ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

TT

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)
الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب)

كان على العرب أن ينتظروا ثلاثة عقودٍ حتى يبصروا أول أثرٍ لهم في محفل «الأوسكار». فجوائز «الأكاديمية» التي انطلق توزيعها عام 1929، لم تفتح بابها لفيلمٍ عربي إلا في 1959. لكن ذلك الباب بقي موارباً، فـ«باب الحديد» ليوسف شاهين لم يصل حتى إلى القائمة النهائية للترشيح، رغم اختياره رسمياً من قِبَل مصر للتنافس عن فئة أفضل فيلم أجنبي، إلا أن الفيلم المصري الأيقونة، الذي أدّى بطولته شاهين نفسه إلى جانب هند رستم وفريد شوقي، سجّل اسمَه كأول عملٍ سينمائي عربي يُطرح للتأهّل إلى «الأوسكار».

عمر الشريف... أول المرشّحين العرب

أما الترشيح الرسمي الأول لـ«الأوسكار» فجاء من نصيب مصر عام 1963، القلب النابض للسينما العربية آنذاك ومُصَدّرة المواهب إلى هوليوود. كان الفيلم من إنتاجٍ أميركي - بريطاني، لكنّ أحد أبطاله كان النجم المصري الصاعد عمر الشريف الذي يُعَدّ أول فنان عربي يجري ترشيحه لـ«الأوسكار». عن شخصية «شريف علي» في فيلم «لورنس العرب»، ترشّح الشريف إلى جائزة أفضل ممثل بدور مساعد، إلا أنه لم يَفُز بها.

الممثل عمر الشريف في فيلم «لورنس العرب» عام 1962 (كولومبيا بيكتشرز)

«زد»... الجزائر تفوز بأول «أوسكار»

بدءاً من سنة 1967 عرفت الجزائر حقبةً ذهبية في احتفاليات «الأوسكار». كان الترشيح الأول لفيلم «معركة الجزائر» الذي يروي كفاح الشعب الجزائري خلال فترة الانتداب الفرنسي. تنافسَ الفيلم عن 3 فئات هي: أفضل فيلم أجنبي، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو، من دون أن يفوز في أيٍّ منها، إلا أنّ عام 1970 جاء ليعوّض الخسارة ويسجّل الفوز الأول لفيلمٍ عربي بجائزة «الأوسكار». حصل فيلم «زِد» ذو الإنتاج الجزائري - الفرنسي المشترك على جائزتَي أفضل فيلم أجنبي وأفضل مونتاج، مع العلم أنّ الفيلم الناطق بالفرنسية روى حادثة اغتيال السياسي اليوناني غريغوريس لامبراكيس، وهو من إخراج اليوناني كوستا غافراس.

كان التعاون السينمائي الجزائري - الفرنسي في أوجه في تلك الآونة، وقد تكرر الوصول إلى نهائيات «الأوسكار» عام 1984 مع فيلم «الحفل الراقص»، الذي ترشّح عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

مزيد من الأفلام العربية المرشّحة

وسط الإنجازات الجزائرية، حلّ الفيلم الأسطوري «الرسالة» مرشّحاً على «الأوسكار» عام 1977. الفيلم الملحمي الذي يغوص في تاريخ الإسلام، وذو الإنتاج العربي المشترك، أخذ مُنتجَه ومُخرجَه السوري مصطفى العقّاد إلى المنبر السينمائي الأبرز. جرى ترشيح «الرسالة» لـ«أوسكار أفضل موسيقى تصويرية» من تأليف موريس جار، لكنه لم يحصل على الجائزة.

لم تكن التسعينيات فترةً مثمرة على صعيد المشارَكات العربية في استحقاق «الأوسكار»، فاقتصرت على ترشيح وثائقي «نيران الكويت» عام 1993. ركّز الوثائقي على الجهود الدولية لإطفاء النيران المشتعلة في حقول النفط في الكويت إبّان حرب الخليج. أما الترشيح الثاني فكان جزائرياً من جديد، وذلك من خلال فيلم «غبار الحياة» عام 1996. لم يَفُز بـ«أوسكار أفضل فيلم أجنبي»، إلا أنه مهّد الطريق للمخرج رشيد بوشارب لمشوارٍ طويل على هذا المنبر السينمائي الدولي.

غابرييل يارد وأوسكار الموسيقى

عام 1996 حقّق المؤلّف الموسيقي اللبناني الفرنسي غابرييل يارد إنجازاً على منبر "الأكاديمية". كُرّم يارد بأوسكار أفضل موسيقى عن فيلم "المريض الإنكليزي". وقد جرى ترشيحه مرتَين إلى الجائزة بعد ذلك، عام 1999 عن تأليفه موسيقى فيلم "السيد ريبلي الموهوب"، وفي 2003 عن "الجبل البارد". مع العلم بأنّ يارد وُلد في لبنان وتلقّى أولى علومه الموسيقية في بيروت، قبل أن ينتقل إلى باريس لمتابعة دراسته هناك.

