم بالفعل سجلات جنائية صغيرة، ويجتذب المجندين في المقاهي وفي الشوارع بالقرب من المساجد غير الرسمية في مولنبيك، وهو حي في بروكسل يضم كثيرا من المهاجرين من شمال أفريقيا. وأخبر محمد كريم حداد، الذي تم تجنيد شقيقه للقتال في سوريا، المسؤولين أن زركاني كان «دجالا يتلاعب بالشباب أو الرجال المعقدين اجتماعيا في سبيل القضية الخطأ وربما لنشاطه الخاص».
وألقت السلطات البلجيكية القبض على زركاني في فبراير (شباط) 2014، ووجهت إليه تهما بقيادة عملية إرهابية. وأدين هذا العام وحُكم عليه بالسجن لمدة 12 عاما. لكنه قال إنه غير مذنب وتقدم باستئناف على الحكم. ورفض محاميه ستيف لامبرت التعليق على الموضوع.

زاوية مختلفة للجهاد

يمثل التنظيم المتطرف، بحسب الخبراء، تحولا من التنظيمات القديمة مثل «القاعدة» التي كانت أكثر صرامة في تفسير الدين واستخدمت الفيديوهات التجنيدية التي كانت في الغالب عبارة عن خطب مشوشة مدتها 45 دقيقة لزعيمه أسامة بن لادن. ويستخدم «داعش» الدعاية الاستعراضية على الإنترنت، فيشعر الشباب المحرومين من حقوقهم باندفاع الأدرينالين للتمتع بغنائم الحرب.
وقال مسؤول أمني أوروبي كبير آخر: «هؤلاء هم إرهابيون أقل جودة».
وهذا يعني بالكاد أنهم أقل خطورة. وقد تسمح الروابط الجنائية لأعضاء التنظيم الجدد بالوصول إلى مصادر الأسلحة والنقود بسهولة أكثر في أوروبا، وفقا للخبراء. وقد تدفع علاقات هؤلاء المتطرفين الجدد بالجرائم البسيطة السلطات إلى التقليل من التهديد الذي يمثلونه.
*خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



البندقية تستعد لاحتجاجات مع وصول السفير الأميركي على يخت فاخر

اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
TT

البندقية تستعد لاحتجاجات مع وصول السفير الأميركي على يخت فاخر

اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)
اليخت «بوردووك» في البندقية (رويترز)

وصل السفير الأميركي لدى إيطاليا تيلمان فيرتيتا، الجمعة، إلى بحيرة البندقية على يخته الفاخر، مما أثار احتجاجات ضد سياسات الرئيس دونالد ترمب وتدابير أمنية مشددة في الوقت الذي تستعد فيه المدينة لإقامة أحد أهم مهرجاناتها.

ويقوم فيرتيتا، وهو رجل أعمال ملياردير عينه ترمب، بجولة في شبه الجزيرة الإيطالية على متن يخته «بوردووك» الذي يبلغ طوله 117 متراً في إطار جولة الحرية 250 للدبلوماسية الساحلية التي تحيي ذكرى مرور 250 عاماً لاستقلال الولايات المتحدة.

وبمرافقة زورق قطر، رسا اليخت الأبيض اللامع ببطء عند ممشى ريفا دي سيتي مارتيري الواسع على الواجهة البحرية، والذي يبعد بنحو كيلومتر عن ساحة سان ماركو.

ووفق وكالة «رويترز» للأنباء، فقد شددت السلطات الإجراءات الأمنية وسط مخاوف من مظاهرات مزمعة من المقرر أن تتزامن مع احتفال فييستا ديل ريدينتوري. ويحيي هذا الاحتفال ذكرى انتهاء وباء الطاعون، وسيجذب آلاف السكان والزوار إلى البحيرة، غداً السبت، لمشاهدة الألعاب النارية والمراسم الدينية.

علم فلسطين يظهر خلال احتجاج في البندقية ضد وصول السفير الأميركي تيلمان فيرتيتا (أ.ف.ب)

واشتكى سكان المدينة مراراً من تأثير السياحة الجماعية وتزايد استخدام البندقية مسرحاً لأحداث مهمة، مثل حفل زفاف مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس والصحافية لورين سانتشيز في يونيو (حزيران) 2025.

ودعا نشطاء من مركز «موريون» الاجتماعي إلى تنظيم مظاهرة تحت شعار «لا لاستخدام البندقية»، ومن المقرر أن تنطلق المسيرة من المركز باتجاه مرسى اليخت.

وقال منظمو الاحتجاج إنهم يرون فيرتيتا ممثلاً لسياسات ترمب التي قالوا إنها تّذكي النزاعات وتدعم الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة وتزيد عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي وترفع الأسعار.

