التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

لكن هل الولايات المتحدة مستعدة لتكون هي المسؤولة عن مجاعة عشرات الآلاف من الأطفال على مسافة أميال من سواحلها؟

كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
TT

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
كوبا تعاني من شحّ في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)

كلما سئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن كوبا كرر الإجابة: «أعتقد أنها باتت وشيكة السقوط»، وفاخر بأنها من غير النفط الفنزويلي «ليست قادرة على البقاء».

لكن ترمب ليس أول رئيس أميركي يتوقع السقوط الوشيك لنظام الأخوين كاسترو، وقد سبقه 66 عاماً من الحصار والضغوط المتواصلة، ونهاية الحرب الباردة التي كانت كوبا خلالها حلقة مفصلية في الاستراتيجية السوفياتية، وتعاقب قبله على البيت الأبيض اثنا عشر رئيساً راهنوا على استحالة استمرار النظام الكوبي الذي ينازع منذ سنوات، لكن من غير أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

صورة أرشيفية للرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يلقي خطاباً في هافانا (أ.ف.ب)

بعد نجاح العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بالقبض على نيكولاس مادورو في كاراكاس فجر الثالث من يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، رأى دونالد ترمب أن قطع الإمدادات النفطية الفنزويلية (28 ألف برميل يومياً) سيكون القشّة التي تقصم ظهر النظام الكوبي، وأضاف مهدداً بفرض عقوبات على الدول التي يمكن أن تصدِّر محروقات إلى الجزيرة، مستهدفاً المكسيك تحديداً، ومدركاً أن هذا القرار يشكِّل ضربة قاسية جداً بالنسبة لبلد يواجه أشدّ أزمة اقتصادية منذ قيام الثورة عام 1959، ويعاني من انقطاع التيّار الكهربائي لساعات طويلة كل يوم، ونقص حاد في المواد الغذائية الأساسية والأدوية، وتضاؤل احتياطه من العملة الصعبة.

يلجأ غالبية الكوبيين إلى الألواح الشمسية وسط انقطاعات مستمرّة للطاقة (رويترز)

هموم كوبا ومتاعبها لم تعد فحسب مقتصرة على الحصار الاقتصادي وأزمة التموين الحادة التي تعاني منها؛ إذ إن تأثيرها في الأوساط اليسارية الدولية يتراجع بشكل ملحوظ منذ سنوات؛ فالبرازيل مثلاً، والمكسيك وتشيلي وروسيا والصين، اكتفت بإدانة الحصار الأميركي، ووعدت بتقديم مساعدات إنسانية؛ ما يؤكد انحسار شرعية الثورة الكوبية على الساحة الدولية بسبب فقدان الديمقراطية، وقمعها الممنهج للحريات الأساسية. يضاف إلى ذلك أن الحلفاء التقليديين للثورة الكوبية يقفون عاجزين عن المساعدة في الظروف الدولية الراهنة، وأمام الحزم الذي تبديه واشنطن في تطبيق «عقيدة دونرو » التي ترى أن للولايات المتحدة وحدها الكلمة الفصل في شؤون القارة الأميركية. ومن الأدلّة الساطعة على ذلك، أن البرازيل لم تحرّك ساكناً حتى الآن لنجدة النظام الكوبي، بينما اكتفت المكسيك بإرسال مساعدات غذائية، وقررت نيكاراغوا إقفال باب الهجرة أمام مواطني الجزيرة، وأعلنت غواتيمالا ترحيل جميع الأطباء الكوبيين الذين يؤدون خدماتهم هناك منذ سنوات.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مشاركته بقمة المجموعة الكاريبية «كاريكوم» في سانت كيتس ونيفيس (أ.ف.ب)

