فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

بين الهاجس الأمني... وهشاشة التعايش بين مكوّنات المجتمع

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
TT

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب حول الهجرة والإسلام. وبينما يحرص «الإليزيه» (مقر الرئاسة الفرنسية) على الحفاظ على خطاب «التهدئة» والدفاع عن الشرعية الدولية، فإنَّ أجهزة الدولة تتعامل مع هذه الحرب بوصفها أيضاً محفِّزاً ممكناً لتوترات داخلية، سواء عبر مخاطر الإرهاب أو عبر إعادة تسييس «ملف الضواحي» والهجرة ذات الأغلبية المسلمة. وحقاً، منذ اللحظات الأولى للنزاع، وجَّه وزير الداخلية لوران نونييز برقيةً عاجلةً إلى الموقّعين في الدولة (المحافظين، قيادة الشرطة والدرك، والاستخبارات الداخلية) يأمر فيها برفع درجة اليقظة إلى «حالة إنذار» تحسّباً لأي «عمل يمكن أن يخلَّ بالنظام العام» داخل فرنسا. وتضمَّنت التعليمات التركيز على حماية المصالح الدبلوماسية للطرفَين المتحاربَين، ومراقبة التجمّعات والاحتجاجات المرتبطة بالجاليات المعنية، خصوصاً المظاهرات التي ينظّمها إيرانيون ومعارضون للنظام في طهران على الأراضي الفرنسية.

في خلفية الوضع الراهن في فرنسا، تستحضر وزارة الداخلية مساراً طويلاً من التهديدات المرتبطة بإيران، من محاولة تفجير مؤتمر «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018 التي اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني، إلى محاكمات حديثة لناشطة ومترجمة إيرانية و4 رجال أدينوا بالتحريض على الإرهاب ونشر «خطابات كراهية» ودعوات لعنف ضد اليهود في فرنسا أمام خلفية الحرب على غزة.

لذلك تَعُدُّ الحكومة الحالية وجهاز الأمن الداخلي الحربَ الحالية عاملاً مضاعِفاً لمخاطر «العمليات بالوكالة» على الأرض الفرنسية، سواء عبر شبكات مرتبطة بإيران مباشرة، أو عبر أفراد يستثمرون المناخ المشحون لصالح «أجندات» جهادية أو معادية لليهود.

الخوف من انتقال الصراع

للعلم، تضمّ فرنسا واحدة من أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، يصل تعدادها إلى 6 ملايين، بل 7 ملايين نسمة، حسب بعض الدراسات. وضمن هؤلاء جالية إيرانية تقدّر بنحو 25 ألف شخص معظمهم من المعارضة الناشطة سياسياً وإعلامياً، ولكن بينهم أيضاً كثير من الطلبة والباحثين، ما يجعل أي ارتجاج في الشرق الأوسط يُقرأ داخل الحدود الفرنسية عبر عدَسة الهوية والانتماء.

ولقد كانت صحيفة «لو باريزيان» في عددها الصادر يوم 2 مارس (آذار) الحالي قد كشفت عن أنّ السلطات الفرنسية قرَّرت توفير حماية خاصة لبعض المعارضين الإيرانيين المقيمين في فرنسا، خشية تحوّلهم إلى أهداف لعمليات انتقامية «رسالية» تُنسب إلى طهران. وأيضاً وضعت عدداً من الناشطين الأكراد الإيرانيين تحت مراقبة لصيقة في ضواحٍ مثل الفال - دواز، حيث تتركّز جالية إيرانية كردية ناشطة.

هذه الإجراءات، التي ثبّتها وزير الداخلية لوران نونييز خلال اجتماع أمني في باريس، تتضمَّن دوريات شرطية مُعزَّزة حول مقارّ الجمعيات والهيئات المعارضة للنظام الإيراني، فضلاً عن رفع مستوى اليقظة حول أماكن وجود الجالية الكردية الإيرانية ومكاتبها. كل هذا في سياق مقاربة أمنية ترى في الحرب الراهنة مع إيران لحظة عالية الخطورة لاحتمال انتقال الصراع إلى الأراضي الفرنسية عبر عمليات انتقامية أو هجمات بالوكالة.

