فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

بين الهاجس الأمني... وهشاشة التعايش بين مكوّنات المجتمع

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
TT

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب حول الهجرة والإسلام. وبينما يحرص «الإليزيه» (مقر الرئاسة الفرنسية) على الحفاظ على خطاب «التهدئة» والدفاع عن الشرعية الدولية، فإنَّ أجهزة الدولة تتعامل مع هذه الحرب بوصفها أيضاً محفِّزاً ممكناً لتوترات داخلية، سواء عبر مخاطر الإرهاب أو عبر إعادة تسييس «ملف الضواحي» والهجرة ذات الأغلبية المسلمة. وحقاً، منذ اللحظات الأولى للنزاع، وجَّه وزير الداخلية لوران نونييز برقيةً عاجلةً إلى الموقّعين في الدولة (المحافظين، قيادة الشرطة والدرك، والاستخبارات الداخلية) يأمر فيها برفع درجة اليقظة إلى «حالة إنذار» تحسّباً لأي «عمل يمكن أن يخلَّ بالنظام العام» داخل فرنسا. وتضمَّنت التعليمات التركيز على حماية المصالح الدبلوماسية للطرفَين المتحاربَين، ومراقبة التجمّعات والاحتجاجات المرتبطة بالجاليات المعنية، خصوصاً المظاهرات التي ينظّمها إيرانيون ومعارضون للنظام في طهران على الأراضي الفرنسية.

في خلفية الوضع الراهن في فرنسا، تستحضر وزارة الداخلية مساراً طويلاً من التهديدات المرتبطة بإيران، من محاولة تفجير مؤتمر «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018 التي اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني، إلى محاكمات حديثة لناشطة ومترجمة إيرانية و4 رجال أدينوا بالتحريض على الإرهاب ونشر «خطابات كراهية» ودعوات لعنف ضد اليهود في فرنسا أمام خلفية الحرب على غزة.

لذلك تَعُدُّ الحكومة الحالية وجهاز الأمن الداخلي الحربَ الحالية عاملاً مضاعِفاً لمخاطر «العمليات بالوكالة» على الأرض الفرنسية، سواء عبر شبكات مرتبطة بإيران مباشرة، أو عبر أفراد يستثمرون المناخ المشحون لصالح «أجندات» جهادية أو معادية لليهود.

الخوف من انتقال الصراع

للعلم، تضمّ فرنسا واحدة من أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، يصل تعدادها إلى 6 ملايين، بل 7 ملايين نسمة، حسب بعض الدراسات. وضمن هؤلاء جالية إيرانية تقدّر بنحو 25 ألف شخص معظمهم من المعارضة الناشطة سياسياً وإعلامياً، ولكن بينهم أيضاً كثير من الطلبة والباحثين، ما يجعل أي ارتجاج في الشرق الأوسط يُقرأ داخل الحدود الفرنسية عبر عدَسة الهوية والانتماء.

ولقد كانت صحيفة «لو باريزيان» في عددها الصادر يوم 2 مارس (آذار) الحالي قد كشفت عن أنّ السلطات الفرنسية قرَّرت توفير حماية خاصة لبعض المعارضين الإيرانيين المقيمين في فرنسا، خشية تحوّلهم إلى أهداف لعمليات انتقامية «رسالية» تُنسب إلى طهران. وأيضاً وضعت عدداً من الناشطين الأكراد الإيرانيين تحت مراقبة لصيقة في ضواحٍ مثل الفال - دواز، حيث تتركّز جالية إيرانية كردية ناشطة.

هذه الإجراءات، التي ثبّتها وزير الداخلية لوران نونييز خلال اجتماع أمني في باريس، تتضمَّن دوريات شرطية مُعزَّزة حول مقارّ الجمعيات والهيئات المعارضة للنظام الإيراني، فضلاً عن رفع مستوى اليقظة حول أماكن وجود الجالية الكردية الإيرانية ومكاتبها. كل هذا في سياق مقاربة أمنية ترى في الحرب الراهنة مع إيران لحظة عالية الخطورة لاحتمال انتقال الصراع إلى الأراضي الفرنسية عبر عمليات انتقامية أو هجمات بالوكالة.