المؤلف الموسيقي اللبناني الفرنسي غابرييل يارد الحائز على أوسكار عام 1996 (أ.ف.ب)

2006... فلسطين تدخل هوليوود

شهد «أوسكار 2006» إنجازاً مزدوجاً للسينما الفلسطينية؛ بدايةً بترشيح أول فيلم من فلسطين لـ«الأوسكار»، ثم بالاعتراف غير المباشر بدولة فلسطين في هوليوود.

لكن طريق فلسطين إلى الأوسكار كان شائكاً. ففي عام 2003، رشّحت فلسطين فيلم "يد إلهيّة" للمخرج إيليا سليمان. إلّا أنّ العمل الحائز على جائزة مهرجان كان 2002 وعدد كبير من الجوائز، لم يصل إلى نهائيات الأوسكار، على اعتبار أنّ فلسطين لا تحمل صفة "دولة"، وفق الآراء السائدة حينذاك في الأكاديمية.

صحيح أن "يد إلهية" لم يحصل على ما يستحق، غير أنه فتح باب الأوسكار أمام فلسطين.

فيلم "يد إلهية" لإيليا سليمان مهّد طريق فلسطين إلى الأوسكار (موقع آي إم دي بي)

عام 2006، دخل المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد مع فيلمه «الجنّة الآن» إلى قائمة المرشّحين عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ويروي الفيلم قصة آخر 48 ساعة في حياة شابَّين فلسطينيين يستعدان للقيام بعملية انتحارية في إسرائيل. لم يَفُز الفيلم، إلا أنه وضع الحجر الأساس للسينما الفلسطينية في «الأوسكار».

رقم قياسي لرشيد بوشارب

بعد 11 سنة على ترشيح فيلمه الأول، عاد المخرج الجزائري رشيد بوشارب إلى «الأوسكار» عام 2007 مع «أيام المجد»، لكنه تلك المرة أيضاً لم يحقق الفوز عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

كرر بوشارب المحاولة في 2011 في ترشيحٍ ثالث عن فيلم «خارج القانون»، لينال بذلك ثالث ترشيحاته لـ«الأوسكار»، وهو رقم قياسي.

من بين تجارب الترشيح التي تكررت كذلك، عودة المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد عام 2014 مع فيلم «عُمَر» عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

المخرجان الجزائري رشيد بوشارب والفلسطيني هاني أبو أسعد ترشحت أفلامهما أكثر من مرة لـ«الأوسكار» (أ.ف.ب - رويترز)

عودة مصر... ودخول الأردن وموريتانيا

شهدَ عام 2014 عودة مصر إلى «الأوسكار» من خلال ترشيح فيلم «الميدان» للمخرجة جيهان نجيم عن فئة أفضل وثائقي. ويوثّق الفيلم لثورة 25 يناير (كانون الثاني) من زاوية ميدان التحرير. وفي العام التالي، حققت موريتانيا إنجازها السينمائي الأكبر، بدخول فيلم «تمبكتو» للمخرج عبد الرحمن سيساكو إلى السباق عن فئة أفضل فيلم أجنبي من دون تحقيق الفوز.

كانت سنة 2016 مفصليّة بالنسبة للسينما الأردنية؛ إذ أخذها فيلم «ذيب» إلى العالمية. عن فئة أفضل فيلم أجنبي، ترشّح «ذيب» لمخرجه ناجي أبو نوّار. الفيلم التاريخي الذي استعان بالبدو الأصليين ليروي حقبة حكم السلطنة العثمانية للمنطقة العربية خلال الحرب العالمية الأولى، شكّل نقلة نوعية للسينما الأردنية.

إنجازات لبنانية وسورية

ضربت السينما اللبنانية موعدها الأول مع «الأوسكار» عام 2018، منافِسةً على جائزة أفضل فيلم أجنبي بـ«قضية رقم 23» للمخرج زياد دويري. ورغم عدم فوزه، فإنّ الفيلم كان فاتحة خير؛ إذ تلاه في العام التالي ترشيح فيلم «كفرناحوم» للمخرجة اللبنانية نادين لبكي عن الفئة ذاتها.

وفي العام نفسه الذي دخل فيه لبنان على خطّ هوليوود، كانت سوريا تحقّق إنجازها الأول مع وثائقي «آخر الرجال في حلب» للمخرج فراس فياض.

«أوسكار» لمصر... من رامي مالك

ما لم يحققه عمر الشريف عام 1963، حققه رامي مالك في 2019. فاز الممثل المصري - الأميركي بـ«أوسكار أفضل ممثل» عن أدائه شخصية مغنّي فريق «كوين» فريدي ميركوري في الفيلم الأميركي «بوهيميان رابسودي»، ليصبح بذلك أول فنان مصري وعربي يفوز عن هذه الفئة في تاريخ «الأوسكار».

