حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

«المسرح الوطني» يفتح أبوابه للفارين من الحرب بالموسيقى والسينما وورشات الأطفال

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».


مقالات ذات صلة

ديناصور يختنق بـ800 حجر في حلقه قبل 120 مليون عام

يوميات الشرق بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)

ديناصور يختنق بـ800 حجر في حلقه قبل 120 مليون عام

اكتشف علماء نوعاً غامضاً من الديناصورات عاش قبل نحو 120 مليون سنة، وعُثر في أحفورته على مئات الحصى في حلقه...

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

قبل عقود على تسونامي الموسيقى الكورية الذي اجتاح العالم، ثلاث فتيات جلبن رياحاً كوريّة إلى لاس فيغاس. من هنّ «الشقيقات كيم»؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)

عملة دُفعت أجرةً لحافلة في بريطانيا تحمل أصلاً فينيقياً عمره 2000 عام

عُثر على عملة معدنية غريبة الشكل، كانت تُستخدم لدفع أجرة الحافلة في ليدز في خمسينات القرن الماضي، وتبيَّن أنها تعود إلى حضارة قديمة يتجاوز عمرها 2000 عام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

عُرف أنطوان غندور بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الملكة شارلوت وأدجوا أندو في دور الليدي دانبري (نتفليكس)

نجمة مسلسل «بريدجرتون» تجدد الجدل: الملكة «شارلوت» كانت سمراء البشرة

أعادت إحدى نجمات مسلسل «بريدجرتون» إثارة الجدل حول الأصول العرقية للملكة شارلوت، زوجة الملك جورج الثالث ملك بريطانية (من عام 1761 حتى 1818).

«الشرق الأوسط» (لندن)

رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
TT

رصد ولادة نادرة لنجم مغناطيسي

تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)
تصور فني لنجم مغناطيسي محاط بانبعاثات عالية السرعة من الجسيمات المشحونة على طول محور دورانه (مرصد لاس كومبريس)

رصد علماء الفلك، وللمرة الأولى ولادة نجم مغناطيسي أو كما يعرف علمياً بالنجم النيوتروني الدوار ذي المغناطيسية الفائقة، مؤكدين أنه مصدر الطاقة وراء بعض ألمع النجوم المتفجرة في الكون.

ويؤكد هذا الاكتشاف نظرية طرحها فيزيائي من جامعة كاليفورنيا الأميركية في بيركلي قبل 16 عاماً، ويؤسس لظاهرة جديدة في النجوم المتفجرة: المستعرات العظمى التي تتميز بـ«تذبذب» في منحنى ضوئها، وهو ما يُعزى إلى افتراضات نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين.

ووفق الورقة البحثية التي نُشرت اليوم (الأربعاء) في دورية «نيتشر» العلمية الشهيرة، لطالما حيّرت المستعرات العظمى فائقة اللمعان علماء الفلك منذ اكتشافها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إذ كان يُعتقد أنها ناتجة عن انفجار نجوم ضخمة جداً، ربما تعادل كتلتها 25 ضعف كتلة شمسنا، لكنها ظلت ساطعة لفترة أطول بكثير مما هو متوقع عند انهيار النواة الحديدية للنجم وانفصال طبقاته الخارجية.

كان دان كاسن، عالم الفيزياء الفلكية النظرية وأستاذ الفيزياء الحالي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أول مَن اقترح في عام 2010، أن النجم المغناطيسي هو مصدر التوهج طويل الأمد. ووفقاً لهذه النظرية، فعندما ينهار نجم ضخم في نهاية عمره، فإنه يسحق جزءاً كبيراً من كتلته متحولاً لنجم نيوتروني شديد الكثافة - وهو مصير قريب جداً من الانهيار إلى ثقب أسود.

وتفيد النظرية بأنه إذا كان للنجم مجال مغناطيسي قوي، فإنه سيتضخم أثناء تكوين النجم المغناطيسي، مما ينتج عنه مجال أقوى من 100 إلى ألف مرة مقارنة بمجال النجوم النيوترونية الدوارة العادية – أو ما يسمى «النجوم النابضة».

ووفق الدراسة، يبلغ قطر النجوم النابضة وأشباهها الأكبر حجماً ذات المغناطيسية العالية، أو ما يُعرف بالنجوم المغناطيسية، نحو 10 أميال فقط، ويمكنها الدوران في فترات شبابها أكثر من ألف مرة في الثانية.