واتهم تحالف الخضر واليساريين في إيطاليا الحكومة بتحويل مئات من أفراد الشرطة عن مهامهم المتعلقة بالأمن العام ليكونوا بمثابة «حرس شخصي» لفيرتيتا خلال جولته في إيطاليا، وحض أنصاره على الاحتجاج ضد سياسات الولايات المتحدة.

وأدت سلسلة من الخلافات العلنية بين ترمب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، لا سيما عندما نفت بشدة قوله إنها «توسلت» لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع الماضية، إلى توتر العلاقة التي كانت وثيقة في السابق.

ورفض فيرتيتا الحديث عن وجود خلاف، قائلاً إن ترمب وميلوني تربطهما علاقة شخصية قوية.


برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما 
(أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما (أ.ف.ب)
TT

برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما 
(أ.ف.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي يتجهان جنباً إلى جنب بعد ظهر الجمعة إلى المؤتمر الصحافي الذي عقداه مع نهاية الاجتماع الحكومي السنوي المشترك بين بلدَيهما (أ.ف.ب)

حظيت المسائل الدفاعية والاستراتيجية بحيز بارز في الاجتماع الحكومي المشترك الألماني - الفرنسي الذي استضافته ألمانيا ليومين، وكانت محوراً لاجتماع مجلس الدفاع والأمن برئاسة المستشار فريدريش ميرتس والرئيس إيمانويل ماكرون، ومشاركة وزيرَي الدفاع والخارجية، وكبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في البلدين.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وكان واضحاً من خلال تصريحات ميرتس وماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي أعقب نهاية الاجتماعات، أن برلين وباريس عازمتان على إحراز تقدم في هذا المجال الذي يتناول أمن البلدين وأمن أوروبا، في حين أن الخبراء من جانبَي نهر الرين لا يستبعدون أن تعمد روسيا إلى اختبار الأمن الأوروبي قبل نهاية العقد الحالي.

أما العامل الآخر الذي يدفع الطرفين، فيتمثل في غياب اليقين لجهة مشاريع ونوايا الإدارة الأميركية بالنسبة لمستقبل الحلف الأطلسي، وانخراطها في الدفاع عن القارة القديمة رغم البيان المطمئن الذي صدر عن قمة الحلف الأطلسي الأخيرة في أنقرة، متضمناً التمسك بالبند الخامس من معاهدة النادي الأطلسي الذي يقول إن أي اعتداء خارجي على أي عضو في الحلف يعد اعتداء على أعضائه كافة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

ولأن الانحسار الأميركي يعني عملياً سحب المظلة النووية الأميركية - الأطلسية عن الحلف، فإن الأوروبيين، وعلى رأسهم ألمانيا، يبحثون عن البديل. وهذا البديل له عنوانان: فرنسا وبريطانيا الدولتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا. وسبق للرئيس ماكرون أن عرض إطلاق حوار مع الدول الأوروبية الراغبة في العمل مع فرنسا. وبالفعل، عُقدت مجموعة من الاجتماعات الفرنسية - الألمانية حول هذه المسألة.

المظلة النووية الفرنسية

من الواضح أن تقدماً قد أُحرز بين برلين وباريس، وهو ما عكسته تصريحات ميرتس وماكرون. فالأول قال ما حرفيته: «نحن نأخذ بجدية بالغة العرض الفرنسي المتعلق بالردع النووي، وندرسه بعناية. وقد يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى صياغة عقيدة جديدة، لكن من السابق لأوانه جداً الحديث عن ذلك في الوقت الراهن».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأميركي ترمب بالبيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)

وغرّد ميرتس يوم الجمعة على منصة «إكس» بشأن الملف النووي، قائلاً: «تعزز ألمانيا وفرنسا تعاونهما في مجال الدفاع. ونحن نرسخ الردع الأوروبي. واعتباراً من هذا العام، ستشارك ألمانيا في مناورة نووية تجريها القوات المسلحة الفرنسية». بيد أن هذه المشاركة ليست سوى خطوة صغيرة «رمزية» في مسيرة الألف ميل نحو التوصل إلى ردع أوروبي نووي. والمحظور في فرنسا التشارك في اتخاذ قرار اللجوء إلى السلاح النووي الفرنسي. ويتشكل هذا السلاح من مكونين: الأول بحري، ويتمثل في الصواريخ المزودة برؤوس نووية، والتي تحملها الغواصات الفرنسية العاملة بالدفع النووي، ما يمكنها من البقاء لفترات طويلة في أعماق البحار والمحيطات. والمكون الثاني جوي؛ إذ تمتلك فرنسا طائرات «رافال» الاستراتيجية القادرة بدورها على حمل وإيصال رؤوس نووية إلى الأهداف المنوي ضربها. ويعتبر البلدان أن هذا التعاون «سيسهم في تعزيز الردع في أوروبا وزيادة أمن القارة»، مع التقيد الكامل بالالتزامات القانونية الدولية المترتبة على البلدين.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

