ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

TT

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)
الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)

كان على العرب أن ينتظروا ثلاثة عقودٍ حتى يبصروا أول أثرٍ لهم في محفل «الأوسكار». فجوائز «الأكاديمية» التي انطلق توزيعها عام 1929، لم تفتح بابها لفيلمٍ عربي إلا في 1959. لكن ذلك الباب بقي موارباً، فـ«باب الحديد» ليوسف شاهين لم يصل حتى إلى القائمة النهائية للترشيح، رغم اختياره رسمياً من قِبَل مصر للتنافس عن فئة أفضل فيلم أجنبي، إلا أن الفيلم المصري الأيقونة، الذي أدّى بطولته شاهين نفسه إلى جانب هند رستم وفريد شوقي، سجّل اسمَه كأول عملٍ سينمائي عربي يُطرح للتأهّل إلى «الأوسكار».

عمر الشريف... أول المرشّحين العرب

أما الترشيح الرسمي الأول لـ«الأوسكار» فجاء من نصيب مصر عام 1963، القلب النابض للسينما العربية آنذاك ومُصَدّرة المواهب إلى هوليوود. كان الفيلم من إنتاجٍ أميركي - بريطاني، لكنّ أحد أبطاله كان النجم المصري الصاعد عمر الشريف الذي يُعَدّ أول فنان عربي يجري ترشيحه لـ«الأوسكار». عن شخصية «شريف علي» في فيلم «لورنس العرب»، ترشّح الشريف إلى جائزة أفضل ممثل بدور مساعد، إلا أنه لم يَفُز بها.

الممثل عمر الشريف في فيلم «لورنس العرب» عام 1962 (كولومبيا بيكتشرز)

«زد»... الجزائر تفوز بأول «أوسكار»

بدءاً من سنة 1967 عرفت الجزائر حقبةً ذهبية في احتفاليات «الأوسكار». كان الترشيح الأول لفيلم «معركة الجزائر» الذي يروي كفاح الشعب الجزائري خلال فترة الانتداب الفرنسي. تنافسَ الفيلم عن 3 فئات هي: أفضل فيلم أجنبي، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو، من دون أن يفوز في أيٍّ منها، إلا أنّ عام 1970 جاء ليعوّض الخسارة ويسجّل الفوز الأول لفيلمٍ عربي بجائزة «الأوسكار». حصل فيلم «زِد» ذو الإنتاج الجزائري - الفرنسي المشترك على جائزتَي أفضل فيلم أجنبي وأفضل مونتاج، مع العلم أنّ الفيلم الناطق بالفرنسية روى حادثة اغتيال السياسي اليوناني غريغوريس لامبراكيس، وهو من إخراج اليوناني كوستا غافراس.

كان التعاون السينمائي الجزائري - الفرنسي في أوجه في تلك الآونة، وقد تكرر الوصول إلى نهائيات «الأوسكار» عام 1984 مع فيلم «الحفل الراقص»، الذي ترشّح عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

مزيد من الأفلام العربية المرشّحة

وسط الإنجازات الجزائرية، حلّ الفيلم الأسطوري «الرسالة» مرشّحاً على «الأوسكار» عام 1977. الفيلم الملحمي الذي يغوص في تاريخ الإسلام، وذو الإنتاج العربي المشترك، أخذ مُنتجَه ومُخرجَه السوري مصطفى العقّاد إلى المنبر السينمائي الأبرز. جرى ترشيح «الرسالة» لـ«أوسكار أفضل موسيقى تصويرية» من تأليف موريس جار، لكنه لم يحصل على الجائزة.

لم تكن التسعينيات فترةً مثمرة على صعيد المشارَكات العربية في استحقاق «الأوسكار»، فاقتصرت على ترشيح وثائقي «نيران الكويت» عام 1993. ركّز الوثائقي على الجهود الدولية لإطفاء النيران المشتعلة في حقول النفط في الكويت إبّان حرب الخليج. أما الترشيح الثاني فكان جزائرياً من جديد، وذلك من خلال فيلم «غبار الحياة» عام 1996. لم يَفُز بـ«أوسكار أفضل فيلم أجنبي»، إلا أنه مهّد الطريق للمخرج رشيد بوشارب لمشوارٍ طويل على هذا المنبر السينمائي الدولي.

