مصر لتأمين احتياجاتها البترولية والغذائية في ظل الحرب الإيرانية

الحكومة تؤكد التزامها بالحفاظ على «أرصدة آمنة»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جولته في ميناء «سوميد» البترولي بالعين السخنة السبت  (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جولته في ميناء «سوميد» البترولي بالعين السخنة السبت (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر لتأمين احتياجاتها البترولية والغذائية في ظل الحرب الإيرانية

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جولته في ميناء «سوميد» البترولي بالعين السخنة السبت  (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال جولته في ميناء «سوميد» البترولي بالعين السخنة السبت (مجلس الوزراء المصري)

تكثِّف مصر مساعيها لتأمين احتياجاتها من المواد البترولية والسلع الغذائية الأساسية في ظل الحرب الإيرانية، وأكَّد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أن «الحكومة ملتزمة بالحفاظ على أرصدة استراتيجية آمنة من المنتجات البترولية لتأمين إمدادات الغاز».

ومن حين لآخر، ترسل الحكومة المصرية تطمينات للمواطنين حول تداعيات حرب إيران، وتؤكد أنها «تعمل وفق سيناريوهات مدروسة».

وقال مدبولي، السبت، إن «المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية آمن ويكفي لفترات طويلة مقبلة، مع استمرار تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز القدرات التخزينية واللوجيستية، بما يضمن استقرار الأسواق وتوفر السلع».

وتفقد مدبولي ميناء «سوميد» البترولي بالعين السخنة وتابع إجراءات «تغويز» السفن المحملة بشحنات الغاز المسال بالرصيف البحري، وتفقد محطة صومعة عتاقة لتخزين الأقماح بمحافظة السويس (المطلة على البحر الأحمر).

وأشار إلى «جاهزية تأمين إمدادات البلاد من كميات الغاز اللازمة لقطاع الكهرباء للتعامل مع أي مستجدات، في ظل الحرب الجارية بالمنطقة، وما يترتب عليها من تداعيات اقتصادية سلبية خاصة ما يتعلق بأسعار المنتجات البترولية، وكذلك تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية».

وأكَّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أخيراً أهمية الحفاظ على «أرصدة استراتيجية آمنة» من المنتجات البترولية، وذلك لتأمين إمدادات الغاز اللازمة بالكميات المطلوبة، سواء لاستخدامات المواطنين أو لتلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية.

ووفق إفادة عن «مجلس الوزراء المصري»، السبت، أنشئت «الشركة العربية لأنابيب البترول» (سوميد) عام 1974 كحلقة رئيسية لنقل خام بترول الخليج العربي عبر مصر؛ حيث تستقبل الخام من الناقلات البحرية أو يتم تفريغ جزء من حمولتها في مستودعات الشركة بالعين السخنة، قبل نقله عبر خطي «سوميد» بطول 320 كم إلى منطقة سيدي كرير بالإسكندرية؛ لإعادة شحنه وتصديره إلى أوروبا. وتؤكد الحكومة جاهزية ميناء «سوميد» لاستقبال شحنات الغاز المسال والمازوت والبترول الخام والمنتجات البترولية بكفاءة وأمان، وذلك في ظل الظروف الراهنة والتحديات الإقليمية والدولية.

مصطفى مدبولي في ميناء «سوميد» البترولي السبت بالعين السخنة (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب وزير البترول والثروة المعدنية المصري، كريم بدوي، فإن ميناء «سوميد» البترولي أصبح محوراً رئيسياً لتأمين إمدادات البترول الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي، إلى جانب دوره التاريخي كحلقة مهمة من حلقات نقل بترول الدول الشقيقة في الخليج العربي إلى الأسواق الأوروبية.

خبير أسواق الطاقة، رمضان أبو العلا، يعتقد أن تفقد رئيس الوزراء المصري، الوحدة التابعة لشركة «سوميد» في العين السخنة، «ليس فقط لتوفير احتياجات مصر، لكن لإيجاد بديل للنفط الخليجي لكي يمر من خلال خط الأنابيب من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض، ثم تنقله ناقلات لأوروبا، على أساس أن الحرب الإيرانية يُمكن أن تستمر فترة طويلة».

ووفق رأي أبو العلا، فإنه «يُمكن استخدام المواني السعودية، من خلال الناقلات الكبيرة التي لا تستطيع المرور من قناة السويس، حيث تفرغ حمولتها في العين السخنة في البحر الأحمر، ثم تنقل إلى ميناء سيدي كرير في البحر الأبيض بالإسكندرية، ومنها تنقله ناقلات أخرى إلى أوروبا أو إلى أي مكان في العالم».

