ميلوني تنأى بإيطاليا عن الحرب... وتميل إلى موقف أوروبي موحّد

واشنطن لم تبلغها بموعد العمليات ضد إيران ولم تطلب استخدام قواعدها

ميلوني تدلي بخطاب أمام البرلمان حول حرب إيران يوم 11 مارس (أ.ب)
ميلوني تدلي بخطاب أمام البرلمان حول حرب إيران يوم 11 مارس (أ.ب)
TT

ميلوني تنأى بإيطاليا عن الحرب... وتميل إلى موقف أوروبي موحّد

ميلوني تدلي بخطاب أمام البرلمان حول حرب إيران يوم 11 مارس (أ.ب)
ميلوني تدلي بخطاب أمام البرلمان حول حرب إيران يوم 11 مارس (أ.ب)

منذ بداية ولايته الثانية في البيت الأبيض، لم تنقطع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن المفاخرة بالعلاقة الوطيدة التي تربطها بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتباهي بأنها وحدها القادرة على رأب الصدع، وحلحلة العقد بين واشنطن وبروكسل كلما ظهرت في الأفق مؤشرات خلاف جديد بين حلفاء أصبح ما يجمعهم يقلّ كل يوم.

ومع تفاقم الخلافات بين ضفتي الأطلسي، من تفرّد واشنطن بإدارة الحرب في أوكرانيا، وانحيازها إلى جانب موسكو، وتهميش الدور الأوروبي، إلى حرب الرسوم الجمركية، مروراً بمحاولة وضع اليد على جزيرة غرينلاند، وزيادة الإنفاق العسكري، كانت ميلوني تحاول دائماً أن تُسوّق لدى نظرائها الأوروبيين ورقة صداقتها مع ترمب، وقدرتها على ترطيب الأجواء، والتهدئة كُلّما انقطع الود بين الطرفين.

غياب ميلوني

عندما نشبت الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، توقّع الجميع أن تكون ميلوني سبّاقة بين الحلفاء الأوروبيين للإعراب عن موقف مؤيد لهذه الحرب، خاصة أن الاتحاد الأوروبي لم يتخذ موقفاً مشتركاً منها إلى اليوم. لكن رئيسة الوزراء الإيطالية قرّرت أن تغيب أحد عشر يوماً عن الأنظار، واكتفت بمشاركتها في برنامج إذاعي بعد خمسة أيام على بدء العمليات الحربية، فيما كانت المعارضة تلُحّ في مطالبتها بالمثول أمام البرلمان لتشرح موقف حكومتها، وكان الرفض يتنامى في أوساط الرأي العام الإيطالي للحرب، أو المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في قمة لإنهاء حرب غزة في شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

في موازاة ذلك، كانت حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدأت تنأى بنفسها عن الحرب، ويطالب بعضها بمعرفة أهدافها الحقيقية، وجدولها الزمني، ويخشى البعض الآخر من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فيما ذهبت دول أخرى -مثل آيرلندا والسويد وسلوفينيا- إلى التنبيه بأنها حرب خارج الشرعية الدولية، والمظلة القانونية للأمم المتحدة. ثم جاء الموقف الاسباني المتقدم على لسان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الذي وضعه تحت عنوان «لا للحرب»، محرجاً بذلك شركاءه الأوروبيين الذين كانوا بدأوا يستشعرون اتّساع رقعة الرفض الشعبي للحرب التي كانت ضبابية أهدافها والمخاوف من خروجها عن السيطرة تثير تساؤلات وانتقادات في الولايات المتحدة، والخارج.

ميلوني أثناء لقائها مع ترمب في البيت الأبيض يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

مرّت الأيام من غير أن تعلن ميلوني عن موقف واضح لحكومتها من الحرب التي أدانها الفاتيكان في بيان غير مسبوق من حيث الصراحة التي اتسّم بها. ولم تُبلغ واشنطن الحليفة الإيطالية بموعد نشوب الحرب، رغم إبلاغها بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وكانت حادثة وجود وزير الدفاع الإيطالي غويدو غروسيتّو مع أسرته في دبي إبّان اندلاع الحرب، وعدم تمكنه من العودة إلى روما بعد إغلاق المجال الجوي الإماراتي دليلاً قاطعاً على أن إيطاليا كانت خارج الصورة التي من المفترض أن بداخلها بحكم العلاقة المميّزة مع الرئيس الأميركي. إلا أن ميلوني أدركت فجأة أن هذه العلاقة أصبحت تُشكّل عبئاً عليها على الصعيد الداخلي، وأن الثقل الدولي الذي كانت تتباهى به قد تبخّر في لحظة.