وزير الداخلية نونييز، تطرّق في اجتماعاته مع المحافظين وقادة الشرطة، إلى هذا «السجلّ»، مؤكّداً أنّ فرنسا «ليست هدفاً مباشراً» للصواريخ الإيرانية بيد أنها قد تغدو مسرحاً لـ«النتائج غير المباشرة للصراع»، في إشارة واضحة إلى التهديد الذي تمثّله «عمليات بالوكالة» أو هجمات انتقامية ضد المعارضين واليهود.

الخلفية التاريخية

هذه الهواجس لم تولد من فراغ، فمنذ ثمانينات القرن الماضي، ومع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تحوَّلت فرنسا إلى أحد الملاذات الرئيسية للمعارضة الإيرانية بشقّيها العلماني والإسلامي المعارض، واستقبلت شخصيات وحركات نُظر إليها في طهران بوصفها تهديداً مباشر للنظام.

غير أن هذا «المنفى» أو «الملاذ الآمن» تعرَّض لاختبارات متكرّرة أبرزها: إحباط محاولة تفجير مؤتمر لمنظمة «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018، اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني معتمد في العاصمة النمساوية فيينا، ثم سلسلة هجمات استهدفت يوم 31 مايو (أيار) 2023 مركز جمعية «سيماي أزادي» المرتبطة بالمعارضة الإيرانية في ضاحية سانت وان لومون القريبة من باريس، حيث أطلق النار وأُلقيت زجاجات حارقة على المبنى، الذي كان يضم أيضاً قناة إخبارية، قبل أن تُحبط الأجهزة الفرنسية استمرار هذه الاعتداءات.

هذه السوابق رسَّخت لدى أجهزة الأمن الفرنسية الاقتناع بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام الأراضي الأوروبية، والفرنسية خصوصاً، لتصفية حساباتها مع خصومها في الخارج، سواء عبر شبكات منظمة أو عبر «مجرمين صغار» يُستأجَرون لتنفيذ عمليات لا تظهر صلتها السياسية إلا لاحقاً.

لذا، حين اندلعت «حرب إيران» في مطلع 2026، كان منطقياً - في نظر وزارة الداخلية - النظر إلى المعارضة الإيرانية في فرنسا بوصفها هدفاً محتملاً لعمليات مثل الاغتيال، أو الخطف، أو الترهيب، وهو ما يفسِّر درجة الاستنفار الحالية حولها.

موضع مزدوج

يُضاف إلى هذه الأبعاد الأمنية - السياسية بعدٌ آخر هو ملف الهجرة واللجوء. إذ إنّ نسبة مهمّة من المعارضين الإيرانيين والكرد - الإيرانيين موجودون في فرنسا بصفتهم لاجئين سياسيين أو طالبي لجوء، ما يجعل مسؤولية الدولة عن أمنهم مضاعفة. ذلك أنه من الناحية القانونية والأخلاقية، حين تمنح فرنسا حقّ اللجوء، فهي لا تمنح فقط ترخيص الإقامة، بل تقدّم وعداً ضمنياً بالحماية من الاضطهاد. وحين يثبت أنّ أجهزة النظام المُهدِّد قادرة على الوصول إلى اللاجئ في منفاه، يتعرّض هذا الوعد للاهتزاز.

في السياق الفرنسي، يتشابك هذا الملف مع الجدل العام حول الهجرة واللاجئين الذي ازدادت حدّته منذ موجة 2015 الأوروبية، وتصاعد «الإسلاموفوبيا» والقلق من العقيدة الإسلامية في ضوء هجمات 2015 - 2016 في باريس ومدينة نيس وغيرهما. وهنا تبرز مفارقة: فالمعارضون الإيرانيون والكرد - الإيرانيون، الذين يُنظر إليهم غالباً في باريس بوصفهم «حلفاء» ضد «التهديد الإيراني»، هم في الوقت نفسه جزء من كتلة مهاجرة أوسع تشمل مسلمين من المغرب العربي والشرق الأوسط، غالباً ما يختزلها خطاب اليمين المتطرف في صورة «كتلة مشبوهة» تشكِّل في ذاتها تهديداً أمنياً وثقافياً.