غابرييل يارد وأوسكار الموسيقى

عام 1996 حقّق المؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي غابرييل يارد إنجازاً على منبر "الأكاديمية". كُرّم يارد بأوسكار أفضل موسيقى عن فيلم "المريض الإنكليزي". وقد جرى ترشيحه مرتَين إلى الجائزة بعد ذلك، عام 1999 عن تأليفه موسيقى فيلم "السيد ريبلي الموهوب"، وفي 2003 عن "الجبل البارد". مع العلم بأنّ يارد وُلد في لبنان وتلقّى أولى علومه الموسيقية في بيروت، قبل أن ينتقل إلى باريس لمتابعة دراسته هناك.

المؤلف الموسيقي اللبناني الفرنسي غابرييل يارد الحائز على أوسكار عام 1996 (أ.ف.ب)

2006... فلسطين تدخل هوليوود

شهد «أوسكار 2006» إنجازاً مزدوجاً للسينما الفلسطينية؛ بدايةً بترشيح أول فيلم من فلسطين لـ«الأوسكار»، ثم بالاعتراف غير المباشر بدولة فلسطين في هوليوود.

لكن طريق فلسطين إلى الأوسكار كان شائكاً. ففي عام 2003، رشّحت فلسطين فيلم "يد إلهيّة" للمخرج إيليا سليمان. إلّا أنّ العمل الحائز على جائزة مهرجان كان 2002 وعدد كبير من الجوائز، لم يصل إلى نهائيات الأوسكار، على اعتبار أنّ فلسطين لا تحمل صفة "دولة"، وفق الآراء السائدة حينذاك في الأكاديمية.

صحيح أن "يد إلهية" لم يحصل على ما يستحق، غير أنه فتح باب الأوسكار أمام فلسطين.

فيلم "يد إلهية" لإيليا سليمان مهّد طريق فلسطين إلى الأوسكار (موقع آي إم دي بي)

عام 2006، دخل المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد مع فيلمه «الجنّة الآن» إلى قائمة المرشّحين عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ويروي الفيلم قصة آخر 48 ساعة في حياة شابَّين فلسطينيين يستعدان للقيام بعملية انتحارية في إسرائيل. لم يَفُز الفيلم، إلا أنه وضع الحجر الأساس للسينما الفلسطينية في «الأوسكار».

رقم قياسي لرشيد بوشارب

بعد 11 سنة على ترشيح فيلمه الأول، عاد المخرج الجزائري رشيد بوشارب إلى «الأوسكار» عام 2007 مع «أيام المجد»، لكنه تلك المرة أيضاً لم يحقق الفوز عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

كرر بوشارب المحاولة في 2011 في ترشيحٍ ثالث عن فيلم «خارج القانون»، لينال بذلك ثالث ترشيحاته لـ«الأوسكار»، وهو رقم قياسي.

من بين تجارب الترشيح التي تكررت كذلك، عودة المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد عام 2014 مع فيلم «عُمَر» عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

المخرجان الجزائري رشيد بوشارب والفلسطيني هاني أبو أسعد ترشحت أفلامهما أكثر من مرة لـ«الأوسكار» (أ.ف.ب - رويترز)

عودة مصر... ودخول الأردن وموريتانيا

شهدَ عام 2014 عودة مصر إلى «الأوسكار» من خلال ترشيح فيلم «الميدان» للمخرجة جيهان نجيم عن فئة أفضل وثائقي. ويوثّق الفيلم لثورة 25 يناير (كانون الثاني) من زاوية ميدان التحرير. وفي العام التالي، حققت موريتانيا إنجازها السينمائي الأكبر، بدخول فيلم «تمبكتو» للمخرج عبد الرحمن سيساكو إلى السباق عن فئة أفضل فيلم أجنبي من دون تحقيق الفوز.

