أحد الدروس المستفادة من قصة ديمبيلي يتمثل في أن الطريق إلى العظمة والنجومية ليس دائماً مستقيماً ومباشراً ما الذي يجعل اللاعب الجيد عظيماً، ويساعد اللاعب العظيم على الوصول إلى مستويات أفضل؟ هذا السؤال يشغلني منذ عام 2014، عندما طلبت مني صحيفة «الغارديان» لأول مرة المساهمة في أول عدد لها عن «الجيل القادم» من اللاعبين المميزين. كانت مهمتي البحث عن موهبة فرنسية من مواليد عام 1997، قادرة على بناء مسيرة كروية مبهرة. وبعد بحثٍ مُطوّل، حصرتُ القائمة المختصرة في خمسة لاعبين فقط، من خلال طرح أسئلة لا تتعلق بقدراتهم الكروية، بل بصفات أخرى مثل المثابرة، والقدرة على التكيف، واتخاذ القرارات، والإبداع، وأخلاقيات العمل، والاستجابة للملاحظات والتعليمات، والرغبة في التعلم. فهذه صفات لا نراها، ومن الصعب قياسها.
وبناءً على تلك الإجابات، برز لاعب واحد فوق الجميع: لاعب صغير يُدعى عثمان ديمبيلي، كان حينها لاعباً شاباً لم يشارك بعد مع الفريق الأول في رين. وبعد أحد عشر عاماً من ظهوره في هذه الصفحات ضمن مقال «الجيل القادم» باعتباره لاعباً واعداً، تم اختيار ديمبيلي «أفضل لاعب في العالم». تجلّت تلك الصفات، التي يصعب قياسها، بوضوح في الليلة التي حقق فيها ديمبيلي ما كان متوقعاً منه لسنوات. لم تكن الصورة الأبرز في فوز باريس سان جيرمان بخماسية نظيفة على إنتر ميلان في نهائي دوري أبطال أوروبا 2025 هي رفع الكأس، أو أي احتفال بالأهداف، لكن الصورة الأبرز حقاً كانت تتمثل في ديمبيلي وهو يتأهب على حافة منطقة جزاء الخصم بكل قوة وشراسة، وملامح وجهه تعكس تركيزاً شديداً، ومستعداً للضغط بكل قوة على لاعبي الفريق المنافس. فكيف وصل إلى هذه المرحلة؟
أحد الدروس المستفادة من قصة ديمبيلي يتمثل في أن الطريق إلى العظمة والنجومية ليس دائماً مستقيماً ومباشراً. لقد بدأ ديمبيلي مسيرته بقوة، وفاز بجائزة أفضل لاعب شاب في فرنسا في موسمه الأول بصفته لاعباً محترفاً. وفي الموسم التالي، ساهم في فوز بوروسيا دورتموند بكأس ألمانيا. في ذلك الوقت تقريباً، وأثناء بحثي لكتابي الذي يحمل عنوان «الحافة»، تحدثتُ إلى توماس توخيل، مديره الفني في بوروسيا دورتموند، الذي أخبرني بأن موهبة ديمبيلي تأتي مصحوبة بالتزام شديد ومسؤولية للتحسن والتطور. كان توخيل يصنف لاعبيه إلى ثلاث فئات «أ، ب، ج»، بناءً على دوافعهم الرئيسية، ويُغير أسلوب تعامله معهم وإدارته لهم وفقاً لذلك.

كانت الفئة «أ» تعني «الدافع العدواني»، وتشير إلى اللاعبين الذين يحفزهم المجد الفردي والجوائز (في نظر توخيل، لم يكن هذا بالضرورة أمراً سلبياً: خير مثال على ذلك نيمار في باريس سان جيرمان). أما الفئة «ب» فتعني «الدافع الاجتماعي»، وهم اللاعبون الذين يحبون أن يكونوا جزءاً من المجموعة ويجمعون الناس معاً (غالباً ما يكونون قادة، مثل سيزار أزبيليكويتا في تشيلسي). في حين تعني الفئة «ج» «الدافع الفضولي»، وهم اللاعبون الذين يملكون مقومات العظمة، والذين يحتاجون إلى تدريب مختلف قليلاً، ويمتلكون موهبة كفيلة بأن تأخذهم بعيداً؛ وعندما يكونون في أفضل حالاتهم يمكنهم القيام بكل شيء داخل الملعب. لقد أحب توخيل تدريب هؤلاء اللاعبين، وشعر بأن ديمبيلي ينتمي إلى هذه الفئة الثالثة.
