مبادرة الرئيس اللبناني لوقف النار تحفّز المباحثات الداخلية والدولية

دعم محلي للمسعى... وبري يناقشها مع «حزب الله»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)
TT

مبادرة الرئيس اللبناني لوقف النار تحفّز المباحثات الداخلية والدولية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)

حرّكت مبادرة الرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمود السياسي الذي كان قائماً حيال الحرب القائمة، وأوجَدَت أرضية لمحادثات دولية وداخلية، سرعان ما انعكست تفعيلاً لاتصالات خارجية ومحلية، وفي مقدمها لقاء عقد بين المعاونين السياسيين لرئيس البرلمان نبيه بري وأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، واستقبال بري لرئيس الحكومة نواف سلام الذي كان قد التقى الرئيس عون الثلاثاء.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة مجلس النواب)

وتكثّف الحراك السياسي والدبلوماسي، بدءاً من يوم الثلاثاء، بعدما أعلن عون عن مبادرة لإرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وهي المبادرة الأولى التي سلكت طريقها إلى النقاشات، حتى مع «حزب الله» عبر رئيس البرلمان نبيه بري، كما قوبلت بتأييد لبناني واسع. وتنص المبادرة على أن يسيطر الجيش اللبناني على مناطق التوتر الأخير، ويصادر السلاح منها، وينزع سلاح «حزب الله» ومخازنه ومستودعاته، ثم يبدأ لبنان وإسرائيل، بالتزامن، مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.

تعنّت إسرائيلي وملاحظات أميركية

ومع أن التسريبات الأولى من إسرائيل، تفيد بأنها لن توافق على المبادرة، وهي تصرّ على مواجهة «حزب الله» بجيشها، إلا أن ذلك لا يعني أن المبادرة تعرضت لضربة، بالنظر إلى أن الاتصالات الدولية لا تزال قائمة وتتفعل يومياً وتتوسع، في مساعٍ من أجل الوصول إلى نقاط مشتركة يمكن أن توقف الحرب.

وقالت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية، إن لبنان «لم يتبلّغ رسمياً من إسرائيل بأنها لم توافق، بل جرى ذلك عبر تسريبات»، كما «لم يتبلغ لبنان من الولايات المتحدة أي رفض للمبادرة، بل وصل بيروت أن هناك ملاحظات أميركية على المبادرة» من غير الدخول في تفاصيلها. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان «ينتظر، فالاتصالات لم تنتهِ، والخطوط مفتوحة مع كل الأطراف الفاعلة والمؤثرة بالوضع اللبناني»، مشدّدة على أن «مبادرة الرئيس عون مستمرة، والرئيس يتابع الملف، ولا يوقف الاتصالات والجهود للوصول إلى حل لوقف الحل».

ولم تتبلغ مبعوثة الأمم المتحدة إلى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت التي تزور تل أبيب، رفضاً إسرائيلياً رسمياً للمبادرة، وهي لا تزال في تل أبيب تواصل اللقاءات، بعد اللقاء بوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الثلاثاء، قال فيها إن إضعاف «حزب الله» يشكل مصلحة مشتركة لكل من إسرائيل ولبنان، علماً بأن بلاسخارت تضطلع بمهمة التواصل المباشر مع الجانب الإسرائيلي، في وقت كان الجانب الأميركي، حتى يوم الاثنين الماضي، يتجاهل ملف أي محادثات مع إسرائيل بشأن الحرب ضد «حزب الله».

تفعيل اتصالات داخلية

وأعادت المبادرة تفعيل الاتصالات في الداخل، إذ بدا لافتاً زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى لرئيس البرلمان نبيه بري، للمرة الأولى منذ بدء الجولة الأخيرة من الحرب، فيما عقد سلام محادثات مع بري، الذي عقد مباحثات أيضاً مع مستشار الرئيس عون، العميد أندريه رحال... وقالت مصادر مطلعة على الحراك لـ«الشرق الأوسط» إن بري «طلب استيضاحات حول مبادرة عون، ويتشاور بها مع (حزب الله)»، إذ كلف معاونه السياسي النائب علي حسن خليل بالتواصل مع الحزب، وقد التقى خليل مع المعاون السياسي لأمين عام «حزب الله»، حسين الخليل في أول لقاء بعد صدور المبادرة.

