المتحف السعودي للفن المعاصر يحتفل بليلة العمر

الأعراس من منظور فنانين معاصرين

«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)
«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)
TT

المتحف السعودي للفن المعاصر يحتفل بليلة العمر

«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)
«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)

حلت ليلة العمر في حي جاكس بقلب الدرعية ضمن معرض ازدان بسبعة وثلاثين عملاً فنياً لفنانين معاصرين من السعودية، والمنطقة العربية، والعالم، وذلك بتنظيم هيئة المتاحف، وتحت إشراف القيميين الفنيين، آلاء طرابزوني، وفيليب كاسترو. ويستمر المعرض حتى الـ18 من أبريل (نيسان) 2026.

يصحبنا المعرض في رحلتين متباينتين. في الجانب الأول تبرز بهجة الزفاف (ليلة العمر)، حيث تستقبلنا الستائر المذهبة لتقودنا إلى أعمال تعكس تقاليد الأفراح، وزي العروس، والزينة، وأجواء الاحتفال. وفي الجانب الآخر يخيم الظلام، ويمضي بنا إلى حيث تصطدم التوقعات مع تحديات الواقع. وسواء تجولت في الجانب المبهج أو المظلم، فستأخذك الأعمال الفنية إلى ما خلف الأضواء، وزخم العواطف، وإلى ما هو أبعد من المفهوم النمطي عن ليلة العمر.

التقينا ثلاثة من الفنانين المشاركين في معرض «ليلة عمر» للحديث عن أعمالهم، ومدلولات اختياراتهم الفنية، وسألنا كلاً منهم: ماذا تمثل لك ليلة العمر؟

«الأخوات السبع» ريم الناصر (الشرق الأوسط)

«الأخوات السبع»

تأخذنا الفنانة ريم الناصر في عملها «الأخوات السبع» إلى أحد التقاليد البارزة للأفراح في منطقة جازان في السعودية. يتكون العمل من سبعة تيجان متدلية ومرصعة بزهور الفل في تنسيقات مختلفة، يعكس العمل الارتباط العميق بين الإنسان وزهور الفل منذ القدم، تعلق الفنانة: «الفل في الجنوب ليس مجرد زهرة، بل هو طقس، وهوية، وذاكرة جمعية».

تمثل التيجان السبعة التحولات العميقة لقصص زواج مختلفة، وترمز إلى «بنات نعش» وهي سبع نجوم اكتسبت هذا الاسم في الذاكرة الشعبية العربية لارتباطها بأسطورة تدور حول الزواج، والثأر: «جسدت من خلالها سبع طاقات أنثوية، في إسقاط رمزي على حكاية (بنات نعش) باعتبارها قصة مرتبطة بالنجوم، والزواج، والتراث العربي، حيث يتحول التاج من زينة إلى مجرّة، ومن طقس اجتماعي إلى سرد سماوي عن القدر، والعبور، والاكتمال».

هذه ليست المرة الأولى التي تستعين فيها الناصر بالرائحة على أنها وسيط في أعمالها، تقول عن ذلك: «أنا فنانة مهتمة بمواضيع الزمن، والتحوّل. وسيط الفل يمنحني بلاغة خاصة، لأنه كائن زمني بامتياز، يزهر ويفوح ثم يذبل ويتحوّل. تتبدّل الرائحة مع مرور الوقت، تماماً كما تتبدل المشاعر، والذكريات». ترى الناصر أن الرائحة تضع الزائر في تجربة حسّية كاملة، ومتغيرة: «هي استدعاء لحالة زمنية عابرة، تجعل كل زيارة للعمل مختلفة، لأنها لن تكون هي ذاتها في كل مرة».

أيمن ديدبان «واقف» (الشرق الأوسط)

أيمن يسري ديدبان... «واقف»

في عمله «واقف» قدم الفنان أيمن يسري ديدبان 5 صور شخصية في لقطات متعددة، ومن دون ألوان يرتدي فيها قميصاً كتب عليه عبارة «أبغا أتزوج» بأحرف متباعدة. إحدى الصور أنتجت عام 2026، ووضعت في إطار حديث، بينما تعود باقي الصور إلى عام 2012، وموضوعة داخل إطارات بزجاج ضبابي باهت، وحواف خشبية تظهر عليها آثار خدوش. ما سبب اختياره لهذه الإطارات؟ يجيب: «الإطار هنا شاهدٌ على الزمن. اهتراؤه يوحي بأن الصور لم تعد معاصرة، بل نجت من طبقات من النسيان. الخدوش والضبابية تضع مسافة بين المتلقي والمشهد، كأن الذاكرة نفسها لم تعد صافية. الإطار القديم هو وثيقة عن زمنٍ شخصي واجتماعي مضى لكنه لم يُحسم».