لكن الوضع، رغم صعوبته، قابل لمزيد من التعقيدات بالنسبة لسكان الجزيرة، كما يقول دبلوماسي أوروبي في هافانا، يخشى أن يؤدي وقوف النظام الكوبي على شفا الانهيار مدة طويلة إلى إحراج الإدارة الأميركية إذا أصرّت على ما يسمّيه «العقاب الجماعي الذي يشكّل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي». ويذكّر هذا الدبلوماسي بأن الأزمات الإنسانية السابقة التي عصفت بالجزيرة، تسببت في هروب الآلاف نحو شواطئ فلوريدا، ويتساءل: هل الولايات المتحدة مستعدة لتكون هي المسؤولة عن مجاعة عشرات الآلاف من الأطفال على مسافة أميال من سواحلها؟

وتفيد دراسة وضعتها السفارة السويسرية في هافانا، وهي التي تقوم بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وكوبا، بأن الأزمة الاقتصادية الراهنة في الجزيرة هي الأقسى في تاريخها، وأن السبيل الوحيد للخروج منها مرهون بموقف واشنطن، وباستعداد النظام الكوبي للتجاوب مع المطالب الداخلية بمزيد من الحرية، والشروط السياسية التي تمليها الإدارة الأميركية. في أي حال، كل الخيارات اليوم أصبحت مُرّة بالنسبة للنظام الكوبي الذي طوال عقود جعل من قدرته على مقاومة الجارة اللدود مأثرة تشهد على صلابته: إما أن يتنازل أمام واشنطن ويتخذ تدابير من شأنها أن تكتب نهايته، مثل إجراء انتخابات حرة، وإما أن يواجه أزمة إنسانية لا تُحمد عقباها.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

المسألة الكوبية هي أيضاً «مسألة شخصية» بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية؛ فالرجل الذي يدير وزارة الخارجية في واشنطن، ماركو روبيو، هو من أبوين كوبيين هاجرا بعد وصول كاسترو إلى السلطة، ويعد سقوط النظام الكاستري تحقيقاً لحلم راوده منذ الطفولة. وخلال مثوله مؤخراً أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي قال إن الضغط على الجزيرة لا يستهدف إسقاط النظام، لكنه استدرك بسرعة ليقول: «إننا نتطلع إلى تغيير النظام»، كغيره من أعضاء الجالية الكوبية - الأميركية النافذة جداً، والتي تعد أحد الخزّانات الانتخابية الرئيسية للحزب الجمهوري. أما الرئيس ترمب من ناحيته، فقد توقع «أن يأتوا إلينا راغبين في التوصل إلى اتفاق... وسنكون أسخياء معهم».

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

لكن كوبا ليست فنزويلا؛ فمنذ صعود فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959 حاولت الولايات المتحدة بكل الوسائل إسقاط النظام، بما في ذلك اللجوء إلى القوة عندما قامت بذلك الإنزال العسكري الفاشل في «خليج الخنازير » عام 1962، وكادت تشعل مواجهة نووية مع موسكو، كما أن وكالة الاستخبارات الأميركية اعترفت بأنها حاولت اغتيال كاسترو عدة مرات، ومنذ تسعينيات القرن الماضي تفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تستغل الأصول الأميركية التي أممتها الثورة في كوبا.

ناقلة نفط في ميناء ماتانزاس... كوبا 17 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

القوات المسلحة الكوبية على درجة من الدربة أعلى من القوات الفنزويلية، والحزب الشيوعي الكوبي يُحكم سيطرته كاملة على جميع مفاصل البلاد، وبعكس فنزويلا، لا توجد معارضة سياسية منظمة في كوبا، ولا منظمات مدنية قوية، فضلاً عن أن غالبية المنشقين البارزين قد غادروا الجزيرة إلى بلدان المنفى، ومعهم 3 ملايين كوبي آخر منذ قيام الثورة. يضاف إلى ذلك أنه لا توجد دلسي رودريغيز (رئيسة فنزويلا بالإنابة) في هافانا... وهي إن كانت موجودة، فإن الولايات المتحدة لا تعرف من هي، ولا كيفية الاتصال بها من غير علم المخابرات الكوبية، كما يقول دبلوماسي مكسيكي في هافانا.


مقالات ذات صلة

ترمب يعيد إشعال الحرب التجارية

الاقتصاد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال المؤتمر الوطني الليبرالي لعام 2026 في مونتريال (أرشيفية- أ.ف.ب)

ترمب يعيد إشعال الحرب التجارية

تدخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحلة جديدة من الحرب التجارية، بعد فرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المائة على واردات كندية بقيمة 20 مليار دولار، بالتزامن مع

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا صورة أرشيفية لكيم يو جونغ لدى وصولها إلى كوريا الجنوبية للمشاركة في الألعاب الأولمبية الشتوية في فبراير 2018 (أ.ب) p-circle

الزعيمان الصيني والكوري الشمالي اتفقا على «فصل جديد» في العلاقات بين الدولتين

اتفق الزعيمان الصيني والكوري الشمالي على «فصل جديد» في العلاقات بين الدولتين. كيم يدعم بشكل كامل «مبدأ الصين الواحدة»... وشي يتجنب الكلام عن البرنامج النووي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا طائرات مقاتلة من طراز رافال على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية في سنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

فرنسا وألمانيا أخفقتا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس

نكسة أوروبية على طريق بناء صناعات دفاعية مشتركة بسبب إخفاق فرنسا وألمانيا في الاتفاق على تصنيع الطائرة القتالية من الجيل السادس.

ميشال أبونجم (باريس)
أفريقيا جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش» والتنظيم يهدد أكبر مشروع استثماري للغاز في أفريقيا بـ20 مليار دولار.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الاتحاد الأوروبي يرسل طائرات لمساعدة بلجيكا في مكافحة حرائق غابات​

مروحية تُلقي الماء على حريق غابات (أرشيفية - رويترز)
مروحية تُلقي الماء على حريق غابات (أرشيفية - رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يرسل طائرات لمساعدة بلجيكا في مكافحة حرائق غابات​

مروحية تُلقي الماء على حريق غابات (أرشيفية - رويترز)
مروحية تُلقي الماء على حريق غابات (أرشيفية - رويترز)

قالت حاجة لحبيب، مفوضة إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، إنَّ التَّكتُّل نشر 3 طائرات هليكوبتر وطائرتين لإطفاء الحرائق بالماء؛ لمكافحة حريق غابات مستعر في شرق بلجيكا، اليوم (السبت)، وذلك بعد أن أمرت السلطات السكان في بعض القرى بمغادرة منازلهم.

ويستمر حريق الغابات في منطقة هاي فينز، أكبر محمية طبيعية في بلجيكا، في الاشتعال منذ أمس (الجمعة). ويشارك في جهود الإطفاء أفراد إطفاء محليون وعسكريون ومزارعون. وقال متحدث باسم إدارة منطقة والوني البلجيكية لـ«رويترز» إن الحريق أتى على 1600 هكتار منذ اندلاعه وحتى بعد ظهر اليوم.

وتشير بيانات نظام المعلومات الأوروبي لحرائق الغابات إلى أنَّ هذا الحريق يصبح بذلك الأكبر في تاريخ بلجيكا، متجاوزاً حريق عام 2011 الذي التهم نحو 1400 هكتار. وطلب مكتب حاكم منطقة لييغ من سكان بعض الأجزاء في بلديتين إخلاء منازلهم بعد ظهر اليوم؛ بسبب تغيُّر اتجاه الرياح وانتشار الدخان في المنطقة. ونصحت السلطات السياح المقيمين في المنطقة بالمغادرة.