إشكاليات التعايش بين المسلمين واليهود

في الوقت عينه، تخشى باريس الرسمية من أن تتحوّل أي تعبئة تضامنية مع الشعب الإيراني أو مع الفلسطينيين إلى منبِر لخطابات متطرفة أو معادية لليهود. وهو ما يدفع وزارة الداخلية إلى مطالبة المحافظين بـ«إبلاغ فوري» عن أي مؤشرات «تأثير أو زعزعة استقرار» مرتبطة بهذا النزاع، خصوصاً إذا أخذت طابعاً عنيفاً.

هذا المنطق الوقائي يعكس رؤيةً أمنيةً ترى في بعض شوارع الضواحي ذات الكثافة المسلمة العالية، فضاءات يمكن أن تنتقل إليها عدوى الصراع الرمزي بين «المعسكر الغربي» و«العالم الإسلامي»، ولو على مستوى الشعارات والاحتجاجات، بما ينعكس سلباً على العلاقات بين المسلمين واليهود، وعلى شعور الانتماء الوطني نفسه.

وفي السياق ذاته، أضحت عمليات حماية الكُنُس (جمع كنيس) والمدارس والمراكز الثقافية اليهودية في فرنسا واقعاً ملموساً منذ سنوات، خصوصاً بعد هجوم «هيبر كاشر» عام 2015. ويومذاك، أعلن الرئيس فرانسوا هولاند عن «تأمين» جميع المواقع اليهودية (794 موقعاً حسب تقرير برلماني لعام 2016)، بمشاركة 66 في المائة من قوات «سنتينيل» العسكرية و34 في المائة من الشرطة والدرك.

ومع تصاعد الأعمال التي توصف بأنها «معادية للسامية»، تحوَّلت الحراسة الديناميكية (دوريات منتظمة بدلاً من حراسة ثابتة منذ 2016) إلى جزء من «المنظر اليومي» في مدن مثل باريس ومرسيليا وليون وستراسبورغ، حيث تُشاهد سيارات الشرطة أمام المدارس اليهودية في أثناء دخول الطلاب وخروجهم. أمّا النُّخب اليهودية الفرنسية، ممثّلة بمنظمات مثل «الكريف»، و«خدمة حماية الجالية اليهودية (SPCJ)» - التي أُسست عام 1980 بعد تفجير شارع كوبرنيك الباريسي - فهي تدفع بقوة نحو تشديد التشريعات ضد «معاداة السامية»، كما في دعوات فرانسيس كاليفات (رئيس «الكريف» سابقاً) لإعادة الحراسة الثابتة أمام المدارس لتهدئة «الإحساس بالقلق».

في المقابل، يشعر قطاع كبير من المسلمين بغياب موازٍ صارمٍ لمكافحة ظاهرة العداء للمسلمين «الإسلاموفوبيا»، إذ لا تُلاحظ حملات مماثلة أو تمويل أمني مكثّف للمساجد (1047 موقعاً محمياً عام 2016 دون تغطية مماثلة)، ما يُغذّي سردية «الكيل بمكيالين» ويزيد من التوتر بين الجاليتين، حيث يرى البعض في التركيز الرسمي على اليهود دليلاً على تحيّز بنيوي.

هذا الإطار يُنتج أثراً مزدوجاً على الجالية اليهودية: فمن جهة يعزِّز إحساساً عميقاً بالهشاشة وبضرورة الاحتماء بالدولة وأجهزتها الأمنية - بل وأحياناً بإسرائيل كأفق حماية بديل -، ومن جهة أخرى يغذّي لدى جزء من المسلمين انطباعاً بأن الدولة تنحاز «بصورة بنيوية» لليهود ضدهم... وبهذا المعنى، يتحوّل كل توتر في الشرق الأوسط إلى لحظة اختبار حادة للعلاقات الإسلامية اليهودية في فرنسا، حيث يتهدّد شعور الانتماء الوطني ذاته، عندما يخشى بعض اليهود أن يكونوا غير آمنين كمواطنين فرنسيين، ويخشى بعض المسلمين أن يظلوا دائماً مواطنين مشكوكاً في ولائهم. وهكذا صار كل شعار في مظاهرة، وكل حادثة اعتداء أو شتيمة، تطوراً يُقرأ في عيون جزء من اليهود دليلاً إضافياً على تصاعد الكراهية ضدهم، وفي عيون جزء من المسلمين قمعا لصوتهم السياسي وتضامنهم مع ضحايا الحروب في غزة أو إيران.