موقف مفاجئ

وبعد مشاورات بعيدة عن الأضواء مع رئيس الجمهورية سرجيو ماتّاريلا، ومع وزير خارجية الفاتيكان، قررت ميلوني المثول أمام البرلمان، حيث أعلنت موقفاً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران لم يكن وارداً في حسبان أحد، خاصة أنها كانت خلال مشاركتها في البرنامج الإذاعي قد وضعت الحرب في «سياق عام يتعرّض فيه القانون الدولي لأزمة».

ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو في فلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)

أمام البرلمان، قالت ميلوني، مثيرةً دهشة أنصارها قبل معارضيها: «لسنا في حرب، ولا نريد الدخول في الحرب». وكشفت أن الولايات المتحدة لم تطلب استخدام القواعد الأميركية في إيطاليا، والتي يوجد فيها 34 ألف جندي أميركي، مؤكدة أنه في حال طلبت ذلك سيعود القرار إلى البرلمان، وأنه في مطلق الأحوال سيقتصر الاستخدام على الخدمات اللوجيستية بموجب الاتفاقات الثنائية الموقعة بين البلدين.

وقالت ميلوني إن إيطاليا سترسل مساعدات عسكرية إلى بلدان الخليج لتعزيز دفاعاتها الجوية، «ليس لأنها بلدان صديقة فحسب، بل لأن فيها عدداً كبيراً من الإيطاليين، وما يزيد عن ألفي جندي إيطالي، ولأن منطقة الخليج حيوية بالنسبة لأمننا وإمداداتنا». وكان واضحاً في كلامها الحضور القوي للموقف المبكر الذي كان أعلنه سانشيز، وتداولته بتنويه واسع الأوساط الإعلامية والشعبية في إيطاليا، وقالت إنه «ليس في موقفنا من الحرب ما يختلف عن موقف إسبانيا، لكن دور البطولة هو لسانشيز».

حتى الساعة، وخلافاً لما حصل عندما أعلن سانشيز موقف بلاده الرافض للحرب، حيث سارع الرئيس الأميركي إلى انتقاده بشدة، وأمر بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، لم يصدر أي تعليق من واشنطن على الموقف المماثل الذي أعلنته ميلوني، والذي ليس مجرّد ثمرة حسابات داخلية، بل هو بداية انعطاف في اتجاه موقف موحد تجهد العواصم الأوروبية الكبرى لاتخاذه من هذه الحرب الثانية في منطقة حيوية بالنسبة لها على أكثر من صعيد.


مقالات ذات صلة

غياب المرشد يثير تساؤلات بشأن إدارة إيران

شؤون إقليمية مسؤولون إيرانيون خلال مراسم وداع علي خامنئي في مصلّى طهران الكبير بينهم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي وغلام علي حداد عادل مستشار المرشد (رويترز) p-circle

غياب المرشد يثير تساؤلات بشأن إدارة إيران

أثار استمرار غياب المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، عن الظهور العلني تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية الإيرانية بشأن الجهة التي تدير شؤون البلاد فعلياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان: ينبغي لإسرائيل عدم عرقلة الاتفاق بين أميركا وإيران

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم (السبت)، إن جهود إحلال السلام في ​الشرق الأوسط لا يمكن أن تنجح دون دعم إقليمي.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية امرأة في طهران تحمل صورة لشخص قُتل في احتجاجات سابقة مناهضة للحكومة في إيران (أ.ف.ب)

إيران تشدد قبضتها الأمنية رغم ظروف الحرب

رغم ظروف الحرب التي تمر بها إيران، فقد تشددت سلطاتها الأمنية عقب موجة الاضطرابات الأخيرة التي هزّت عدداً من المدن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)

اقتصاد مصر يتخطى الصعاب... و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

تخطَّى اقتصاد مصر، تداعيات حرب إيران، في سابقة شكَّلت مفاجأةً للمؤسسات الدولية، بعد أن أظهر أداءً متماسكاً، وسجَّل نمواً بنسبة 5 في المائة في الرُّبع الثالث.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)

الهند تعتزم التوسع في بناء مصافي نفط جديدة

قال رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، السبت، إن بلاده سوف تواصل بناء مصافي نفط جديدة لضمان أمن سلاسل الإمداد حتى رغم غلق الدول الغربية وحدات المعالجة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

لبنان يطلب مؤازرة ترمب قبل لقائه نتنياهو

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمة في مؤتمر صحافي في يناير الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمة في مؤتمر صحافي في يناير الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

لبنان يطلب مؤازرة ترمب قبل لقائه نتنياهو

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمة في مؤتمر صحافي في يناير الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمة في مؤتمر صحافي في يناير الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)

طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون مؤازرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لـ«طيّ صفحة الحروب والمآسي والألم»، وذلك قبل لقاء مرتقب بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الولايات المتحدة.