حرائق غابات​ (أرشيفية - أ.ف.ب)

وطلبت السلطات المحلية، اليوم (السبت)، من سكان قرية سوربروت الاستعداد لاحتمال إجلائهم. وقال وزير الدفاع البلجيكي تيو فرانكن، في منشور على منصة «إكس»، إنَّ السلطات تعمل حالياً على إخلاء مخيم صيفي للأطفال في المنطقة. وتواجه حالياً دول أوروبية منها بلجيكا موجة الحر الخامسة هذا الصيف. ويقول علماء إنَّ تغيُّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية يزيد من الظروف الجوية التي تسمح باندلاع حرائق، مما يسمح لحرائق الغابات بالانتشار بوتيرة أسرع والاستمرار لفترات أطول.

وينسق الاتحاد الأوروبي نشر موارد إضافية من الدول الأعضاء فيه، عندما تطلب إحدى الدول مساعدة طارئة. وقالت لحبيب في منشور على منصة «إكس» إنَّ الطائرات التي أُرسلت إلى بلجيكا اليوم كانت من التشيك والسويد وهولندا.


أوكرانيا تهاجم البنية الصناعية في سامارا الروسية ومصادر محلية تؤكد

دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

أوكرانيا تهاجم البنية الصناعية في سامارا الروسية ومصادر محلية تؤكد

دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد بعد هجوم بمسيرة أوكرانية على مستودع لشركة «وايلدبيريز» في منطقة سامارا الروسية يوم 2 أغسطس 2026 (رويترز)

قالت أوكرانيا، السبت، إن ضرباتها بعيدة المدى أصابت قاعدة جوية عسكرية روسية ومركزاً للصواريخ يدعم شبكة إنترنت عبر الأقمار الاصطناعية روسية ناشئة على غرار ستارلينك.

وأكدت مصادر روسية أن هجوماً أوكرانياً واسع النطاق استهدف البنية التحتية الصناعية في منطقة سامارا جنوب غربي روسيا، السبت. وقال إيفان نوسكوف، رئيس عاصمة المنطقة، سامارا، إن قوات الدفاع الجوي صدت هجوماً صاروخياً «ضخماً»، مع وقوع «أضرار محدودة» في المواقع الصناعية بالمدينة، مضيفاً أنه تم تقديم المساعدات الطبية للمصابين في الهجوم، لكنه لم يفصح عن أي تفاصيل أخرى.

صورة ظِلّية لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار «ستارلينك» (رويترز)

وبدورها، قالت وزارة الدفاع الروسية، السبت، إن طائراتها المسيرة وصواريخها ومدفعيتها قصفت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية مراكز لوجستية ومرافق بنية تحتية للوقود والطاقة والنقل يستخدمها الجيش الأوكراني، إلى جانب ورش لتجميع طائرات مسيرة بعيدة المدى وزوارق مسيرة. وأضافت الوزارة أن من بين الأهداف التي أصيبت منشأة لتخزين طائرات مسيرة بعيدة المدى في منطقة تشيرنيهيف الأوكرانية.

الرئيس بوتين لدى لقائه حاكم منطقة موسكو الأربعاء (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن صواريخ كروز من طراز فلامنغو أصابت منشأة الصواريخ، التي تبعد بنحو 900 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية، في إطار حملة كييف استهداف مواقع في عمق روسيا. وأضاف في منشور على «إكس»: «من المهم تقليص قدرات روسيا الحربية. هناك حاجة إلى السلام، ويجب أن يكون ذلك واضحاً في روسيا من خلال إلحاق أضرار ملموسة بمنشآت محددة». وأشار إلى أن القاعدة الجوية تضم طائرات تستخدم لمهاجمة أوكرانيا.

الدخان يتصاعد من موقع تعرّض لقصف بمسيّرات أوكرانية قرب موسكو السبت (رويترز)

وأفادت هيئة الأركان العامة الأوكرانية بتسجيل إصابات مباشرة في القاعدة الجوية بمنطقة نيجني نوفغورود الروسية وفي مركز بروغريس للصواريخ والفضاء في منطقة سامارا. وأضافت أن الضربات تسببت في حرائق بالموقعين. وقالت إن مصنع سامارا ينتج صواريخ تستخدم لإطلاق أقمار اصطناعية لشبكة «راسفيت» للنطاق العريض، التي تطورها روسيا بديلاً لخدمة ستارلينك التابعة لـ«سبيس إكس».

