أوروبا تتحسب لضربة اقتصادية جراء الصراع مع إيران

قفزة في أسعار الطاقة والتضخم ونمو محدود

سلك شائك أمام علم الاتحاد الأوروبي (أرشيفية - رويترز)
سلك شائك أمام علم الاتحاد الأوروبي (أرشيفية - رويترز)
TT

أوروبا تتحسب لضربة اقتصادية جراء الصراع مع إيران

سلك شائك أمام علم الاتحاد الأوروبي (أرشيفية - رويترز)
سلك شائك أمام علم الاتحاد الأوروبي (أرشيفية - رويترز)

يهدد الهجوم العسكري الأميركي - الإسرائيلي على إيران برفع معدلات التضخم وإحداث تأثير ملموس على النمو الاقتصادي الضعيف بالفعل في أوروبا. فقد أوقف هذا التصعيد حركة الشحن التجاري في الخليج، وهو مصدر رئيسي للوقود ومنتجات البترول لأوروبا، ما دفع فوراً بأسعار هذه الإمدادات الطاقية للارتفاع في الأسواق المالية.

ومن المرجح أن يزيد ذلك من تكاليف الوقود ويعقد التوقعات أمام البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، وقد يضطر الأخير لتأجيل أي خفض إضافي للفائدة حتى تتضح تداعيات الحرب، وفق «رويترز».

فيما يلي أبرز ما تحتاج إلى معرفته حول التأثير الاقتصادي لصراع إيران على أوروبا:

1. نقطة اختناق للنفط والغاز والمنتجات الأخرى

يقع مضيق هرمز بين عمان وإيران، ويعد بوابة حيوية لصادرات دول الخليج مثل النفط والغاز والمواد الكيميائية. ويمر عبر هذا المضيق نحو 20 في المائة من النفط العالمي، بما في ذلك إنتاج السعودية، والإمارات، والعراق، والكويت، وإيران، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من قطر.

وبعد تحول أوروبا بعيداً عن الطاقة الروسية منذ غزو أوكرانيا، أصبحت القارة تعتمد بشكل أكبر على واردات الطاقة من منطقة الخليج.

وتعد بريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وبولندا بين الدول الأوروبية الأكثر اعتماداً على واردات الغاز الطبيعي المسال التي تمر عبر مضيق هرمز، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

كما أن الخليج يمثل مصدراً رئيسياً للبروبان والبيوتان والإيثان، التي تُستخدم للتدفئة والوقود والزراعة، وفقاً لبيانات الوسيط «كبلر».

2. ارتفاع تكاليف الوقود للأوروبيين

تشير بيانات الشحن إلى أن أكثر من 200 سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط والغاز المسال، رست حول مضيق هرمز والمياه المجاورة نتيجة الصراع.

وقد أدى ذلك فوراً إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، إذ ارتفعت عقود خام برنت الآجلة بنحو 8 في المائة لتصل إلى 78 دولاراً للبرميل، في حين ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في السوق الهولندية بنسبة 19 في المائة لتصل إلى 38 يورو لكل ميغاواط / الساعة.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد افترض في توقعاته لشهر ديسمبر (كانون الأول) أن سعر الغاز الطبيعي سيكون 29.6 يورو لكل ميغاواط / الساعة وسعر النفط الخام 62.5 دولار هذا العام.

ومن المقرر أن ينشر البنك المركزي الأوروبي توقعاته الاقتصادية الجديدة في 19 مارس (آذار)، مع تحديد موعد نهائي لمؤشرات أسعار الطاقة والأسواق قبل ثلاثة أسابيع - أي يوم الأربعاء المقبل.

ويعني ذلك احتمال تعديل البنك لتوقعاته بشأن التضخم الطاقي، إلا أنه قد يختار تقديم عدة سيناريوهات، كما فعل خلال غزو روسيا لأوكرانيا في 2022.