الممثل المصري - الأميركي رامي مالك أول فنان عربي يفوز بـ«أوسكار» (رويترز)

في انتظار «الأوسكار» الرابع

كانت سنة 2020 مثمرة بالنسبة للسينما السورية التي حجزت لنفسها مقعدَين على قائمة الأفلام المرشحة لـ«أوسكار أفضل فيلم وثائقي». شكّل «الكهف» الترشيح الثاني للمخرج فراس فياض، أما «من أجل سما» الذي أخرجته السورية وعد الخطيب والبريطاني إدوارد واتس، فوثّق هو الآخر للحكايات الإنسانية على هامش الحرب في سوريا.

عام 2021، فُتح باب «الأوسكار» أخيراً أمام السينما التونسية وأمام إحدى رائداتها المخرجة كوثر بن هنيّة. افتتحت بن هنية مشوارها «الأوسكاري» الطويل بترشيح فيلمها «الرجل الذي باع ظهره» عن فئة أفضل فيلم أجنبي. ولم تكد تمضِ 3 سنوات حتى عادت مع وثائقي «بنات ألفة». وفي تعادلٍ مع زميلها الجزائري رشيد بوشارب، ها هي بن هنيّة تعود في 2026 إلى «الأوسكار» للمرة الثالثة مع «صوت هند رجب»؛ الفيلم الذي يروي الساعات الأخيرة للطفلة الفلسطينية العالقة في السيارة وسط النيران الإسرائيلية في غزة، والذي خطف الأنفاس في المسابقات السينمائية الدولية.

المخرجة التونسية كوثر بن هنيّة والترشيح الثالث لـ«الأوسكار» (رويترز)

تُعلّق فلسطين وتونس وسائر الدول العربية آمالها على هذا الفيلم، ليحقّق إنجازاً عربياً جديداً على منبر «الأوسكار»، ويكرر ما صنعه وثائقي «لا أرض أخرى» عام 2025، عندما رفع صوت فلسطين عالياً، حاصداً «أوسكار أفضل فيلم وثائقي»، ومُحققاً أول فوز فلسطيني في هذه الجائزة العالمية.


مقالات ذات صلة

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

خاص من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الأردن يختار فيلم «غرَق» لتمثيله رسمياً في دورة الأوسكار المقبلة، والممثل محمد نزار يتحدّث عن رحلة سينمائية وإنسانية استثنائية خرج منها شخصاً آخر.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ملصق فيلم «المواطن أسامة» (وزارة الثقافة الفلسطينية-فيسبوك)

«الثقافة» الفلسطينية ترشح «المواطن أسامة» للأوسكار

قالت وزارة الثقافة الفلسطينية إنها رشحت فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة للمنافسة على جائزة أوسكار أفضل فيلم دولي في الدورة التاسعة والتسعين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
يوميات الشرق تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)

الأكاديمية الأميركية تمنع ترشّح الممثلين المُولَّدين بالذكاء الاصطناعي لجوائز الأوسكار

أعلنت أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأميركية، أمس الجمعة، أن الممثلين الذين يتم توليدهم بواسطة الذكاء الاصطناعي مستبعدون من الترشح لجائزة الأوسكار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس (الولايات المتحدة))

محمد زين الدين: استعرتُ بعض تفاصيل «حتى الفجر» من طفولتي

واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

محمد زين الدين: استعرتُ بعض تفاصيل «حتى الفجر» من طفولتي

واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج المغربي محمد زين الدين إن علاقته بعالم الكاتب محمد زفزاف، الذي عاد إليه في فيلمه «حتى الفجر»، بدأت بلقاء جمعهما في الدار البيضاء عام 1992، حين كان يفكر في إنجاز فيلم وثائقي عنه. لكن اللقاء تجاوز غرضه الأول، وتحول إلى تجربة ألهمته الكتابة، بعدما أمضى ساعات في الإنصات إلى صاحب «محاولة عيش»، ليخرج بأفكار أسهمت لاحقاً في ولادة فيلمه الروائي الطويل الأول «يقظة».

واستعاد زين الدين، في حواره مع «الشرق الأوسط»، تفاصيل ذلك اللقاء، موضحاً أنه جلس مع زفزاف نحو 4 أو 5 ساعات من دون أن يسجل شيئاً، إذ انصرف تماماً إلى الإنصات إليه. وما إن وصل إلى الفندق حتى شرع في الكتابة، وكأن الحديث الذي دار بينهما فتح أمامه طريقاً إلى حكايات وصور لم تكن قد اتخذت شكلها بعد.

المخرج المغربي محمد زين الدين (الشرق الأوسط)

وبعد نحو 30 عاماً، أعادته مصادفة في الشارع إلى ذلك العالم، حين عثر على رواية «محاولة عيش» لدى بائع كتب يفترش بها الأرض. اشتراها وجلس يقرأها في مقهى، لتستوقفه الشخصيات والأجواء والأماكن التي تزخر بها، وشعر بأنها تحمل عناصر قابلة للحياة على الشاشة. وهكذا تحولت القراءة إلى بداية مشروع سينمائي عاد من خلاله إلى عالم زفزاف، عبر حكاية فتى يحاول العثور على موقعه في واقع يضيّق أمامه خيارات الحياة.