وتعمل ستارلينك في أوكرانيا ولا تعمل في روسيا، ومنحت الخدمة كييف ميزة كبيرة في عمليات الطائرات المسيرة والاتصالات في ساحة المعركة. ولعب مركز بروغريس دوراً رئيسياً في برامج الفضاء السوفياتية والروسية، وهو ما شمل إنتاج عائلة صواريخ سويوز.

وأقرت السلطات الروسية، الجمعة، كما نقلت عنها «رويترز»، بأن بعض مناطق البلاد تواجه نقصاً جديداً في إمدادات الوقود، مع تكثيف أوكرانيا هجماتها على مصافي النفط في روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور منشأة لمحركات الطائرات برفقة مسؤولين في سامارا بروسيا (أ.ب)

وأوقفت روسيا تشغيل مصفاة نفط رئيسية في مدينة أورسك، على بُعد نحو 1300 كيلومتر من خط الجبهة، لمدة ستة أشهر بعد أن تعرضت لهجوم هذا الأسبوع.

وقالت الحكومة الروسية في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «لا تزال الأوضاع مُقلقة في عدة مناطق من البلاد فيما يتعلق بإمدادات الوقود لمحطات تقديم الخدمة». وأضاف البيان أن شركات النفط «تتخذ الإجراءات اللازمة لزيادة الإمدادات إلى المناطق الأكثر تأثراً».

وأوضح البيان أن الحكومة عقدت اجتماعاً لمناقشة نقص الإمدادات، لافتاً إلى أن نائب رئيس الوزراء المسؤول عن قطاع الطاقة ألكسندر نوفاك، أصدر أوامر بمراقبة أسعار الوقود. وعانت الشركات والسائقون نقصاً متكرراً في إمدادات الوقود خلال الأشهر الأخيرة بسبب النزاع.

انفجار بمصفاة نفط في موسكو ضمن هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية على أطراف العاصمة يوم 18 يونيو 2026 (رويترز)

واضطرت غالبية المناطق في روسيا، في مرحلة ما، إلى تقييد مبيعات الوقود أو فرض أشكال أخرى من ترشيد الإمدادات، مثل حظر تعبئة العبوات الاحتياطية.

وتُعد منطقة كراسنودار على البحر الأسود، المعروفة بشواطئها السياحية، من بين المناطق الأكثر تضرراً. وقال حاكم المنطقة فينيامين كوندراتيف: «الوضع المتعلق بإمدادات البنزين في محطات الخدمة بات معقداً». وأضاف أن شركات النفط «عاودت فرض قيود على كميات الوقود المُوردة، وتقليص ساعات عمل محطات الخدمة». وتابع الحاكم: «هذا يثير القلق بين سكان المنطقة وزوارها»، موضحاً أنه طلب من السلطات إرسال كميات إضافية.

وتستهدف أوكرانيا منشآت الطاقة الروسية بطائرات مسيرة وصواريخ منذ عدة أشهر، سعياً لضرب مصدر حيوي للإيرادات بالنسبة للجيش الروسي.

وقال حاكم منطقة أورينبورغ إن المصفاة الرئيسية بمدينة أورسك أُغلقت، وإن أعمال الإصلاح ستستغرق عدة أشهر.


تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
TT

تسارع إعادة التسلح الألماني يُثير مخاوف أوروبية

المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)
المستشار الألماني ميرتس مع الرئيس الفرنسي ماكرون (أ.ف.ب)

أنْ تخصص مجلة «ماريان» الفرنسية غلاف عددها الأخير، الصادر يوم الخميس الماضي، للحديث عن تسلح ألمانيا، وأن تضمنه ملفاً خاصاً عنوانه «حذار... ألمانيا تُعيد التسلح»، وأن تتساءل عن تبعاته على أمن فرنسا؛ فذلك يعني صراحة أن باريس تنظر بعين الشك إلى ما يجري على الجانب الآخر من نهر الراين، وأن هناك مشكلة حقيقية بين دولتين تشكلان محرك الاتحاد الأوروبي؛ حيث كانت باريس تُمثل القوة العسكرية، بينما تمثل ألمانيا قوته الاقتصادية.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في مؤتمر صحافي في برلين يوم 29 يوليو (د.ب.أ)

ولا يتوقف القلق عند فرنسا؛ إذ إن دولتين إضافيتين تستشعران الخطر، وهما بولندا من جهة، وإيطاليا من جهة أخرى. ورغم مرور ما يزيد على 80 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية التي شهدت احتلالاً ألمانياً للدول الثلاث؛ فمن الواضح اليوم أن نزوع برلين إلى تسريع إعادة تسلحها يُثير مخاوف أوروبية، أقله في الدول الثلاث، كما أنه ينشر ظلالاً من الشك حول الخطط الأوروبية للتسلُّح الجماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه لوران نونيز وزير الداخلية خلال مؤتمر صحافي في مدينة بوردو في 27 يوليو متحدثاً عن الحرائق في جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

نقطة البداية كانت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022؛ إذ قررت حكومة المستشار السابق، أولاف شولتز، إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لإعادة تسليح الجيش الألماني وتحديثه، بهدف جعله «أول قوة مسلحة تقليدية في أوروبا».

قادة الدول الأوروبية المشاركون في «قمة الراغبين» التي عُقدت الاثنين في قصر الأنفاليد بباريس في صورة جماعية يظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وسطها (إ.ب.أ)

وقبيل بدء ولاية فريدريش ميرتس، المستشار الألماني الجديد، أقرّ البرلمان، في 18 مارس (آذار) من العام الماضي، تعديلاً دستورياً يتيح رفع سقف العجز في الميزانية، بهدف توفير التمويل اللازم للنفقات الدفاعية، وتسريع إعادة التسلح، وتحديث الجيش الألماني.

وبفضل القانون الجديد، فإن برلين تُخطط لرفع إنفاقها الدفاعي ليصل إلى 3.5 في المائة من ناتجها الداخلي الخام (مقابل 2.3 في المائة في 2025) مع حلول عام 2029. وبذلك، ستكرس ألمانيا 152 مليار يورو للدفاع، ما يُشكل أعلى ميزانية عسكرية في أوروبا.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

اختلال الميزانيات

وتُبيّن المقارنة مع ميزانية الدفاع الفرنسية فروقاً شاسعة؛ فللعام الحالي تبلغ الميزانية الدفاعية الفرنسية 57.1 مليار يورو، مقابل 108.2 مليار لألمانيا. وتظهر الأرقام تفاقم الفروق بين الدولتين الجارتين مع مرور السنوات. وفيما يخص عام 2029. ستصل الميزانية الألمانية إلى 176 مليار يورو، مقابل 72.8 مليار لفرنسا، ما يعني أن الفارق سيزيد على 100 مليار يورو.

ويمكن عزو الفروق إلى المسافة الشاسعة التي تفصل حجم الاقتصاد الألماني عن نظيره الفرنسي. وتبيّن المقارنة مع الميزانيتين الإيطالية والبولندية أن الميزانية الألمانية تتخطى الأخيرتين بنحو 20 مليار يورو، وأن الفارق بين الدول الثلاث سيصل إلى 100 مليار يورو في عام 2029.

دونالد ترمب برفقة كير ستارمر وإيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

ولخّص ميرتس هدف بلاده بالقول، بمناسبة زيارة قام بها إلى فيلنيوس في 22 مايو (أيار) الماضي، إن الغرض هو «تزويد الجيش الألماني بكل الموارد المالية التي يحتاج إليها لكي يصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا».