لكن الرحلة لم تكن دائماً سلسة. ففي عام 2017، انتقل ديمبيلي إلى برشلونة، الذي كان يملك أموالاً طائلة من بيع نيمار إلى باريس سان جيرمان مقابل 222 مليون يورو (194 مليون جنيه إسترليني). وكانت تلك لحظة حاسمة، ففي الصيف نفسه غيّر برشلونة مديره الفني، حيث جاء إرنستو فالفيردي، ورحل لويس إنريكي. وخلال ست سنوات مليئة بالإصابات في برشلونة، شارك ديمبيلي أساسياً في ثلث مباريات الدوري فقط. وسجل 24 هدفاً في الدوري. وربما كانت أبرز لحظاته مع برشلونة تتمثل في إضاعته فرصة محققة من انفراد تام بالمرمى في الدقيقة الأخيرة من مباراة نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2019 ضد ليفربول، عندما كان برشلونة متقدماً بالفعل بثلاثية نظيفة (هل تتذكرون ما حدث بعد ذلك؟ خسر برشلونة مباراة الإياب بأربعة أهداف دون رد). وعندما رحل ديمبيلي، كان هناك شعور بالارتياح وسط الجميع.
ومن المفارقة أنه من بين الأهداف التي سجلها ديمبيلي في عام 2025، كان الهدف الأكثر حسماً ورمزية على الأرجح في مرمى ليفربول في مباراة الإياب من دور الستة عشر لدوري أبطال أوروبا. فبينما كان باريس سان جيرمان متأخراً بهدف دون رد في مباراة الذهاب، عاد ديمبيلي إلى نصف ملعب فريقه لكي يتخلص من رقابة المدافعين وتسلم الكرة ومررها بشكل عرضي إلى الجناح الأيمن برادلي باركولا، ثم انطلق داخل منطقة الجزاء وتسلم كرة عرضية ليضعها في المرمى. كما سجل ركلة ترجيح ليقود فريقه لتحقيق الفوز بعدما انتهت المباراة التي أقيمت على ملعب آنفيلد بفوز باريس سان جيرمان بهدف دون رد. قدّم ديمبيلي أداءً مشابهاً أمام آرسنال في الدور نصف النهائي، حيث تراجع إلى الخلف في بداية المباراة، ومرر الكرة إلى خفيتشا كفاراتسخيليا على الجانب الأيسر، ثم تسلم الكرة المرتدة دون رقابة على حافة منطقة الجزاء، قبل أن يسجل هدفاً. وحتى عندما توقعت الفرق الأخرى ذلك، لم تتمكن من إيقافه.
وفي بداية الموسم الماضي، كانت خطة لويس إنريكي أن يعوّض الفريق بأكمله الأهداف التي كان يحرزها كيليان مبابي، الذي انضم إلى ريال مدريد. لم يكن ديمبيلي قد سجل أكثر من 10 أهداف في الدوري في أي موسم منذ موسمه الأول مع رين. وأراد لويس إنريكي أن يكون الفريق هو النجم الأول بعيداً عن الفردية. وقد أدى هذا إلى إطلاق العنان لديمبيلي، ليتحول ذلك اللاعب الموهوب، الذي كان يُسجل ركلات الجزاء بكلتا قدميه، بل ويُنفذ الركلات الركنية بكلتا قدميه، إلى النجم الأول للفريق. وأصبح ديمبيلي، الذي يبدأ الضغط الهجومي ويتحكم في رتم ووتيرة المباريات بفضل رؤيته الثاقبة وتحركاته المدروسة وسرعته الفائقة وتحكمه المذهل بالكرة وتمركزه الرائع، هو من يحدد مسار المباريات؛ كما أصبح حاسماً وفعالاً أمام المرمى بعد أن كان يهدر الكثير من الفرص السهلة.
ما زلتُ أجهل تماماً ما الذي يجعل اللاعب الجيد عظيماً، لكنني أقترب من معرفة الإجابة. فجزءٌ من المعادلة يتمثل فيما لا يمكننا رؤيته: الانسجام داخل صفوف الفريق، والعلاقة مع مدير فني بعينه، واللعب ضمن طريقة لعب تساهم في إخراج أفضل ما في كل لاعب. لكن الأمر يتعلق أيضاً بتلك الصفات الأخرى التي كان يتمتع بها ديمبيلي وهو في سن السابعة عشرة، والتي لا يزال يتمتع بها حتى الآن. فهذه الجائزة المستحقة (حصوله على جائزة أفضل لاعب في العالم) هي تقديرٌ لتلك الصفات بقدر ما هي تقديرٌ لأهدافه والألقاب التي ساعد باريس سان جيرمان على الفوز بها.
*خدمة الغارديان
