بعد أشهر من التدهور في العلاقات بين باكستان وأفغانستان، قصفت إسلام آباد الجمعة كابل ومُدناً أفغانية كبرى، معلنة «الحرب المفتوحة» على سلطات «طالبان»، رداً على هجوم أفغاني عبر الحدود. وتدور مواجهات متقطعة بين البلدين اللذين بقيا مقرّبَين لفترة طويلة، منذ سيطرة «حركة طالبان» مجدداً على السلطة في كابل في أغسطس (آب) 2021. وتتهم إسلام آباد كابل بإيواء جماعات مسلحة تُنفّذ هجمات في باكستان انطلاقاً من أفغانستان، وهو ما تنفيه حكومة «طالبان». وتبنّت «حركة طالبان الباكستانية» معظم هذه الهجمات.
حرب مفتوحة
وتصاعدت المواجهات مؤخراً مع إغلاق المعابر الحدودية منذ المعارك التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول)، وأسفرت عن أكثر من 70 قتيلاً من الجانبين. وقصفت باكستان خلال الليل عدة مواقع أفغانية، من ضمنها العاصمة كابل، ومدينة قندهار، وولاية باكتيا الحدودية في شرق البلاد، في ما اعتبره وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي «رداً مناسباً» على الهجوم الأفغاني الخميس.
نیٹو کی افواج کے انخلاء کے بعد یہ توقع کی جاتی تھی کہ افغانستان میں امن ھو گا اور طالبان افغانُ عوام کے مفادات اور علاقہ میں امن پہ توجہ مرکوز کریںُ گے۔مگر طالبان نے افغانستان کو ھندوستان کی کالونی بنا دیا۔ ساری دنیا کے دھشت گردوں کا افغانستان میں اکٹھا کر لیا اور دھشت گردی کو...
— Khawaja M. Asif (@KhawajaMAsif) February 26, 2026
وكتب وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، على «إكس»: «لقد نفد صبرنا. الآن أصبحت حرباً مفتوحة بيننا وبينكم». فيما أكّد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، عبر حساب حكومته على «إكس»، أن «قواتنا لديها كل القدرة الضرورية لسحق أي طموح عدوانيّ».
وردّ الناطق باسم سلطات «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، بالقول إن حكومته ترغب في حلّ النزاع بواسطة «الحوار». وصرّح خلال مؤتمر صحافي: «شدّدنا مراراً على ضرورة أن يكون الحلّ سلمياً، وما زلنا نرغب في أن تحلّ المشكلة بواسطة الحوار»، مشيراً إلى «طائرات استطلاع باكستانية تحلّق راهناً في المجال الجوّي الأفغاني».
ويرى مايكل كوغلمان، وهو خبير جنوب آسيا، عبر «إكس»، أنه مع الضربات الليلية «يبدو أن باكستان وسّعت ضرباتها التي لم تعد تقتصر على (حركة طالبان الباكستانية) فحسب، بل باتت تستهدف أيضاً نظام (طالبان)»، مشيراً إلى «تصعيد كبير وخطير».
هجمات حدودية
أصيب عدّة مدنيين في الضربات الباكستانية على مدن أفغانية، وفق وكالة الصحافة الفرنسية، وقضت امرأة ونقل آخرون إلى المستشفى، بحسب ما أعلن الناطق باسم خدمة الرعاية الصحية في الإقليم نقيب الله رحيمي. وقال غندر خان، الأفغاني العائد من باكستان والبالغ 65 عاماً، متحدثاً لوكالة الصحافة الفرنسية أمام صفوف من الخيام: «ضُرب مكان قريب هنا. رأيت الدماء. أصيب طفلان أو ثلاثة بجروح وامرأتان أو ثلاث».
وشنّت القوات الأفغانية، الخميس، «هجمات كبيرة» عبر الحدود رداً على قصف باكستاني في نهاية الأسبوع الماضي. وكانت إسلام آباد أعلنت عندها استهداف معسكرات «إرهابية» رداً على عمليات انتحارية في باكستان أوقعت أكثر من 80 قتيلاً، بحسب مصدر أمني.
رداً على ذلك، أفاد المتحدث باسم سلطات «طالبان» ذبيح الله مجاهد بأن القوات الأفغانية هاجمت، الخميس، 15 مركزاً متقدماً للجيش الباكستاني. وأعلن مقتل 55 جندياً باكستانياً واختطاف آخرين، فيما بلغت حصيلة القتلى في أوساط القوّات الأفغانية 13 قتيلاً. وأشار مجاهد إلى اختطاف عدّة جنود «أحياء»، الأمر الذي نفاه مكتب رئيس الوزراء في إسلام آباد. وأفاد المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف من جانبه عن «أضرار فادحة» لحقت بأفغانستان، فيما اتّهم وزير الإعلام الباكستاني كابل بـ«فتح النار من طرف واحد». وقال المسؤول عن الجهاز الإعلامي في الجيش الباكستاني، الجنرال أحمد شريف شودري، للصحافيين، الجمعة، إن «274 فرداً من نظام (طالبان) وإرهابيين» تمّ القضاء عليهم، فضلاً عن 12 جندياً باكستانياً لقوا حتفهم في العمليات الأخيرة.