وزير الداخلية نونييز، تطرّق في اجتماعاته مع المحافظين وقادة الشرطة، إلى هذا «السجلّ»، مؤكّداً أنّ فرنسا «ليست هدفاً مباشراً» للصواريخ الإيرانية بيد أنها قد تغدو مسرحاً لـ«النتائج غير المباشرة للصراع»، في إشارة واضحة إلى التهديد الذي تمثّله «عمليات بالوكالة» أو هجمات انتقامية ضد المعارضين واليهود.

الخلفية التاريخية

هذه الهواجس لم تولد من فراغ، فمنذ ثمانينات القرن الماضي، ومع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تحوَّلت فرنسا إلى أحد الملاذات الرئيسية للمعارضة الإيرانية بشقّيها العلماني والإسلامي المعارض، واستقبلت شخصيات وحركات نُظر إليها في طهران بوصفها تهديداً مباشر للنظام.

غير أن هذا «المنفى» أو «الملاذ الآمن» تعرَّض لاختبارات متكرّرة أبرزها: إحباط محاولة تفجير مؤتمر لمنظمة «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018، اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني معتمد في العاصمة النمساوية فيينا، ثم سلسلة هجمات استهدفت يوم 31 مايو (أيار) 2023 مركز جمعية «سيماي أزادي» المرتبطة بالمعارضة الإيرانية في ضاحية سانت وان لومون القريبة من باريس، حيث أطلق النار وأُلقيت زجاجات حارقة على المبنى، الذي كان يضم أيضاً قناة إخبارية، قبل أن تُحبط الأجهزة الفرنسية استمرار هذه الاعتداءات.

هذه السوابق رسَّخت لدى أجهزة الأمن الفرنسية الاقتناع بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام الأراضي الأوروبية، والفرنسية خصوصاً، لتصفية حساباتها مع خصومها في الخارج، سواء عبر شبكات منظمة أو عبر «مجرمين صغار» يُستأجَرون لتنفيذ عمليات لا تظهر صلتها السياسية إلا لاحقاً.

لذا، حين اندلعت «حرب إيران» في مطلع 2026، كان منطقياً - في نظر وزارة الداخلية - النظر إلى المعارضة الإيرانية في فرنسا بوصفها هدفاً محتملاً لعمليات مثل الاغتيال، أو الخطف، أو الترهيب، وهو ما يفسِّر درجة الاستنفار الحالية حولها.

موضع مزدوج

يُضاف إلى هذه الأبعاد الأمنية - السياسية بعدٌ آخر هو ملف الهجرة واللجوء. إذ إنّ نسبة مهمّة من المعارضين الإيرانيين والكرد - الإيرانيين موجودون في فرنسا بصفتهم لاجئين سياسيين أو طالبي لجوء، ما يجعل مسؤولية الدولة عن أمنهم مضاعفة. ذلك أنه من الناحية القانونية والأخلاقية، حين تمنح فرنسا حقّ اللجوء، فهي لا تمنح فقط ترخيص الإقامة، بل تقدّم وعداً ضمنياً بالحماية من الاضطهاد. وحين يثبت أنّ أجهزة النظام المُهدِّد قادرة على الوصول إلى اللاجئ في منفاه، يتعرّض هذا الوعد للاهتزاز.

في السياق الفرنسي، يتشابك هذا الملف مع الجدل العام حول الهجرة واللاجئين الذي ازدادت حدّته منذ موجة 2015 الأوروبية، وتصاعد «الإسلاموفوبيا» والقلق من العقيدة الإسلامية في ضوء هجمات 2015 - 2016 في باريس ومدينة نيس وغيرهما. وهنا تبرز مفارقة: فالمعارضون الإيرانيون والكرد - الإيرانيون، الذين يُنظر إليهم غالباً في باريس بوصفهم «حلفاء» ضد «التهديد الإيراني»، هم في الوقت نفسه جزء من كتلة مهاجرة أوسع تشمل مسلمين من المغرب العربي والشرق الأوسط، غالباً ما يختزلها خطاب اليمين المتطرف في صورة «كتلة مشبوهة» تشكِّل في ذاتها تهديداً أمنياً وثقافياً.