ومع دوران النجم المغناطيسي، يُسرع المجال المغناطيسي له الجسيمات المشحونة التي تصطدم بحطام المستعر الأعظم، مما يزيد من سطوعه.

وأكد جوزيف فرح، طالب الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، العلاقة بين النجوم المغناطيسية والمستعرات العظمى فائقة اللمعان بعد تحليل بيانات مستعر أعظم من عام 2024 أُطلق عليه اسم «SN 2024afav»، في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «نيتشر» أيضاً.

قال أليكس فيليبينكو، أستاذ علم الفلك المتميز بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والمؤلف المشارك في الورقة البحثية، وأحد المشرفين على فرح: «الأمر المثير حقاً هو أن هذا دليل قاطع على تكوّن نجم مغناطيسي نتيجة انهيار نواة مستعر أعظم فائق اللمعان».

وأضاف: «يرتكز هذا النموذج على أن كل ما نحتاجه هو طاقة النجم المغناطيسي الكامنة في أعماق المستعر الأعظم، إذ يتم امتصاص جزء كبير منها، وهذا ما يفسر سبب سطوعه الفائق».

اكتشاف بعيد

بعد اكتشاف المستعر الأعظم «SN 2024afav» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، قام مرصد لاس كومبريس - وهو شبكة تضم 27 تلسكوباً حول العالم - بتتبعه وقياس سطوعه لأكثر من 200 يوم.

كما استخدم علماء الفلك بيانات رصدية لتقدير فترة دوران النجم النيوتروني - 4.2 مللي ثانية - ومجاله المغناطيسي، الذي يُعادل نحو 300 تريليون ضعف المجال المغناطيسي للأرض. وكلاهما من السمات المميزة للنجم المغناطيسي.

ويتوقع فرح العثور على عشرات أخرى من هذه المستعرات العظمى مع استعداد مرصد «فيرا سي روبين» لبدء تشغيله وعمل أشمل مسح للسماء الليلية حتى الآن.

وقال فرح: «هذا أكثر شيءٍ مثيرٍ حظيتُ بشرف المشاركة فيه. هذا هو العلم الذي حلمتُ به منذ صغري. إنه الكون يُخبرنا بصوتٍ عالٍ ومباشر أننا لا نفهمه تماماً بعد، ويُحفّزنا على تفسير ألغازه».


وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)
TT

وفاة أم شابة بعد وصف مضادات حيوية غير مناسبة

صورة للضحية من (فيسبوك)
صورة للضحية من (فيسبوك)

خلص تحقيق قضائي في بريطانيا إلى أن الإهمال الطبي كان عاملاً مساهماً في وفاة أم شابة في لندن بعد إصابتها بتسمم الدم (الإنتان)، إثر تلقيها مضادات حيوية غير مناسبة لعلاج عدوى أصيبت بها عقب إجراء طبي بسيط. وفقاً لصحيفة «ستاندرد».

وتوفيت أليشا روتشستر (33 عاماً)، وهي موظفة صندوق في أحد البنوك، وتقيم في منطقة كرويدون جنوب لندن، بعد نحو أسبوعين من خضوعها لإجراء روتيني لإزالة خُراج من تحت إبطها الأيسر.

ووفق ما استمعت إليه محكمة التحقيق، بدأت حالة روتشستر الصحية بالتدهور بعد أيام قليلة من العملية، إذ شعرت بتوعك، وظهرت علامات عدوى في الجرح. وخلال الأيام التالية سعت مراراً للحصول على المساعدة الطبية، حيث راجعت طبيباً عاماً، وقسم الطوارئ أكثر من مرة، إلا أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها لم تكن فعالة ضد البكتيريا المسببة للعدوى.

وقالت مساعدة الطبيب الشرعي، سيان ريفز، إن العاملين في مستشفيات إبسوم وسانت هيليير الجامعية لم يلتزموا بالإرشادات الطبية المعتمدة فيما يتعلق بوصف المضادات الحيوية، كما لم تتم استشارة قسم الأحياء الدقيقة قبل اختيار العلاج المناسب.

وفي 13 أغسطس (آب) 2023 توجهت روتشستر إلى موعد طبي طارئ خارج ساعات العمل، حيث وُصف لها مضاد حيوي من عائلة البنسلين. وفي اليوم نفسه قصدت أيضاً قسم الطوارئ في مستشفى كرويدون الجامعي، حيث شُخِّصت حالتها على أنها عدوى في الجرح، وأُعيدت إلى منزلها، مع توصية بمواصلة العلاج.