كانت سنة 2016 مفصليّة بالنسبة للسينما الأردنية؛ إذ أخذها فيلم «ذيب» إلى العالمية. عن فئة أفضل فيلم أجنبي، ترشّح «ذيب» لمخرجه ناجي أبو نوّار. الفيلم التاريخي الذي استعان بالبدو الأصليين ليروي حقبة حكم السلطنة العثمانية للمنطقة العربية خلال الحرب العالمية الأولى، شكّل نقلة نوعية للسينما الأردنية.

إنجازات لبنانية وسورية

ضربت السينما اللبنانية موعدها الأول مع «الأوسكار» عام 2018، منافِسةً على جائزة أفضل فيلم أجنبي بـ«قضية رقم 23» للمخرج زياد دويري. ورغم عدم فوزه، فإنّ الفيلم كان فاتحة خير؛ إذ تلاه في العام التالي ترشيح فيلم «كفرناحوم» للمخرجة اللبنانية نادين لبكي عن الفئة ذاتها.

وفي العام نفسه الذي دخل فيه لبنان على خطّ هوليوود، كانت سوريا تحقّق إنجازها الأول مع وثائقي «آخر الرجال في حلب» للمخرج فراس فياض.

«أوسكار» لمصر... من رامي مالك

ما لم يحققه عمر الشريف عام 1963، حققه رامي مالك في 2019. فاز الممثل المصري - الأميركي بـ«أوسكار أفضل ممثل» عن أدائه شخصية مغنّي فريق «كوين» فريدي ميركوري في الفيلم الأميركي «بوهيميان رابسودي»، ليصبح بذلك أول فنان مصري وعربي يفوز عن هذه الفئة في تاريخ «الأوسكار».

الممثل المصري - الأميركي رامي مالك أول فنان عربي يفوز بـ«أوسكار» (رويترز)

في انتظار «الأوسكار» الرابع

كانت سنة 2020 مثمرة بالنسبة للسينما السورية التي حجزت لنفسها مقعدَين على قائمة الأفلام المرشحة لـ«أوسكار أفضل فيلم وثائقي». شكّل «الكهف» الترشيح الثاني للمخرج فراس فياض، أما «من أجل سما» الذي أخرجته السورية وعد الخطيب والبريطاني إدوارد واتس، فوثّق هو الآخر للحكايات الإنسانية على هامش الحرب في سوريا.

عام 2021، فُتح باب «الأوسكار» أخيراً أمام السينما التونسية وأمام إحدى رائداتها المخرجة كوثر بن هنيّة. افتتحت بن هنية مشوارها «الأوسكاري» الطويل بترشيح فيلمها «الرجل الذي باع ظهره» عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ولم تكد تمضِ 3 سنوات حتى عادت مع وثائقي «بنات ألفة». وفي تعادلٍ مع زميلها الجزائري رشيد بوشارب، ها هي بن هنيّة تعود في 2026 إلى «الأوسكار» للمرة الثالثة مع «صوت هند رجب»؛ الفيلم الذي يروي الساعات الأخيرة للطفلة الفلسطينية العالقة في السيارة وسط النيران الإسرائيلية في غزة، والذي خطف الأنفاس في المسابقات السينمائية الدولية.

المخرجة التونسية كوثر بن هنيّة والترشيح الثالث لـ«الأوسكار» (رويترز)

تُعلّق فلسطين وتونس وسائر الدول العربية آمالها على هذا الفيلم، ليحقّق إنجازاً عربياً جديداً على منبر «الأوسكار»، ويكرر ما صنعه وثائقي «لا أرض أخرى» عام 2025، عندما رفع صوت فلسطين عالياً، حاصداً «أوسكار أفضل فيلم وثائقي»، ومُحققاً أول فوز فلسطيني في هذه الجائزة العالمية.