وأكدت «يوبيكويت»، يوم الاثنين، أن سعر النفط من المرجح أن يظل عند حوالي 80 دولاراً نظراً لتوافر المعروض، وأن أي تصعيد كبير، مثل تعرض البنية التحتية النفطية السعودية لأضرار، سيكون ضرورياً لارتفاع السعر نحو 100 دولار.

انبعاثات من مداخن محطة هامرفست للغاز الطبيعي المسال أكبر محطة من نوعها في أوروبا الغربية بالنرويج (رويترز)

3. ما الذي يتأثر بخلاف إمدادات الطاقة؟

يتدفق الجزء الأكبر من البضائع التجارية بين أوروبا وآسيا منذ فترة طويلة عبر قناة السويس.

وفي أواخر 2023، أعيد توجيه كثير من السفن حول أفريقيا بعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، لكن قبل اندلاع صراع إيران، كانت شركات الشحن تدرس زيادة استخدام هذا الممر الحيوي للتجارة بين آسيا وأوروبا.

وبدأت شركات الشحن يوم الأحد مرة أخرى في توجيه السفن حول أفريقيا بعيداً عن قناة السويس، ما قد يرفع أسعار الشحن ويزيد تكلفة البضائع المستوردة.

4. التأثير على النمو والتضخم

تُظهر توقعات البنك المركزي الأوروبي أن تأثير ارتفاع أسعار النفط على التضخم أكبر بكثير من تأثيره على النمو الاقتصادي.

وتشير تحليلات الحساسية التي نشرها البنك في ديسمبر إلى أن زيادة دائمة بنسبة 14 في المائة في أسعار النفط والغاز ستخفض النمو بنسبة 0.1 في المائة فقط هذا العام، وترفع التضخم حتى 0.5 في المائة.

ومن المتوقع أن تكون هذه التأثيرات مماثلة في العام المقبل، ثم تبدأ في التلاشي.

وكان من المتوقع أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو والمملكة المتحدة بنسبة 1.2 في المائة و1 في المائة على التوالي هذا العام، و1.4 في المائة لكل منهما العام المقبل، وفقاً لاستطلاعات «رويترز»، وهو معدل نمو متواضع مقارنة بالولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يرتفع الناتج بنسبة 2.5 في المائة و2 في المائة في 2026 - 2027.

لكن هذا الأثر سيكون ضئيلاً مقارنة بصدمة 2022، عندما دفع غزو روسيا لأوكرانيا تكاليف الطاقة للارتفاع، ما خفض النمو بنسبة نقطة مئوية ورفع التضخم بمقدار نقطتين مئويتين، وفقاً لدراسة المفوضية الأوروبية.

كما أن قوة اليورو نسبياً قد تخفف من الأثر، لأن الطاقة تُسعر بالدولار.

ويُتوقع أن يكون تأثير النمو مؤقتاً، حيث يمكن للاقتصاد التكيف، لذلك لا يوجد تأثير دائم على الناتج المحتمل، وفقاً لدراسة منفصلة للبنك المركزي الأوروبي.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

5. كيف ستتفاعل البنوك المركزية؟

قام المستثمرون بتقليص توقعاتهم بشأن خفض بنك إنجلترا لمعدل الفائدة الأساسي ربع نقطة مئوية في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث أظهرت الأسعار احتمالاً بنسبة 69 في المائة، منخفضاً من 78 في المائة يوم الجمعة.

ولا يُتوقع أي تحرك سريع من البنك المركزي الأوروبي، الذي كان من المتوقع بالفعل أن يحافظ على معدلاته دون تغيير لبقية العام.

ولا يتفاعل البنك المركزي لمنطقة اليورو مع تقلبات السوق قصيرة المدى، ويتجاهل أيضاً ارتفاع أسعار الطاقة المؤقتة.

لذلك، فإن أي رد فعل سيعتمد على مدة الصراع ومدى اتساعه. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأحد إن العملية في إيران قد تستمر أربعة أسابيع.

ورأى اقتصاديون في «كومرتس بنك» أنه لن يكون هناك تأثير كبير إذا استمرت الحرب لبضعة أسابيع فقط.