وتدور أحداث الفيلم المغربي «حتى الفجر» في مدينة القنيطرة المغربية خلال سبعينات القرن الماضي، متتبعاً حكاية «حميد»، وهو فتى في الـ16 من عمره، تدفعه أمه إلى بيع الصحف وتحميله مسؤوليات تفوق سنه، فيما ترتب زواجه من شابة تمتلك قارباً صغيراً لنقل السكان عبر النهر.

وبين شوارع المدينة وحانات الميناء، يتعرف حميد إلى امرأة تمنحه الحنان والإنصات اللذين يفتقدهما، ليجد نفسه ممزقاً بين مشاعره الخاصة وتوقعات أسرته، في رحلة تتداخل فيها أسئلة النضج والرغبة والبحث عن الذات.

وعن انتقال الحكاية من الرواية إلى السينما، رأى زين الدين أن الاقتباس يحتاج إلى حرية تتيح للمخرج إعادة بناء العمل بأدواته الخاصة، لأن لكل فن قوانينه وأساليبه في التعبير. وأوضح أن الوفاء للنص الأدبي، بالنسبة إليه، لا يعني الالتزام الحرفي بتفاصيله، بل الحفاظ على روح الكاتب والخلفية التي تنطلق منها نظرته إلى شخصياته، بينما تظل المعالجة قابلة للتغيير بما يمنح الفيلم لغته وإيقاعه واستقلاليته الفنية، من دون أن يقطع صلته بالعالم الذي استُلهم منه.

اهتم المخرج بإبراز مشاعر إنسانية في العمل (الشركة المنتجة)

ومن أبرز الإضافات التي أدخلها على الحكاية موقع تأوي إليه أعداد كبيرة من طيور اللقلق، كان يُعرف باسم «قمامة الأمريكان»، حيث كان الأميركيون الموجودون في مدينة القنيطرة يلقون مخلفاتهم، ويقصده مغاربة بحثاً عما يمكن الانتفاع به.

وأوضح زين الدين أن هذا المكان غير موجود في الرواية، لكنه وجد فيه مساحة تجمع بين تفاصيل العيش الهش ودلالات الطيور التي تحط فيه، ليصبح جزءاً من التصور السينمائي الذي بناه حول الشخصيات وبيئتها. واختار اللقلق لما يحمله من إيحاءات تتصل بالهجرة والولادة، مستحضراً الحكايات الشعبية التي تربطه بمجيء الأطفال إلى العالم، فضلاً عن انتقاله الموسمي من شمال أوروبا. وأضاف: «استعرتُ تفاصيل من طفولتي رأيت أنها مفيدة لشخصية حميد».

وتتصل هذه الإضافات برؤية المخرج لشخصية البطل، الذي تتشكل ملامح أزمته حول سؤال الهوية. فحميد، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة، يجد نفسه مطالباً بالعمل والزواج والتصرف كأنه رجل مكتمل، في وقت لا يزال فيه يحاول فهم ذاته واكتشاف رغباته.

ويرى زين الدين أن هذه الحيرة لا تقتصر على البيئة المغربية، بل تمتد إلى تجارب المراهقين في أنحاء مختلفة من العالم، ممن يبحثون عن تعريف لذواتهم وسط توقعات الآخرين. فحميد غير راضٍ عن واقعه ويسعى إلى تغييره، فيما تدفعه علاقته بالمرأة التي يتعرف إليها في الحانة إلى اكتشاف مشاعر ورغبات تسهم في إعادة توجيه مساره.

وفي سياق حديثه عن اختياراته الفنية، توقف المخرج عند الجمع بين العربية الفصحى في السرد والدارجة المغربية في الحوار، مؤكداً أن هذا الأسلوب يستند إلى طريقة زفزاف نفسه في الكتابة، إذ كان يصف الأماكن والشخصيات بالفصحى، ويترك لشخصياته أن تتحاور بلغتها اليومية. وأشار إلى أن هذه السمة من الخصائص التي لم يجرؤ على تغييرها، لارتباطها الوثيق بطريقة الكاتب في بناء عالمه الأدبي.

ينطلق عرض الفيلم من مهرجان تالين في إستونيا (الشركة المنتجة)

ولم تقتصر عودة زين الدين إلى أجواء القنيطرة على استحضار الأماكن الواردة في الحكاية، بل امتدت إلى البحث عن مواقع تحمل آثاراً من ماضي المدينة. وفي هذا السياق، قاده البحث إلى مطبعة تعود إلى خمسينات القرن الماضي، كانت مغلقة وغير مستخدمة، فاختارها لتصوير المكان الذي تُوزع منه الصحف، في استعادة بصرية لأجواء المرحلة التي تدور فيها الأحداث.