استثمار اليمين المتطرف لورقة الهجرة والإسلام

على المستوى السياسي، أعادت الحرب على إيران فتح معركة السرديات الداخلية حول الهجرة والإسلام في فرنسا، ووفّرت ذخيرة جديدة للتيارات اليمينية المتطرّفة. فرئيس حزب «التجمّع الوطني» جوردان بارديلا دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى جمع قادة الأحزاب الممثَّلة في البرلمان «لتوضيح دور فرنسا»، لكن خلف خطاب «الوحدة الوطنية» يواصل حزبه رسم خط مستقيم بين «التهديد الخارجي» و«الخلل الداخلي» الذي يُحمَّل جزء منه إلى الهجرة والمسلمين.

وهنا، يجد الخطاب التقليدي لـ«اليمين المتطرف» فرصته لتجديد معادلاته، فكل اشتعال في الشرق الأوسط يُقدِّم دليلاً إضافياً على أن فرنسا «تستورد النزاعات» عبر الهجرة، وأن وجود جاليات كبيرة من أصول مغاربية أو شرق أوسطية يحمل في ذاته مخاطر «بَلقنة» الساحة الداخلية. وحتى لو لم تُقَل هذه العبارات دائماً بشكل صريح، ثمة إشارات متكرّرة إلى «خطر التآكل الهوياتي» و«الغيتوهات الإسلامية» و«المد الإسلاموي العالمي» تظهر في خطاب قيادات يمينية ترى أن الحرب مع إيران تبرهن على ضرورة تشديد سياسة الهجرة واللجوء، وعلى أن أي تخلخل إقليمي يمكن أن يُترجم بموجة جديدة من اللاجئين أو بتصعيد في الخطاب الديني المتشدّد في الضواحي.

أجهزة الأمن الفرنسية مقتنعة بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام أراضي أوروبا لتصفية حساباتها مع خصومها

إشكالية موقف اليسار

في الضفة المقابلة، تحاول قوى اليسار الراديكالي والاشتراكي - البيئي تفكيك الربط التلقائي بين الحرب على إيران وبين المسلمين في فرنسا. ولقد طالبت النائبة ماتيلد بانو، زعيمة كتلة «فرنسا الأبية» البرلمانية، بمناقشة برلمانية وبتصويت حول الموقف من الشرق الأوسط، وحذّرت من أن استمرار منطق «الحرب الدائمة» يغذّي كل أشكال التطرّف. أما جان - لوك ميلانشون، زعيم كتلة «فرنسا الأبية»، فعدَّ أنّ ما يجري «حرب بلا أخيار» أطرافها «لا نحبّها»، واضعاً واشنطن وتل أبيب وطهران في سلّة واحدة.

هذا الخطاب، وإن تعرَّض لانتقادات عنيفة من اليمين، يلتقي مع حساسية واسعة في أوساط الشباب المسلمين أو المتضامنين مع القضية الفلسطينية، ويرفض تحويل الحرب على إيران إلى ذريعة لمزيد من الرقابة الأمنية على الجاليات العربية والمسلمة أو لإعادة إنتاج خطاب «الانفصالية الإسلامية».

القانون الدولي... وضبط الشارع

وأما في الطيف الوسطي واليسار المعتدل، فثمة محاولة لصياغة موقف مزدوج:

- دعم القانون الدولي والتحذير من التوسُّع الإقليمي للحرب.

- والتأكيد على رفض أي وصم جماعي للمسلمين في فرنسا.

النائب الأوروبي الاشتراكي الحليف رافاييل غلوكسمان شدّد، قائلاً: «لا يمكن أن نتبع ترمب ونتنياهو بلا شروط»، داعياً إلى مسار انتقال سياسي بإشراف الأمم المتحدة «لمنع الفوضى من أن تحلّ محلّ الاستبداد». وذكّر أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، بأن «البوصلة الوحيدة المتبقية في هذا العالم هي القانون الدولي»، في تلميح واضح إلى رفض أي منطق «حرب صليبية» أو «صدام حضارات» تكون له تداعيات مُدمِّرة على التعايش داخل فرنسا.