رئيس البرلمان نبيه بري يستقبل مستشار الرئيس عون العميد أندريه رحال (رئاسة مجلس النواب)

تأييد داخلي

وحظيت مبادرة عون، حسب المصادر، بتأييد داخلي واسع من معظم الأطراف السياسية والمرجعيات الدينية، سهلت عبورها إلى مستوى النقاشات على المستوى الداخلي، وصولاً للنقاش مع «حزب الله». وظهر هذا الدعم من مجموعة مؤشرات، أبرزها دعم رئيس الحكومة، ورئيس الحكومات السابقين الذين أعلنوا الثلاثاء: «دعمنا الكامل للجهود التي يقوم بها الرئيس عون، والرئيس سلام، وبتأييد من الرئيس بري لدى جميع المراجع الدولية والدول الصديقة والشقيقة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان».

وقالت مصادر وزارية مواكبة للحراك لـ«الشرق الأوسط»: «في الداخل، هناك تأييد واسع وارتياح للمبادرة من معظم القوى السياسية، وهو موقف مهم يسهم في إعطاء المبادرة زخماً دولياً»، رغم أن التفاعل الدولي في هذه الأوقات، يمكن أن يسهم في الضغط على إسرائيل التي ترفض النقاش في أي مسعى من أجل وقف الحرب في الوقت الحاضر، مطالبة بالقضاء على «حزب الله» وتجريده من سلاحه.

الرئيس عون يستقبل الرئيس سلام في القصر الجمهوري (الرئاسة اللبنانية)

وفيما تحدثت معلومات عن أن الأطراف الدولية تطالب الدولة اللبنانية بتجريم الحزب ككيان سياسي، نفت مصادر وزارية قريبة من الرئاسة اللبنانية أن يكون أي طرف دولي، فاتح الرئيس عون بملف تمثيل «حزب الله» في الحكومة اللبنانية، مشيراً إلى أن التركيز الدولي «يتركز على الجناح العسكري لـ(حزب الله) وليس الجناح السياسي».


مقالات ذات صلة

أسعار المحروقات تكوي اللبنانيين... واستعدادات للتظاهر والإضراب

المشرق العربي مواطنون يحرقون إطارات خلال احتجاج ضد السياسات المالية أمام وزارة الاقتصاد في وسط بيروت يوم 17 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أسعار المحروقات تكوي اللبنانيين... واستعدادات للتظاهر والإضراب

يبقى لبنان من الدول الأشد تأثراً بأزمة المحروقات؛ لأنه يستورد كامل حاجته منها، إضافة إلى الضرائب المفروضة على هذا القطاع...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)

عون يرفض أي تسوية على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات التي يواجهها لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)

«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

أكدت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يبقى الأساس لتحقيق السلام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)

كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

تكشف الأرقام الرسمية اللبنانية اتساع الكلفة البشرية والمادية للحرب على لبنان، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار وتراكم الخسائر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)

مخاوف لبنانية من ترحيل نتنياهو المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات

تبقى أنظار اللبنانيين مشدودة إلى الاجتماعات التي تُعقد بين رؤساء الوفود العربية والأجنبية على هامش انعقاد الدورة العادية للأمم المتحدة.

محمد شقير (بيروت)

أسعار المحروقات تكوي اللبنانيين... واستعدادات للتظاهر والإضراب

مواطنون يحرقون إطارات خلال احتجاج ضد السياسات المالية أمام وزارة الاقتصاد في وسط بيروت يوم 17 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
مواطنون يحرقون إطارات خلال احتجاج ضد السياسات المالية أمام وزارة الاقتصاد في وسط بيروت يوم 17 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

أسعار المحروقات تكوي اللبنانيين... واستعدادات للتظاهر والإضراب

مواطنون يحرقون إطارات خلال احتجاج ضد السياسات المالية أمام وزارة الاقتصاد في وسط بيروت يوم 17 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
مواطنون يحرقون إطارات خلال احتجاج ضد السياسات المالية أمام وزارة الاقتصاد في وسط بيروت يوم 17 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

لا تخطط مايا فارس (41 عاماً) لتعبئة خزان مازوت التدفئة هذا الشتاء؛ فمع تجاوز سعر صفيحة المازوت 31 دولاراً، يفترض أن تؤمن مبلغ 800 دولار لتعبئة خزان يكفي شهراً ونصف الشهر فقط، بعدما كانت العام الماضي تدفع 400 للكمية نفسها. وتقول الأم الأربعينية، لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستعتمد على التدفئة بالغاز مع اعتماد التقنين إلى حد كبير، لافتة إلى أن «الأوضاع المعيشية بلغت مستويات غير مقبولة على الإطلاق، مما يدفع بالقسم الأكبر من اللبنانيين إلى ما دون خط الفقر».