ويشارك «حتى الفجر» في ثلاثة مهرجانات سينمائية خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ يشهد عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة «اختيارات النقاد» في الدورة الثلاثين لمهرجان تالين «الليالي السوداء» في إستونيا، وينافس ضمن مسابقة «آفاق السينما العربية» في الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما يُعرض ضمن قسم «بانوراما السينما المغربية» في الدورة الثالثة والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش في المغرب.


الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
TT

الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)

نحن في بيروت، يوم كانت مركزاً عربياً للكتاب والمال والحرية، وتعيش أوج ازدهارها، في مطلع ستينات القرن الماضي. في تلك الحقبة، وفي وسط العاصمة التجاري الذي يُعرَف بـ«نص البلد»، نشأ «المسرح الوطني»، على بعد أمتار من ساحة الشهداء. في هذه الظروف المؤاتية أنجب لبنان النجم الكوميدي الكبير شوشو، الذي سيصبح بمثابة أسطورة. هو حسن علاء الدين، الذي رهن حياته للمسرح، وواجه المصاعب، وقدَّم تضحيات جساماً، وتوفي في قمة عطائه، وهو في الـ36 عاماً، بعدما شكَّل علامةً فارقةً في تاريخ المسرح اللبناني.

غلاف الكتاب

بعد 50 عاماً من ذلك الغياب، يطلُّ فارس يواكيم، الموهوب الذي لازم شوشو 10 سنوات وكتب له أشهر مسرحياته، بكتاب «شوشو في الذاكرة»، الصادر عن «دار الفرات». يوثِّق يواكيم المرحلة، ويصحِّح معلومات خاطئة شابت بعض ما كُتب عن سيرة الفنان، ويقدِّم شهادةً حيةً. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب.

كان شوشو بحاجة إلى بيئة حاضنة ليعلن مولده، وكانت المدينة بحاجة إلى موهبة فنية بارزة تدعم ازدهارها. هكذا استمرَّ «المسرح الوطني» في تقديم عروضه على مدى عقد، بفضل فرقته الثابتة، ليصبح ظاهرةً لم تشهد بيروت مثيلاً لها.

البداية المبشّرة

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، ارتفعت الستارة للمرة الأولى في «المسرح الوطني» عن مسرحية «شوشو بك في صور»، التي أعدَّها وأخرجها نزار ميقاتي، مقتبسة من «رحلة السيد بريشون» للفرنسي أوجين لابيش. يصف الكتاب العرض بأنه كان «أنيقاً، سخياً، بهر جمهور بيروت»، واستمرَّ 21 أسبوعاً. وكرت السبحة بعد ذلك بكوميديات شعبية، خاطبت الجمهور العريض بالمحكية اللبنانية، في قاعة تتسع لـ450 متفرجاً، وتعمل طوال السنة باستثناء شهرَي الصيف، حين كانت المسرحيات تجول المناطق. كانت أعمالاً مبهجةً وطريفةً، لكن المسرح تحوَّل، مع مرور الوقت، إلى منبر يعبِّر عن الرأي العام والمطالب الشعبية، فازداد تعلق الجمهور به.

شوشو الذي سرقه المسرح حتى الموت (الشرق الأوسط)

شوشو، المولود في بيروت عام 1939، والده خضر الجوني من الشوف، ووالدته نوّار حيدر من بعلبك، أما زوجته فهي فاطمة، ابنة الفنان محمد شامل، الذي تسبب زواجه منها بقطيعة بينه وبين والدها، صاحب الفضل عليه في إدخاله إلى الإذاعة والتلفزيون.

يتيم الأب منذ كان في السابعة، ربَّته أمه حتى اشتدَّ عوده. عشق التمثيل منذ صغره، واتَّخذ لنفسه اسماً فنياً هو «مبروك». شارك في مشاهد هزلية، وقلَّد شخصيات، وغنى للأطفال، متنقلاً بين فرق الهواة، ومشاركاً في حفلات نظَّمتها جمعيات كشفية.

شاهده محمد شامل في أحد العروض وأُعجب بأدائه، وأسند إليه دوراً في برنامج للأطفال في «تلفزيون لبنان والمشرق». كانت تلك بداية خطواته نحو الاحتراف. وشامل هو الذي أطلق عليه اسم «شوشو»، وأعطاه أدواراً في مسلسلات تلفزيونية وإذاعية، مثل «يا مدير»، و«شارع العز»، و«يا صبر أيوب». لكن ارتباط شوشو بابنة شامل، من دون موافقته، أغضب الأخير، فاستغنى عن خدماته، وكانت تلك ضربةً قاسيةً له.

ولادة مشروع

أصبح شوشو عاطلاً عن العمل، يسير على غير هدى، إلى أن وقع على سينما «شهرزاد» وأقنع صاحبها بتأجيرها. ورغم الصعوبات المالية فإنه استطاع، بالتعاون مع المخرج نزار ميقاتي، إطلاق مشروع «المسرح الوطني» الذي يقدِّم عروضاً يومية.