لكن إذا استمرت لعدة أشهر، فقدروا أن التضخم في منطقة اليورو سيرتفع على الأرجح بمقدار نقطة مئوية واحدة على الأقل، وأن النمو الاقتصادي سيكون أقل ببضعة أجزاء من النقطة المئوية.

علاوة على ذلك، فإن التضخم في منطقة اليورو، الذي يبلغ حالياً 1.7 في المائة، أقل من الهدف، لذلك فإن الارتفاع المعتدل لن يهدد الهدف.

وعادةً ما يقلق البنك المركزي الأوروبي إذا بدأت صدمة تضخمية لمرة واحدة في التأثير على توقعات الأسعار طويلة الأجل وتسرّبت إلى تحديد الأجور والأسعار الأوسع عبر ما يُعرف بـ«التأثيرات من الدرجة الثانية».

ويحتاج ذلك إلى عدة أشهر لتتضح نتائجه، لذلك من المتوقع أن يقول البنك المركزي الأوروبي حالياً إنه يتجاهل التقلبات المؤقتة لكنه يظل متابعاً للتطورات.

تظل توقعات السوق للتضخم طويل الأجل مستقرة إلى حد كبير، مما يعزز على الأرجح رسالة البنك في الانتظار والمراقبة.

وتشير توقعات السوق إلى أنه لم يتم تسعير أي تغيير في سعر الفائدة لهذا العام.


مقالات ذات صلة

«المركزي الروسي» يثبت الفائدة ويرفع توقعات التضخم لعام 2026

الاقتصاد العلم الروسي يرفرف فوق مقر البنك المركزي في موسكو (إ.ب.أ)

«المركزي الروسي» يثبت الفائدة ويرفع توقعات التضخم لعام 2026

أبقى البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي عند 14 في المائة، الجمعة، للمرة الثانية في أقل من شهرين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد زائر يطل على الحي المالي في لندن من حديقة «غاردن آت 120» (رويترز)

النشاط الاقتصادي البريطاني يسجل أقوى أداء منذ فبراير بدعم من الذكاء الاصطناعي

سجلت الشركات البريطانية أقوى أداء لنشاطها منذ فبراير (شباط)، مع نمو الطلبيات الجديدة وانتعاش الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لمسح نُشرت نتائجه الجمعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)

الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

يضع صندوق النقد الدولي الاقتصاد العراقي أمام انكماش حاد خلال العام الحالي، قبل تعافٍ قوي متوقع في 2027.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سياح أمام معبد رمسيس الثاني الكبير في أبو سمبل جنوب القاهرة (أ.ب)

صندوق النقد الدولي يرفع توقعات نمو الاقتصاد المصري إلى 5.1 % في 2026

رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري في عام 2026 إلى 5.1 في المائة، بزيادة 0.9 نقطة مئوية عن توقعاته في أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس - إيران (رويترز)

سيناريوهات صندوق النقد الدولي: ماذا ينتظر اقتصادات المنطقة في 2027؟

وضع صندوق النقد الدولي سيناريوهات اقتصادية متعددة لقياس تداعيات اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة والصراع في المنطقة على النمو والتضخم وأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تتراجع وسط مخاوف من عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي

لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع وسط مخاوف من عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي

لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها في مستهل تعاملات الجمعة، مع تصاعد المخاوف من أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد لا تحقق العوائد المرجوة، في ظل تنامي القلق بشأن كلفة التوسع في مراكز البيانات وسبل تمويله.

وتجدّدت الضغوط على أسهم التكنولوجيا عقب إعلان النتائج المالية لشركة «ميتا»، التي أثارت مخاوف من لجوء شركات التكنولوجيا الكبرى إلى إصدار أسهم جديدة لتأمين التمويل اللازم لمواصلة الإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

وتراجعت المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة في مستهل التداولات، وإن سجل مؤشر «ناسداك» أداءً أفضل نسبياً من المؤشرين الآخرين، في تحول عن نمط التداول الذي ساد الجلسات الأخيرة.