ورغم تأثر معظم دول العالم بأزمة المحروقات الناتجة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز، فإن لبنان يعدّ من الدول الأشد تأثراً؛ لأنه يستورد كامل حاجته من المحروقات، إضافة إلى الضرائب المفروضة على هذا القطاع؛ حيث يذهب نحو 20 في المائة من سعر صفيحة البنزين، البالغ حالياً 31.7 دولار، إلى خزينة الدولة على شكل ضرائب.

أرباح خيالية للشركات المستوردة

يقول الباحث محمد شمس الدين إن «تجمع الشركات المستوردة للنفط في لبنان يستورد سنوياً نحو 250 مليون صفيحة مازوت و150 مليون صفيحة بنزين، وتقدر أرباح الشركات بـ250 مليون دولار كل عام»، لافتاً إلى أنه «منذ شهر مارس (آذار) الماضي، ونتيجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً، استغلت هذه الشركات الأمر فرفعت الأسعار بشكل يفوق ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وعندما تنخفض الأسعار فإنها لا تخفّض أسعارها؛ مما مكّنها من تحقيق أرباح خيالية ناهزت 750 مليون دولار، وقد تصل إلى مليار دولار مع نهاية العام الحالي».

مواجهات مع قوى الأمن خلال احتجاج لمجموعة «صرخة المودعين» في بيروت رفضاً للقيود المفروضة على السحوبات والتحويلات المصرفية منذ عام 2019 (إ.ب.أ)

استعدادات للتظاهر والإضراب

لا تقتصر التداعيات السلبية للارتفاع الجنوني في الأسعار على مازوت التدفئة والبنزين فقط، بل تطول كل القطاعات، خصوصاً قطاع المولدات الكهربائية الخاصة، الذي يؤمّن الطاقة بشكل أساسي في غياب شبه كامل للتيار الكهربائي الرسمي. ويستهلك هذا القطاع ما بين 60 و80 في المائة من إجمالي كميات الديزل (المازوت) التي يستوردها لبنان سنوياً؛ مما أدى تلقائياً إلى رفع فواتير الكهرباء الشهرية التي يدفعها المواطن لأصحاب المولدات.

وأعلنت هيئة مكتب «المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام» مطلع الأسبوع الحالي حالة «طوارئ اقتصادية»، ودعت السبت إلى اجتماع قالت مصادر «الاتحاد» لـ«الشرق الأوسط» إنه من المرجح أن يخرج عنه قرار بإعلان إضراب تحذيري واعتصامات وتحركات في مناطق عدة الأسبوع المقبل، استنكاراً للوضع القائم؛ وللدعوة إلى رفع الرواتب وبدل النقل.

وبحث رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، الثلاثاء، مع رئيس مجلس إدارة «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي»، بشارة الأسمر، الأوضاع المتأزمة، وقال الأسمر بعد اللقاء إنه طالب بتشكيل «خلية اقتصادية وزارية لمتابعة الضغوط المعيشية، والإسراع في انعقاد (لجنة المؤشر) وزيادة بدل النقل».

وقال الأسمر لـ«الشرق الأوسط» إنه تواصل مع معظم المسؤولين اللبنانيين ومع رئيس الحكومة الموجود في نيويورك، وقد أوعز الأخير بتشكيل هذه الخلية.

وطالبت نقابة المعلّمين بـ«مضاعفة بدل النقل، بما يتناسب والارتفاع الكبير في تكلفة المعيشة والتنقّل». ودعت وزير الماليّة إلى اتّخاذ «خطوات عمليّة عاجلة، محتفظة بحقّها في الدعوة إلى تحرّك نقابي إذا لم تلقَ هذه المطالب استجابة».

كذلك لوحت «نقابة مستخدمي وعمال مياه لبنان الشمالي» بالتصعيد، مشددة على أن «المطالب المعيشية خط أحمر».