بعد 3 سنوات على افتتاح المسرح، تعرَّف فارس يواكيم إلى شوشو، الذي حضر إلى المسرح ليكتب مقالة نقدية، بعد عودته حديث التَّخرُّج من مصر. لكن العلاقة بينهما امتدت لـ10 سنوات. فقد تابع شوشو بصفته ناقداً، وعاشره وصادقه وجالسه، والأهم أنه كتب له نصوصاً مسرحية وسينمائية وإذاعية. كانت المعايشة يومية ومهنية، واستمرَّت حتى آخر عرض قدَّمه شوشو في أواخر يونيو (حزيران) 1975.

عرفت بيروت «فرقة منير أبو دبس» وفرقة «ملتقى»، إلى جانب مسرحيات متفرقة ذات طابع تجريبي جاد، لكن لم يتشكَّل جمهور مسرحي مواظب بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا بعد افتتاح مسرح شوشو.

صار المسرح شغل نزار ميقاتي الشاغل؛ يدرِّب الممثلين، وينحت المواهب، ويتابع العمل. قدَّم مع شوشو 12 مسرحية، منها «مريض الوهم» و«البخيل» لموليير، و«توباز» لمارسيل بانيول، و9 مسرحيات من نوع الفودفيل، مقتبسة من أعمال لكتاب معروفين. وبعد 5 سنوات، فُضّت الشراكة، وباع ميقاتي حصته في «المسرح الوطني» إلى محمد الطوخي.

شوشو في السينما

لم يكن شوشو حبيس المسرح، فقد أطلَّ في 8 أفلام، بدأها عام 1962 بفيلم «شوشو والمليون» مع محمد شامل، وبعده بعام قدَّم «يا سلام ع الحب». وبعد أن لمع نجمه على الخشبة، شارك في فيلم «مغامرات شوشو» وغيره.

كان يريد من السينما أن تكون نافذته إلى شهرة عربية واسعة، على غرار نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وفؤاد المهندس. لهذا لجأ إلى أفلام مشتركة لبنانية - مصرية. وكان آخر أفلامه «سيدتي الجميلة»، الذي كتب فارس يواكيم السيناريو والحوار له، من بطولة نيللي ومحمود ياسين. وعُرض في مصر بعنوان «النشّالة»، وأنتجه شوشو لتأمين بعض الإيرادات والتخفيف من ديونه. وقد حقَّق إيرادات بالفعل، لكن شوشو كان قد رحل قبل بدء عرضه.

مزاج صعب... وظروف أصعب

يحكي الكتاب بإسهاب عن الصعوبات المالية التي واجهها شوشو كي يتمكَّن من تأسيس مسرحه، وعن صعوبة إدارة نفقاته، والديون التي أثقلت كاهله، وكذلك عن شخصيته البوهيمية، وانسياقه وراء هدف واحد هو النجاح على المسرح. ويقول يواكيم إنه كان معجباً بشارلي شابلن، ولا يملُّ من مشاهدة أفلامه ومراقبة حركاته الصامتة وتعابير وجهه، كما كان يتابع أفلام نجيب الريحاني، الذي لم يتسنَّ له أن يراه.

بجسد نحيل، وشارب كثيف، وبنية ضعيفة، وعينين تشعان ذكاء، كان شوشو لا يتوقف عن التدخين وشرب القهوة، ويسهر حتى لا يذهب إلى فراشه قبل طلوع الفجر. كثير الإنصات، قليل الكلام والطعام. في قرارة نفسه، كان رجلاً حزيناً. يأتي إلى المسرح قبل العرض بساعتين؛ فالمسرح بالنسبة إليه الأكسجين، والشفاء من همومه المالية وآلامه المرضية. كان يُضحك الآخرين، لكنه هو نفسه يتألم.

مع عصام رجي في و«صلت لـ99» (من الكتاب)

ساعدته بنيته النحيلة على تأدية الأدوار الكوميدية والإيمائية. وكان موهوباً في تلوين صوته والارتجال السريع وتوزيع النكات. لهذا لم يبلغ نجاحه في السينما والتلفزيون الذروة التي بلغها على المسرح لمهارته الاستثنائية في التفاعل المباشر مع الجمهور. قال عنه المخرج المسرحي روجيه عساف، بمناسبة عرض مسرحية «أخ يا بلدنا»: «إنه صاحب الفرقة اللبنانية الوحيدة التي لها جمهور. فالوصول إلى 70 ألف مشاهد إنجاز كبير. إنه فريد في لبنان بمسيرته».

كان شوشو فناناً متعدد المواهب بالفعل. وإلى جانب السينما والتلفزيون، شارك في المهرجانات الصيفية الكبرى، مثل «مهرجانات بعلبك» و«مهرجانات الأرز». كما أسَّس مسرحاً للأطفال، رغبة في زيادة دخله وتأهيل جيل يتذوق المسرح.