عروض وساطة
دعا الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون أفغانستان، مستشار وزير الخارجية الروسي زامير كابولوف، أفغانستان وباكستان، إلى إنهاء الهجمات المتبادلة في أقرب وقت وحلّ الخلافات دبلوماسياً. وقال كابولوف لوكالة «سبوتنيك» الروسية: «ندعم وقف الهجمات المتبادلة في أسرع وقت، والتوصل إلى حلّ دبلوماسي للخلافات». كما أكد أن روسيا ستدرس تقديم خدمات الوساطة إذا طلب الطرفان الباكستاني والأفغاني ذلك.
من جهتها، دعت الصين إلى الحوار في أعقاب التصعيد العسكري بين باكستان وأفغانستان. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في بكين، الجمعة: «بصفتها جارة وصديقة، تشعر الصين بقلق بالغ إزاء تصاعد الصراع، وتشعر بحزن عميق جراء ما تسبب به من سقوط قتلى وإصابات»، مشيرة إلى ازدياد حدة الاشتباكات عبر الحدود. وأضافت ماو أنه يتعين حلّ النزاعات من خلال الحوار، داعيةً إلى تنفيذ وقف إطلاق النار في أسرع وقت ممكن. وقالت المتحدثة إن بكين لطالما توسطت بين الجانبين من خلال قنواتها الخاصة، وهي مستعدة للاضطلاع بـ«دور بنّاء» من أجل خفض التصعيد، مضيفةً أن الصين تراقب الوضع عن كثب.

وتوصل البلدان إلى هدنة في 19 أكتوبر بوساطة قطرية وتركية، لكنّها لم تصمد طويلاً إذ أعلنت باكستان سقوطها بعد 9 أيام، متهمة أفغانستان بتدبير اعتداءات نفّذتها «حركة طالبان الباكستانية». وفشلت جولات تفاوض جرت منذ ذلك الحين في تحقيق وقف دائم لإطلاق النار. وإلى جانب بكين وموسكو، دعت دول حول العالم كابل وإسلام آباد إلى خفض التصعيد. كما جرت مكالمة هاتفية بين وزيري الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والباكستاني إسحاق دار لبحث سبل خفض التوتر في المنطقة، وفق بيان صدر الجمعة عن وزارة الخارجية السعودية.
لماذا اشتعل الخلاف؟
كانت باكستان أقرب حليف لحركة «طالبان» في أفغانستان على مدى عقود، وساهمت إسلام آباد في تأسيس الحركة في أوائل التسعينات، في محاولة لمنح باكستان «عمقاً استراتيجياً» في منافستها مع الهند. فكيف تحوّلت هذه الشراكة القديمة إلى عداء عنيف؟
رحّبت باكستان بعودة «طالبان» إلى السلطة في عام 2021، وقال رئيس الوزراء آنذاك عمران خان إن الأفغان «حطموا أغلال العبودية». لكن إسلام آباد سرعان ما اكتشفت أن «طالبان» ليست متعاونة بقدر ما كانت تأمل. وتقول إسلام آباد إن قيادة «حركة طالبان الباكستانية» المسلحة، وكثيراً من مقاتليها، يتمركزون بأفغانستان، وإن المتمردين الساعين إلى استقلال إقليم بلوشستان، جنوب غربي باكستان، يستخدمون جارتها أيضاً كملاذ آمن، وفق «رويترز».

وذكر «مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة»، وهو منظمة مراقبة عالمية، أن وتيرة أعمال العنف زادت سنوياً منذ 2022، مع تزايد هجمات «حركة طالبان الباكستانية» والمتمردين البلوش. من جانبها، تنفي أفغانستان السماح للمسلحين باستخدام أراضيها لشنّ هجمات داخل باكستان. وتقول «طالبان» الأفغانية إن باكستان تؤوي مقاتلين ينتمون لعدوها تنظيم «داعش»، وهو اتهام تنفيه إسلام آباد. وتشير باكستان إلى أن وقف إطلاق النار لم يصمد طويلاً بسبب استمرار الهجمات المسلحة داخل أراضيها انطلاقاً من أفغانستان، وأدّى تكرار الاشتباكات وإغلاق الحدود منذ ذلك الحين إلى تعطيل التجارة وحركة التنقل على الحدود الوعرة.
وقبل يوم من هجمات هذا الأسبوع، قالت مصادر أمنية باكستانية إن لديها «أدلة دامغة» على أن مسلحين في أفغانستان يقفون وراء موجة الهجمات والتفجيرات الانتحارية الأحدث التي استهدفت الجيش والشرطة الباكستانية. وعدّدت المصادر 7 هجمات خطّط لها مسلحون، أو نفّذوها بنجاح منذ أواخر عام 2024، وقالوا إنها مرتبطة بأفغانستان. ووفقاً لمصادر أمنية باكستانية، فإن هجوماً وقع الأسبوع الماضي وأسفر عن مقتل 11 من أفراد الأمن ومدنيين اثنين في منطقة باجور نفّذه مواطن أفغاني. وأعلنت «حركة طالبان الباكستانية» مسؤوليتها عن هذا الهجوم.