ورغم ما سبق، ورغبة من برلين وباريس في عدم إغاظة الإدارة الأميركية، فقد حرصت العاصمتان على تأكيد أن تعاونهما «يكمل الردع النووي للحلف الأطلسي، ولا يحل محله». وتبدو برلين الأكثر حرصاً على التذكير بهذه القاعدة مقارنة بفرنسا التي توفر لها قوتها النووية السلاح الرادع الذي تعرف عنه سلطاتها بأنه «الضربة الثانية»؛ بمعنى أن فرنسا لن تكون البادئة باستخدام قوتها النووية التي لن يتم اللجوء إليها إلا في حال تعرض «المصالح الفرنسية الحيوية» للخطر. لكن باريس أخذت تعتبر أن هناك «بعداً أوروبياً» لسلاحها النووي، إلا أنها لم تعرفه مطلقاً للإبقاء بيدها على ورقة «انعدام اليقين الاستراتيجي» لدى الخصوم والأعداء، أو المحافظة على «الغموض الاستراتيجي».

الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني خلال قمة «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا في باريس الاثنين (أ.ف.ب)

وفي الأشهر الأخيرة، يدور جدل في ألمانيا حول الثمن الذي يتعين على البلاد دفعه للاستفادة من المظلة النووية الفرنسية. وخلال المؤتمر الصحافي، حرص ماكرون على تناول هذا الجانب ليؤكد أن فرنسا هي من موّلت منذ البداية وستواصل بنفسها تمويل برنامجها النووي، واضعاً بذلك حداً للتساؤلات والنظريات الرائجة من الجانب الشرقي لحوض نهر الرين. ورغم أن الرئيس الفرنسي، دستورياً، هو القائد الأعلى للقوات الفرنسية، فإنه أيضاً المؤهل لأن يطلب الضغط على الزر النووي. وينبه اليمين الفرنسي بشكل خاص على أن «التعاون» النووي مع سبع دول أوروبية تتحاور معها باريس، يجب ألا يفضي إلى الانتقاص من السيادة الفرنسية على قوة الردع النووية.

مرشحة اليمين المتطرف

ثمة جانب رئيسي يتعين أخذه بعين الاعتبار، وهو يمس الوضع السياسي الداخلي في فرنسا؛ ذلك أن الاجتماع الحكومي المشترك هو الأخير الذي يشارك ماكرون في رئاسته. وليس سراً أنه أولى المسائل الدفاعية، وأخصها «الاستقلالية الاستراتيجية»، لأوروبا أهمية مركزية في سياسته الخارجية. من هنا، فإنه حريص على ما يبدو على إعطاء مضمون حقيقي لخطة إفادة الأوروبيين من المظلة النووية الفرنسية انطلاقاً من ألمانيا التي تعد مع فرنسا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني قبل بدء اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس الاثنين (رويترز)

إلا أن ثمة مخاوف من الجانبين مما قد تسفر عنه الانتخابات الرئاسية في فرنسا التي ستُجرى ربيع العام المقبل؛ إذ ترجح استطلاعات الرأي فوز مارين لوبن، مرشحة اليمين المتطرف. وقد طُرح السؤال على ميرتس الذي لم يتردد في الإجابة، وفحواها أنه «سيمد يد التعاون مع من يكون الفائز» في انتخابات 2027. ولم يكن بوسع ميرتس الإجابة بشكل مختلف، ما كان سيعد تدخلاً في الشؤون الفرنسية الداخلية.

أما ماكرون، فدعا إلى الحذر مما تنتجه استطلاعات الرأي، وذكر أنه في عام 2016 كانت تفيد بأن آخرين سيفوزون بالرئاسة، وكانت النتيجة أنه كان هو الفائز. وخلاصته أن نتائج الانتخابات لا تحسمها استطلاعات الرأي، وهو مصيب في ذلك؛ لأن هذه الاستطلاعات لا تعكس سوى صورة «آنية» لما يريده الرأي العام اليوم، وليس بعد نحو سنة.