إشكاليات التعايش بين المسلمين واليهود

في الوقت عينه، تخشى باريس الرسمية من أن تتحوّل أي تعبئة تضامنية مع الشعب الإيراني أو مع الفلسطينيين إلى منبِر لخطابات متطرفة أو معادية لليهود. وهو ما يدفع وزارة الداخلية إلى مطالبة المحافظين بـ«إبلاغ فوري» عن أي مؤشرات «تأثير أو زعزعة استقرار» مرتبطة بهذا النزاع، خصوصاً إذا أخذت طابعاً عنيفاً.

هذا المنطق الوقائي يعكس رؤيةً أمنيةً ترى في بعض شوارع الضواحي ذات الكثافة المسلمة العالية، فضاءات يمكن أن تنتقل إليها عدوى الصراع الرمزي بين «المعسكر الغربي» و«العالم الإسلامي»، ولو على مستوى الشعارات والاحتجاجات، بما ينعكس سلباً على العلاقات بين المسلمين واليهود، وعلى شعور الانتماء الوطني نفسه.

وفي السياق ذاته، أضحت عمليات حماية الكُنُس (جمع كنيس) والمدارس والمراكز الثقافية اليهودية في فرنسا واقعاً ملموساً منذ سنوات، خصوصاً بعد هجوم «هيبر كاشر» عام 2015. ويومذاك، أعلن الرئيس فرانسوا هولاند عن «تأمين» جميع المواقع اليهودية (794 موقعاً حسب تقرير برلماني لعام 2016)، بمشاركة 66 في المائة من قوات «سنتينيل» العسكرية و34 في المائة من الشرطة والدرك.

ومع تصاعد الأعمال التي توصف بأنها «معادية للسامية»، تحوَّلت الحراسة الديناميكية (دوريات منتظمة بدلاً من حراسة ثابتة منذ 2016) إلى جزء من «المنظر اليومي» في مدن مثل باريس ومرسيليا وليون وستراسبورغ، حيث تُشاهد سيارات الشرطة أمام المدارس اليهودية في أثناء دخول الطلاب وخروجهم. أمّا النُّخب اليهودية الفرنسية، ممثّلة بمنظمات مثل «الكريف»، و«خدمة حماية الجالية اليهودية (SPCJ)» - التي أُسست عام 1980 بعد تفجير شارع كوبرنيك الباريسي - فهي تدفع بقوة نحو تشديد التشريعات ضد «معاداة السامية»، كما في دعوات فرانسيس كاليفات (رئيس «الكريف» سابقاً) لإعادة الحراسة الثابتة أمام المدارس لتهدئة «الإحساس بالقلق».

في المقابل، يشعر قطاع كبير من المسلمين بغياب موازٍ صارمٍ لمكافحة ظاهرة العداء للمسلمين «الإسلاموفوبيا»، إذ لا تُلاحظ حملات مماثلة أو تمويل أمني مكثّف للمساجد (1047 موقعاً محمياً عام 2016 دون تغطية مماثلة)، ما يُغذّي سردية «الكيل بمكيالين» ويزيد من التوتر بين الجاليتين، حيث يرى البعض في التركيز الرسمي على اليهود دليلاً على تحيّز بنيوي.

هذا الإطار يُنتج أثراً مزدوجاً على الجالية اليهودية: فمن جهة يعزِّز إحساساً عميقاً بالهشاشة وبضرورة الاحتماء بالدولة وأجهزتها الأمنية - بل وأحياناً بإسرائيل كأفق حماية بديل -، ومن جهة أخرى يغذّي لدى جزء من المسلمين انطباعاً بأن الدولة تنحاز «بصورة بنيوية» لليهود ضدهم... وبهذا المعنى، يتحوّل كل توتر في الشرق الأوسط إلى لحظة اختبار حادة للعلاقات الإسلامية اليهودية في فرنسا، حيث يتهدّد شعور الانتماء الوطني ذاته، عندما يخشى بعض اليهود أن يكونوا غير آمنين كمواطنين فرنسيين، ويخشى بعض المسلمين أن يظلوا دائماً مواطنين مشكوكاً في ولائهم. وهكذا صار كل شعار في مظاهرة، وكل حادثة اعتداء أو شتيمة، تطوراً يُقرأ في عيون جزء من اليهود دليلاً إضافياً على تصاعد الكراهية ضدهم، وفي عيون جزء من المسلمين قمعا لصوتهم السياسي وتضامنهم مع ضحايا الحروب في غزة أو إيران.