وتمتلك خط الأنابيب، «الشركة العربية لأنابيب البترول» (سوميد) بملكية عربية مشتركة تقودها مصر بحصة 50 في المائة عبر «الهيئة المصرية العامة للبترول»، إلى جانب شركاء آخرين في دول الخليج. ونقل هذا الخط «قرابة 24.9 مليار برميل من النفط الخام، وأكثر من 730 مليون برميل من المشتقات النفطية منذ بدء تشغيله وحتى عام 2024»، بحسب بيانات صادرة عن وزارة البترول المصرية.

وقال أبو العلا إن «مصر استعانت في وقت سابق بسفن تغييز في ميناءي العين السخنة وسيدي كرير واستقبلت الغاز المسال، وذلك حينما أوقفت إسرائيل في وقت سابق ضخ الغاز بحجة عمل صيانة لحقلي (ليفياثان) و(تمار)».

وتستورد مصر، الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، وتم تعديله في الآونة الأخيرة، لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

رئيس الوزراء المصري يتفقد «صومعة عتاقة» بالسويس (مجلس الوزراء المصري)

وحول المساعي المصرية لتأمين المواد البترولية، قال خبير أسواق الطاقة لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تتحدث عن توفير الاحتياجات الآن مع وجود بعض الأرصدة؛ لكن قد تحدث أزمة لو استمرت الحرب الإيرانية لأشهر، ووقتها لن تكون أزمة في مصر فقط بل ستكون عالمية».

أما الخبير الاقتصادي، وليد جاب الله فقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «إذا استمرت الحرب الإيرانية لمدة أربعة أو خمسة أسابيع، لا أتصور أنه سيكون هناك أي مشكلة للحكومة المصرية، لكن إذا تجاوز الأمر ذلك لعدة أشهر، فإن الحكومة لن تعتمد فقط على أرصدتها من المنتجات البترولية والسلع، وستعمل وفق سيناريوهات أخرى للتعامل مع الأزمة».

وكان متحدث مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني قد أكَّد الخميس الماضي، أن «الدولة حرصت على تنويع مصادر توريد الغاز الطبيعي وعدم الاعتماد على مصدر واحد، بالإضافة إلى وجود احتياطي يتم استخدامه في الطوارئ والأزمات».

جانب من «صومعة عتاقة» بالسويس (مجلس الوزراء المصري)

في غضون ذلك، تفقَّد رئيس الوزراء المصري، السبت، «صومعة عتاقة» بالسويس للاطمئنان على كفاءة منظومة تخزين القمح وتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، مؤكداً أن «الدولة نجحت خلال السنوات الماضية في بناء منظومة متطورة لتخزين الحبوب تعتمد على أحدث التكنولوجيات العالمية، بما يسهم في الحفاظ على جودة القمح وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة إدارة المخزون الاستراتيجي، وهو ما يعزز قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها لفترات طويلة وتحقيق أعلى مستويات الأمان الغذائي».

وأكَّد مدبولي، أن «التوسع في إنشاء الصوامع الحديثة وتطوير سلاسل إمداد الحبوب، يمثل أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية الدولة في مجال الأمن الغذائي، بما يضمن استدامة توفر السلع الأساسية واستقرار الأسواق، خاصة في ظل التحديات الدولية والظروف الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن».


مقالات ذات صلة

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

العالم العربي سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري إحدى الصرافات بوسط العاصمة المصرية القاهرة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري خروج الأموال الساخنة... هواجس «الحرب الأوكرانية» تتجدد في مصر

جدَّد الحديث عن خروج الأموال الساخنة من مصر، تأثراً بتداعيات حرب إيران، هواجس الأزمة التي رافقت خروجها من البلاد عام 2022، مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري (الرئاسة المصرية)

هل يردع مقترح الإحالة إلى القضاء العسكري المتلاعبين بالأسعار في مصر؟

وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ«دراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

ما التحديات التي تواجه الانتخابات العامة في إثيوبيا؟

رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

ما التحديات التي تواجه الانتخابات العامة في إثيوبيا؟

رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو خلال مؤتمر صحافي في أديس أبابا السبت (وكالة الأنباء الإثيوبية)

محطة رئيسة في سباق الانتخابات العامة في إثيوبيا بدأت السبت ببدء تسجيل الناخبين، وسط تحديات داخلية تشهدها البلاد تشمل اشتباكات متكررة في إقليم تيغراي، وأخرى خارجية تتضمن توترات مع الجارة إريتريا.