يبقى عامل آخر حرص الطرفان على إبرازه، وهو يدور حول رغبتهما في طي صفحة الخلاف الذي نشب، دفاعياً، بين بلدَيهما، وعنوانه فشل مشروع بناء طائرة القتال المشتركة المستقبلية بسبب الخلافات المستحكمة بين الشركتين المصنعتين: «داسو» الفرنسية التي تصنع طائرات «رافال»، وشركة «إيرباص» الأوروبية في شقها العسكري، والتي تمثل المصالح الألمانية.

صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم بباريس الاثنين (أ.ب)

من هنا، أهمية ما رسا عليه اجتماع مجلس الدفاع والأمن القاضي بالمحافظة على جزء من المشروع المجهض، والخاص بما يسمى «السحابة القتالية» (COMBAT CLOUD)، وهي جزء لا يتجزأ من المشروع المذكور. وما سعى إليه ميرتس وماكرون اللذان لم ينجحا يوماً في بناء علاقة شخصية وثيقة كالتي شهدتها العلاقات بين رأس البلدين كتلك التي جمعت الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، أو بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول، وحتى بين ماكرون والمستشارة أنغيلا ميركل، رغم أن الأخيرة كانت «من جليد»؛ ما سعيا إليه هو ترك «إرث إيجابي» لبلدَيهما في قطاع استراتيجي يهم أمنهما المشترك.

ولم تكن محض صدفة أن برلين اختارت قصر أوغوسبوغ، في مدينة برول (قريباً من كولونيا)، مكاناً للاجتماع الحكومي السنوي؛ فهذا القصر شهد حدثاً تاريخياً في مطلع ستينيات القرن الماضي حين وقّع المستشار الألماني كونراد أديناور والرئيس الفرنسي شارل ديغول معاهدة الصداقة الفرنسية - الألمانية التي أرست أسس التعاون القائم بين البلدين حتى اليوم. ويبدو أن الطرفين يأملان أن يكون القصر مصدراً يستوحيان منه أمثولة الماضي.


أوروبا تواجه حرائق غابات وجفافاً وعواصف رغم انحسار موجة الحر

محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تواجه حرائق غابات وجفافاً وعواصف رغم انحسار موجة الحر

محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)
محاولات لإخماد حريق هائل في إقليم أراغون بشمال شرقي إسبانيا (أ.ف.ب)

تكافح فرق الإطفاء في شمال شرقي إسبانيا، مدعومة بنحو 30 طائرة، لاحتواء حريق غابات واسع اندلع، اليوم (الجمعة)، وأتى على مساحة تعادل حجم مدينة سان فرانسيسكو، مما دفع إلى إجلاء أكثر من ألف شخص، في وقت جعلت فيه موجات الحر الأحدث الغطاء النباتي شديد الجفاف وقابلاً للاشتعال في أنحاء واسعة من أوروبا.

وأدت موجات الحر المتعاقبة التي ضربت أوروبا في بداية الصيف، التي يعزو كثير من العلماء تفاقمها إلى تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، إلى ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة في مناطق واسعة من القارة. وتسببت هذه الظروف في نقص المياه، وتضرر المحاصيل الزراعية، واندلاع حرائق غابات، وارتفاع أعداد الوفيات إلى مستويات تفوق المعدلات الطبيعية.

ووفقاً لوكالة «رويترز»، فمن المتوقع أن يبلغ متوسط درجات الحرارة العظمى في غرب أوروبا، اليوم (الجمعة)، 27.5 درجة مئوية، بزيادة قدرها 4.2 درجة مئوية عن متوسط درجات الحرارة القصوى المسجل في 17 يوليو (تموز) خلال الفترة بين عامَي 1961 و1990.

3 موجات حر

وفي فرنسا، يزداد الجفاف حدة يوماً بعد يوم منذ نهاية مايو (أيار)، رغم انحسار موجة الحر الأحدث تدريجياً، إذ من المتوقع أن تقتصر درجات الحرارة المرتفعة بحلول مطلع الأسبوع على المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية (ميتيو فرانس).

وتجاوز معدّل الوفيات في منطقة باريس ضعف مستواه المعتاد في أثناء موجة حر قياسية في يونيو (حزيران) الماضي، حسبما أفادت وكالة الصحة الفرنسية، الجمعة.

وقال تقرير «سانتيه بوبليك فرانس»: «تمّت ملاحظة معدل وفيات زائدة مرتفع للغاية» خلال موجة الحر في منطقة إيل دو فرانس في الفترة بين 22 و28 يونيو؛ إذ تم تسجيل 3000 وفاة، بزيادة قدرها «1565 وفاة عن العدد المتوقع».