جنود لبنانيون في وسط بيروت خلال حراك نظمه عسكريون متقاعدون الشهر الحالي للمطالبة بزيادة معاشاتهم (إ.ب.أ)

تضرر كل القطاعات

يوضح البروفسور مارون خاطر، الكاتب والباحث في الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة، أن «ارتفاع أسعار المحروقات لا يعني حصراً زيادة تكلفة التنقّل، بل يرفع تكلفة الاقتصاد بأكمله. فالوقود يدخل في نقل الأشخاص والبضائع، وتشغيل المولدات والمصانع والأفران والمستشفيات، والتبريد... لذلك؛ فلا تتوقف الصدمة عند محطة الوقود، بل تنتقل عبر سلاسل التوريد إلى أسعار معظم السلع والخدمات». وذكّر خاطر بأن «لبنان يستورد تقريباً كامل حاجته من المشتقات النفطية؛ لذلك، فإن اضطرابات الملاحة وأنابيب النفط تشكّل تهديداً مباشراً لتكلفة الاستيراد ولانتظام الإمدادات».

ولا يواجه لبنان هذه الصدمة في أسعار المحروقات «كبقية دول العالم من موقع اقتصادي طبيعي، بل من داخل أزمة نظامية ممتدة منذ عام 2019» حين فقدت الليرة معظم قيمتها، وتراجعت القدرة الشرائية للأجور، فيما بقيت النفقات الأساسية مقيّمة بالدولار أو مرتبطة به.

العبء الضريبي

يرى خاطر أن «الأمور أشد تعقيداً بسبب الاعتماد على النقل الخاص وغياب شبكة نقل عام فعّالة. بالإضافة إلى ذلك، حوَّلَت مُعضلة الكهرباء المستعصية الطاقة إلى ضريبة غير معلنة؛ إذ يدفع المواطنون والشركات فاتورة للدولة وأخرى للمولدات الخاصَّة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «إلى كل ما تقدَّم، يضاف العبء الضريبي المباشر. فمن أصل نحو 31 دولاراً يدفعها اللبناني ثمناً لصفيحة البنزين، يذهب نحو 6.4 دولار إلى الخزينة، أي نحو 20.5 في المائة من السعر النهائي. ويتوزّع هذا المبلغ بين رسم ثابت قدره 300 ألف ليرة، يعادل نحو 3.35 دولار، وضريبة على القيمة المضافة بنسبة 11 في المائة توازي نحو 3.1 دولار».


تخريج الدفعة الأولى في معهد الشرطة النسائية بسوريا

TT

تخريج الدفعة الأولى في معهد الشرطة النسائية بسوريا

150 شرطية في الفوج الأول بمعهد الشرطة النسائية في سوريا خلال حفل التخرج في التل بريف دمشق (رويترز)
150 شرطية في الفوج الأول بمعهد الشرطة النسائية في سوريا خلال حفل التخرج في التل بريف دمشق (رويترز)

شهدت دمشق، الثلاثاء، تخريج 150 شرطية في الفوج الأول من معهد الشرطة النسائية الذي أنشأته السلطات الجديدة ضمن إعادة بناء أجهزة الأمن في سوريا، حيث لا يزال حضور النساء محدوداً في مؤسسات الدولة.

ويأتي تخريج الدفعة بعد نحو عامين على سقوط حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد وإعادة هيكلة وزارة الداخلية وأجهزة الأمن، بالتوازي مع انتقادات من منظمات نسوية وحقوقية بشأن محدودية تمثيل النساء وبعض القيود الاجتماعية.

مديرة معهد الشرطة النسائية العميد هدى سرجاوي، قالت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحتفل بتخريج الدفعة الأولى من الشرطة النسائية في سوريا الجديدة، وهذه الدورة لها خصوصية، وهي الدورة الأولى بعد التحرير في القطاع الأمني».

وزير الداخلية أنس خطاب ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات ومديرة معهد الشرطة النسائية العميد هدى سرجاوي أثناء تسلم شهادة التخرج لطالبة من أكاديمية الشرطة النسائية الجديدة في التل قرب دمشق (أ.ف.ب)

خضعت الخريجات لتدريب شمل التأهيل العسكري والبدني والعلوم القانونية والشرطية والمهارات الميدانية، على أن يلتحقن بوحدات تابعة لوزارة الداخلية في مناطق مختلفة من البلاد، وفق السلطات.

وقالت علا قاسم وفا (22 سنة) عقب تخرجها: «كانت البداية صعبة، لكن لا أندم أبداً لكوني انتسبتُ، كنا سعيدات في أيام التدريب وتعلمنا الانضباط والقانون وكانت دورة تدريبية شاملة».

وحتى قبل تخريج هذه الدفعة، تعمل نساء بالفعل ضمن الشرطة السياحية الجديدة، في حين لا يقبل الجيش السوري الذي أعيد تشكيله النساء في صفوفه.

سيلفي عائلي لطالبة في أكاديمية الشرطة النسائية الجديدة خلال حفل تخرج الفوج الأول في التل على المشارف الشمالية لدمشق في 22 سبتمبر الحالي. وأصبحت نحو 150 سورية في 22 سبتمبر أول خريجات من أكاديمية الشرطة الجديدة في البلاد للنساء حيث تعيد السلطات الإسلامية بناء أجهزتها الأمنية (أ.ف.ب)

ومنذ إطاحة الحكم السابق في ديسمبر (كانون الأول) 2024، سعت السلطات الجديدة ذات التوجه الإسلامي إلى تقديم نموذج حكم أكثر انفتاحاً وتغيير الصورة المرتبطة بها، حسب تقرير «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي شمال شرق البلاد، تُجري مقاتلات سابقات في «وحدات حماية المرأة» الكردية محادثات مع وزارة الداخلية بشأن دمجهن في قوات الأمن التابعة للدولة، من دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق.

وكانت «وحدات حماية المرأة» جزءاً من الإدارة الذاتية و«قوات سوريا الديمقراطية» التي كانت تقودها قوات كردية، قبل أن تحل نفسها الشهر الماضي في إطار اتفاق تم التوصل إليه في يناير (كانون الثاني)، وينص على دمج القوات السورية الكردية بمعظمها في الجيش، ودمج المؤسسات المدنية الكردية في مؤسسات الدولة.

خريجات الدفعة الأولى من معهد الشرطة النسائية يستعرضن تمرينات بالأسلحة في حفل تخرجهن بدمشق سبتمبر الحالي (رويترز)

العميد هدى سرجاوي، مديرة معهد الشرطة النسائية، أشارت في كلمتها، إلى أن «الاحتفال شهد مشاركة ممثلات عن وحدات حماية المرأة في هذا الاحتفال، وهناك قرار بالاندماج بين قوات حماية المرأة ووزارة الداخلية والعمل قائم».

وقالت إن الخريجات خضعن لتدريبات متعددة شملت الانضباط والتدريب العسكري والرياضة واستخدام السلاح. وأوضحت أن جانباً آخر من التدريب تضمن معلومات قانونية وشرطية عامة تحتاج إليها الشرطية للانطلاق في العمل، منها قوانين وأنظمة الشرطة وحقوق الإنسان والهجرة والجوازات ومكافحة المخدرات.

ولفتت إلى أن معايير قبول الانتساب تضمنت حصول المتقدمة على الشهادة الثانوية على الأقل، إلى جانب استيفاء معايير جسدية تتعلق بالطول والكتلة والخلو من الأمراض، وغيرها من الشروط المتعارف عليها دولياً.

عقب حضوره حفل التخرّج، وصف وزير الداخلية أنس خطاب على منصة «إكس»، الخطوة، بأنها «تعكس حضور المرأة السورية وإسهامها في خدمة الوطن والمجتمع، وتعزز مشاركتها في العمل الشرطي».


ترتيبات ما بعد الحرب تتصدر مباحثات الزيدي في نيويورك

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (يساراً) يتحدث مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع متعدد الأطراف لـ«مجلس التعاون الخليجي» في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (يساراً) يتحدث مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع متعدد الأطراف لـ«مجلس التعاون الخليجي» في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترتيبات ما بعد الحرب تتصدر مباحثات الزيدي في نيويورك

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (يساراً) يتحدث مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع متعدد الأطراف لـ«مجلس التعاون الخليجي» في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (يساراً) يتحدث مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع متعدد الأطراف لـ«مجلس التعاون الخليجي» في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

يحاول رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، استعادة العلاقات الطبيعية بدول الجوار والمحيط الإقليمي، عبر لقاءات في نيويورك؛ التي يزورها للمشاركة في اجتماعات أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وسلط الصحافيون الضوء على نشاط الزيدي في نيويورك، لا سيما مشاركته في اجتماع متعدد الأطراف مع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب؛ لبحث ترتيبات ما بعد الحرب الإقليمية، إلى جانب اجتماعه بالرئيس السوري أحمد الشرع.

وتقول السلطات في بغداد إنها متضررة من إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب، لكنها تواجه تناقضات حادة على هذا الصعيد بسبب تحالف قوى في «الإطار التنسيقي» الحاكم، إلى جانب فصائل مسلحة، مع إيران؛ أحد طرفي النزاع ضد الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، الأربعاء، إن العراق يتبنى برنامجاً مهماً لتنسيق المواقف وخلق فرص التعاون، في حين أشار إلى أن الزيدي أجرى لقاءات عدة في نيويورك لتنسيق المواقف وتأمين المصالح المشتركة.