وبعد نحو عشر دقائق من بدء التداول، انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 1 في المائة إلى 52.322.22 نقطة، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة إلى 7.625.19 نقطة. وهبط مؤشر «ناسداك» المجمع، الذي تطغى عليه أسهم شركات التكنولوجيا، بنسبة 0.4 في المائة إلى 25.915.39 نقطة.

وعلى صعيد الأسهم، تراجعت أسهم شركات تكنولوجية كبرى، من بينها «ميتا» و«أمازون»، في حين سجلت أسهم بعض شركات أشباه الموصلات، مثل «ميكرون»، و«إيه إم دي»، مكاسب.

وقال ديفيد موريسون، كبير محللي الأسواق لدى شركة «تريد نيشن»، في مذكرة، إن الأسواق قد تتجه إلى التعامل بقدر أكبر من الانتقائية مع الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من تحركها بصورة جماعية في الاتجاه نفسه.

وأوضح أن أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي اعتادت التحرك في اتجاهات متشابهة، صعوداً أو هبوطاً، وإن كان الصعود هو الاتجاه الغالب. لكنه أشار إلى أن تجدد التركيز على مصادر تمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يدفع المستثمرين إلى التمييز بصورة أوضح بين الشركات، استناداً إلى قدرتها على تمويل استثماراتها وتحقيق عوائد منها.

وأضاف موريسون أن الشركات ليست متشابهة، وأن موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ستفرز رابحين وخاسرين، أياً يكن المسار الذي ستتخذه السوق.


الصين تحث شركات النفط والغاز المحلية على زيادة الإنتاج والإمدادات

صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
TT

الصين تحث شركات النفط والغاز المحلية على زيادة الإنتاج والإمدادات

صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)

كشفت الإدارة الوطنية للطاقة في الصين عبر موقعها الإلكتروني، الجمعة، عن عقد اجتماع مع ممثلي شركات النفط والغاز الطبيعي العاملة في البلاد يوم الخميس الماضي، حيث طالبتها الإدارة ببذل أقصى جهد ممكن لزيادة إنتاجها وإمداداتها للسوق المحلية، في ظلِّ الموقف الدولي الحاد والمُعقَّد بالنسبة لإمدادات الطاقة.

ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن بيان الإدارة القول، إن ممثلي كثير من الشركات منها «سينوبك» و«كنووك» المملوكتان للدولة حضروا الاجتماع الذي شهد مناقشة خطط الشركات لزيادة إنتاجها واحتياطاتها من النفط والغاز الطبيعي.

تأتي تحركات الحكومة الصينية في الوقت الذي يستمر فيه اضطراب إمدادات الطاقة العالمية بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران المستمرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، والتي أدت إلى إغلاق مضيق «هرمز» على الخليج بدرجة كبيرة، وهو المضيق الذي كانت تمرُّ عبره، قبل اندلاع الحرب، نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، كان يتجه معظمها إلى الأسواق الآسيوية، ومنها السوق الصينية.

وتُعدُّ الصين أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم حالياً.


تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)

تباطأ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، رغم استمرار قوة الطلب التي أتاحت للشركات رفع أسعار السلع والخدمات، في مؤشر على احتمال تفاقم التضخم واستمراره عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.

وأعلنت مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، الجمعة، أن القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات المركب للإنتاج في الولايات المتحدة، الذي يقيس أداء قطاعَي الصناعة والخدمات، تراجعت إلى 57.6 نقطة في أكتوبر، من 58.4 نقطة في سبتمبر (أيلول)، حين سجلت أعلى مستوى في خمس سنوات. وتشير القراءة التي تتجاوز 50 نقطة إلى نمو نشاط القطاع الخاص.

وعوّض تحسّن أداء القطاع الصناعي تراجعاً طفيفاً في قطاع الخدمات الذي يمثّل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي الأميركي.