وكانت منطقة باريس من الأكثر تأثّراً لجهة معدلات الوفيات الزائدة خلال موجة الحر في يونيو التي كانت واحدة من ثلاث موجات حر ضربت فرنسا منذ مايو. ويربط العلماء بين التكرار المتزايد لعوامل الطقس القاسية والتغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

عواصف

ورفعت السلطات الفرنسية تحذيراتها إلى ثاني أعلى مستوى في 30 من المقاطعات الإدارية الفرنسية، تحسباً لعواصف مرتقبة أعقبت موجة حر طويلة. كما انقطعت الكهرباء عن نحو 53 ألف شخص بشكل مؤقت بعد سقوط أبراج الكهرباء.

وفي إقليم أرديش جنوب شرقي البلاد، تسببت حبات برد -بعضها بحجم كرات التنس- في إتلاف مئات السيارات والأسقف وكروم العنب.

وتعطّلت خدمات السكك الحديدية بين تولوز وباريس، حيث تأخرت عدة قطارات فائقة السرعة ليلية لمدة تصل إلى ست ساعات بعد سقوط أشجار على القضبان، وفي حالة واحدة، تلف موصل كهربائي لإحدى القاطرات.

وفي ألمانيا، عاق انخفاض منسوب المياه في نهر الراين، أحد أهم الممرات المائية التجارية في البلاد، حركة الشحن النهري، مما أدى إلى زيادة تكاليف النقل. غير أن الأمطار الأخيرة أسهمت في رفع مستويات المياه، مع توقعات بهطول المزيد منها خلال الأيام المقبلة.

ومع تراجع موجة الحر اجتاحت عواصف بعض المناطق، مما أسفر عن مقتل شخصَين في وسط وشرق فرنسا، فيما تُوفي شخص آخر في ولاية بادن فورتمبيرغ بجنوب ألمانيا.

حرائق في إسبانيا

حذرت الهيئة الإسبانية للأرصاد الجوية من عودة درجات الحرارة إلى الارتفاع بدءاً من غد السبت، مع توقعات بأن تتراوح درجات الحرارة العظمى بين 42 و44 درجة مئوية في أجزاء من إقليمي الأندلس ولامانتشا خلال الأسبوع المقبل.

كما نبّه خبراء الأرصاد إلى خطر شديد لاندلاع حرائق غابات مع تقدم كتلة هوائية حارة وجافة قادمة من شمال أفريقيا عبر مساحات واسعة من البلاد.

وفي شمال شرقي إسبانيا، اتسعت رقعة حريق الغابات قرب بلدة أوريس في إقليم أراغون خلال الليل لتتجاوز 12 ألف هكتار.

ويكافح رجال الإطفاء أيضاً حرائق غابات أخرى بالقرب من مدريد وفي إقليم وادي الحجارة، حيث التهمت النيران نحو 1500 هكتار.

وقبل أسبوع، تسبّب أحد أكثر حرائق الغابات فتكاً في تاريخ إسبانيا الحديث في مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً، معظمهم من الأجانب، في إقليم ألميريا جنوب البلاد.

وفي اليونان، رفعت السلطات مستوى التأهب لمخاطر حرائق الغابات في منطقة أثينا الكبرى، حيث نشرت طائرات مسيّرة مزوّدة بكاميرات حرارية قامت بدوريات فوق الغابات. كما جرى وضع مدافع مياه خارج مواقع التخييم.

ارتفاع أعداد الوفيات

وحذّرت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق من الشهر الحالي من أن أوروبا قد تواجه «أسابيع أكثر فتكاً» مع تشكل موجات حر جديدة فوق المحيط الأطلسي.

وقال علماء يتابعون تأثيرات موجات الحر إن آلاف الوفيات الزائدة عن المعدلات الطبيعية سُجلت خلال الموجة الحارة التي اجتاحت أوروبا وبريطانيا مؤخراً.

وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، الدكتور هانز هنري بي. كلوج: «جرى تسجيل ما يقرب من 10 آلاف وفاة زائدة عن المعدلات الطبيعية، وما زال الصيف لم ينتهِ بعد».

وانتقد الحكومات، لأنها «لا تزال تتعامل مع الحر على أنه ظاهرة جوية، وليس حالة طوارئ صحية»، رغم توافر الأدوات والإرشادات الصادرة عن المنظمة التي يمكن أن تمنع معظم هذه الوفيات.

وأفادت حصيلة أولية أعدّتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات وطنية رسمية، بأن موجة الحر الاستثنائية التي ضربت أوروبا في يونيو أسفرت عن تسجيل ما لا يقل عن 12 ألف حالة وفاة فوق المعدّل الاعتيادي في نحو عشرة بلدان أوروبية.