مقالات ذات صلة

«الثقافة» الفلسطينية ترشح «المواطن أسامة» للأوسكار

يوميات الشرق ملصق فيلم «المواطن أسامة» (وزارة الثقافة الفلسطينية-فيسبوك)

«الثقافة» الفلسطينية ترشح «المواطن أسامة» للأوسكار

قالت وزارة الثقافة الفلسطينية إنها رشحت فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة للمنافسة على جائزة أوسكار أفضل فيلم دولي في الدورة التاسعة والتسعين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
يوميات الشرق تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)

الأكاديمية الأميركية تمنع ترشّح الممثلين المُولَّدين بالذكاء الاصطناعي لجوائز الأوسكار

أعلنت أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأميركية، أمس الجمعة، أن الممثلين الذين يتم توليدهم بواسطة الذكاء الاصطناعي مستبعدون من الترشح لجائزة الأوسكار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق المخرج الروسي بافيل تالانكين يحمل أوسكار أفضل فيلم وثائقي (أ.ب)

العثور على تمثال أوسكار فاز به مخرج روسي بعد اختفائه في رحلة جوية

أعلنت شركة «لوفتهانزا» الألمانية للطيران، الجمعة، العثور على تمثال أوسكار خاص بمخرج روسي فائز بجائزة أفضل فيلم وثائقي، بعد أن فُقد خلال رحلة من نيويورك لألمانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)

جائزة «الأوسكار» تُصنَّف «سلاحاً»... وتختفي في مطار نيويورك

موظّفو إدارة أمن النقل (تي إس إيه) أخبروه أنّ التمثال، الذي يزن 3.8 كيلوغرام، يُشكّل تهديداً أمنياً مُحتملاً...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت

محمد رُضا (لندن)

العُلا تحرس زرقة سمائها من الواحات إلى النجوم بمنظومة بيئية مستدامة

سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)
سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)
TT

العُلا تحرس زرقة سمائها من الواحات إلى النجوم بمنظومة بيئية مستدامة

سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)
سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)

في العُلا، لا تنتهي العناية بالطبيعة عند حدود الواحات والجبال والمحميات؛ فالسماء نفسها باتت جزءاً من المشهد الذي تعمل المحافظة على حمايته، عبر منظومة تمتد من مراقبة جودة الهواء وخفض الانبعاثات إلى استعادة الغطاء النباتي وتنظيم الإضاءة ليلاً.

وتتزامن هذه الجهود مع «اليوم الدولي لنقاوة الهواء من أجل سماء زرقاء»، الذي يوافق 7 سبتمبر (أيلول) من كل عام، فيما تقدم العُلا نموذجاً تتداخل فيه حماية البيئة مع تفاصيل الحياة اليومية، وسط طبيعة تتوزع بين الجبال والأودية والصحراء والواحات والمناطق العمرانية.

المشهد الطبيعي والعمراني في العُلا يتكامل مع جهود المحافظة على جودة الهواء والبيئة (واس)

ويشكّل صفاء السماء أحد أبرز ملامح المكان. ففي النهار، يمتد الأفق فوق التكوينات الصخرية والأودية والواحات، بينما تكشف العُلا ليلاً وجهاً آخر، مع انخفاض مصادر الإضاءة وتنظيم استخدامها، بما يحد من التلوث الضوئي ويتيح مشاهدة النجوم والأجرام السماوية بالعين المجردة في مواقع عدة.

وفي سبيل الحفاظ على هذا المشهد، تعمل الهيئة الملكية لمحافظة العُلا على تنظيم الإضاءة الخارجية وترشيد استهلاك الطاقة وفق دليل فني يحدد معايير استخدامها ويحد من الإضاءة غير الضرورية، بالتوازي مع مبادرات للتنقل المستدام واستخدام وسائل نقل صديقة للبيئة للحد من الانبعاثات.