ومن جهتها، ربطت زعيمة «الخضر» مارين توندلييه، في تصريح تلفزيوني، بين ضرورة الدفاع عن الأمن الداخلي وبين معايير الشرعية الدولية. ورأت أن انتهاك هذه المعايير في الخارج يضعف حجة فرنسا في محاربة التطرّف داخلياً، لأن الشباب المعنيين يرون في ذلك «ازدواجية معايير» تغذّي سرديّات الضحية في بعض الأوساط المسلمة.

وبهذا المعنى، تصبح كيفية تعاطي فرنسا مع الحرب على إيران جزءاً من معركتها السردية داخل أحيائها الشعبية ومدارسها ومساجدها؛ فإما تثبت أن القانون واحد للجميع، أو تُتَّهم بأنها تُطبِّق معايير مختلفة حين يتعلق الأمر بالعالمَين العربي والإسلامي.

لتأثير الانتخابي وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية الفرنسية

تأتي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قبل أسابيع من الانتخابات البلدية الفرنسية، ما يمنحها وزناً انتخابياً خاصاً. هذا الواقع يقلق «الإليزيه» من أن تتحوّل أي حادثة أمنية، ولو محدودة، إلى وقود لصعود خطاب «الاستبدال الكبير» و«الخطر الإسلامي» في خطاب اليمين المتطرف، وأن يستثمر خصوم الرئيس إيمانويل ماكرون أي تردّد أو تناقض في موقفه لتصويره كرئيس «عاجز» عن حماية الفرنسيين أو «متذبذب» بين واشنطن وطهران. في المقابل، يراهن جزءٌ من اليسار على تعبئة الشباب والناخبين من أصول عربية ومسلمة عبر خطاب مناهض للحرب والتبعية، على قاعدة الدفاع عن الفلسطينيين والإيرانيين في آن، تحت شعار «لا لهذا النظام ولا لتلك الحروب». لكن هذا الاستقطاب قد يعمّق انقسام المشهد الحزبي إلى معسكرين: الأول يرى في الحرب فرصة لتشديد القبضة الأمنية والهجرة، والثاني يرى فيها مناسبة لإعادة النظر جذرياً في علاقة فرنسا بالولايات المتحدة وبالشرق الأوسط، وفي مكانة المسلمين داخل الجمهورية.


مقالات ذات صلة

«غولدمان ساكس» يخفّض توقعاته لـ«برنت» إلى 80 دولاراً بعد اتفاق «هرمز»

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)

«غولدمان ساكس» يخفّض توقعاته لـ«برنت» إلى 80 دولاراً بعد اتفاق «هرمز»

خفّض بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار خام برنت القياسي للربع الرابع من العام الجاري إلى 80 دولاراً للبرميل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

اختلال الاقتصاد الصيني يتعمّق… تراجع استهلاك غير مسبوق منذ 3 سنوات

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة الثلاثاء أن الاقتصاد الصيني يعاني من اختلال متزايد في التوازن بين القطاعات، مع تراجع ملحوظ في الاستهلاك والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مارة أمام مبنى المقر الرئيسي لبنك اليابان في طوكيو (أ.ف.ب)

بنك اليابان يرفع الفائدة إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً

رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ 31 عاماً، في خطوة تاريخية جديدة ضمن مسار تطبيع السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد خزانات تخزين النفط في محطة لإمداد الوقود في أوستن، تكساس (أ.ف.ب)

النفط يرتد صعوداً مع تشكك الأسواق في تفاصيل الاتفاق الأميركي - الإيراني

استعادت أسعار النفط جزءاً من خسائرها الحادة التي تكبدتها في الجلسة السابقة، مع تزايد شكوك المستثمرين بشأن تفاصيل الاتفاق المبدئي بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب أدنى مستوياته في 10 أيام بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في 10 أيام خلال تعاملات الثلاثاء، فيما عزز الاتفاق المبدئي في الشرق الأوسط شهية المستثمرين للمخاطرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.