وقال العبودي، في تصريح صحافي، إن «العراق استمع إلى طروحات قادة الدول، لكنه يمتلك رؤيته الخاصة بإنتاج حلول لتأمين إمدادات الطاقة واستقرار المنطقة».

وأوضح العبودي أن «العراق يعتمد على ثوابت قانونية ودستورية يتبنى من خلالها مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وفي الوقت ذاته يسعى ويتبنى برنامجاً مهماً لتنسيق المواقف وخلق فرص التعاون والتكامل؛ وصولاً إلى الاستقرار».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في نيويورك بالولايات المتحدة يوم 22 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

الزيدي والشرع

وجاءت تصريحات العبودي في أعقاب لقاءات كثيرة أجراها الزيدي مع قادة دول، كان أبرزها لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع.

وقبل بدء اجتماع متعدد الأطراف دعا إليه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، رصدت كاميرات الصحافيين مصافحة بين الشرع والزيدي، هي الأولى منذ تسنم الأخير منصبه في بغداد.

لاحقاً، ذكر مكتب رئيس الوزراء العراقي في بيان أنه «التقى رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع، على هامش انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ81».

ووفقاً للبيان، فقد «شهد اللقاء استعراض الأوضاع العامة إقليمياً ودولياً، والتباحث في العلاقات الثنائية، وسبل تطويرها وفق مقتضيات المصالح المتبادلة، على مختلف الصعد والمجالات، والجهود المبذولة من أجل تدعيم التهدئة وتخفيف حدة التوتر في المنطقة».

من جانبه، قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، إن دمشق تعمل على تأمين ممر آمن لصادرات النفط العراقية من خلال الموانئ السورية، مشيراً إلى مشروع استراتيجي لمد أنبوب نفط من الحقول العراقية إلى الموانئ السورية لتلافي المرور عبر مضيق هرمز.

وأشار الشرع في تصريحات للصحافيين إلى أن علاقة دمشق بإقليم كردستان «جيدة جداً» بفضل «مصالح مشتركة في مجالات عدة»، لافتاً إلى دور زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، مسعود بارزاني، في استقرار الوضع السوري واندماج «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» مع الدولة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) خلال اجتماع متعدد الأطراف مع «مجلس التعاون الخليجي» إلى جانب (من اليسار إلى اليمين) رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ترتيبات ما بعد الحرب

وكان الزيدي قد انضم إلى الاجتماع متعدد الأطراف الذي حضره الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عقب لقاء وُصف بـ«المثمر»، مساء الثلاثاء، بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين.

وقال ترمب في بداية الاجتماع: «نعتقد أن الأزمة مع إيران يمكن أن تنتهي بعد الانتخابات النصفية الأميركية»، وتابع: «أعتقد أننا سنعقد صفقة مع إيران، وأتوقع أن ينتهي الأمر بسرعة كبيرة».

بينما أفاد مكتب الزيدي، في بيان صحافي، بأن «الاجتماع تناول تعزيز الأمن والاستقرار، وحماية التجارة العالمية وتأمين سلاسل التوريد، فضلاً عن الحفاظ على مستويات التنمية في اقتصادات المنطقة».

وبحث الاجتماع «الاستراتيجيات المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب والترتيبات المرتبطة بها، واستعرض سبل الدفع بجهود تحقيق السلام والاستقرار من خلال تغليب الحوار والحلول الدبلوماسية».

وشهد الاجتماع حضور رؤساء وفود كل من السعودية والبحرين والكويت والإمارات وقطر وسلطنة عُمان والأردن ولبنان وسوريا ومصر وتركيا، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية.

وعلق أستاذ العلوم السياسية في بغداد، طالب محمد كريم، على لقاءت الزيدي في نيويورك، قائلاً إن «هناك فرصة مواتية لمنح بغداد مساحة أكبر لبناء سياسة خارجية أكبر توازناً».

وقال كريم، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة العراقية «تحاول الآن في لحظة جيوسياسية مركبة البحث عن إمكانات للتعاون الأمني والاقتصادي وحماية المصالح المشتركة، من دون أن تتحول العلاقات الإقليمية إلى امتدادات للصراع الداخلي العراقي».