واحات العُلا تحت سماء صافية ليلاً في مشهد يجمع الغطاء النباتي وانخفاض مصادر الإضاءة (واس)

وعلى الأرض، تمضي جهود استعادة الطبيعة عبر زراعة الأشجار وإعادة تأهيل آلاف الهكتارات من الأراضي المتدهورة في محمية شرعان الطبيعية وغيرها من المحميات، بهدف استعادة الغطاء النباتي وتحسين البيئة الطبيعية.

ولا تقتصر عمليات التشجير على المحميات، بل تمتد إلى الحدائق والشوارع والمرافق العامة، من خلال زيادة المساحات الخضراء وزراعة الأشجار المحلية، فضلاً عن مبادرات مجتمعية يشارك فيها الأهالي وطلاب المدارس وجهات مختلفة، لتتحول عملية استعادة الغطاء النباتي إلى نشاط يجمع بين حماية البيئة وتحسين المشهد الحضري وإشراك المجتمع.

وفي موازاة ذلك، تخضع جودة الهواء للرصد المستمر عبر محطات تابعة للمركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي بمنطقة المدينة المنورة، تقيس الملوثات والجسيمات العالقة وتحلل بياناتها، إلى جانب مركبات ميدانية متخصصة للتعامل مع حوادث التلوث والكشف عن تلوث المياه والغازات والمخاطر الكيميائية وأخذ العينات.

وتشمل منظومة الرصد كذلك أجهزة لقياس جودة الهواء داخل بيئات العمل والمياه السطحية ومستويات الضوضاء، ضمن تعاون بين المركز والهيئة الملكية لمحافظة العُلا يستهدف رفع كفاءة الأداء البيئي، وتعزيز أعمال الرقابة والتفتيش، وتطوير مؤشرات لقياس الأثر البيئي.

انعكاس زرقة سماء العُلا على الواجهات المرايا وسط التكوينات الطبيعية للمحافظة (واس)

وتلتقي هذه المسارات في محاولة لصون أحد أهم عناصر هوية العُلا؛ فحماية المكان لا تتوقف عند آثار حضاراته أو تكويناته الجيولوجية، وإنما تمتد إلى الهواء الذي يحيط بها والغطاء النباتي الذي ينمو بين تضاريسها والسماء التي تعلوها.

ويأتي «اليوم الدولي لنقاوة الهواء من أجل سماء زرقاء»، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، للتوعية بأهمية الهواء النظيف وارتباطه بصحة الإنسان والبيئة، وتسليط الضوء على الجهود الرامية إلى خفض التلوث وتحسين جودة الهواء.


فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)
المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)
TT

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)
المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)

الشرق الأوسط في مهرجان فينيسيا (4)

إذا بدا العنوان غريباً، فالفيلم أغرب. العنوان هو «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard)، والأغرب منه مخرجه فرنر هرتزوغ، ونهجه في إنجاز فيلم غير منظَّم ولا منضبط.

ينتمي هذا المخرج الألماني، المولود عام 1942، إلى جيل من السينمائيين الذين قدَّموا أعمالهم الأولى في أواخر الستينات ومطلع السبعينات، ومن بينهم فيم فندرز، وراينر فرنر فاسبيندر. وقد تحدَّثت عنهم الصحافة العالمية، وظهروا على غلاف مجلة «تايم» مثلاً، بوصفهم ممثلي موجة سينمائية ألمانية جديدة.

كان هرتزوغ دائماً مختلفاً عن أترابه؛ فلم يكترث بطرح مشكلات مجتمعية أو قضايا ثقافية أو حتى قصص متداولة، بل اتجه إلى موضوعات شاقّة، تتمحور حول أناس يشاركونه الشعور بالفردية والرغبة في التفوُّق. وهذا ما شاهدناه في «أغويري، غضب الله» (Aguirre, the Wrath of God، 1972)، و«فيتزكارالدو» (Fitzcarraldo، 1982)، من بين أفلام روائية أخرى أنجزها في تلك المرحلة.

فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (أ.ب)

ثم اتجه أكثر فأكثر إلى السينما التسجيلية، وببراعة مشهودة أثمرت أفلاماً جيدة ومختلفة، من بينها سلسلة تلفزيونية حظيت بتقدير جيد بعنوان «تحت الشمس» (Under the Sun، 1991)، و«عجلة الزمن» (Wheel of Time، 2003)، و«لقاءات عند نهاية العالم» (Encounters at the End of the World، 2007). وكان «كهف الأحلام المنسية» (Cave of Forgotten Dreams، 2010) أحد أفضل أفلامه في هذا المجال.

‫ بدأ هرتزوغ من الصفر. وُلد في عائلة فقيرة بقرية صغيرة خارج ميونيخ، لم تكن تملك سوى جدران المنزل؛ فلا فرش ولا أثاث ولا ماء جارٍ. ويقول: «حيث وُلدت، لم يكن هناك طعام. كل ما كان هناك هو برد قارس».

وكذلك وُلدت سينماه من الصفر تماماً. لم يدخل مدرسة، ولم يعمل مساعداً لأحد، بل أمسك بالكاميرا وبدأ تصوير أفلام قصيرة. ولم يشأ أن تكون أفلامه القصيرة خاوية من الطموح، فأسس لها شركة بالقليل من المال الذي كان يملكه. وبعد انتقاله إلى تحقيق الأفلام الطويلة، استمر في العمل بما يملكه من إرادة قوية وإدراك بأن السينما، كما يقول، «هي الطريق الوحيد الذي لم أجد له بديلاً».

بالنسبة إليه، لا يوجد أمر لا يستطيع الإنسان فعله، بما في ذلك جرّ سفينة بكل ثقلها من شاطئ إلى آخر عبر التضاريس الجبلية الصعبة، كما شاهدنا في «فيتزكارالدو». كانت السفينة حقيقية، وكذلك العمَّال، وهم من قبائل منطقة الأمازون استأجرهم المخرج للعمل. وجسَّد ذلك أيضاً صداماً بين قسوة الإنسان وقسوة الطبيعة.

خلال تصوير «أغويري، غضب الله»، أعلن بطل الفيلم كلاوس كينسكي رغبته في التوقف عن العمل وترك الفيلم بسبب صعوبة التصوير في جبال إلدورادو البرازيلية. وكان رد هرتزوغ أنه سيطلق النار عليه إذا فعل ذلك. وهذه الواقعة موثّقة في فيلم هرتزوغ التسجيلي «شيطاني الحميم» (My Best Fiend، 1999).

الشقيقتان كايت وروني مارا

روني وهرتزوغ وكايت في مهرجان فينيسيا (أ.ف.ب)

«باكينغ فاستارد» واحد من أفلامه الصعبة، وإن كان أقل توهّجاً وإجادة. ومع ذلك، يظل مفاجئاً في طريقة سرد حكايته ومعالجتها بأسلوب متقشِّف. وتدور أحداثه حول شقيقتين تعيشان وضعاً عاطفياً قلقاً ومتاهات عاطفية مع الآخرين، لا يسعى المخرج إلى توضيحها على النحو المطلوب، ما يترك الفيلم مثقلاً بالأسئلة حول غايته الأساسية.

* في لقائنا الأخير عام 2015، حين قدّمت «ملكة الصحراء» بمهرجان برلين، تحدّثنا عن رغبتك في تناول سيرة امرأة أجنبية في الصحارى العربية. يبدو ذلك الفيلم بعيداً جداً عن عملك الجديد، ولا يجمعهما، في رأيي، سوى البطولة النسائية.

- صحيح، كلاهما ذو بطولة نسائية، لكن لا يوجد جامع قوي بينهما سوى أن مخرجهما واحد يُفضِّل الموضوعات الصعبة؛ لأنها المقابل الطبيعي لحياة جميع أبطال أفلامي الروائية.

* رغم اختلاف الفيلم عن «ملكة الصحراء»، ثمة خيط يجمعهما؛ فنيكول كيدمان كانت تبحث فيه عن أرض جديدة، وكذلك تفعل روني مارا وكايت مارا في فيلمك الجديد، وإن كانت أرضهما وهماً.