ذلك السباق الانتخابي الذي انطلق، يراه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، سيظل أسير التحديات الأمنية، والاقتصادية، والخلاف مع المعارضة، والانتقادات منها، والتوتر مع دولة الجوار إريتريا.

والسبت، بدأ المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا عملية تسجيل الناخبين على مستوى البلاد للانتخابات العامة السابعة المقررة في يونيو (حزيران)، ما يمثل خطوة حاسمة في الجدول الزمني للانتخابات في البلاد، وفق «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية.

وأعلنت رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، ميلاتورك هايلو، أن عملية التسجيل ستبقى لمدة شهر واحد، وستُجرى من خلال أنظمة رقمية، ويدوية. ووفقاً للمجلس، فقد سجل 47 حزباً سياسياً حتى الآن 10 آلاف و934 مرشحاً للمنافسة على مقاعد في مجلس نواب الشعب، ومختلف المجالس الإقليمية.

وتُجرى الانتخابات العامة في إثيوبيا كل خمس سنوات لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب، والمجلس الفيدرالي، حيث يفضي فوز الحزب الحاصل على أغلبية المقاعد البرلمانية إلى تشكيل الحكومة الفيدرالية المقبلة.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، عبد الولي جامع بري، أن هناك عدة تحديات ستواجه الانتخابات العامة في إثيوبيا، أولها التوترات الأمنية، والنزاعات المسلحة، لافتاً إلى أن أديس أبابا ما زالت تعيش حالة عدم استقرار في عدة أقاليم، أبرزها إقليم تيغراي، حيث عادت الاشتباكات بشكل متقطع بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي، وإقليم أمهرة بسبب تمرد ميليشيات فانو، وإقليم أوروميا، حيث يستمر تمرد جيش تحرير أورومو.

ولفت إلى أن وجود هذه الصراعات يجعل تنظيم انتخابات شاملة وآمنة في كل المناطق تحدياً كبيراً.

ويضاف لذلك، بحسب بري، التوترات الإقليمية مع إريتريا مع مخاوف من تصاعد التوتر العسكري، خاصة مع حشد قوات قرب الحدود في منطقة تيغراي، لافتاً إلى أن أي تصعيد عسكري قد يؤثر مباشرة على الانتخابات، ويزيد من حالة عدم الاستقرار. ويرى أن هناك تحدياً ثالثاً يتمثل في شكوك حول نزاهة العملية الانتخابية، وحياد المؤسسات، وحديث من المعارضة عن أن البيئة السياسية غير مناسبة لانتخابات حرة.

ولا تبتعد الأزمة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية عن التحديات التي تواجه أديس أبابا قبل الانتخابات، وفق بري، موضحاً أن إثيوبيا تواجه تضخماً مرتفعاً، وبطالة جراء ضغوط اقتصادية بعد سنوات من الحرب، وهذه العوامل قد تزيد الاحتجاجات السياسية خلال فترة الانتخابات.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

واندلعت حرب بين جبهة تحرير شعب تيغراي والقوات الفيدرالية بين عامي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

ويأتي ذلك الماراثون الانتخابي وسط توترات بين أديس أبابا وأسمرة. ووجه رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الأربعاء، تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وكانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تقود الائتلاف الحكومي السابق منذ تاريخ تشكله في عام 1985، وتمكنت من الوصول إلى السلطة من عام 1991 إلى 2018، وأجريت الانتخابات العامة عام 2021 وكانت هذه أول انتخابات تعددية في إثيوبيا منذ عام 2005.

وقبل انتخابات 2021، وعلى مدار عقدين ماضيين، شهدت إثيوبيا خمس عمليات انتخابية، دورة كل منها خمس سنوات بحسب الدستور، ورغم ذلك، لم تمر أي من الانتخابات السابقة من دون التشكيك في نزاهتها، وكانت تصاحبها توترات، وأعمال عنف في بعض الأقاليم، والمناطق، فضلاً عن امتناع بعض الأحزاب عن المشاركة، وإبعاد بعضها الآخر تحت ذرائع مختلفة، وفق تقارير إعلامية.