استثمار اليمين المتطرف لورقة الهجرة والإسلام

على المستوى السياسي، أعادت الحرب على إيران فتح معركة السرديات الداخلية حول الهجرة والإسلام في فرنسا، ووفّرت ذخيرة جديدة للتيارات اليمينية المتطرّفة. فرئيس حزب «التجمّع الوطني» جوردان بارديلا دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى جمع قادة الأحزاب الممثَّلة في البرلمان «لتوضيح دور فرنسا»، لكن خلف خطاب «الوحدة الوطنية» يواصل حزبه رسم خط مستقيم بين «التهديد الخارجي» و«الخلل الداخلي» الذي يُحمَّل جزء منه إلى الهجرة والمسلمين.

وهنا، يجد الخطاب التقليدي لـ«اليمين المتطرف» فرصته لتجديد معادلاته، فكل اشتعال في الشرق الأوسط يُقدِّم دليلاً إضافياً على أن فرنسا «تستورد النزاعات» عبر الهجرة، وأن وجود جاليات كبيرة من أصول مغاربية أو شرق أوسطية يحمل في ذاته مخاطر «بَلقنة» الساحة الداخلية. وحتى لو لم تُقَل هذه العبارات دائماً بشكل صريح، ثمة إشارات متكرّرة إلى «خطر التآكل الهوياتي» و«الغيتوهات الإسلامية» و«المد الإسلاموي العالمي» تظهر في خطاب قيادات يمينية ترى أن الحرب مع إيران تبرهن على ضرورة تشديد سياسة الهجرة واللجوء، وعلى أن أي تخلخل إقليمي يمكن أن يُترجم بموجة جديدة من اللاجئين أو بتصعيد في الخطاب الديني المتشدّد في الضواحي.

أجهزة الأمن الفرنسية مقتنعة بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام أراضي أوروبا لتصفية حساباتها مع خصومها

إشكالية موقف اليسار

في الضفة المقابلة، تحاول قوى اليسار الراديكالي والاشتراكي - البيئي تفكيك الربط التلقائي بين الحرب على إيران وبين المسلمين في فرنسا. ولقد طالبت النائبة ماتيلد بانو، زعيمة كتلة «فرنسا الأبية» البرلمانية، بمناقشة برلمانية وبتصويت حول الموقف من الشرق الأوسط، وحذّرت من أن استمرار منطق «الحرب الدائمة» يغذّي كل أشكال التطرّف. أما جان - لوك ميلانشون، زعيم كتلة «فرنسا الأبية»، فعدَّ أنّ ما يجري «حرب بلا أخيار» أطرافها «لا نحبّها»، واضعاً واشنطن وتل أبيب وطهران في سلّة واحدة.

هذا الخطاب، وإن تعرَّض لانتقادات عنيفة من اليمين، يلتقي مع حساسية واسعة في أوساط الشباب المسلمين أو المتضامنين مع القضية الفلسطينية، ويرفض تحويل الحرب على إيران إلى ذريعة لمزيد من الرقابة الأمنية على الجاليات العربية والمسلمة أو لإعادة إنتاج خطاب «الانفصالية الإسلامية».

القانون الدولي... وضبط الشارع

وأما في الطيف الوسطي واليسار المعتدل، فثمة محاولة لصياغة موقف مزدوج:

- دعم القانون الدولي والتحذير من التوسُّع الإقليمي للحرب.

- والتأكيد على رفض أي وصم جماعي للمسلمين في فرنسا.

النائب الأوروبي الاشتراكي الحليف رافاييل غلوكسمان شدّد، قائلاً: «لا يمكن أن نتبع ترمب ونتنياهو بلا شروط»، داعياً إلى مسار انتقال سياسي بإشراف الأمم المتحدة «لمنع الفوضى من أن تحلّ محلّ الاستبداد». وذكّر أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، بأن «البوصلة الوحيدة المتبقية في هذا العالم هي القانون الدولي»، في تلميح واضح إلى رفض أي منطق «حرب صليبية» أو «صدام حضارات» تكون له تداعيات مُدمِّرة على التعايش داخل فرنسا.