لكن حالتها استمرت في التدهور، ما دفعها في مساء 14 أغسطس إلى التوجه إلى قسم الطوارئ في مستشفى سانت هيليير، حيث تلقت جرعة من مضاد حيوي عبر الوريد قبل أن يُسمح لها بالعودة إلى المنزل على أن تعود في اليوم التالي.

وأظهر التحقيق أن المضادات الحيوية التي وُصفت لها في تلك المرحلة لم تكن متوافقة مع الإرشادات المعتمدة في المستشفى، كما لم تكن فعالة ضد نوع البكتيريا المرجح تسببه بالعدوى.

وفي 16 أغسطس تلقت علاجاً يتوافق مع الإرشادات الطبية، إلا أن حالتها كانت قد تدهورت بشكل كبير. وبحلول 17 أغسطس نُقلت إلى وحدة العناية المركزة بعد إصابتها بصدمة إنتانية حادة مصحوبة بفشل في عدة أعضاء حيوية. ورغم إدخالها على جهاز التنفس الصناعي، وتلقيها علاجاً مكثفاً بالمضادات الحيوية، استمرت حالتها في التدهور إلى أن تعرضت لتوقف في القلب في الساعات الأولى من صباح 19 أغسطس، ولم يتمكن الأطباء من إنعاشها.

وخلص التحقيق إلى أنه كان ينبغي وصف المضاد الحيوي المناسب لها في 15 أغسطس، ولو حدث ذلك في ذلك الوقت فمن المرجح أنها كانت ستنجو. وتركت روتشستر خلفها ابنها كزافييه، الذي يبلغ اليوم ثماني سنوات.

وقالت والدتها، لورنا، إن ابنتها كانت «محبة، وحنونة، ومليئة بالتعاطف»، مضيفةً أنها كانت أماً مخلصة، وكان حبها لابنها واضحاً في كل لحظة يقضيانها معاً.

وقد باشرت العائلة إجراءات قانونية على خلفية الحادثة.

من جهته، قال الدكتور ريتشارد جينينغز، المدير الطبي لمجموعة مستشفيات سانت جورج وإبسوم وسانت هيليير الجامعية، إن المستشفى يقر بوقوع تقصير في علاج المريضة.

وأضاف: «ندرك أننا أخفقنا في حق السيدة روتشستر بعدم إعطائها المضادات الحيوية الصحيحة، وكانت لذلك عواقب مأساوية. نعتذر بصدق لعائلتها».


القيادة والسيطرة: العقل التقني الذي يدير أمن العمرة والحشود في المسجد الحرام

التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)
التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)
TT

القيادة والسيطرة: العقل التقني الذي يدير أمن العمرة والحشود في المسجد الحرام

التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)
التقنية والذكاء الاصطناعي مدعوماً بآلاف الكاميرات سُخّرت لرعاية المعتمرين (الشرق الأوسط)

يبرز دور مركز القيادة والسيطرة لأمن العمرة في الحرم المكي الشريف، هذه الأيام وعلى مدار العام بوصفه غرفة العمليات الرئيسة التي تستند إليها قيادات قوات أمن العمرة في متابعة المشهد الميداني لحظة بلحظة، وذلك من خلال منظومة متكاملة تجمع بين البيانات والتحليل والتقنيات الحديثة.

ويسعى المركز من خلال هذه التقنيات إلى سرعة التفاعل والاستجابة بما يضمن اتخاذ القرار المناسب في مختلف المواقف، ويعزز من مستوى الجاهزية الأمنية لخدمة ضيوف الرحمن وتمكينهم من أداء مناسكهم بأمن وأمان وطمأنينة، حتى مغادرتهم مكة المكرمة متجهين إلى دولهم.

ويهدف مركز القيادة والسيطرة لأمن العمرة إلى توفير قاعدة بيانات موسعة تضم المعلومات والإحصاءات المتعلقة بالجوانب الأمنية، وتحليلها، والتعريف بالعوامل المؤثرة، واقتراح الأساليب الأمنية المناسبة.