تراكمت الديون على شوشو، رغم أن صالته لم تكن تهدأ، والجمهور لا يكلّ من حضور عروضه. ويشرح الكتاب أنه تورَّط في الديون عند تأسيس المسرح، لأنه لم يتمكَّن من الاستدانة من المصارف، واضطر إلى اللجوء إلى المرابين، الذين فرضوا عليه فوائد خيالية. وأخذت الديون تكبر مثل كرة ثلج، حتى أصبحت أحد أسباب تدهور صحته. وكانت ميرنا البستاني قد وعدته بتسديد ديونه من خلال «بنك الصناعة والعمل»، الذي كانت تملك حصةً وازنة فيهً، ليصبح مديناً للمصرف بفائدة أقل بكثير. لكن الحرب الأهلية اشتعلت، وأطاحت بالوعد والمسرح وشوشو.

وفاة شوشو

كان الدكتور روبير خوري يحضر مسرحية «آخ يا بلدنا»، حين لاحظ أن ملامح وجه شوشو المرهقة قد تشير إلى مشكلة في القلب، فاستدعاه إلى عيادته. وبعد الكشف، تبيَّن وجود خلل في القلب، وطلب منه التخفيف من التدخين وأخذ قسط من الراحة.

لكنه لم ينفِّذ شيئاً من ذلك. وبعد سنة، تعرَّض لنوبة قلبية حادة، ونُقل على عجل إلى مستشفى البربير. خرج بعدها من المستشفى وبدأ التحضير لموسم 1976. وبما أن الحرب كانت قد بدأت، لم يكن ممكناً افتتاح موسمه البيروتي. فسافر لتقديم مسرحيتين في الأردن، وحضر العرض الأول العاهل الأردني يومها الملك حسين، وأبدى إعجابه به.

شوشو في مسرحية «اللعب عالحبلين» (من الكتاب)

عاد شوشو مع الفرقة من عمّان، وكان يقود سيارته بنفسه. كان الإجهاد كبيراً، خصوصاً أنه أُرهق بالعروض المتوالية والهموم النفسية وتراكم الديون، إلى جانب عجزه عن فتح أبواب مسرحه. وفي الثاني من نوفمبر 1975، توقف قلبه عن النبض.

«مات البطل، واحترق المسرح، وانهارت المدينة»، يقول يواكيم في كتابه: «مات النجم مع مسرحه الذي أحبه، لكنه بقي أسطورة في تاريخ المسرح اللبناني».

تكمن أهمية الكتاب في أنه يؤرخ لحقبة مهمة من حياة شوشو ويوثِّقها، ويحاول الإحاطة حتى بفترات لم يعايشها الكاتب أو يشهدها، متى توافرت المعلومات الموثوقة. وفيه تفاصيل تهم كلَّ مَن يرغب في دراسة هذه الظاهرة الفنية، وهو مزوَّد بفهرس لأسماء المسرحيات والأعمال السينمائية، وكذلك أسماء الصحافيِّين الذين كتبوا عن شوشو. ومن الطرائف التي يتضمَّنها الكتاب فهرس للأخطاء التي تمكَّن يواكيم من جمعها فيما يخص شوشو، في كتاب محمد كريم «كما عرفتهم».

بعد 50 عاماً على وفاة الفنان المسرحي الكبير شوشو، قرَّر كاتب أشهر مسرحياته، فارس يواكيم، أن يصدر كتاباً يسجِّل فيه ما شهده وعرفه من حقائق عايشها بصحبته، أو سمعها عنه، أو تقصّاها، اعترافاً بفضله الكبير، ولأنه فتح له باب الشهرة في المسرح اللبناني.


هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
TT

هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)

شهدت مناطق في سيناء وأخرى بمحافظة البحر الأحمر، (جنوب شرقي مصر)، خلال فصل الخريف، موجات من الأمطار الغزيرة التي تسببت في تشكل السيول، وأدت إلى جرف المياه في بعض المناطق، وسط تحذيرات متكررة من تداعيات التقلبات الجوية الحادة. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن احتمالات تعرض مصر لموجات أكثر شدة من السيول خلال فصل الشتاء، ومدى ارتباط ذلك بالتغيرات المناخية التي يشهدها العالم.

وقبل أسبوع، شهدت محافظتا جنوب سيناء والبحر الأحمر، موجة من التقلبات الجوية الحادة والأمطار الغزيرة التي تسببت في سيول جارفة، وسط امتداد تأثير منخفض البحر الأحمر الموسمي.

وتسببت التدفقات المفاجئة للمياه في وادي وتير، التابع لمدينة نويبع بجنوب سيناء، في جرف سيارة «خلاطة أسمنت» كان على متنها ثلاثة أشخاص، ما أسفر عن وفاة أحدهم وإصابة آخر، ما يثير تساؤلات بشأن احتمالات تكرارها أو اشتداد حدتها خلال فصل الشتاء في ظل التغيرات المناخية.