وعن مستقبل آبي أحمد واحتمال حصد ولاية جديدة، أضاف بري أن رئيس الوزراء الإثيوبي ما زال يتمتع بعدة عوامل قد تساعده على الفوز أبرزها هيمنة حزب «الازدهار» الذي يملك أغلبية كبيرة في البرلمان الحالي، حيث حصل في الانتخابات السابقة على معظم المقاعد، مقابل ضعف المعارضة، وتشتتها في ظل قيود سياسية وأمنية، وهذا يقلل من قدرتها على منافسة الحزب الحاكم.

وحذر من أن تلك التحديات الأمنية، والانقسامات العرقية، والخلافات، مهما بلغت قوة آبي أحمد وسلطته، قد تجعل الانتخابات غير مستقرة، أو حتى تؤثر على شرعيتها.


السودان: مخاوف من اضطراب إمدادات الوقود مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)
عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)
TT

السودان: مخاوف من اضطراب إمدادات الوقود مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)
عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات متباينة بين مسؤولين سودانيين مخاوف بشأن استقرار إمدادات الوقود في البلاد، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط واحتمالات تأثر حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية لنقل النفط.

وكانت وزارة الطاقة السودانية قد أعلنت، الخميس الماضي، أن المخزون المتاح من المشتقات البترولية يكفي لتغطية احتياجات المستهلكين حتى أبريل (نيسان) المقبل، مؤكدة أن عمليات توزيع الوقود على محطات الخدمة في مختلف أنحاء البلاد تسير بصورة طبيعية، وستستمر دون انقطاع إلى ما بعد عيد الفطر.

ودعت الوزارة المواطنين إلى عدم الالتفات إلى الشائعات التي تتحدث عن احتمال حدوث أزمة حادة في الوقود، مشددة على أن الإمدادات مؤمنة، وأن الجهات المختصة تتابع الوضع بصورة مستمرة.

غير أن هذه التطمينات بدت متعارضة مع تصريحات أدلى بها وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، مساء الجمعة، حذر فيها من احتمال تأثر البلاد بنقص في المواد البترولية في حال استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، خصوصاً إذا تعطلت حركة الملاحة في مضيق هرمز. وقال إبراهيم إن السودان قد يواجه مشكلات في سلاسل الإمداد، في حال توقف أو تباطؤ حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وهي المخاوف التي قد تمتد أيضاً إلى مضيق باب المندب في البحر الأحمر، ما قد ينعكس على وصول الإمدادات النفطية إلى البلاد.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في العالم، إذ يمر عبره أكثر من 20 في المائة من إجمالي صادرات النفط العالمية، ويربط كبار المنتجين في الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب.

اقتصاد هش

وتأتي هذه المخاوف في وقت يعاني فيه السودان أصلاً من ضغوط اقتصادية كبيرة بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية، بما في ذلك «مصفاة الجيلي» شمال الخرطوم، التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من البنزين وغاز الطهي.

وفي هذا السياق، قال وزير الطاقة السوداني الأسبق، عادل إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار النفط والغاز بدأت في الارتفاع تدريجياً منذ اندلاع التوترات الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى أن صعوبة التنبؤ بمسار الصراع تزيد من المخاوف بشأن تداعياته على الاقتصاد العالمي. وأوضح أن نحو 17 مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر المضيق، أي ما يعادل قرابة خُمس الإنتاج العالمي، محذراً من أن أي تعطيل طويل الأمد لهذا الممر قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية. وأضاف أن الولايات المتحدة تدرس خيارات عسكرية لتأمين حركة ناقلات النفط في المنطقة، إلا أن المخاطر تبقى قائمة في ظل تهديدات إيرانية باستهداف السفن، وهو ما قد يفاقم حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة.

خيارات مكلفة

وتوقع إبراهيم أن تتأثر عدة دول، من بينها السودان، بنقص محتمل في المشتقات النفطية، ما قد يفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. وأشار إلى أن الحكومة قد تضطر إلى شراء الوقود من السوق الفورية في البحر الأحمر بتكلفة أعلى. وقال إن المشهد يبدو «قاتماً ومظلماً»، داعياً إلى تشكيل غرفة طوارئ لإدارة الأزمة بدقة، بما يخفف من تأثير أي اضطرابات محتملة على الاقتصاد السوداني المنهك أصلاً بفعل الحرب الداخلية.