- تسعدني ملاحظتك، لكن لا ينبغي أن نبني كثيراً من التحليل على هذه النقطة؛ إذ تناول عدد من أفلامي أيضاً التوجّه إلى أراضٍ جديدة. والمختلف هنا أن تلك الأرض غالباً ما تكون من نسج الأوهام.

* يجمع «باكينغ فاستارد» بين ممثلتين شقيقتين بالفعل. هل تطلَّبت إدارتهما عناية خاصة، أو واجهتك أي مشكلة تتعلق بتوزيع الحوارات والمواقف بينهما؟

- يسعدني أنك لم تقل إن الفيلم يتناول شقيقتين توأمين. وهذا ما وجدت نفسي أنفيه في المقابلات التي أجريتها هنا. إنهما امرأتان تعيشان الأحلام نفسها عندما تنامان، من شدّة قربهما بعضهما من بعض، حتى إنهما تقعان في حب رجل واحد. وفي الحوارات تنطقان الكلمات نفسها في وقت واحد. إنهما شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة.

* هل توافق على أن هذا التطابق يمحو، إلى حدّ ما، ذاتية كل منهما؟

- لا.

* كيف؟

- لأن كل واحدة منهما جزء من الأخرى، والفيلم واضح في هذا الشأن. إنهما شخصية واحدة؛ امرأتان في شخصية واحدة.

غموض مطلوب

الشقيقتان روني وكايت مارا (ملف مهرجان فينيسيا)

* قرأت أن الفيلم تطلَّب سنوات عدّة من الكتابة والتحضير. كيف تم ذلك؟

- هذا خطأ. لم يستغرق الفيلم وقتاً طويلاً، ولم تكن المسألة مسألة سنوات. كتبت السيناريو في أسبوع واحد، وصُوّر الفيلم في أقل من شهر. ما كُتب في هذا الشأن غير صحيح.

* ما كان رد فعل الشقيقتين مارا عندما عرضت عليهما بطولة الفيلم؟

- رحّبتا كثيراً ووافقتا سريعاً على العمل معي. وأبدتا إعجابهما بأفلامي وسعادتهما بأن تمثّلا معاً، وأن يأتي هذا الاشتراك في البطولة بينهما، وللمرّة الأولى، في فيلم لي.

* هل تتعمّد إبقاء طبيعة العلاقة بين الشقيقتين غامضة؟

- المسألة ليست غامضة، إلا من حيث رغبتي في عدم الكشف سريعاً عن أسبابها. ومن يتابع الفيلم يكتشف أن حالتهما الفريدة هي مفتاح فهم كل شيء. علاقتهما متجانسة تماماً، وهما تنطقان معاً بالكلمات نفسها.

* ألا يضفي تطابقهما الدائم في الأحلام والحوارات والحركات قدراً من الغموض على الفيلم؟

- أعتقد أن هذا ما يجعل الفيلم مختلفاً. كان يمكن تحقيق فيلم آخر عن القصة نفسها، لكنه لم يكن ليأتي مختلفاً كما رغبت.

* هل توافق على أن معالجتك لبعض الأحداث، وأسلوب اختيارك لها، قريبان من منحى الأفلام التسجيلية التي حققتها من قبل؟

- على العكس. هل تعتقد ذلك لأن هناك مشهداً يقع في كهف ويذكّرك بفيلمي «كهف الأحلام المنسية»؟

* نعم.

- لا، على الإطلاق. الكهف هنا موجود في التهيؤات والأحلام فقط.

لقطة في مشهد المحكمة بالفيلم (برفيدانس رود إنترتاينمنت)

* تتَّسم معالجتك للبطلتين بتعاطف كبير وعناية لا نجدهما في أفلامك ذات البطولة الرجالية. وهذا أيضاً أمر يجمع هذا الفيلم بـ«ملكة الصحراء»...