وقال عون في برقية تهنئة لترمب بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة: «إننا إذ نقدّر مساعيكم في هذا الإطار، ندعوكم إلى الاستمرار في الوقوف الدائم إلى جانب قضايا لبنان المحقة والعادلة، وإلى جانب مؤسساته وجيشه وشعبه، علّنا نطوي صفحة الحروب والمآسي والألم، ونفتح صفحة جديدة من الأمل والسلام والاستقرار».

وتسعى إسرائيل للحصول على موافقة أميركية لاستئناف القتال في جنوب لبنان وتوسعة نفوذها إلى مرتفع استراتيجي يقع شرق مدينة النبطية. وكشفت مصادر إسرائيلية لـ«القناة 15» عن أن نتنياهو ينتظر الضوء الأخضر من ترمب من أجل السيطرة على قاعدة لـ«حزب الله» محفورة داخل مرتفعات منطقة «علي الطاهر» الاستراتيجية.

وقال مصدر لبناني إن نتنياهو ماضٍ في الضغط بالنار على لبنان، وهو يهدِّد حالياً باستهدافه «تلة علي الطاهر»؛ بغية تحسين شروطه استعداداً لخوضه الانتخابات.


أوكرانيا تهاجم بمسيّرات سان بطرسبورغ

فلاديمير بوتين يظهر في أثناء زيارته أحد مراكز قيادة المجموعة المشتركة للقوات الروسية في موقع لم يُكشف عنه (الخدمة الصحافية للرئاسة الروسية - أ.ب)
فلاديمير بوتين يظهر في أثناء زيارته أحد مراكز قيادة المجموعة المشتركة للقوات الروسية في موقع لم يُكشف عنه (الخدمة الصحافية للرئاسة الروسية - أ.ب)
TT

أوكرانيا تهاجم بمسيّرات سان بطرسبورغ

فلاديمير بوتين يظهر في أثناء زيارته أحد مراكز قيادة المجموعة المشتركة للقوات الروسية في موقع لم يُكشف عنه (الخدمة الصحافية للرئاسة الروسية - أ.ب)
فلاديمير بوتين يظهر في أثناء زيارته أحد مراكز قيادة المجموعة المشتركة للقوات الروسية في موقع لم يُكشف عنه (الخدمة الصحافية للرئاسة الروسية - أ.ب)

احتفل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستيلاء قواته على مدينة كوستيانتينيفكا الاستراتيجية في منطقة دونيتسك بإقليم الدونباس شرق أوكرانيا، وتكبيد المدافعين الأوكرانيين خسائر كبيرة. وأقر الجيش الأوكراني، السبت، بصعوبة الوضع الميداني في المدينة الاستراتيجية شرق البلاد، لكنه نفى سقوطها في يد القوات الروسية، على عكس ما أعلنت موسكو.

وجاء إعلان وزارة الدفاع الروسية عن الاستيلاء على المدينة في ‌الوقت الذي كان فيه الرئيس بوتين يزور مركز قيادة يشرف على تحركات القوات الروسية ​في أوكرانيا.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس السبت، إن أوكرانيا لا تزال تسيطر ​على المدينة، رافضاً ادعاءات موسكو. كما أعلنت روسيا، السبت، أن دفاعاتها الجوية تصدّت لهجوم شنته أوكرانيا بطائرات مسيّرة في أجواء مدينة سان بطرسبورغ، ما أسفر عن إصابة ميناء نفطي بالقرب من فنلندا ومجمع بيترهوف التاريخي.


«الكرملين»: بوتين بحث هاتفياً مع ترمب الوضع في أوكرانيا وقضايا دولية

ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

«الكرملين»: بوتين بحث هاتفياً مع ترمب الوضع في أوكرانيا وقضايا دولية

ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أجرى اتصالا هاتفيا بنظيره الأميركي دونالد ترمب، السبت بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن الزعيمين بحثا الوضع في أوكرانيا قبيل قمة لحلف الناتو في أنقرة.

ونقلت وكالة أنباء «ريا نوفوستي عن يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، قوله «تناول الرئيسان بطبيعة الحال مسألة التوصل إلى تسوية في أوكرانيا، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصا مشاركة دونالد ترمب المرتقبة في قمة الناتو في تركيا يومي 7 و8 يوليو (تموز)».

وكانت كييف قد أعلنت في وقت سابق من مساء السبت، أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث أيضا هاتفيا إلى ترمب.