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي محمد الناير أن السودان يعتمد في استيراد معظم احتياجاته من الوقود على ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وهو ما يجعله عرضة لتأثيرات أي توترات إقليمية تؤثر في حركة الملاحة. وأشار إلى أن توفر مخزون استراتيجي أكبر من الوقود كان من شأنه تقليل المخاطر الحالية، لولا محدودية سعات التخزين في البلاد. وأضاف أن التعامل مع التداعيات المحتملة للأزمة الإقليمية يتطلب إدارة الاقتصاد بعقلية إدارة الأزمات، خصوصاً فيما يتعلق بتأمين المخزون الاستراتيجي من الوقود والسلع الأساسية.

إجراءات احترازية

وفي تطور لاحق، أعلنت وزارة الطاقة، السبت، أنها قررت استيراد الوقود بالتعاون مع شركات القطاع الخاص لضمان استقرار الإمدادات في السوق المحلية وتجنب أي نقص محتمل. وأوضحت الوزارة أن شركات القطاع العام ستتدخل لتغطية أي فجوات في الإمدادات إذا دعت الحاجة، مؤكدة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار متابعة التطورات في أسواق الطاقة العالمية واتخاذ التدابير اللازمة لتأمين احتياجات البلاد خلال الفترة المقبلة. ويحذر مراقبون من أن استمرار التوترات في المنطقة لفترة طويلة قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الاقتصاد السوداني، في وقت لا تزال فيه البلاد تكافح آثار الحرب الداخلية وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية.


«ضريبة السلع» تُصعّد الخلافات داخل «النواب» الليبي

عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي  (مجلس النواب)
عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي (مجلس النواب)
TT

«ضريبة السلع» تُصعّد الخلافات داخل «النواب» الليبي

عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي  (مجلس النواب)
عقيلة صالح ونائباه فوزي النويري ومصباح دومة خلال جلسة في يناير الماضي (مجلس النواب)

لم يعد التوتر في المشهد الليبي محصوراً في الخلافات بين المؤسسات أو التباينات السياسية، المرتبطة بالانقسام المستمر منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، بل أصبح التصدع الداخلي داخل قيادات هذه المؤسسات ظاهرة متكررة وواضحة. وأبرز مثال على ذلك ما حدث في مجلس النواب، حيث اندلع أخيراً خلاف علني بين رئيسه عقيلة صالح، ونائبيه فوزي النويري ومصباح دومة حول أزمة «ضريبة السلع الأساسية»، مع تبادل بيانات رسمية، وتقاذف للاتهامات بشأن المسؤولية عن تمريرها في المجلس، حتى بدت من منظور مراقبين ضريبة «يتيمة سياسياً».

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المكتب الإعلامي للمجلس)

واتخذ الصراع بُعداً رمزياً على الصعيد البرلماني، حين عقدت جلسة برئاسة أكبر الأعضاء سناً في غياب عقيلة صالح ونائبيه، مساء الاثنين الماضي، في مدينة بنغازي، وقرر الأعضاء خلالها إبطال قانون فرض الضريبة على السلع والخدمات، ما يعكس حجم الانقسام الداخلي، وتعمق الصراعات بين قيادات المجلس، بل وذهب النائب عصام الجهاني إلى الدعوة «لاستقالة عقيلة صالح ونائبيه من رئاسة المجلس». بينما لوّح عضو مجلس النواب سالم قنيدي إلى عقد جلسة رسمية في العاصمة طرابلس، برئاسة أكبر الأعضاء سناً، في حال استمرار تجاهل مطالبهم بتنفيذ مخرجات الجلسة، التي قرروا خلالها إلغاء قرار فرض الضريبة على السلع.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن قنيدي الحديث عن توجه قانوني لتفعيل نظام «الدورة البرلمانية»، وهو إجراء يهدف بشكل مباشر إلى تغيير رئاسة مجلس النواب الحالية.