حتى اليوم، يحاذر المسؤولون الأوروبيون المعنيون الخوض مباشرة في هذه المسألة الحساسة، لكن ثمة استثناءات. فرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، لم يتردد، بمناسبة جلسة استماع في مجلس الشيوخ يوم 13 مايو الماضي، في إطلاق ناقوس الخطر؛ فقد قال ما حرفيته: «إن خطر التخلُّف عن الركب قائم؛ فإذا واصلت ألمانيا هذا الإيقاع، فبعد 5 سنوات لن تعود الحجة القائلة إننا نتمتع بخبرة عملياتية وبثقافة عسكرية معينة ذات قيمة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في أثناء مراسم توقيع اتفاقية خلال قمة فرنسية - إيطالية في أنتيب جنوب فرنسا يوم 25 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وبالنسبة إلى الأميركيين، أصبحت ألمانيا تدريجياً المرجعية الأوروبية، فالألمان يعتزمون إنفاق 3 أضعاف ما تنفقه فرنسا كل عام. وبعد 5 سنوات، سيكون الفارق لافتاً للغاية.

ونقلت صحيفة «لو موند» عن صامويل فور، الباحث في معهد البحوث الاستراتيجية التابع للكلية العسكرية الفرنسية قوله إن «هناك نزعة ألمانية نحو العمل بشكل منفرد، لكن هذا يُعيد إلى الأذهان ما كانت فرنسا تفعله قبل وقت ليس ببعيد». وكان الباحث يشير إلى إخفاق البرنامج الفرنسي - الألماني لتصنيع مشترك لطائرة المستقبل القتالية التي أطلق مشروعها قبل 10 سنوات.

وأبلغ ميرتس، رسمياً، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يونيو (حزيران) الماضي، بأن برلين تخلّت عن المشروع. كذلك يبدو أن مشروع تصنيع الدبابة القتالية المشتركة يعاني صعوبات. وفي الحالتين لم يتوصل الصناعيون من الجانبين من الاتفاق على توزيع المهام والمسؤوليات.

ميرتس وزيلينسكي وماكرون وستارمر (أ.ب)

قلق فرنسي

ما يقلق فرنسا هو شعورها المتزايد بأن ألمانيا تريد السير وحدها في مشروعاتها الدفاعية. فإضافة إلى طائرة المستقبل ودبابة الجيل الجديد، تخلّت برلين عن مشروع تطوير المروحية «تايغر» وعن سفينة الرقابة البحرية، كما تخلّت عن مشروع تصنيع فرقاطة مشتركة مع هولندا، فيما يبدو أنها تسعى لنشر مجموعة من الأقمار الاصطناعية المخصصة للاتصالات، ما من شأنه أن ينسف المشروع الأوروبي «إيريس».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على مدخل قصر الإليزيه في 22 يوليو (أ.ف.ب)

وما سبق دفع بول موريس، الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات الدولية والمتخصص في العلاقات الفرنسية - الألمانية، إلى القول إنه منذ اندلاع الحرب الأوكرانية سقطت نظرية «فرنسا القوة العسكرية والاستراتيجية وألمانيا القوة الاقتصادية»، وأن ألمانيا «تنفق دوماً المزيد وهي بصدد تخطي فرنسا».

هناك واقع لا ينفيه الاختصاصيون الفرنسيون المتابعون للشأن الألماني، الذين يفسرون عجلة برلين في التسلح بأمرين رئيسيين: الأول، استشعار الخطر الروسي واعتقادهم أن الرئيس بوتين قد لا يتردد في مهاجمة الجناح الشرقي للحلف الأطلسي بحلول عام 2029.