ومن جهتها، ربطت زعيمة «الخضر» مارين توندلييه، في تصريح تلفزيوني، بين ضرورة الدفاع عن الأمن الداخلي وبين معايير الشرعية الدولية. ورأت أن انتهاك هذه المعايير في الخارج يضعف حجة فرنسا في محاربة التطرّف داخلياً، لأن الشباب المعنيين يرون في ذلك «ازدواجية معايير» تغذّي سرديّات الضحية في بعض الأوساط المسلمة.

وبهذا المعنى، تصبح كيفية تعاطي فرنسا مع الحرب على إيران جزءاً من معركتها السردية داخل أحيائها الشعبية ومدارسها ومساجدها؛ فإما تثبت أن القانون واحد للجميع، أو تُتَّهم بأنها تُطبِّق معايير مختلفة حين يتعلق الأمر بالعالمَين العربي والإسلامي.

لتأثير الانتخابي وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية الفرنسية

تأتي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قبل أسابيع من الانتخابات البلدية الفرنسية، ما يمنحها وزناً انتخابياً خاصاً. هذا الواقع يقلق «الإليزيه» من أن تتحوّل أي حادثة أمنية، ولو محدودة، إلى وقود لصعود خطاب «الاستبدال الكبير» و«الخطر الإسلامي» في خطاب اليمين المتطرف، وأن يستثمر خصوم الرئيس إيمانويل ماكرون أي تردّد أو تناقض في موقفه لتصويره كرئيس «عاجز» عن حماية الفرنسيين أو «متذبذب» بين واشنطن وطهران. في المقابل، يراهن جزءٌ من اليسار على تعبئة الشباب والناخبين من أصول عربية ومسلمة عبر خطاب مناهض للحرب والتبعية، على قاعدة الدفاع عن الفلسطينيين والإيرانيين في آن، تحت شعار «لا لهذا النظام ولا لتلك الحروب». لكن هذا الاستقطاب قد يعمّق انقسام المشهد الحزبي إلى معسكرين: الأول يرى في الحرب فرصة لتشديد القبضة الأمنية والهجرة، والثاني يرى فيها مناسبة لإعادة النظر جذرياً في علاقة فرنسا بالولايات المتحدة وبالشرق الأوسط، وفي مكانة المسلمين داخل الجمهورية.


مقالات ذات صلة

«هرمز» بين التهديدات والمفاوضات المتعثرة

شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)

«هرمز» بين التهديدات والمفاوضات المتعثرة

لا يزال الجمود يسيطر على المحادثات حول إنهاء الحرب وحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، دون أي مؤشرات على اقتراب الأطراف المتحاربة من إنهاء الصراع.

«الشرق الأوسط» ( لندن- واشنطن – طهران)
شؤون إقليمية طائرة حربية أميركية تستعد للهبوط على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» الأميركية في 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«سنتكوم»: دخول حاملة الطائرات «جورج بوش» بحر العرب

أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، السبت، دخول حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» بحر العرب، في أحدث تحرك بحري أميركي في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز) p-circle

طهران: محادثات مع عُمان لإصدار بيان مشترك بشأن «هرمز»

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، السبت، إن محادثات تجري حالياً بين طهران ومسقط لإصدار بيان مشترك بشأن الترتيبات في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)

«هرمز»... بين طموحات ترمب وتهديدات إيران

لا يزال الجمود يسيطر على المحادثات حول إنهاء الحرب وحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، دون مؤشر على اقتراب الأطراف المتحاربة من إنهاء الصراع.

«الشرق الأوسط» (لندن- واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)

استئناف الرحلات في مطار بندر عباس الإيراني

أعلنت وسائل إعلام رسمية إيرانية استئناف الرحلات الجوية في مطار بندر عباس الواقع على الساحل الإيراني، السبت، بعدما شهدت تلك الرحلات انقطاعات متكررة بسبب الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».