يشار إلى أن هذه الخلافات داخل قيادة مجلس النواب الليبي ليست وليدة اللحظة، بل بدأت تتصاعد بين أطراف رئاسة المجلس منذ بضعة أشهر، في ظل اتهامات بانفراد صالح باتخاذ قرارات تتعلق بالمناصب السيادية، ولذلك وقع نحو 70 نائباً طلباً يدعو إلى تنحيته في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

تصدعات في القيادة

يشير محللون إلى أن مجلس النواب يواجه مؤشرات متزايدة على تصدعات قيادية داخلية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة الراهنة، وهل تمثل هذه التطورات مجرد مناورات لإعادة ترتيب النفوذ داخل المنظومة القائمة، أم أنها بداية مخاض سياسي أوسع قد يعيد تشكيل المشهد، ويُنتج معادلات جديدة للسلطة؟

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

بحسب المحلل السياسي حسام فنيش، فإن معطيات هذه اللحظة «قد تفتح المجال أمام وجوه وقوى جديدة في معادلة السلطة ضمن بيئة انتقالية لم تتضح معالمها بعد». ويقول فنيش لـ«الشرق الأوسط» إن «التطورات تعكس تحوّلاً في طبيعة الصراع السياسي في ليبيا، إذ لم يعد النزاع يقتصر على الصلاحيات أو المسارات الدستورية، بل بات مرتبطاً بصراع داخلي حول إدارة المرحلة المقبلة، ومن يمتلك القدرة على التأثير في مسارها».

وأعادت التصدعات داخل قيادة مجلس النواب التذكير بخلافات مماثلة في المجلس الرئاسي، خصوصاً بين رئيسه محمد المنفي ونائبيه عبد الله اللافي وموسى الكوني في عدة وقائع؛ آخرها تبعية «الجريدة الرسمية» إلى وزارة العمل في فبراير (شباط) الماضي، وتعيين مستشار للمصالحة، فضلاً عن انتقادات للقرارات الأمنية للمنفي عقب اشتباكات طرابلس، ومقتل قائد ميليشيا دعم الاستقرار عبد الغني الككلي.

خالد المشري (إ.ب.أ)

ولا يبتعد عن ذلك المجلس الأعلى للدولة، الذي شهد أزمة رئاسة بعد انتخابات متنازع عليها بين خالد المشري ومحمد تكالة في أغسطس (آب) 2024، حيث أعلن كل طرف فوزه، ما أدى إلى انقسام وتشكيك متبادل في شرعية الجلسات، قبل حسم قضائي للنزاع، وإعادة انتخاب تكالة في يوليو (تموز) 2025 مع اعتراف أممي وأوروبي، بينما انتقل المشري إلى موقع المعارضة داخل المجلس.

ويشير فنيش إلى أن هذه التباينات «تعكس حالة سيولة سياسية داخل الطبقة الحاكمة، حيث بدأت التوازنات التي تشكّلت خلال سنوات الانقسام تفقد تماسكها. ويقول بهذا الخصوص: «في المراحل الانتقالية الممتدة غالباً ما تتحول المؤسسات إلى ساحات لإعادة التموضع السياسي، مع سعي الأطراف إلى تثبيت مواقعها قبل أي تحولات محتملة في قواعد اللعبة».

لكن الكاتب السياسي عبد الحكيم فنوش يرى أن التباينات الأخيرة داخل المؤسسات، خصوصاً مجلس النواب، «لا تعكس بالضرورة رغبة في تغيير الوجوه القيادية، بل تمثل مناورات سياسية ومحاولات للتبرؤ من المسؤولية في ظل تعثر الحلول». ويوضح أن «الخلافات داخل رئاسات مجلس النواب وبقية المؤسسات تبدو أقرب إلى مناكفات سياسية، وإعلان عن غياب التوافق، من دون أن تفضي في المدى القريب إلى تغيير فعلي في موازين السلطة».

محمد تكالة (إ.ب.أ)

ويضيف فنوش لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المؤشرات تعكس أزمة أعمق داخل المنظومة السياسية القائمة، مع غياب حلول واضحة لإعادة تشكيل المشهد، مع تحذيره من احتمال تصاعد التوترات، وخطر الصدام أو الاقتتال في ظل الصراع على السلطة.

من جهته، قال رئيس حزب الائتلاف الجمهوري الليبي عز الدين عقيل إن ما يُصوَّر على أنه تصاعد للخلافات لن يكون له تأثير حقيقي ما لم يكن مدفوعاً بتدخلات خارجية، تسعى إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه الصراعات يكون لها شأن فعلاً إذا كانت وراءها يد أجنبية، تحرك أطرافها من خلف الستار لتحقيق أهداف محددة»، بحسب تعبيره.

واعتبر عقيل أنه في غياب هذه التدخلات، فإن ما يجري داخل المؤسسات يبقى «تفاعلات شكلية قد تبدو نشطة أو لافتة للوهلة الأولى، لكنها سرعان ما تختفي دون أثر ملموس في الواقع السياسي».