وقال لارس كلينكبيل، نائب المستشار ميرتس، بمناسبة مناقشة ميزانية عام 2026، ما حرفيته: «تعتقد الأوساط الأمنية الألمانية أن بوتين سيكون قادراً في عام 2029، على أبعد تقدير، على مهاجمة أراضي الحلف الأطلسي. وهذا لا يعني أنه سيقوم بذلك، بل يعني أنه سيكون قادراً على ذلك». وتذهب التوقعات الفرنسية في الاتجاه نفسه.

المستشار الألماني ميرتس مع زيلينسكي (إ.ب.أ)

والأمر الثاني، تخوّف ألمانيا من خسارة المظلة الأميركية - الأطلسية بسبب المواقف المتأرجحة للرئيس ترمب، واستشعارها الحاجة إلى تكوين قوى ذاتية قادرة على الدفاع عن مصالح البلاد. من هنا، تحوَّلت ألمانيا إلى أول داعم لأوكرانيا مالياً وعسكرياً، إذ تعدّ أن أوكرانيا هي خط الدفاع الأول عن أوروبا في مواجهة أي مطامع أو نيات عدوانية روسية.

ميرتس مع ترمب في البيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)

حزب «البديل»

يراقب الأوروبيون ما يجري داخل اللعبة السياسية الألمانية وتبعاتها الخارجية، واهتمامهم مُنصبّ على صعود حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، والنجاحات التي يحققها، والدور المتصاعد الذي يعتزم لعبه في المستقبل، وهم يتساءلون عما قد يقوم به في حال وصوله إلى السلطة، وبتصرفه آلة عسكرية استثنائية.

وثمة مَن يستحضر ما حصل في ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، ووصول أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة عبر الانتخابات.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في قاعة المرايا بقصر فرساي (رويترز)

ولذا، فإن إعادة التسلح الألماني تذكّر بما حصل في الفترة السابقة المشار إليها. ومن الواضح أن الدول الثلاث المتخوفة غير قادرة على منع ألمانيا من التسلح، لكن ما تريده هو أن يندرج ذلك في إطار أوروبي جماعي، علماً بأن الأوروبيين أخذوا يعون حاجتهم إلى دفاع أوروبي قوي داخل الحلف الأطلسي، وهو ما تدعو إليه واشنطن.

وإزاء المتخوفين، أخذت تُسمع أصوات فرنسية تدعو إلى عدم القلق، باعتبار أن فرنسا تمتلك أوراقاً مهمة تجعل منها القوة الرئيسية داخل الاتحاد الأوروبي، وأولاها امتلاكها القوة النووية التي توفر لها قدرة ردع مستقلة موضوعة بين يدي رئيس الجمهورية، وهو ما لا تمتلكه ألمانيا.

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «ناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة «لييلفارد» الجوية في لاتفيا 14 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

وثانية الأوراق أنها تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، ما يسمح لها بالدفاع عن مصالحها بفضل حق النقض (الفيتو). وثالثها إمكانية قواتها على الانتشار في أي مسرح قتالي بفضل حاملة الطائرات «شارل ديغول» العاملة بالدفع النووي وغواصاتها النووية.

ومن أوراق القوة أن فرنسا تمتلك خبرات قتالية متراكمة منذ عشرات السنين، وهو ليس حال ألمانيا. وباختصار، فلا سبب يدعو باريس للقلق، لكن ما يقلقها هو أن تصاعد قوة ألمانيا سيترك أثره في اتخاذ القرارات داخل الاتحاد الأوروبي لجهة تحديد الخيارات والمسارات الاستراتيجية، ما يعني أن «وزن» فرنسا سيتضاءل، فيما سيزداد موقع ألمانيا قوة. لكن ما يمكن أن يثلج صدور الفرنسيين هو أن برلين استدارت باتجاه باريس للنظر في إمكانية استفادتها من المظلة النووية الفرنسية في حال خسرت المظلة النووية الأميركية، وأن محادثات تُجرى بين الطرفين بهذا الخصوص.