يتفق معنا الفنان في أن عبارة «أبغا أتزوج» توحي بمشهد فكاهي، مع هذا ملامحه الصارمة في الصور تضع المشاهد في حالة من الإرباك. يوضح ديدبان أن مرور الزمن (13 عاماً التي تفصل بين الصورتين) جعل العبارة قادرة على ترك تأثير مختلف: «هذا التناقض بين خفة النص وصرامة الصورة يسهم في صنع المسافة المقصودة بين ما يبدو دعابة في الزمن الأول وما يصبح سؤالاً عن التغير الاجتماعي في الزمن الثاني. الرسالة هنا ليست عن الزواج بوصفه حدثاً احتفالياً، بل عن الفارق الزمني بين ثبات الرغبة في الاعتراف، والمشاركة، وفي ألا يظل الإنسان معلقاً خارج السرد الاجتماعي».

لماذا يقرر الفنان أن يكون هو العمل الفني؟ أجاب ديدبان: «لأن الجسد هو المادة الوحيدة التي لا يمكن فصلها عن الزمن، حيث تتحول الذات إلى وثيقة عن العمر، والتغيرات، وعلاقة الفرد بالمجتمع، وتزال المسافة بين التجربة وتمثيلها، وبدل أن يقدم الفنان فكرة عن الحياة، يعرض حياته نفسها بوصفها مادة قابلة للتحليل، والفحص».

ميساء شلدان «هضبة العروس» (الشرق الأوسط)

ميساء شلدان و«هضبة العروس»

زارت الفنانة ميساء شلدان النقوش الحجرية في «هضبة العروس» قرب منطقة عسير، حيث سمعت الأسطورة المرتبطة بها، وهي حكاية عروس كانت تسافر بقافلتها لأميرها، فلما جن عليها الليل قضت ليلتها في تلك الهضبة، وحين لاح الصباح اختفت العروس، وقافلتها، وكل حاجياتها. بحث عنها الأمير، واستوطن الهضبة، ونقش رسماً لعروسه وقافلتها كتوثيق لحكايتهما. تعكس هذه الأسطورة في رأي شلدان أهمية المرأة، ومكانتها في تراث المنطقة، وكانت مصدر إلهام لعملها «هضبة العروس». استوحت الفنانة تصميم العمل من «الرشرش» وهي قلادة ذهبية ترتديها العروس. يتكون العمل من قطع معدنية قرمزية مرتبطة ببعضها بحلقات نحاسية، «اخترت أن تكون القطع المعدنية على شكل ثمرة التين الشوكي، والتي قال عنها أجدادنا إن أي أرض تنمو عليها هذه الشجرة تختبئ تحتها حضارة. وعن أكسدة المعادن، وتلوينها، استعنت بدودة (الكوشنيال)، وهي الطريقة التي كانت تستخدمها جداتنا لاستخراج الصبغ القرمزي». ما هو السبب وراء اختيارها قصة حزينة لتشارك بها في عمل عن ليلة العمر؟ تجيب: «الأسطورة عادة ما تحمل رسائل مرتبطة بالحكمة، وتعزيز القيم، والعادات، والدوافع الإنسانية. لم يكن المقصود أن يعكس العمل جانباً حزيناً، وإنما يبعث برسائل عن حماية تراثنا وثراء إرثنا الحضاري، وأهمية التقاليد في ترسيخ وبقاء هذه الحضارة».

من أعمال سلطان بن فهد «إلى تراب» (الشرق الأوسط)

ليلة العمر

كان هذا السؤال حاضراً في ثنايا الحوار فوجهناه للفنانين، ما الذي تمثله لك ليلة العمر؟ أجابت الناصر: «هي نقطة تحوّل حقيقية، لكنها تصبح كذلك فقط إذا كانت مع الشخص الصحيح، وفي المكان الصحيح. ليلة العمر ليست حدثاً احتفالياً فحسب، بل لحظة عبور من طور إلى طور، ومن اسم إلى اسم، ومن هوية إلى هوية، تماماً كما تتحول الزهرة، وكما يتحول النجم في السماء». وترى الفنانة شلدان أن مسمى ليلة عمر بحاجة إلى إعادة نظر: «كل يوم في حياتنا يحمل فرحة جديدة لعمرنا، ويستحق أن يكون ليلة عمر. ما يدعو حقاً للاحتفال في هذه الليلة هو العقد الذي يوثق أن الله تعالى هو شريك في هذه العلاقة، والاحتفال أيضاً بـ(السكن) الوصف القرآني للشريك، وبالتيسير، وكذلك بالطقوس الجميلة والمهمة المرتبطة بالزواج». أما الفنان ديدبان فيقول: «الزواج بالنسبة لي ليس نهاية قصة حب، بل بداية عملية مستمرة لإعادة تعريف المسافة بين شخصين، مسافة قريبة بما يكفي للحب، ومسافة بعيدة بما يكفي للتنفس. وفي كلتا الحالتين هو قفزة جريئة نحو المجهول برفقة شخص آخر».


مقالات ذات صلة

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.