آية البكري: أريد أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به

الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» في حوار مع «الشرق الأوسط»

آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
TT

آية البكري: أريد أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به

آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)

احتفت مؤسسة «بينالي الدرعية» بإطلاق الدورة الجديدة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الرياض الشهر الماضي، وهو ما يمكن اعتباره محطة مهمة للمؤسسة، فهو خامس نسخة من البينالي بنسختيه للفن المعاصر والفن الإسلامي، والتي سجّلت دوراته السابقة نجاحاً قوياً رسّخ أقدامه في المشهد الفني المحلي والعالمي.

ولا يتحدث المسؤولون عن البينالي كثيراً عن إنجازاتهم، ويتركون الحكم للزوّار والجمهور الذي سجل أرقاماً قياسية، سواء في «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الرياض أو «بينالي الفنون الإسلامية» بجدة.

وسنحت لنا فرصة الحديث مع الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية»، آية البكري، على هامش افتتاح «بينالي الفن المعاصر»؛ حيث أجرت معها «الشرق الأوسط» حواراً تناول الإنجازات والتحديات والطموحات المستقبلية.

جانب من الدورة الحالية لـ«بينالي الدرعية للفن المعاصر» (تصوير: تركي العقيلي)

البداية

بدأ حديثي مع آية البكري بالعودة إلى عام 2020، حين أُطلقت الدورة الأولى من البينالي في وقت كان فيه وباء «كوفيد-19» يجتاح العالم ويتسبب في توقف معظم الأنشطة. وتقول: «قبل الجائحة كنا نعمل على فكرة إقامة بينالي للفن المعاصر، وبدأنا نقاشاتنا مع القيّم الفني فيليب تيناري، الذي كان يقيم في الصين آنذاك. وبينما كنا نبلور الفكرة ومحاور البينالي، اجتاح الوباء العالم فتوقفت الحياة، لكن ذلك منحنا وقتاً إضافياً للتحضير».

وتوضح أن العمل استمر رغم القيود، وانتقل إلى الفضاء الافتراضي؛ حيث أُجريت زيارات الاستوديوهات واللقاءات مع الفنانين عبر تطبيق «زووم». ولم تمنع الجائحة المناقشات المستمرة والخطط التي كانت تُرسم وقتها، بل امتدت للتخطيط لـ«بينالي الفن الإسلامي»، واختيار صالة الحجاج الغربية مقراً له «أثناء المناقشات لـ(بينالي للفنون الإسلامية) بدت مدينة جدة هي المكان المناسب، وكذلك أعدنا تهيئة صالة الحجاج الغربية بما لها من مكانة خاصة لاحتضان دوراته. ونجحنا في تحقيق ذلك الحلم تحت قيادة وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وراكان الطوق مساعد وزير الثقافة، ونائبه حامد فايز».

حي جاكس في الدرعية من المستودعات إلى حي الإبداع (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

حي جاكس... حيث ينمو الإبداع

عند الحديث عن المؤسسة و«بينالي الفن المعاصر»، يتجه الاهتمام إلى حي جاكس الإبداعي؛ إذ لم يعد مجرد مقرّ لفعاليات البينالي، بل تحوّل من مستودعات صناعية إلى منطقة ثقافية نابضة بالإبداع والحياة. تضيف آية البكري: «إن التفكير في إطلاق البينالي كان سبباً في ظهور حي جاكس الثقافي»، مشيرةً إلى أن النمو في المنطقة كان سريعاً ومتواصلاً، إذ يضم اليوم عدداً من استوديوهات الفنانين المعروفين، إلى جانب صالات عرض للفنانين الناشئين. وتضيف: «لدينا أيضاً فنانون شباب لا يزالون في طور استكشاف هوياتهم الفنية، ومن مشروعاتنا المستقبلية تخصيص مساحة للإقامات الفنية هنا».

وإلى جانب ذلك، انضمت إلى جاكس شركات مختلفة مثل «آتريوم» المخصصة لفكرة الاقتناء؛ حيث تباع الأعمال الفنية وهي مغلفة ليكتشف المشتري لاحقاً ما هو العمل الذي اقتناه.