- هناك أسباب درامية لذلك. الرجال في أفلامي أقل تعاطياً مع العواطف والوجدانيات. إنهم مجموعة متمرّدة على نفسها وعلى الآخرين، وقاسية أيضاً. لدى كل واحد منهم أسباب لا مجال للخوض فيها في أفلامي، بل تكشف عن نفسها خلال المشاهد، وعادةً ما يحدث ذلك مبكراً. لكنها ملاحظة مهمة لم يتطرّق إليها أحد، على ما أتذكّر.


سوزان ساراندون لا تزال تخسر أدواراً بسبب مواقفها حيال الحرب في غزة

الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)
الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)
TT

سوزان ساراندون لا تزال تخسر أدواراً بسبب مواقفها حيال الحرب في غزة

الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)
الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)

كشفت الممثلة الأميركية سوزان ساراندون، الأحد، أنها ما زالت تُحرَم من بعض الأدوار في هوليوود بسبب انتقاداتها العلنية لحرب إسرائيل في غزة.

وتخلّت عنها وكالتها «يو تي إيه» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 بسبب تصريحاتٍ أدلت بها خلال تجمُّع مؤيِّد للفلسطينيين قالت لاحقاً إنها نادمة عليها.

وخلال إحاطة إعلامية في مهرجان البندقية السينمائي، حيث تؤدّي ساراندون دوراً في فيلم «ذي إيكو تشيمبر»، المشارك في المسابقة الرسمية، قالت النجمة الأميركية إن «الرواية» حول الحرب في غزة ودعم الولايات المتحدة لإسرائيل «تغيّرت بالكامل»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ارتدت الممثلة سوزان ساراندون دبوساً يحمل شعار «فنانون من أجل وقف إطلاق النار» على السجادة الحمراء خلال وصولها لحضور عرض فيلم «غرفة الصدى» المشارك بالمسابقة الرسمية ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي الدولي بمدينة البندقية بإيطاليا (رويترز)

وصرّحت الممثلة الحائزة جائزة أوسكار: «بات الناس يدركون أموراً كثيرة، الآن»؛ في إشارة إلى نطاق المساعدات العسكرية والمالية المقدَّمة لإسرائيل.

وكشفت: «أُخذت مني بعض الأفلام مؤخراً لأن وكالات ما زالت تطلب عدم اللجوء إلى خدماتي. لكن هكذا هي هيكلية النفوذ».

وأضافت: «أظنّ أن تغييراً حدث من حيث فهم الجمهور العام للوضع، لكن ما زالت هناك مواقف محسوبة بقوّة على صهاينة لم يهدأ غضبهم تجاهي».

وتداركت ساراندون، وسط تصفيق حارّ: «لي عائلتي، لي أحبائي، وأنا بخير».

وتُعدّ بطلة فيلم «ديد مان ووكينغ» من أكبر المؤيدين للقضية الفلسطينية وأشدّ المنتقدين للحرب في غزة، في هوليوود، إلى جانب نجوم آخرين من أمثال ريتشارد غير ومارك رافالو ويواكين فينيكس.

الممثلة سوزان ساراندون (رويترز)

ووقّع نجوم هوليووديون كثيرون رسائل مفتوحة تنتقد الحملة الإسرائيلية العسكرية على غزة، التي خلّفت أكثر من 73 ألفاً و500 قتيل، و174 ألفاً و500 جريح، منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وفق أرقام وزارة الصحة في القطاع.

وفسخت وكالة «يونايتد تالنت إيجينسي» (يو تي إيه) عقدها مع ساراندون؛ لأن الأخيرة قالت، خلال أحد التجمّعات، إن اليهود الأميركيين «باتوا يذوقون طعم أن تكون مسلماً في هذا البلد»، في ظلّ ازدياد الأعمال المعادية للسامية.

وأصدرت اعتذاراً علنياً فيما بعد مؤكّدة أن الكلمات التي استخدمتها كانت «خطأ كبيراً».