وفي هذا السياق، قال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية السابق، إن فصل الخريف يتسم عادة بالتقلبات الجوية الحادة والسريعة، ويشهد حالات من عدم الاستقرار في الطقس، خصوصاً في محافظات جنوب مصر والبحر الأحمر وسيناء، حيث تزداد فرص سقوط الأمطار التي قد تتحول إلى سيول بفعل الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق.

وأوضح قطب لـ«الشرق الأوسط» أن «المناطق الجبلية والمرتفعة تشهد أحياناً هطول أمطار تتجمع مياهها وتندفع بفعل الجاذبية نحو الأودية والمناطق المنخفضة، مما يؤدي إلى تشكل السيول التي قد تكون سريعة وقوية، حتى في المناطق التي لا تشهد سقوط أمطار مباشرة. وحدث ذلك خلال موجات الأمطار الأخيرة في سيناء، إذ اندفعت مياه السيول باتجاه مناطق في شرق سيناء، ومنها محيط خليج العقبة ونويبع، ما أسفر عن خسائر بشرية».

لقطة جوية لأحد أودية سيناء عقب هطول الأمطار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

في المقابل، تختلف طبيعة المخاطر في المناطق الساحلية والمستوية، مثل الإسكندرية والساحل الشمالي ومطروح، حسب قطب، إذ قد تشهد هذه المناطق أمطاراً غزيرة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى سيول جارفة مثل التي تحدث في المناطق الجبلية ذات التضاريس الوعرة والأودية والمنحدرات. وتتمثل الخطورة هناك بصورة أكبر في تجمع مياه الأمطار أو تراكمها في الشوارع والمناطق المنخفضة، لا في اندفاع كميات كبيرة من المياه عبر الأودية من مناطق مرتفعة إلى أخرى منخفضة.

هل تزداد فرص السيول خلال الشتاء؟

وعن احتمالات تعرض مصر لموجات أشد من السيول خلال فصل الشتاء، قال قطب إن التغيرات المناخية أسهمت في زيادة تطرف بعض الظواهر الجوية، سواء في صورة موجات حر شديدة أو انخفاضات حادة في درجات الحرارة، إلى جانب الأمطار الغزيرة التي قد تتسبب في حدوث السيول.

وأضاف قطب أن البلاد تشهد خلال الفترة الحالية انخفاضاً في درجات الحرارة، لتصبح أقل من معدلاتها الطبيعية في بعض المناطق خلال هذا الوقت من العام، بالتزامن مع نشاط الرياح الذي يزيد الإحساس ببرودة الطقس، فضلاً عن اضطراب حركة الملاحة البحرية في البحر المتوسط وخليج السويس، واستمرار فرص سقوط الأمطار على السواحل الشمالية وشمال سيناء.

وأوضح قطب أن فرص هطول الأمطار على مناطق من الصعيد والبحر الأحمر وسيناء تظل قائمة خلال ما تبقى من فصل الخريف وخلال الشتاء، وقد تتسبب في حدوث سيول، مشيراً إلى أن فصل الخريف يظل من الفترات التي تستدعي قدراً أكبر من الحذر، نظراً إلى التقلبات السريعة في الأحوال الجوية والتحولات بين الموجات الدافئة والباردة.

وربط قطب هذه التقلبات بتفاقم الظواهر المناخية، مشيراً إلى ظاهرة «النينيو» وتأثيراتها في أنماط الطقس العالمية، وما قد يصاحبها من تغيرات في درجات الحرارة ومعدلات الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.

آثار سلبية خلفتها مياه السيول في مصر (وزارة الري المصرية)

وتُعد «النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي عن معدلاتها المعتادة، وتؤثر في أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة على نطاق واسع من العالم. وتختلف تأثيراتها من منطقة إلى أخرى حسب قوة الظاهرة وتوقيتها وتفاعلها مع أنظمة المناخ الأخرى، ولا تعني بالضرورة زيادة الأمطار أو حدوث السيول في جميع المناطق.

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 31» (COP31)، في مدينة أنطاليا التركية، خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بمشاركة ممثلي الدول والمنظمات الدولية والخبراء المعنيين بقضايا المناخ.

ووفق أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق فإن «عدداً من دول العالم، بينها الولايات المتحدة والصين واليابان وتايوان، تواجه ظواهر جوية عنيفة، من بينها الأعاصير والعواصف، في مناطق مختلفة من المحيطين الهادئ والأطلسي، بما يعكس اتساع نطاق التأثيرات المناخية».

وأكد قطب أن مصر ليست بمنأى عن هذه التغيرات، إذ تتأثر بدورها بالتحولات التي يشهدها النظام المناخي العالمي، وتظهر انعكاساتها في صورة تقلبات حادة في درجات الحرارة، بين الارتفاع والانخفاض.