بشكل ما تتناغم المواقع المختلفة التي تعمل في حي جاكس مع المفهوم الأساسي الذي تعمل المؤسسة على دعمه. وتعلق آية البكري قائلة: «بالنسبة لنا، الفن والابتكار والثقافة هي مفاهيم أساسية».

حي جاكس في الدرعية من المستودعات إلى حي الإبداع (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

لمكان مثل حي جاكس يبقى إقبال الجمهور هو المعيار الأهم لنجاحه، فكيف كانت ردود الفعل؟

تجيب البكري: «كانت ردود الفعل مذهلة، وهناك إقبال كبير على الحضور والعمل في الحي. نحرص على الحفاظ على هويته الإبداعية، ليس في مجال الفن فقط، بل في التصميم والموسيقى والسينما أيضاً». وتُشير إلى أن هيئة الأفلام أعلنت افتتاح «استوديوهات جاكس» للأفلام، كما افتتحت شركة «سناب شات» مقراً لها في الحي، إلى جانب وجود مكاتب لشركة «ميدل بيست».

وتوضح آية البكري أن إدارة حي جاكس تقوم على مبدأ النقاش والتعاون، قائلة: «لا نرغب في إدارة كل صغيرة وكبيرة أو التدقيق في التفاصيل، بل نسعى لأن نكون جزءاً من فريق يعمل مع الفنانين والمصممين وغيرهم، وأن نتيح للمشروعات التي اختارت الوجود في الحي أن تنمو تدريجياً». وتضرب مثالاً بشركة تقدّمت للحصول على موقع داخل الحي، فكان سؤال الإدارة لها: ماذا ستضيفون إلى جاكس؟ فافتتحت الشركة مقهى باسم «Off Brief»، تحوّل إلى نقطة جذب للعاملين والزوار، حيث يرتادونه لاحتساء القهوة والعمل في أجواء مريحة. كما ينظم المقهى ماراثوناً أسبوعياً كل يوم سبت، ينطلق المشاركون فيه من الحي باتجاه وادي حنيفة المجاور.

وتضيف: «نريد أن تكون الرياضة والممارسات الصحية جزءاً من هوية جاكس، ونحن سعداء بالشركات التي تتبنى هذا التوجه، لأنه يعكس ما نطمح إليه للحي».

المهرجان السعودي للتصميم في جي جاكس الدرعية (وزارة الثقافة)

خطط المستقبل

وعن خطط وأحلام مستقبل حي جاكس المتوسع، تقول آية البكري: «نريد أن يصبح المكان مساحة فنية متعددة الممارسات، ملهمة للزوار ويستمد منها الزوار أفكاراً خلاقة. أن يجد الزائر هنا ما يشغله، سواء بزيارة معرض، أو الاستماع للموسيقى، أو التوجه إلى مقهى، أو العمل في مساحة مناسبة، أو لقاء أشخاص رائعين، أو حتى تناول طعام شهي». ويشير الحديث إلى الطعام بوصفه أحدث مبادرات المؤسسة: «أطلقنا مشروعاً بعنوان (نكهات جاكس) لجذب المطاعم والطهاة الناشئين لتجربة وصفات مبتكرة كما يشاؤون». وتضيف آية البكري: «قدمت فتاتان فكرة إقامة مقهى للماتشا، ووافقنا، وتم افتتاح المقهى حيث تُعد الفتاتان القهوة وتقدمانها، وحقق المشروع نجاحاً مذهلاً».

حي جاكس في الدرعية (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

«المدار» وأرشفة الفن الإسلامي

نعود للبينالي، فعند سؤالها عن إنجازات البينالي بعد دورتين للفنون الإسلامية وثلاث للفن المعاصر، تقول آية البكري: «مع كل دورة نشعر بأننا حققنا الكثير». وتشير إلى نمو أقسام «بينالي الفنون الإسلامية»، مثل «المدار» و«المقتني» و«جائزة المصلى»، مؤكدة أن هذه الأقسام ستستمر في نشاطها طوال العام. وتضرب مثالاً بقسم «المدار» الذي يتعاون مع متاحف مختلفة في جهود الترميم، لافتة إلى أن التعاون سيستمر خارج أوقات البينالي، وسيعود «المدار» بمعرض خاص خلال انعقاد الدورة المقبلة.