يعتمد مركز القيادة على عناصر بشرية مؤهّلة تمتلك خبرات متعددة في إدارة أمن وسلامة الحشود (الشرق الأوسط)

وفي إطار الرعاية والسلامة، يتابع المركز ملايين الوافدين لمكة المكرمة لأغراض مختلفة، منها الصلاة وأداء العمرة؛ إذ تشير الأرقام المعلنة، الثلاثاء، من الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، أن إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين وصل إلى أكثر من 96 مليون قاصداً حتى 20 من رمضان، في حين استقبل المسجد الحرام أكثر من 57 مليون مصل أدوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليون معتمر.

استقبلت مكة المكرمة تدفق نحو 73 مليون معتمر ومصلٍ في منظومة متكاملة لرعايتهم (واس)

يقابل هذا التدفق الكبير من داخل السعودية وخارجها، تنظيم مدروس سهَّل من عملية التنقل في جميع الأوقات يلمسه الزائر والمعتمر ويدرك من خلاله أن هناك عملاً لا يهدأ خلف الكوليس؛ إذ يتولى المركز، بالتكامل مع عمليات المسجد الحرام، إدارة أحداث موسم العمرة خلال شهر رمضان المبارك، في المسجد الحرام وساحاته، والتوسعة السعودية الثالثة، والمنطقة المركزية بشكل كامل، إضافة إلى محطات النقل الواقعة في المنطقة المركزية ومداخل مكة المكرمة.

ويعتمد مركز القيادة، على عناصر بشرية مؤهلة تمتلك خبرات متعددة في إدارة أمن وسلامة الحشود، مدعومة باستخدام أحدث الكاميرات وأدق الإحصاءات المتعلقة بالمهام الواردة إلى المركز على مدار الساعة طوال فترة المهمة، كما يقوم المركز بالتنبؤ بالأخطار والحالات المحتملة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لمعالجتها، ونقل جميع الأحداث والمستجدات إلى القادة الميدانيين.

ويستقبل المركز الذي يحظى بمتابعة وإشراف لحظي من مدير الأمن العام، وقائد قوات أمن العمرة، جميع البلاغات الواردة عبر رقم الطوارئ (911)، ويتم ترحيلها إلى جهات الاختصاص لمعالجتها، مع المتابعة المستمرة حتى إغلاق البلاغ، كما يوجد تواصل وتنسيق مستمرين من قِبل المركز مع جميع الشركاء، والاستعانة بهم في مختلف المواقف حسب الحاجة.

كما يقوم المركز بمتابعة الحالة الأمنية والحالة المرورية في جميع المحاور، وتغذية الجهات الأمنية والشركاء من مختلف الجهات الحكومية والخدمية، وذلك من خلال الاستفادة من جميع الممكنات المتاحة، باستخدام آلاف الكاميرات الموزعة في جميع المواقع، كما يعمل المركز على توثيق رحلة العمرة، ابتداءً من قدوم المعتمرين إلى مدينة مكة المكرمة وحتى مغادرتهم لها.

تتيح منصة «بصير» الذكية معرفة أوقات الدخول وأوقات الذروة وأعلى وأقل مستويات الكثافة في صحن المطاف والمسعى (واس)

ويرتكز عمل مركز القيادة بشكل أساسي على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحديثها بصفة مستمرة، حيث جرى إنشاء قسم متخصص للذكاء الاصطناعي بالمركز، يضم عدداً من المنصات؛ لذا يُعدّ المركز القلب النابض لقيادات قوات أمن العمرة، لما له من دور محوري في المساعدة على سرعة اتخاذ القرارات المناسبة في مختلف المواقف؛ ما يمكّن المعتمرين والزوار من أداء مناسكهم بأمن وأمان وطمأنينة ويسر، وأن تكون رحلة العمرة رحلةً ممتعةً بعون الله.

ومن أبرز المنصات المستحدثة منصة «سواهر» التي تُستخدم لتحليل البيانات الواردة من الكاميرات عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تم تشغيلها على مداخل مدينة مكة المكرمة؛ لمعرفة كثافات الطرق وتوزيع الحركة المرورية آنياً على الطرق الأخرى السالكة. ويتوفر بالمركز نوعان من الكاميرات المستخدمة لهذا الغرض.

كما تقوم منصة «بصير» بدور حي في استكمال توظيف التقنيات والذكاء الاصطناعي، وتستخدم المنصة الذكية داخل المسجد الحرام، لمعرفة أوقات الدخول وأوقات الذروة، وأعلى وأقل مستويات الكثافة في صحن المطاف والمسعى (الصفا والمروة)، إضافة إلى قياس نسب الكثافة فيه؛ ما يسهم في إدارة وتنظيم الحشود بكفاءة عالية.