وأظهرت نتائج المسح أن الاقتصاد الأميركي بدأ الربع الرابع من العام على أساس متين، بعد أداء يُتوقع أن يكون قوياً خلال الربع الثالث، الممتد من يوليو (تموز) إلى سبتمبر. ويتوقع اقتصاديون أن يُظهر التقدير الأولي للناتج المحلي الإجمالي، الذي ستصدره الحكومة الأسبوع المقبل، نمواً بنحو 3 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثالث، مدفوعاً أساساً بإنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي.

ولم يُظهر الاقتصاد الأميركي حتى الآن مؤشرات واضحة على تضرّره بشدة من صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وأسهمت المدخرات، واستردادات الضرائب السخية خلال الربيع، والمبالغ المستردة من الرسوم الجمركية، والأداء القوي لسوق الأسهم، وأرباح الشركات، في توفير هامش دعم للنشاط الاقتصادي.

غير أن اقتصاديين حذّروا من أن التداعيات التضخمية للصراع المطول في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى تباطؤ إنفاق المستهلكين خلال الربع الحالي.

وفي المقابل، ارتفع مؤشر الطلبات الجديدة التي تلقتها الشركات إلى 58.2 نقطة في أكتوبر، من 58.1 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أعلى مستوى منذ مارس (آذار) 2022. وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل أساسي بقطاع الخدمات، في ظل ارتفاع الطلب المحلي، الذي تعزّز جزئياً بفعل بناء المخزونات تحسباً لاضطرابات محتملة، إلى جانب نمو الصادرات.

الأسعار تسجّل أعلى مستوى منذ أغسطس 2022

وعلى صعيد الأسعار، ارتفع مؤشر أسعار الإنتاج إلى 59.8 نقطة في أكتوبر، من 58.4 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أعلى قراءة منذ أغسطس (آب) 2022، مع زيادة الشركات أسعار السلع والخدمات في قطاعي الصناعة والخدمات.

وتزامن ذلك مع تدهور إضافي في أداء الموردين في تسليم مستلزمات الإنتاج إلى المصانع، إذ انخفض مؤشر أوقات تسليم الموردين إلى 38.1 نقطة، من 40.9 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أكثر من أربع سنوات. وتشير القراءة المتراجعة إلى إطالة فترات التسليم وتزايد الاختناقات في سلاسل الإمداد.

وقال كبير الاقتصاديين المعنيين بالأعمال في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون، إن ضغوط التكاليف لا تزال مصدر قلق رئيسياً، مضيفاً أن اختناقات سلاسل الإمداد تفاقمت، في وقت تتزايد فيه الطلبات المتراكمة، ما يمنح الشركات قدرة أكبر على تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين.

وكانت أسعار المستهلكين والمنتجين قد سجلت زيادات قوية في سبتمبر، وفق بيانات حكومية صدرت خلال الشهر الحالي، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التضخم في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وفي سبتمبر، رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة.

ويتوقع اقتصاديون أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الأسبوع المقبل، قبل أن يستأنف رفع تكاليف الاقتراض في ديسمبر (كانون الأول).

وحول تكاليف الإنتاج، تراجع مؤشر الأسعار التي تدفعها الشركات مقابل مستلزمات الإنتاج إلى 64.9 نقطة في أكتوبر، من 65.9 نقطة في سبتمبر، لكنه ظل عند مستوى مرتفع. وواجهت الشركات الصناعية خصوصاً ارتفاعاً في الأسعار خلال الشهر، مع بقاء المؤشر قريباً من أعلى مستوياته في أربع سنوات.

أما التوظيف فانخفض إجمالاً بعد ارتفاعه الحاد في سبتمبر، في حين زادت المصانع عدد العاملين لديها. وارتفع مؤشر التوظيف في القطاع الصناعي إلى أعلى مستوى منذ مارس 2012.

وأوضح ويليامسون أن الشركات تسعى إلى زيادة طاقتها الإنتاجية لتلبية الطلب الأقوى من العملاء.