7 أعمدة أثرية من الحرم المكي تعرض في «بينالي الفنون الإسلامية» بجدة (الشرق الأوسط)

وعن المشروعات القائمة، تشير إلى إنشاء موقع إلكتروني لـ«المدار» لأرشفة القطع التي عرضت في الدورات السابقة، وهو ما سيكون مرجعاً مهماً للمؤسسات الفنية. ومن الأمثلة تتحدث عن عمود الكعبة الذي وضعه عبد الله بن الزبير في عام 65 هجرية بعد عملية إعادة بناء الكعبة المشرفة، وعرض في الدورة الأولى لـ«بينالي الفنون الإسلامية»: «لم يكن هناك الكثير من الأبحاث حوله، وقام فريق البينالي بالبحث والمراجعة، وسيتوفر كل ذلك في الأرشيف الذي يعد حالياً».

الأبحاث التي يعتمد عليها «بينالي الفنون الإسلامية» ستصبح مرجعاً للباحثين حول العالم، وهو ما يعني التعاون المشترك وتبادل المعرفة، «سيتعلمون من الأرشيف والأبحاث التي قام بها الباحثون والخبراء لدينا كما نتعلم منهم... أعتقد أنها لحظة فارقة ستغير العلاقة بيننا وبين العالم، وستبرز قصصنا وتاريخنا بشكل كبير، لهذا أشعر بالفخر أننا جزء من هذا التحول، وننتظر بفارغ الصبر إطلاق موقع (Al Madar Digital)، الذي سيكون علامة بارزة في إنجازات المؤسسة».

وفي ختام لقائي مع آية البكري سألتها عن طموحاتها الشخصية، فأجابت: «أنا متحمسة لرؤية التطور والازدهار في بلدنا، وأن نكون جزءاً من تاريخ المملكة العربية السعودية الفني والثقافي. ممتنة للقيادة، وللأمير بدر ومستشاريه، ولكل ما يحدث من تطور. طموحي كبير، وأرغب في العمل أكثر مع الطلاب والجامعات، لضمان أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به».


مقالات ذات صلة

هبة مجدي: «المدّاح» محطة مهمة بمشواري الفني

يوميات الشرق هبة مجدي شاركت في «المداح» و«نون النسوة» (صفحتها على «فيسبوك»)

هبة مجدي: «المدّاح» محطة مهمة بمشواري الفني

قالت الممثلة المصرية، هبة مجدي، إن حماسها للجزء السادس من مسلسل «المداح» كان كبيراً منذ البداية، موضحة أن هذا الموسم يحمل اختلافاً واضحاً عن الأجزاء السابقة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)

روجينا: الدراما يمكن أن تكون صوتاً للمرأة المظلومة

أدَّت الفنانة المصرية روجينا في المسلسل الرمضاني «حد أقصى» شخصية «صباح»، وهي امرأة تتعرَّض للغدر والخيانة وتلاحقها اتهامات باطلة...

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد أمين انجذب لشخصية «النص» (صفحته على فيسبوك)

أحمد أمين: لا أهتم بالحسابات التجارية لتقديم أجزاء درامية جديدة

تحدث الفنان المصري أحمد أمين عن أسباب تقديمه الجزء الثاني من مسلسل «النص»، خلال موسم دراما رمضان الحالي، بدلاً من تقديم «الصفارة 2».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حنان مطاوع تشارك بمسلسلين في الموسم الرمضاني (صفحتها في فيسبوك)

حنان مطاوع: «المصيدة» مغامرة محسوبة و«الترند» ليس مقياساً للنجاح

تتوقّف حنان مطاوع عند شخصية «زمزم»، مؤكدة أنها ستلفت الانتباه بشكل أكبر في النصف الثاني من أحداث المسلسل المكوَّن من 30 حلقة...

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنانة ناهد السباعي في مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

ناهد السباعي: مسلسل «المتر سمير» يحقق شروط الدفء الرمضاني

قالت الفنانة المصرية، ناهد السباعي، إن مشاركتها في بطولة مسلسل «المتر سمير» الذي يعرض ضمن الماراثون الرمضاني جاءت في توقيت كانت تتمنى فيه خوض تجربة كوميدية.

أحمد عدلي (القاهرة )

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended